فهرس الكتاب

الصفحة 230 من 2431

الثاني: أن المصباح القرآن والإيمان، والزجاجة قلب المؤمن، قاله أُبَيٌ.

{كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} أما الكوكب ففيه قولان:

أحدهما: أنه الزهرة خاصة، قاله الضحاك.

الثاني: أنه أحد الكواكب المضيئة من غير تعيين، وهو قول الأكثرين.

وأما {دُرِّيٌّ} فتأويلها أنه مضيء يشبه الدر لضيائه ونقائه» 94.

قال القاضي أبو بكر بن العربي: «لا خلاف بين المحققين الذين ينزلون التفسير منازله، ويضعون التأويل مواضعه من غير إفراط ولا تفريط، أن هذا مثل ضربه الله لنوره، ولا يمكن أن يضرب لنوره المعظم مثلًا تنبيهًا لخلقه إلا ببعض خلقه؛ لأن الخلق بقصورهم لا يفهمون إلا بأنفسهم ومن أنفسهم، ولولا ذلك ما عرف الله إلا الله وحده، وأنور المصابيح في الدنيا مصباح يوقد من دهن الزيتون، ولا سيما إذا كانت مفردة قد تباعد عنها الشجر فخلصت من الكل، وأخذتها الشمس من كل جانب، فذلك أصفى لنورها، وأطيب لزيتها، وأنضر لأغصانها، وذلك معنى بركة هذه الشجرة التي فهمها الناس» 95.

وضرب الله مثلًا للذين اتخذوا الآلهة والأوثان من دون الله أولياء يرجون نصرها ونفعها عند حاجتهم إليها في ضعف احتيالهم، وقبح رواياتهم، وسوء اختيارهم لأنفسهم، بآية كونية هي العنكبوت في ضعفها، وقلة احتيالها لنفسها، اتخذت بيتًا لنفسها، كيما يكنها، فلم يغن عنها شيئا عند حاجتها إليه بقوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (42) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (43) } [العنكبوت:41 - 43] .

فكذلك هؤلاء المشركون لم يغن عنهم حين نزل بهم أمر الله، وحل بهم سخطه أولياؤهم الذين اتخذوهم من دون الله شيئًا، ولم يدفعوا عنهم ما أحل الله بهم من سخطه بعبادتهم إياهم 96.

وذلك أن بيت العنكبوت لا بيت أضعف منه، فيما يتخذه الهوام في البيوت، ولا أقل وقاية منه من حر أو برد، والمعنى: أن أولياءهم لا ينقصونهم، ولا يرزقونهم ولا يدفعون عنهم ضررًا، كما أن بيت العنكبوت غير موق للعنكبوت 97.

كما ضرب الله تعالى مثلًا كونيًا بالجبل في خشوعه لو أنزل عليه القرآن الكريم.

قال تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) } [الحشر:21] .

قال الإمام ابن جرير: «يقول تعالى: لو أني أنزلت هذا القرآن على جبل حملته إياه تصدع وخشع من ثقله، ومن خشية الله، فأمر الله عز وجل الناس إذا أنزل عليهم القرآن، أن يأخذوه بالخشية الشديدة والتخشع، قال: {وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} » 98.

أي: أنه لو جعل في الجبل تمييز، وأنزل عليه القرآن لخشع وتشقق وتصدع من خشية الله مع صلابته ورزانته، حذرًا من أن لا يؤدي حق الله عز وجل في تعظيم القرآن، والكافر يعرض عما فيه من العبر كأن لم يسمعها، يصفه بقساوة القلب، وتلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتفكرون 99.

والآيات الكونية التي ضرب الله تعالى بها المثل كثيرة، وفيما سبق كفاية وغنية.

-تضمن القرآن الكريم إشارات إعجازية لعلوم الكون في علم الفيزياء وعلم الجيولوجيا، وفي علم الكيمياء، وفي علم الأحياء، ويمكن بيان ذلك في المطالب الآتية:

أولًا: الإشارات الإعجازية في الفيزياء:

إن مصطلح الفيزياء مشتق من كلمة إغريقية معناها الأشياء الطبيعية، وعلم الفيزياء أو علم الطبيعة هو: العلم المختص بدراسة المادة والطاقة، وأسباب سلوكها المشاهد وكيفية إنتاج الطاقة، وكيفية التحكم فيها، وكيف يؤثر بعضهما في الآخر على مدى الزمان والمكان 100.

والآيات التي تضمنت إشارات لعلم الفيزياء كثيرة منها:

1.قوله تعالى: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [السجدة:5] تشير الآية إلى سرعة الضوء.

ففي سنة 1676 م قدم الفلكي «أولاس رومر» الدليل على أن سرعة الضوء غير لحظية كما ذكرت ذلك الموسوعة البريطانية، واستمرت بعده القياسات ثلاثة قرون إلى أن اعتمدت في باريس سنة 1983 أثناء انعقاد المؤتمر الدولي للمعايير حيث قدرت سرعة الضوء في الفراغ بـ: 299792.458 كم/ثانية، هذا ما توصل إليه العلماء في أواخر القرن العشرين، كما ذكرت أيضًا الموسوعة البريطانية.

والقرآن الكريم قد أعطى معادلة دقيقة تؤكد صحة ما وصل إليه المؤتمر الدولي للمعايير في باريس عام 1983 م.

وصاحب هذا الاكتشاف هو أحد العلماء المسلمين المتخصصين في الفيزياء وهو الدكتور محمد دودح مستشار لدى هيئة الإعجاز العلمي، حيث استنبط من قوله تعالى: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) [السجدة:5] أن الأمر المقصود به في الآية هو الأمر الكوني الفيزيائي في حياتنا الدنيا، وقد قال بهذا أيضًا من قبله بعض المفسرين: فعن قتادة (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ) من أيامكم (كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ) يقول: مقدار مسيره في ذلك اليوم ألف سنة مما تعدون من أيامكم من أيام الدنيا خمسمائة سنة نزوله، وخمسمائة صعوده فذلك ألف سنة، وعن الضحاك: (ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ) قال: تعرج الملائكة إلى السماء، ثم تنزل في يوم من أيامكم هذه، وهو مسيرة ألف سنة، وعن عكرمة (أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ) قال: من أيام الدنيا، وعن ابن عباس في قوله: (يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ) من أيامكم هذه، مسيرة ما بين السماء إلى الأرض خمسمائة عام 101.

وأما قوله تعالى: (مَّا تَعُدُّونَ) فقد ذكر البغوي والخازن وغيرهم أن: السنة مبنية على سير القمر ومعنى ذلك أن العرب كانت تعتمد في حساب الزمن على الحساب القمري، كما كانوا يعبرون عن المسافة بالزمن؛ كأن يقولوا: مسافة ثلاثة أيام، والقرآن نزل بلغة العرب فقال: (مَّا تَعُدُّونَ) 102.

والمعادلة القرآنية = المعادلة العلمية

في يوم كان مقداره (زمن يوم أرضي) الزمن ألف سنة مما تعدون (بالحساب القمري) = 12000 دورة قمرية المسافة.

الأمر الكوني = ألف سنة مما تعدون 12000 دورة قمرية / زمن يوم أرضي السرعة = المسافة / الزمن.

وجه الإعجاز في الآية القرآنية:

هو أنها اعتبرت الحد الأقصى للسرعة الكونية في الفراغ تعادل دوران القمر حول مداره اثنتي عشرة ألف دورة، ومن ثم استنبط الدكتور محمد دودح المعادلة التي تعطي الرقم الصحيح لحساب سرعة الأمر الإلهي، وقد توصل الدكتور محمد دودح إلى أن الرقم القرآني ينطبق تمامًا مع الرقم الذي أعلنه المؤتمر الدولي للمعايير في باريس سنة 1983 م وهو 299792.458 كم/ثانية 103.

2.قوله تعالى: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) [الأنبياء:30] .

تشير الآية إلى أصل تكوين السماء والأرض، وهي من موضوعات علم الفيزياء.

فقد بين القرآن أن السماوات والأرض كانتا شيئًا واحدًا، وأن الأرض انفصلت عن السماء وتكونت فيها القشرة الأرضية، وكان عليها الماء، ومنه كانت الأحياء التي خلقها الله تعالى.

قال تعالى: (أَوَلَم يَرَ الَّذينَ كَفَروا أَنَّ السَّماواتِ وَالأَرضَ كانَتا رَتقًا فَفَتَقناهُما وَجَعَلنا مِنَ الماءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ أَفَلا يُؤمِنونَ ?30? وَجَعَلنا فِي الأَرضِ رَواسِيَ أَن تَميدَ بِهِم وَجَعَلنا فيها فِجاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُم يَهتَدونَ ?31? وَجَعَلنَا السَّماءَ سَقفًا مَحفوظًا وَهُم عَن آياتِها مُعرِضونَ) [الأنبياء:30 - 32] .

والنص الكريم صريح في أن السماوات والأرض كانت كونًا واحدًا، وفصل الله تعالى جزءًا منه وهو الأرض، وكانت فيها هذه الحياة التي يحياها الحيوان والطير في السماء، والسمك في الماء، والزرع في الفيحاء.

وإذا كان العلماء اليوم يقررون أن الكون ابتدأ خلقه بالسديم، وهو يشبه الدخان، فقد صرح القرآن الكريم قبل ذلك، وقبل أن يعلموا.

فقال الله تعالى في خلق السماوات والأرض: (قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ?9? وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِّلسَّائِلِينَ ?10? ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ?11? فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ) [فصلت:9 - 12] 104.

ويبين سبحانه أن السماء والأرض كانت دخانًا، وهو السديم الذي يقوله العلماء وقد اجتهد علماء الفلك والطبيعة في وضع نظريات متعددة لكيفية حدوث هذا الانفصال، ومنها نظرية الانفجار العظيم، ولا داعي للخوض في تلك النظريات.

واستطاع علماء الجيولوجيا بوسائلهم المتخصصة أن يعطوا تاريخًا مطلقًا لبدء وجود الأرض بكيانها المستقل عن بقية الأجرام السماوية، وقدروا أنه كان منذ حوالي أربعة آلاف وخمسمائة مليون عام من أعوامنا المعروفة 105.

3.قوله تعالى: (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ ? وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ ? كَذَ?لِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ) [الأنعام:125] .

يشير إلى أن الضغط الجوي يقل بالارتفاع عن سطح الأرض.

فقد عكف العلماء على دراسة الهواء وغازاته، ثم حاولوا قياس ارتفاعه ومعرفة مقدار تخلخله واستعانوا أخيرًا بأحدث وسائلهم -الصواريخ- لمعرفة الحقيقة كاملة، ولكن الحقيقة لم تتكشف بكامل صورتها حتى الآن أمام أعينهم، حتى بعد هذه الجهود المتتالية إنهم حاولوا تذليل الجو وتعبيد مسالكه، فوقفت دونهم صعاب تغلبوا عليها بالعلم، ومن بين الصعاب مسألتان أشار إليهما كتاب الله الأعظم 106:

الأولى: صعود الإنسان في السماء.

الثانية: ما يحدث للإنسان في أثناء هذا الصعود.

ويَصْحَب الصعود في الجو أربع ظواهر:

-قلة الضغط.

-قلة الأوكسجين.

-برودة الجو وتقلب درجة الحرارة.

-انعدام الوزن إذا تغلغل الإنسان في الفضاء.

فكلما ارتفع الإنسان قل الضغط فتخلخل الهواء وهذا يسبب للإنسان ضيقًا في التنفس يمتد كلما زاد الارتفاع، وقد يؤدي نقص الضغط إلى تمدد الغازات في معدة الطيار وأمعائه فيسبب له تقلصات عنيفة.

وهناك أيضًا حدوث انتفاخ يدفع الحجاب الحاجز إلى أعلى فيضغط على القلب والرئتين مما يسبب الإغماء للطيار أحيانًا، وكذلك يكون الطيار معرضًا لنوبات حادة من السعال؛ لأن الهواء في الارتفاع الشاهق تنقصه الكثافة الكافية لتنظيف قناة التنفس من المواد المهيجة لها، وينتج عن قلة الضغط ظاهرة أخرى، فكلما ارتفع الإنسان إلى أعلى نقص الضغط الجوي، على حين يظل الضغط الداخل للجسم كما هو، فيختل التوازن بين الضغطين:

-الضغط الداخلي للجسم الذي يظل دون تغير.

-الضغط الخارجي للهواء الذي يأخذ في التناقص تدريجيًا.

فإذا وصل الإنسان إلى ارتفاع عظيم لم يصبح في الإمكان حفظ التوازن بين هذين الضغطين، فينبثق الدم من فتحات الأنف والفم وتنفجر طبلة الأذن إلى الخارج، ويصحب ذلك اختناق ثم وفاة أكيدة 107.

4.قال تعالى: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) } [الأنبياء:32] .

تقرر هذه الآية الكريمة أن السماوات وما فيها من أجرام حافظة لكيانها ومتماسكة فيما بينها ولا خلل يعتورها ومحفوظة من أن تقع على الأرض، هي كل ما علانا، وهي تبدأ بالغلاف الهوائي الذي يحمى أهل الأرض من كثير من أهوال الفضاء التي لا تستقيم معها الحياة بأي حال، مثل: الشهب، والنيازك، والأشعة الكونية، وفوق الأرض الغلاف الهوائي الذي تحتفظ به الأرض بقوة الجاذبية، ولا سبيل إلى فقده في خضم الفضاء المتناهي، وفوق الغلاف الهوائي أجرام السماء على أبعاد مختلفة وتدور دوراتها المنتظمة في أفلاكها منذ أن خلقها الله تعالى.

وقانون الجاذبية توجد في الكون نظم لها قوانين لا تتبدل ولا تتغير منذ الأزل، ومن أول هذه القوانين قانون الجاذبية الذي يعمل على تجميع شتات الأجزاء المادية المتقاربة في أبعاد دقيقه محددة، ولولا قوة هذا القانون لسقطت الكائنات في هاوية الفضاء، ويتركز ثقل الأرض في مركز تكورها، أي: أن الأرض تجذب الأجسام التي عليها نحوه، وقد اكتشف هذا القانون نيوتن العالم الإنجليزي الذي لاحظ يومًا أن تفاحة سقطت من شجرتها على الأرض، فأخذ يفكر في سبب سقوطها إلى أن وصل إلى قانون الجاذبية الذي يثبت أن كل جسم مادي يجذب غيره من الأجسام المادية بقوة تزيد أو تنقص حسب الكتلة والمسافة بينهما، وهذا هو القانون الذي يربط الأجرام السماوية ويحفظ تماسكها وانتظامها في مداراتها 108.

5.قوله تعالى: {فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76) } [الواقعة:75 - 76] .

وتشير الآية إلى أن المسافات بين النجوم عظيمة، وهي مما يدرسه علم الفيزياء.

يقسم المولى تبارك وتعالى بمواقع النجوم؛ لأن القسم بمواقعها يوجه الانتباه إلى أن المسافات بين النجوم تبلغ حدودًا لا يتصورها الخيال، فمثلًا: نجد أن أقرب نجم إلينا في مجرتنا وهي: الشمس تبعد عنا بمقدار (500) ثانية ضوئية، بينما النجم الذي يليها في القرب يبعد عنا بمقدار أربع سنوات ضوئية تقريبًا، والسنة الضوئية تدل على مدى المسافة التي يقطعها الضوء في سنة كاملة، علمًا بأن سرعة الضوء تساوى (300) ألف كيلومتر في الثانية، ثم إن هناك مدلولًا علميًا آخر عن مواقع النجوم، وهي أن موقع الشمس موقع بالغ الدقة في وضعه لكي تستقيم معه الحياة على كوكبنا الأرضى؛ لأنها لو تقدمت عن موضعها الحالى لاحترقت الأرض من شدة حرارتها، ولو تأخرت عن موضعها لبردت الأرض وتجمدت فيها البحار والمحيطات وتصير غير صالحة لحياة البشر عليها 109.

والآيات التي تشير إلى علم الفيزياء كثيرة، وإنما يكفي في ذلك ما يؤدي الغرض.

ثانيًا: الإشارات الإعجازية في الجيولوجيا:

الجيولوجيا هو: علم طبقات الأرض، وتكوينها والقوى التي تغيرها، وتحاول الجيولوجيا أن توضح كيف تشكلت الأرض وكيف تتغير، ويقوم العلماء الذين يسمون (الجيولوجيون) ، بدراسة الصخور والترب والجبال والأنهار والمحيطات والكهوف، بالإضافة إلى الأجزاء الأخرى من الأرض 110.

وهناك آيات في كتاب الله تعالى تشير إلى علم الجيولوجيا منها ما يأتي:

1.قوله تعالى: {وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (4) } [الرعد:4] .

فالآية تشير إلى طبقات القشرة الأرضية، فمن عجائب قدرة الله أن في الأرض قِطَعٌ يجاور بعضها بعضًا، وهي مختلفة التربة؛ بعضها قاحل، وبعضها خصب، وإن اتحدت التربة ففيها حدائق مملوءة بكروم العنب، وفيها زرع يحصد، ونخيل مثمر، وهي مجتمعة ومتفرقة، ومع أنها تسقى بماء واحد يختلف طعمها، وإن في ذلك دلائل واضحة على قدرة الله تعالى لمن له عقل يفكر به 111.

2.وقوله تعالى: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (6) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (7) } [النبأ:6 - 7] .

وقوله تعالى: {وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ} [لقمان:10] .

وقوله تعالى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} [الحجر:19] .

فالآية تشير إلى دراسة الجبال وهي من صميم علم الجيولوجيا، فالجبال أوتاد، وهي رواسي، وهي ضمان لثبات القشرة الأرضية ومنعها من أن تضطرب ويختل توازنها 112.

3.وقوله تعالى: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) } [ق:6] .

والآية تشير إلى كيفية البناء لهذه المجرات، وكيف تتشكل وكيف تزين السماء كما تزين اللآلئ العقد، وتأمل أيضًا ماذا يقول البيان الإلهي مخاطبًا هؤلاء العلماء وغيرهم من غير المؤمنين: {أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (6) } [ق:6] حتى الفراغ بين المجرات والذي ظنه العلماء أنه خالٍ تمامًا، اتضح حديثًا أنه ممتلئ تمامًا بالمادة المظلمة، وهذا يثبت أن السماء خالية من أية فروج أو شقوق أو فراغ 113.

ثالثًا: الإشارات الإعجازية في الكيمياء:

الكيمياء هي: علم يدرس المواد الطبيعية والاصطناعية لتحديد تراكيبها ومكوناتها والتغيرات التي تحدث عندما تتحد مع بعضها لتشكل مواد أخرى 114.

وهناك آيات تشير إلى علم الكيمياء منها:

1.قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (30) } [الأنبياء:30] فالآية من أبلغ ما جاء في القرآن في تقرير حقيقة علمية أدرك العلماء سرها فمعظم العمليات الكيماوية اللازمة للحياة والنمو تحتاج إلى الماء، وهو العنصر الأساسي لاستمرار الحياة لجميع الكائنات والنباتات 115.

ويقرر العلم الحديث في تفسير هذه الآية الكريمة أن الماء يدخل في بناء أي جسم حي إذ هو في الحقيقة قوام حياته، فالماء في نظر العلم هو المكون الأصلي في تركيب مادة الخلية، والخلية هي وحدة البناء في كل شيء حي نباتًا كان أو حيوانًا، كما أن علم الكيمياء في أبحاثه الحديثة قد أثبت أن الماء عنصر لازم وفعال في كل ما يحدث من التحولات والتفاعلات التي تتم داخل الأجسام، فهو إما وسط، أو عامل مساعد، أو داخل في هذا التفاعل أو ناتج عنه، وتقول الآيات الكريمة في قصة خلق آدم أبي البشر عليه السلام أنه خلق من طين، والطين هو خليط من الماء والتراب، أي: أن الماء عنصر أساسي في تكوين أي شيء حي 116.

2.وقوله تعالى: {وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِي مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ (68) ثُمَّ كُلِي مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ فَاسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلًا يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (69) } [النحل:68 - 69] .

اشتملت الآية الكريمة على إشارات إلى علم الكيمياء وكثير من النواحي الطبية التي اكتشفها الطب الحديث والتي تعتبر من معجزات القرآن العلمية، لقد أثبتت جميع المعامل الطبي العالمية أن عسل النحل يشتمل على مواد تعالج الكثير من الأمراض، كما أن له مفعولًا كبيرًا في شفاء الكثير من الأمراض؛ لأنه يقتل الكثير من الميكروبات، ثم هو يحتوي على نسبة عظيمة من الفيتامينات والجلوكوز على أنه ضد التسمم الناشئ من أمراض التسمم البولي، والاضطرابات المعدية، والمعوية، وأكبر منشط للكبد، وأن التحليل العلمي للآية الكريمة يقتضي منا أن نتحدث عن مشتملات العسل على الترتيب الآتي:

أولًا: الخمائر.

ثانيًا: الأملاح المعدنية الموجودة في العسل.

ثالثًا: العسل قلوي.

رابعًا: الفيتامينات الموجودة في العسل.

وبتقدم علم الكيمياء أمكن تحليل العسل ومعرفة تركيبه الكيماوي بدقة كبيرة، فالعسل يتكون أساسًا من سكري العنب والفواكه، وعدد كبير من الأملاح المعدنية، والخمائر والفيتامينات، والمركبات النباتية الفعالة ونسبة من الماء.

وجميع السكريات التي تدخل الجسم معقدة التركيب ولا يمكن للجسم أن يستفيد منها إلا بعد تحليلها .. أما عسل النحل فإن الجسم سيفيد منه سريعًا 117.

3.وقوله تعالى: {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (25) } [مريم:25] .

أثبت التحليل العلمي للرطب أنه يحتوي على مادة تخفف ضغط الدم عند السيدات الحوامل، وتؤثر تأثير كبيرًا في مساعدة السيدات الحوامل على سهولة الولادة، وقد قدم الدكتور عبد العزيز شرف بحثًا علميًا عن الرطب وتأثيره على الحامل أثبت فيه أن التمر يقوي انقباضات عضلات الرحم وخصوصًا في الشهور الأخيرة من الحمل، ويقول الدكتور شرف أنه استرشد في بحثه هذا بالآية القرآنية الكريمة من سورة مريم {وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا} .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت