فهرس الكتاب

الصفحة 1197 من 2431

وذلك في قوله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا} [الأحزاب:9] .

يقول تعالى ذكره: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} التي أنعمها على جماعتكم، وذلك حين حوصر المسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أيام الخندق {إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ} : جنود الأحزاب: قريش، وغطفان، ويهود بني النضير، {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا} وهي فيما ذكر: ريح الصبا أرسلت على الأحزاب يوم الخندق، حتى كفأت قدورهم على أفواهها؛ فضرب الله وجوه أعدائه بالريح، فهزمهم الله بالريح 95.

ثم أرسل الله عز وجل على الأحزاب ريحا شديدة الهبوب قوية حتى لم يبق لهم خيمة ولا شيء، ولا توقد لهم نار ولا يقر لهم قرار، حتى ارتحلوا خائبين خاسرين 96.

والريح المذكورة هنا: هي ريح الصّبا، وكانت باردة وقلعت الأوتاد والأطناب، وسفت التراب في عيونهم، وماجت الخيل بعضها في بعض وهلك كثير من خيلهم وإبلهم وشائهم 97.

وبسبب تلك الريح وتلك الجنود ردّهم الله عز وجل بغيظهم وكفى الله عز وجل المؤمنين القتال 98.

ولذا جاء عن ابن عباس: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور) 99.

فالمسلمون إذا استمسكوا بالدين غلبوا الأعداء، وهذا الذي ذكر الله يوم الخندق شيئًا ما كان في حسبانهم، وما كانوا يظنونه، فهو أمر إلهي من الله ... فالحاصل: أن القرآن لا يأمر بالتكاسل والتواكل، بل إنما يأمر بالقوة والاستعداد لكل هجوم، والمتمسك به أيضًا لو بوغت قبل أن يستعد، أو في حالة ضعف فإن الله يقوّيه وينصره على عدوه بالطرق التي يعلمها هو وحده، وإن لم تكن في حسبان المسلمين، كما نصر أهل الأحزاب بالريح وبجنود لم يروها، نصرهم بالريح، كلما نصبوا -أي: جنود الكفر- خباءً في البر نسفته الريح، وكلما وضعوا قدرًا ليطبخوا فيه نسفته الريح، فبقوا مثلًا لا قرار لهم، لا كنّ يكنهم، ولا طعام يأكلونه، فاضطروا للفرار، حتى قال رئيسهم أبو سفيان بن حرب: ارتحلوا وأنا أول مرتحل 100.

ثانيًا: الرياح عذاب للكافرين:

جاءت الريح في القرآن الكريم تحمل معنى العذاب الذي عذّب الله عز وجل به الكافرين، وذلك كما في قوله عز وجل: {فَلَمَّا رَأَوْهُ عَارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (24) } [الأحقاف:24] .

وهذا الحديث في شأن قوم عاد {وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ} يعني هودًا، {إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ} جمع حقف، وهو الرمل المستطيل المرتفع، كذبوا نبيهم؛ فلما جاءهم عذاب الله الذي استعجلوه، فرأوه عارضًا في ناحية من نواحي السماء، متجها نحو مزارعهم {قَالُوا هَذَا عَارِضٌ} أي: سحاب {عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} أي: بغيث نحيا به، {بَلْ هُوَ} أي: قال هود: بل هو {مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ} أي: من العذاب {رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} 101.

والريح التي عذّبوا بها؛ نشأت من ذلك السحاب الذي رأوه، وخرج هود من بين أظهرهم ... قال ابن عباس: أول ما رأوا العارض قاموا فمدوا أيديهم، فأول ما عرفوا أنه عذاب رأوا ما كان خارجا من ديارهم من الرجال والمواشي تطير بهم الريح ما بين السماء والأرض مثل الريش، فدخلوا بيوتهم وأغلقوا أبوابهم، فقلعت الريح الأبواب وصرعتهم، وأمر الله الريح فأمالت عليهم الرمال، فكانوا تحت الرمال سبع ليال وثمانية أيام حسوما، ولهم أنين، ثم أمر الله الريح فكشف عنهم الرمال واحتملتهم فرمتهم في البحر، فهي التي قال الله تعالى فيها: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا} أي: كل شيء مرت عليه من رجال عاد وأموالها 102.

وقوله عز وجل: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (16) } [فصلت:16] .

{فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا} قال بعضهم: وهي الشديدة الهبوب، وقيل: الباردة، وقيل: هي التي لها صوت، والحق أنها متصفة بجميع ذلك، فإنها كانت ريحا شديدة قوية؛ لتكون عقوبتهم من جنس ما اغتروا به من قواهم، وكانت باردة شديدة البرد جدا، ابتدءوا العذاب في يوم نحس عليهم واستمر بهم هذا النحس سبع ليال وثمانية أيام حسوما حتى أبادهم عن آخرهم، واتصل بهم خزي الدنيا بعذاب الآخرة 103.

إنها العاصفة الهوجاء المجتاحة الباردة في أيام نحس عليهم، وإنه الخزي في الحياة الدنيا، الخزي اللائق بالمستكبرين المتباهين المختالين على العباد 104.

وقوله عز وجل: {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (41) } [الذاريات:41] .

أي: {وَفِي عَادٍ} القبيلة المعروفة آية عظيمة، {إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} أي: التي لا خير فيها، حين كذبوا نبيهم هودا عليه السلام 105.

ووصفت بالعقم؛ لأنها أهلكتهم، وقطعت دابرهم، أو لأنّها لم تتضمن خيرًا ما، من إنشاء مطرٍ أو إلقاح شجرٍ 106.

وقوله عز وجل: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (6) } [الحاقة:6] .

{فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} أي: باردة، قال قتادة والسدي والربيع بن أنس والثوري: عاتية أي: شديدة الهبوب، وقال قتادة: عتت عليهم حتى نقبت عن أفئدتهم، وقال الضحاك: صرصر باردة عاتية عتت عليهم بغير رحمة ولا بركة، وقال علي وغيره: عتت على الخزنة فخرجت بغير حساب.

فسخرها عليهم، أي: سلطها عليهم سبع ليال وثمانية أيام حسوما أي: كوامل متتابعات مشائيم 107.

وروي عن علي بن أبي طالب وابن عباس أنهما قالا: إنه لم ينزل من السماء قطرة ماء إلا بمكيال على يد ملك ولا هبت ريح إلا كذلك إلا ما كان من طوفان نوح وريح عاد، فإن الله أذن لهما في الخروج دون إذن الخزان 108.

والريح في القرآن الكريم ما ذكرت أنها جاءت كعذاب أليم شديد متتابع إلا على قوم عاد، وذلك -والله أعلم- لأن الله عز وجل ذكر صفتهم في القرآن بأجمع وصف فقال عز وجل: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ (6) إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ (7) الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ (8) } [الفجر:6 - 8] .

يعني: مثل عاد، والهاء عائدة على عاد، وجائز أن تكون عائدة على إرم، وهي: بلدة كانت عاد تسكنها، وإنما عني بقوله: {لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا} في العظم والبطش والأيد، وبنحو ذا قال أهل التأويل 109.

فلم يصنع مثلها في البلاد؛ لأنها قوية ومحكمة، وهذا هو الذي غرهم وقالوا: من أشد منا قوة؟ 110.

فكانوا من أشد الناس كفرًا، وأقواهم جحودًا، فأهلكهم الله عز وجل ليعتبر بذلك ويتعظ من كان دونهم.

فاستكبروا، أي: بغوا وعتوا وعصوا، {وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً} أي: منوا بشدة تركيبهم وقواهم واعتقدوا أنهم يمتنعون بها من بأس الله، {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً} أي: أفما يتفكرون فيمن يبارزون بالعداوة فإنه العظيم الذي خلق الأشياء وركب فيها قواها الحاملة لها وإن بطشه شديد؛ فبارزوا الجبار بالعداوة وجحدوا بآياته وعصوا رسوله 111.

و أخبر الله تعالى عن عبده ورسوله هود عليه السلام، أنه دعا قومه عادًا، وكان قومه يسكنون الأحقاف، وهي جبال الرمل قريبًا من حضرموت، من جهة بلاد اليمن، وكان زمانهم بعد قوم نوح، كما قال عز وجل: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) } [الأعراف:69] .

وذلك أنهم كانوا في غاية من قوة التركيب والقوة والبطش الشديد، والطول المديد، والأرزاق الدارة، والأموال والجنات والأنهار، والأبناء والزروع والثمار، وكانوا مع ذلك يعبدون غير الله معه، فبعث الله هودا عليه السلام إليهم، رجلا منهم رسولا وبشيرا ونذيرا، فدعاهم إلى الله وحده، وحذرهم نقمته وعذابه في مخالفته وبطشه ... استمروا على تكذيب نبي الله هود ومخالفته وعناده، فأهلكهم الله وقد بين سبب إهلاكه إياهم في غير موضع من القرآن 112.

ويكفي في وصفها قوله عز وجل: {تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (25) } [الأحقاف:25] .

ولما كانوا مكذبين لرسولهم، صاروا بذلك مكذبين لجميع الرسل؛ واستحقوا هذا النوع من العذاب الأليم.

ضرب الله عز وجل أمثالا كثيرة في القرآن الكريم، بآيات كثيرة ومخلوقات عظيمة، تختلف بحسب سياقها في القرآن الكريم.

والمثل: والمثل عبارة عن قولٍ في شيء يشبه قولًا في شيء آخر بينهما مشابهة، ليبيّن أحدهما الآخر ويصوّره، وعلى هذا الوجه ما ضرب الله تعالى من الأمثال، فقال: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الحشر:21] 113.

وإذا نظرنا وجدنا أن القصد من ضرب الأمثال هي العظة والعبرة، واعتبار الإنسان بما يعرف ويشاهد أبلغ في العظة والخوف 114.

وقد جاءت الريح في أمثال القرآن الكريم، كما سنجمله في النقاط الآتية:

أولا: الرياح:

وذلك كما ورد في قوله عز وجل: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} [الكهف:45] .

أي: فالتفّ بسببه وتكاثف، حتى خالط بعضه بعضًا، فشبّ وحسن وعلاه الزهر والنور والنضرة {فَأَصْبَحَ} أي: بعد ذلك الزّهو {هَشِيمًا} أي: جافّا يابسا مكسورا {تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} أي: تفرقه وتنسفه ذات اليمين وذات الشمال كأن لم يكن، وهكذا حال الدنيا وحال مجرميها، فإن ما نالهم من شرف الحياة كالذي حصل للنبات من شرف النموّ، ثم يزولون زوال النبات، {وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا} أي: على كل من الإنشاء والإفناء كامل القدرة 115.

وعبّر عن هذا المعنى بـ {تَذْرُوهُ} ، لما في ذرا، يذرو من معنى الارتفاع، والسرعة. يقال: ذرا فلان يذرو: ارتفع، ومرّ مرًّا سريعًا، ومنه سمّيت الرياح بالذاريات. قال تعالى: {وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (1) } [الذاريات:1] ، وإنما سميت بذلك؛ لأنها تحمل التراب، أو الهشيم عاليًا، وتفرقه بسرعة في كل جهة؛ بحيث يستحيل إعادته كما كان 116.

وتدل الآية على زينة الدنيا الخادعة من الأموال والضياع والجاه والرئاسة والملك وأن الإنسان ينخدع ويغتر بها مع أنها كما يرى دائمًا من نبات الأرض الذي لا يدوم فإما الموت أو الآفات وتنغيص الحياة 117.

والنبات لا ينمو ولا ينضج، ولكنه يصبح هشيما تذروه الرياح، وما بين ثلاث جمل قصار، ينتهي شريط الحياة، ولقد استخدم النسق اللفظي في تقصير عرض المشاهد، بالتعقيب الذي تدل عليه الفاء: {فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ} فما أقصرها حياة! وما أهونها حياة! 118.

وذلك كما في قوله عز وجل: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (9) } [فاطر:9] .

فيخبر تعالى عن كمال اقتداره، وسعة جوده، وأنه {أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ} ؛ فأنزله الله عليها {فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} ؛ فحييت البلاد والعباد، وارتزقت الحيوانات، ورتعت في تلك الخيرات، {كَذَلِكَ} الذي أحيا الأرض بعد موتها، ينشر الله الأموات من قبورهم، بعدما مزقهم البلى، فيسوق إليهم مطرا، كما ساقه إلى الأرض الميتة، فينزله عليهم فتحيا الأجساد والأرواح من القبور، ويأتون للقيام بين يدي الله ليحكم بينهم، ويفصل بحكمه العدل 119.

فإن قلت: لم جاء فتثير على المضارعة دون ما قبله، وما بعده؟ قلت: ليحكى الحال التي تقع فيها إثارة الرياح السحاب، وتستحضر تلك الصور البديعة الدالة على القدرة الربانية، وكذلك سوق السحاب إلى البلد الميت، وإحياء الأرض بالمطر بعد موتها: لما كانا من الدلائل على القدرة الباهرة قيل: فسقنا، وأحيينا، معدولا بهما عن لفظ الغيبة إلى ما هو أدخل في الاختصاص وأدلّ عليه 120.

ومن الأغراض البلاغية: إخبار عن ماض بمستقبل لإبراز صورة معينة يريدها المتحدث، من ذلك قوله سبحانه وتعالى: {وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (9) } [فاطر:9] .

فإنما قال سبحانه وتعالى: {فَتُثِيرُ} مستقبلًا وما قبله وما بعده ماض {أَرْسَلَ} {فَسُقْنَاهُ} أفعال ماضية وتثير فعلًا مضارعًا، لذلك المعنى المراد وهو حكاية الحال التي يقع فيها إثارة الريح السحاب، واستحضار تلك الصورة البديعة الدالة على القدرة الباهرة 121.

وهذه آية احتجاج على الكفرة في إنكار البعث من القبور، فدلهم تعالى على المثال الذي يعاينونه وهو سواء مع إحياء الموتى، و «البلد الميت» هو الذي لا نبت فيه قد اغبر من القحط فإذا أصابه الماء من السحاب اخضر وأنبت فتلك حياته 122.

وهبوب الرياح دليل ظاهر على الفاعل المختار وذلك لأن الهواء قد يسكن، وقد يتحرك وعند حركته قد يتحرك إلى اليمين، وقد يتحرك إلى اليسار، وفي حركاته المختلفة قد ينشئ السحاب، وقد لا ينشئ، فهذه الاختلافات دليل على مسخر مدبر ومؤثر مقدر ... و وجه التشبيه بقوله: {كَذَلِكَ النُّشُورُ} فيه وجوه: أحدها: أن الأرض الميتة لما قبلت الحياة اللائقة بها كذلك الأعضاء تقبل الحياة، وثانيها: كما أن الريح يجمع القطع السحابية كذلك يجمع بين أجزاء الأعضاء وأبعاض الأشياء، وثالثها: كما أنا نسوق الريح والسحاب إلى البلد الميت نسوق الروح والحياة إلى البدن الميت 123.

وكثيرا ما يستدل تعالى على المعاد بإحيائه الأرض بعد موتها؛ ليعتبر المرتاب في هذا، فإنه من أظهر الآيات وأوضحها 124.

ثانيًا: الريح:

وذلك كما في قوله عز وجل: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) } [آل عمران:117] .

يعني بذلك جل ثناؤه: شبه ما ينفق الذين كفروا، أي: شبه ما يتصدق به الكافر من ماله، فيعطيه من يعطيه على وجه القربة إلى ربّه وهو لوحدانية الله جاحد، ولمحمد صلى الله عليه وسلم مكذب، في أن ذلك غير نافعه مع كفره، وأنه مضمحلّ عند حاجته إليه، ذاهبٌ بعد الذي كان يرجو من عائدة نفعه عليه، كشبه ريح فيها برد شديد، أصابت هذه الريح التي فيها البرد الشديد {حَرْثَ قَوْمٍ} ، يعني: زرع قوم قد أمّلوا إدراكه، ورجوا ريعه وعائدة نفعه، {ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} ، يعني: أصحاب الزرع، عصوا الله، وتعدّوا حدوده {فَأَهْلَكَتْهُ} ، يعني: فأهلكت الريح التي فيها الصرّ زرعهم ذلك، بعد الذي كانوا عليه من الأمل ورجاء عائدة نفعه عليهم.

و {كَمَثَلِ رِيحٍ} فيه حذف مضاف، تقديره: كمثل مهلك ريح، أي: ما ينفقون هالك، فريح مجرورة بالإضافة أيضًا، للدلالة على أن هذا الإنفاق لا يجدي 125.

فكذلك فعل الله بنفقة الكافر وصدقته في حياته، حين يلقاه، يبطل ثوابها ويخيب رجاؤه منها، وخرج المثل للنفقة، والمراد بـ «المثل» صنيع الله بالنفقة، فبيّن ذلك قوله: {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} ، فهو كما قد بيّنا في مثله قوله: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا} [البقرة:17] .

فتأويل الكلام،: مثل إبطال الله أجر ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا، كمثل ريح فيها صر؛ وإنما جاز ترك ذكر إبطال الله أجر ذلك، لدلالة آخر الكلام عليه، وهو قوله: {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} ، ولمعرفة السامع ذلك معناه 126.

ومعنى الآية: مثل نفقة الكافرين في بطلانها وذهابها وعدم منفعتها، كمثل زرع أصابه ريح باردة أو نار؛ فأحرقته وأهلكته، فلم ينتفع أصحابه بشيء بعد ما كانوا يرجون فائدته ونفعه 127.

وما ينفق الكفرة قربة، أو مفاخرة وسمعة، أو المنافقون رياء أو خوفًا، {فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} برد شديد والشائع إطلاقه للريح الباردة كالصّرصر، فهو في الأصل مصدر نعت به، أو نعت وصف به البرد للمبالغة كقولك برد بارد، {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ} بالكفر والمعاصي أهلكته عقوبة لهم لأن الإهلاك عن سخط أشد، والمراد تشبيه ما أنفقوا في ضياعه بحرث كفار ضربته صرٌّ؛ فاستأصلته ولم يبق لهم فيه منفعة ما في الدنيا والآخرة، وهو من التشبيه المركب ولذلك لم يبال بإيلاء كلمة التشبيه للريح دون الحرث، ويجوز أن يقدر كمثل مهلك ريح وهو الحرث 128.

وذلك كما في قوله عز وجل: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (18) } [إبراهيم:18] .

هذا مثل ضربه الله تعالى لأعمال الكفار الذين عبدوا معه غيره، وكذبوا رسله، وبنوا أعمالهم على غير أساس صحيح، فانهارت وعدموها أحوج ما كانوا إليها، فقال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ} أي: مثل أعمالهم يوم القيامة إذا طلبوا ثوابها من الله تعالى، لأنهم كانوا يحسبون أنهم كانوا على شيء فلم يجدوا شيئا، ولا ألفوا حاصلا إلا كما يتحصل من الرماد إذا اشتدت به الريح العاصفة.

{فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ} أي: ذي ريح شديدة عاصفة قوية، فلم يقدروا على شيء من أعمالهم التي كسبوا في الدنيا إلا كما يقدرون على جمع هذا الرماد في هذا اليوم 129.

وعبر بالرماد، الذي هو أدق الأشياء وأخفها، إذا اشتدت به الريح في يوم عاصف شديد الهبوب، فإنه لا يبقى منه شيئا، ولا يقدر منه على شيء يذهب ويضمحل 130، وهذا مثل ضربه الله لأعمال الكفار، يريد: أنهم لا ينتفعون بأعمالهم التي عملوها في الدنيا لأنهم أشركوا فيها غير الله كالرماد الذي ذرته الريح لا ينتفع به 131.

وقوله تعالى: {اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ} كناية عن سرعة هذه الريح وقوتها، يقال: اشتدّت الريح. أي: أسرعت بقوة. وتعدية الفعل بالباء، دون تعديته بـ (على) يفيد أن هذه الريح حملت الرماد، وأسرعت الذهاب به، وبددته في جهات هبوبها؛ بحيث لا يقدر أحد على الإمساك بشيء منه، بخلاف قولنا: اشتدت عليه؛ فقد تشتد الريح عليه، وهو ثابت في مكانه، لا يتبدد.

ومشهد الرماد تشتد به الريح في يوم عاصف مشهود معهود، يجسم به السياق معنى ضياع الأعمال سدىً، لا يقدر أصحابها على الإمساك بشيء منها، ولا الانتفاع به أصلًا، يجسمه في هذا المشهد العاصف المتحرك، فيبلغ في تحريك المشاعر له ما لا يبلغه التعبير الذهني المجرد عن ضياع الأعمال وذهابها بددًا. فكما تعصف الريح الشديدة بالرماد، وتذهب به في جهات هبوبها؛ كذلك تعصف رياح الكفر والنفاق بالأعمال، التي تكون لغير الله جل وعلا، وعلى غير طاعة الرسل عليهم الصلاة والسلام 132.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت