قال الثعالبي: (فالآية عامة في الوفاء بالعقود، وهي الربوط في القول، كلُّ ذلك في تعاهد على بِرٍّ أو في عقدة نكاح، أو بيع، أو غيره، فمعنى الآية: أمر الله جميع المؤمنين بالوفاء على عقدٍ جارٍ على رسم الشريعة، وفسر بعض الناس لفظ العقود بالعهود. وأصوب ما يقال في هذه الآية: أن تعمم ألفاظها بغاية ما تتناول، فيعمم لفظ المؤمنين في مؤمني أهل الكتاب، وفي كلِّ مظهر للإيمان، وإن لم يبطنه، وفي المؤمنين حقيقة، ويعمم لفظ العقود في كل ربط بقول موافق للحقِّ والشرع» 55.
وقال القرطبي: «فأمر الله سبحانه بالوفاء بالعقود؛ قال الحسن: يعني بذلك عقود الدين، وهي ما عقده المرء على نفسه؛ من بيع وشراء وإجارة وكراء ومناكحة وطلاق ومزارعة ومصالحة وتمليك وتخيير وعتق وتدبير، وغير ذلك من الأمور، ما كان ذلك غير خارج عن الشريعة؛ وكذلك ما عقده على نفسه لله من الطاعات، كالحج والصيام والاعتكاف والقيام والنذر، وما أشبه ذلك من طاعات ملة الإسلام» 56.
وما من شك أنه من الأهمية بمكان أن يحرص المسلم على الوفاء بالعقود التي أبرمها «فالأمر بالإيفاء بالعقود يدلُّ على وجوب ذلك، فتعين أنَّ إيفاء العاقد بعقده حقٌّ عليه، فلذلك يقضى به عليه، لأن العقود شرعت لسد حاجات الأمة، فهي من قسم المناسب الحاجي، فيكون إتمامها حاجيًّا؛ لأنَّ مكمل كلِّ قسم من أقسام المناسب الثلاثة يلحق بمكمله: إن ضروريًّا، أو حاجيًّا، أو تحسينًا 57.
قال ابن تيمية: «وأما سورة المائدة فإنها سورة العقود، وهي العهود والمواثيق التي يعقدها بنو آدم بينهم وبين ربهم، ويعقدها بعضهم لبعضٍ، مثل عقد الإيمان وعقد الأيمان، فأمر الله بالوفاء بالعهود، والوفاء بالعهود من صفات الصادقين دون الكاذبين، وختم السورة بما يناسب ما فيها فقال: {قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (119) } [المائدة: 119] فالموفون بالعقود صادقون، فنفعهم الصدق بالوفاء يوم القيامة بما وعدهم من الكرامة» 58.
الوفاء بالعهود والعقود من أَجَلِّ مراتب السعادة 59. قال صلى الله عليه وسلم: (لا إيمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له) 60.
وكما قال ابن رجب: «وأما عهود المسلمين فيما بينهم، فالوفاء بها أشد، ونقضها أعظم إثمًا، ويدخل في العهود التي يجب الوفاء بها، ويحرم الغدر فيها: جميع عقود المسلمين فيما بينهم، إذا تراضوا عليها من المبايعات والمناكحات وغيرها من العقود اللازمة التي يجب الوفاء بها. والمقصود بالمبايعات والمناكحات والعقود التي توجب الوفاء هي التي على شرعة الله ومنهاجه، لا التي على خلاف ذلك، وفي ذلك يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من اشترط شرطًا ليس في كتاب الله فليس له، وإن شرطه مائة مرةٍ، شرط الله أحق وأوثق) 61» 62.
وما من شك أن حرص المسلم على الوفاء بالعقود التي أبرمها يدلُّ على الاستجابة لتوجيهات الشرع الحنيف، ويعطي صورة طيبة عن المسلمين أن عندهم الوفاء دينًا يتعبدون الله به.
وما ينبغي الوفاء به في حياة المسلم الوفاء بالأيمان، ذلك لأن الإنسان قد يحلف بالله وهو أمر عظيم؛ فالواجب أن يفي بيمينه التي أقسمها ويبر بها.
وأما الأيمان فهي جمع يمين (واليمين أصله الجارحة، واليمين في الحلف مستعار من اليد؛ اعتبارًا بما يفعله المعاهد والمحالف وغيره 63.
قال ابن حجر: «وأصل اليمين في اللغة اليد وأطلقت على الحلف لأنهم كانوا إذا تحالفوا أخذ كلٌّ بيمين صاحبه، وقيل: لأن اليد اليمنى من شأنها حفظ الشيء، فمسمى الحلف بذلك لحفظ المحلوف عليه، وسمي المحلوف عليه يمينًا لتلبسه بها، واليمين هي توكيد الشيء بذكر اسم أو صفة لله» 64.
وشأن اليمين عند الله عظيم، وخطر التساهل بها جسيم، فليست اليمين مجرد كلمة تمر على اللسان، ولكنها عهد وميثاق ينتهي عندها حده، ويجب أن يوافي حقه، ومن ثم فلا ينبغي للإنسان التسرع إلى اليمين إلا عند الحاجة، وكثرة الحلف تدلُّ على الاستخفاف بالمحلوف به، وعدم تعظيمه، وكثرة الحلف بالباطل من صفات المنافقين، قال الله تعالى: (وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) [المجادلة: 14]
قال ابن عاشور: «والتوجيهات القرآنية بشأن اليمين قبل صدوره تضيق الحالات التي يشرع فيها، ومرد ذلك إلى أمرين:
أولهما: ارتباط اليمين بتعظيم الله تعالى، وبالتالي فإنَّ من تعظيمه جلَّ وعلا أن يصان اسمه من الابتذال بكثرة الحلف بغير حاجة إلى ضرورة أو مصلحة راجحة.
الثاني: مقصود الحالف إشهاد الله على صدقه فيما قاله، ومن أجل ذلك تضمن اليمين معنى قويًّا في الصدق، وحينئذٍ فالواجب على المسلم التحرز من إشهاد الله على أمر قد يكون واقع الحال أو المآل بخلافه، لئلا يكون مستخفًّا بمن أشهده والتحرز لا يكون إلا بالإقلال من اليمين وحصرها في أضيق الحدود» 65.
وقد حذر القرآن الكريم من نقض الأيمان وعدم الوفاء بها فقال سبحانه: (ڑ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ? إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ ?91?وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبَى? مِنْ أُمَّةٍ ? إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ ? وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ ?92?) [النحل: 91 - 92]
قال البغوي: «قوله تعالى: (ڑ وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ) والعهد هاهنا هو: اليمين. قال الشعبي: العهد يمين وكفارته كفارة يمين، (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا) تشديدها، فتحنثوا فيها، (وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا) شهيدًا بالوفاء. ثم ضرب الله مثلا لنقض العهد فقال: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ) أي: من بعد غزله وإحكامه. قال الكلبي، ومقاتل: هي امرأة خرقاء حمقاء من قريش، كانت تغزل الغزل من الصوف والشعر والوبر، وتأمر جواريها بذلك، فكُنَّ يغزلن من الغداة إلى نصف النهار، فإذا انتصف النهار أمرتهن بنقض جميع ما غزلن، فهذا كان دأبها، ومعناه: أنها لم تكف عن العمل، ولا حين عملت كفت عن النقض، فكذلك أنتم إذا نقضتم العهد، لا كففتم عن العهد، ولا حين عاهدتم وفيتم به. أَنْكَاثًا) يعني: أنقاضًا واحدتها» نكث «وهو ما نقض بعد الفتل، غزلًا كان أو حبلًا. تَتَّخِذُونَ أَيْمَانَكُمْ دَخَلًا بَيْنَكُمْ) أي: دخلًا وخيانة وخديعة، و «الدخل» ما يدخل في الشيء للفساد. قال مجاهد: وذلك أنهم كانوا يحالفون الحلفاء فإذا وجدوا قومًا أكثر منهم وأعزَّ نقضوا حلف هؤلاء وحالفوا الأكثر، فمعناه: طلبتم العزَّ بنقض العهد، بأن كانت أمة أكثر من أمة. فنهاهم الله عن ذلك. (إِنَّمَا يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ) يختبركم الله بأمره إياكم بالوفاء بالعهد» 66.
وهذه الآية يظهر فيها التحذير من عدم الوفاء ومن نكث العهد، ومن التلاعب باسم الحق جلَّ وعلا فهو سبحانه يعلم من يفي بعهده، ويعرف لاسمه الكريم جلاله، ومن لا يوقر الله، ولا يحفل بالعهد الذي قطعه، وأشهد الله عليه، والله سبحانه غيور على حماه أن يستباح، فمن استباحه فقد أورد نفسه موارد الهالكين 67.
ولا يوجد ثمة تعارض بين هذه الآية وبين الآيات الأخرى التي توجه المسلم إلى كفارة اليمين عند الحنث في يمينه حيث قال ابن كثير بعد أن تحدث وبين خطورة نقض الأيمان والرجوع فيها بعد توكيدها:
«ولا تعارض بين هذا وبين قوله: (وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ? وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ?224?) [البقرة: 224] .
وبين قوله تعالى: (ذَ?لِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ? وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ ? كَذَ?لِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) [المائدة: 89] .
أي: لا تتركوها بلا تكفير، وبين قوله، عليه السلام فيما ثبت عنه في الصحيحين: (إني والله إن شاء الله، لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها، إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها) . وفي رواية: (وكفرت عن يميني) 68.
لا تعارض بين هذا كله، ولا بين الآية المذكورة هاهنا وهي قوله: (وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا ?) [النحل: 91] .
لأن هذه الأيمان، المراد بها الداخلة في العهود والمواثيق، لا الأيمان التي هي واردة على حث أو منع» 69.
وما ينبغي الوفاء به في حياة المسلم الوفاء بالنذور، حيث إنها قربة أوجبها المسلم على نفسه فيبما بينه وبين الله، فمن الوفاء أن يقوم بما أوجبه على نفسه على وجه الكمال والتمام.
وقد مدح الله عباده الأبرار، وبين أن من أعمالهم الجليلة في الدنيا أنهم كانوا يوفون بنذرهم كما قال تعالى: (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا ?7?) [الإنسان: 7] .
قال ابن كثير: «أي: يتعبدون لله فيما أوجبه عليهم من فعل الطاعات الواجبة بأصل الشرع، وما أوجبوه على أنفسهم بطريق النذر» 70.
فالمراد بالنذر هنا: أي بكل ما نذروه وأعطوا به عهدًا 71.
والمعنى: يوفون بما أوجبه الله عليهم من الطاعات.
«قال قتادة، ومجاهد: يوفون بطاعة الله من الصلاة والحج ونحوهما. وقال عكرمة: يوفون إذا نذروا في حق الله سبحانه، والنذر في الشرع ما أوجبه المكلف على نفسه، فالمعنى: يوفون بما أوجبوه على أنفسهم. وقال الكلبي: يوفون بالعهد، أي: يتممون العهد. والأولى حمل النذر هنا على ما أوجبه العبد على نفسه من غير تخصيص» 72.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «ذكر سبحانه من أعمال الأبرار ما ينبه سامعه على جمعهم لأعمال البر كلها فذكر سبحانه وفاءهم بالنذر وخوفهم من ربهم، وإطعامهم الطعام على محبتهم له وإخلاصهم لربهم في طاعتهم، وذكر سبحانه الوفاء بالنذر وهو أضعف الواجبات، فإن العبد هو الذي أوجبه على نفسه بالتزامه فهو دون ما أوجبه الله سبحانه عليه، فإذا وفى لله بأضعف الواجبين الذي التزمه هو فهو بأن يوفى بالواجب الأعظم الذي أوجبه الله عليه أولى وأحرى» 73.
وقد جاء في السنة النبوية ما يدلُّ على ضرورة الوفاء بالنذر، فعن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه) 74.
قال ابن قدامة: (وأجمع المسلمون على صحة النذر في الجملة، ولزوم الوفاء به،. وما ورد من النهي عنه فهو نهي كراهة، لا نهي تحريم؛ لأنه لو كان حرامًا لما مدح الموفين به؛ لأن ذنبهم في ارتكاب المحرم أشد من طاعتهم في وفائه؛ ولأن النذر لو كان مستحبًّا، لفعله النبي صلى الله عليه وسلم وأفاضل أصحابه «75.
قال ابن حجر: «النهى عن النذر والتشديد فيه ليس هو أن يكون مأثمًا، ولو كان كذلك ما أمر الله أن يوفى به، ولا حمد فاعله، ولكن وجهه عندي تعظيم شأن النذر وتغليظ أمره؛ لئلا يستهان بشأنه، فيفرط في الوفاء به، ويترك القيام به» 76.
وبين الله سبحانه أن من جملة الأعمال التي يقوم بها الحاج (ے وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: 29] .
قال ابن كثير: «وقوله: (ے ?) ، قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني: نحر ما نذر من أمر البدن.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (ے وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) : نذر الحج والهدي وما نذر الإنسان من شيء يكون في الحج.
وقال ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: (ے وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) كلُّ نذر إلى أجل.
وقال عكرمة: (ے وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) قال: حجهم» 77.
وقال النسفي: «قوله: (ے وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ) مواجب حجهم، والعرب تقول لكلِّ من خرج عما وجب عليه: وفَّى بنذره وإن لم ينذر، أو ما ينذرونه من أعمال البر في حجهم» 78.
وما ينبغي الوفاء به في حياة المسلم الوفاء بالكفارات، حيث يجب على المسلم الذي وجبت عليه الكفارة أن يقوم بالوفاء بما عليه كاملًا غير منقوص.
ومن الكفارات: كفارة اليمين، وفيها جاء قوله تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (89) } [المائدة: 89] .
فالمراد «أنه لا يؤاخذكم الله - أيها المؤمنون - بما جرى على ألسنتكم من لغو اليمين، الذي لم تتقصدوا فيه الكذب، أو لم تتعمد قلوبكم العزم على الحلف به، ولكن يؤاخذكم بما وثقتموه من الأيمان، فكفارة هذا النوع من الأيمان أن تطعموا عشرة مساكين من الطعام الوسط الذي تطعمون منه أهليكم، أو تكسوهم بكسوة وسط، أو تعتقوا عبدًا مملوكًا أو أمة لوجه الله، فإذا لم يقدر الشخص على الإطعام أو الكسوة أو الإعتاق، فليصم ثلاثة أيام متتابعة، ذلك كفارة أيمانكم أيها المؤمنون فاحفظوا أيمانكم عن الابتذال وأقلوا من الحلف لغير الضرورة 79.
ومن الكفارات: كفارة الظهار، وقد جاء فيها قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (3) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (4) } [المجادلة: 2 - 3] .
وعن الحكمة منها قال أبو السعود: «وهذه الكفارات تزجرون بها عن ارتكاب المنكر المذكور، فإن الغرامات مزاجرُ عن تعاطي الجنايات، والمراد بذكره بيان أن المقصود من شرع هذا الحكم ليس تعريضكم للثواب بمباشرتكم لتحرير الرقبة الذي هو علمٌ في استتباع الثواب العظيم، بل هو ردعكم وزجركم عن مباشرة ما يوجبه {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ} من الأعمال التي من جملتها التكفير وما يوجبه من جناية الظهار {خَبِيرٌ} أي: عالمٌ بظواهرها وبواطنها ومجازيكم بها، فحافظوا على حدود ما شرع لكم ولا تخلوا بشيءٍ منها» 80.
ومن الكفارات: كفارة القتل الخطأ وجاء فيها قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92) } [النساء: 92] .
فكلُّ هذه الكفارات يجب الوفاء بها رعاية لحق الله تعالى، ودليل على وفاء المسلم بعهده فيما بينه وبين الله تعالى.
ومما ينبغي التنبيه إليه أن الكفارات خمسة: كفارة اليمين، وكفارة الحلق، وكفارة القتل، وكفارة الظهار، وكفارة الإفطار. والأربعة التي عرف وجوبها بالكتاب العزيز، فكفارة اليمين وكفارة الحلق وكفارة القتل وكفارة الظهار. وكفارة الإفطار عرفت بالسنة النبوية 81.
خامسًا: الوفاء بالأمانات:
ومن أعظم مجالات الوفاء: الوفاء بالأمانات، ومعناها واسع يدخل فيها الكثير من أمور الدين والدنيا، وهي من أعظم ما يجب على المسلم الوفاء به.
ولقد دلت الكثير من النصوص الشرعية على أهمية الوفاء بالأمانات استجابة لأمر الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا} [النساء: 58] .
قال الرازي: «أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور، سواء كانت تلك الأمور من باب المذاهب والديانات، أو من باب الدنيا والمعاملات، وأيضًا لما ذكر في الآية السابقة الثواب العظيم للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكان من أجل الأعمال الصالحة الأمانة، لا جرم أمر بها في هذه الآية» 82.
وبين الألوسي أن الأمانة هنا تشمل جميع ما يؤتمن عليه الإنسان فقال: «والآية عند أكثر المفسرين عامة في كل ما اؤتمنوا عليه وعوهدوا من جهة الله تعالى ومن جهة الناس، كالتكاليف الشرعية، والأموال المودعة، والإيمان، والنذور، والعقود ونحوها، وجمعت الأمانة دون العهد، قيل: لأنها متنوعة متعددة جدًّا بالنسبة إلى كل مكلف من جهته تعالى، ولا يكاد يخلو مكلف من ذلك ولا كذلك العهد» 83. وفي مدح الذين يراعون العهد ويؤدون أمانة الوفاء بالعهد، قال تعالى: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ} [المؤمنون: 8] .
قال ابن عاشور: «هذه صفة أخرى من جلائل صفات المؤمنين، تنحل إلى فضيلتين هما؛ فضيلة أداء الأمانة التي يؤتمنون عليها، وفضيلة الوفاء بالعهد. فالأمانة تكون غالبًا من النفائس التي يخشى صاحبها عليها التلف، فيجعلها عند من يظن فيه حفظها، وفي الغالب يكون ذلك على انفراد بين المؤتمن والأمين، فهي لنفاستها قد تغري الأمين عليها بأن لا يردها، وبأن يجحدها ربها، ولكون دفعها في الغالب عريًا عن الإشهاد، تبعث محبتها الأمين على التمسك بها وعدم ردها؛ فلذلك جعل الله ردها من شعب الإيمان» 84.
وجاء التحذير من خيانة الأمانة في كثير من المواضع منها قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27) } [الأنفال: 27]
وجميع الآيات التي تأمر بالوفاء بعهد الله يدخل فيها الوفاء بالأمانات على تعدد أنواعها ومجالاتها.
وفي السنة الكثير من الأحاديث التي توصي بأهمية الوفاء بالأمانات فعن أنس بن مالكٍ رضي الله عنه قال: ما خطبنا نبي الله صلى الله عليه وسلم إلا قال: (لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له) 85.
والأمانة تفرق بين المؤمن والمنافق، والخيانة علامة من علامات النفاق، فقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (آية المنافق ثلاثٌ إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان) 86.
سادسًا: الوفاء في الكيل والميزان:
ومن أبرز مجالات الوفاء: الوفاء في الكيل والميزان، وقد جاءت الدعوة إلى ذلك في أكثر من موضع من القرآن خاصة في دعوة الأنبياء لأقوامهم وتقويم هذا الانحراف لدى أتباعهم، لما يترتب على وجوده من مفاسد خطيرة على الفرد والمجتمع.
ومما جاء في ذلك: قوله تعالى: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} [الأنعام: 152] .
قال البغوي: «قوله: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} بالعدل، {لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا} أي: طاقتها في إيفاء الكيل والميزان، أي: لم يكلف المعطي أكثر مما وجب عليه، ولم يكلف صاحب الحق الرضا بأقل من حقه، حتى لا تضيق نفسه عنه، بل أمر كل واحد منهما بما يسعه مما لا حرج عليه فيه» 87.
وجاء في توجيه الأنبياء لأقوامهم وصيتهم بإيفاء الكيل والميزان، ومن ذلك قوله تعالى: {فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ} [الأعراف: 85] .
وقوله تعالى: {وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ} [هود: 85] .
وقوله تعالى: {وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ} [الإسراء: 35] .
وقوله تعالى: {أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (181) } [الشعراء: 181] .
وجاء التحذير من عدم الوفاء في الكيل والميزان، والوعيد على ذلك بالويل في قوله تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (3) } [المطففين: 1 - 3] .