وفي الآية تحذير من المخالفة، فإذا كان الله بصيرًا بأعمال عباده فليحذروا من مخالفة أمره ونهيه؛ ولهذا قال: (إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ أي: إنه تعالى بصير بأعمال العباد، لا يغفل عن شيء، ولا يخفى عليه شيء، فيجازي عليها 43.
وأخبر الله تعالى في القرآن أيضًا أنه خبير بأعمال عباده.
قال تعالى: (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) [البقرة: 234] .
وقال: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) [النساء: 94] .
وقال: (إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) [النور: 30] .
وكأن هذه الجملة: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا) جاءت تعليلية، تحمل الوعد والوعيد؛ إذ علم الله بأعمال العباد صالحها وفاسدها يستلزم الجزاء عليها، فمتى كانت صالحة كان الجزاء حسنًا، وفي هذا وعده، ومتى كانت فاسدة كان الجزاء سوءًا، وفي هذا وعيده 44.
وأخبر الله تعالى أيضًا في القرآن الكريم أنه عليم بأعمال عباده، فقال: (إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) [المؤمنون: 51] .
وقال (وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) [النور: 28] .
فهو (عَلِيمٌ) بأعمال عباده من خير وشر، وسيجزيهم على ذلك أتم الجزاء 45. وفق علمه واطلاعه على أعمالهم.
ولا يعلم الله العمل الظاهر من العبد فحسب، بل حتى ما يضمره في قلبه، ويخفيه في نفسه، قال تعالى: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ?) [الأحزاب: 51] .
يقول: والله يعلم ما في قلوب الرجال من ميلها إلى بعض من عنده من النساء دون بعض بالهوى والمحبة، يقول: فلذلك وضع عنك الحرج يا محمد فيما وضع عنك من ابتغاء من ابتغيت منهن، ممن عزلت تفضلًا منه عليك بذلك وتكرمة (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَلِيمًا) [الأحزاب: 51] .
يقول: وكان الله ذا علم بأعمال عباده، وغير ذلك من الأشياء كلها 46.
ومما يدل على ذلك قوله: (تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي) [المائدة: 116] .
بإحاطة الله به، وخص النفس بالذكر لأنها مظنة الكتم والانطواء على المعلومات، والمعنى: أن الله يعلم ما في نفس عيسى، وقوله: (وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ) [المائدة: 116] .
معناه: ولا أعلم ما عندك من المعلومات، وما أحطت به 47.
ومما يبين ذلك أيضًا قوله تعالى: (وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ? وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَ?لِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ ?61?) [يونس: 61] .
فمراد الآية وصف إحاطة الله تعالى بكل شيء، ومعنى اللفظ: (مَا تَكُونُ) يا محمد، والمراد هو وغيره (فِي شَأْنٍ) من جميع الشؤون (وَمَا تَتْلُو مِنْهُ) الضمير عائد على (شَأْنٍ) ، أي: فيه وبسببه من قرآن، ويحتمل أن يعود الضمير على جميع القرآن، ثم عم بقوله: (وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ) وفي قوله: (إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا) تحذير وتنبيه 48.
ومما يبين ذلك قوله تعالى: (سَوَاءٌ مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ(10) ں) [الرعد: 10] .
ومعنى هذه الآية: معتدل منكم في إحاطة الله تعالى وعلمه من أسر قوله، فهمس به في نفسه (وَمَن جَهَرَ بِهِ) فأسمع، فلا يخفى على الله تعالى شيء.
وقوله تعالى: (وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ) معناه: من هو بالليل في غاية الاختفاء، ومن هو متصرف بالنهار ذاهب لوجهه، سواء في علم الله تعالى وإحاطته بهما، وذهب ابن عباس رضي الله عنهما ومجاهد إلى معنى مقتضاه: أن «المستخفي والسارب» هو رجل واحد، مريب بالليل، ويظهر بالنهار البراءة في التصرف مع الناس 49.
وأخبر الله تعالى عن نفسه أنه لا يغفل عن عمل الخلق، فقال: (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [البقرة: 85] وقال: (وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) [هود: 123] وقال: (وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ) [إبراهيم: 42] .
ومعنى الآيات: أن الله ليس بغافل عن عملكم، بل محيط بأعمالكم، ونياتكم، ومكركم السيئ، فمجازيكم عليه أشر الجزاء 50.
والغفلة: السهو والنسيان، والمراد أنه سبحانه محيط بأعمال هؤلاء الذين كتموا الحق، لا تخفى عليه منها خافية، وسيحاسبهم عليها حسابًا عسيرًا، ويعاقبهم على مزاعمهم الباطلة عقابًا أليمًا، فالجملة الكريمة تهديد ووعيد لأهل الكتاب 51.
وأخبر الله تعالى أنه شهيد على ما يفعله العباد.
قال تعالى: (ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى? مَا يَفْعَلُونَڑ) [يونس: 46] .
وقال: (وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى? مَا تَعْمَلُونَ) [آل عمران: 98] .
قال ابن عباس رضي الله عنهما: يريد أنه حاضر لأعمالكم.
ومعنى الآية: أن الله تعالى وبخهم على كفرهم، وأخبر أنه لا ينفعهم الاستمرار به؛ لأنه شهيد على أعمالهم 52.
قال ابن الجوزي: وأما الشهيد، فقال ابن قتيبة: هو بمعنى الشاهد، وقال الخطابي: هو الذي لا يغيب عنه شيء، كأنه الحاضر الشاهد 53.
والمقصود: أن الله تعالى (شَهِيدٌ) على ما يعمله عباده، حاضر معهم، ناظر إلى نياتهم في أعمال الخير والشر، فيجازيهم بها، فهو عالم علم المعاين الحاضر القائم الحاكم على ما يعملون دائمًا، سواء أكان العمل عمل القلب، أم كان العمل عمل الجوارح.
فالله تعالى شهيد عالم معاين حاكم قوام على ما تعملون من خير ومن شر، فالنص السامي يتضمن توبيخًا على الكفر، وتهديدًا بالعقاب الشديد على ما يعملون؛ لأن الله تعالى إذا كان شهيدًا على ما يفعلون، وهو الحكم العدل القادر على الثواب والعقاب، فإنه بلا ريب مجازيهم على فعلهم، ومحاسبهم على مقاصدهم في أقوالهم وأفعالهم.
وأخبر الله تعالى أنه محيط بما يفعله العباد.
قال تعالى: (? إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [هود: 92] .
وقال: (إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [آل عمران: 120] .
وقال: (وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا) [النساء: 108] .
وقال: (? وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا) [النساء: 126] .
وقال: (وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) [الأنفال: 47] .
فهذه الآيات ونظيراتها تدل على أنه لا يخفى على الله شيء من أعمال عباده؛ فهو محيط بأعمالهم كلها، علمًا وقدرة، وسوف يجازيهم عليها في الدنيا والآخرة.
ففي قوله: (إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ) تذييل، قصد به إدخال الطمأنينة على قلوب المؤمنين، والرعب في قلوب أعدائهم، أي: إنه سبحانه محيط بأعمالهم، وبكل أحوالهم، ولا تخفى عليه خافية منها، وسيجازيهم عليها بما يستحقونه من عذاب أليم بسبب نياتهم الخبيثة، وأقوالهم الذميمة، وأفعالهم القبيحة 54.
وأعلى من هذا أنه قد أحاط بكل شيء علمًا، ليست إحاطته لأعمال العباد فقط، بل بكل شيء، قال تعالى: (أَلَا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطٌ [فصلت: 54] .
وقال: (وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ) [البروج: 20] .
قال الطبري: (وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ) بأعمالهم، محصٍ لها، لا يخفى عليه منها شيءٌ، وهو مجازيهم على جميعها 55.
ففي قوله: (وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ) وجوه:
أحدها: أن المراد وصف اقتداره عليهم، وأنهم في قبضته وحوزته، كالمحاط إذا أحيط به من ورائه، فسد عليه مسلكه، فلا يجد مهربًا، يقول تعالى: فهو كذا في قبضتي، وأنا قادر على إهلاكهم، ومعاجلتهم بالعذاب على تكذيبهم إياك، فلا تجزع من تكذيبهم إياك، فليسوا يفوتونني إذا أردت الانتقام منهم.
وثانيها: أن يكون المراد من هذه الإحاطة قرب هلاكهم، كقول تعالى: (وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا) [الفتح: 21] وقوله: (إِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ) [الإسراء: 60] وقوله: (وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ ?) [يونس: 22] فهذا كله عبارة عن مشارفة الهلاك، يقول: فهؤلاء في تكذيبك قد شارفوا الهلاك.
وثالثها: أن يكون المراد: والله محيط بأعمالهم، أي: عالم بها، فهو مرصد بعقابهم عليها 56.
والخلاصة: أن هذه الآيات تدل على أن الله تعالى محيط بأعمال العباد كلها، ظاهرها، وباطنها، صغيرها وكبيرها، فمجازيهم عليها، وفيها وعيد وتهديد، يعني: أنه تعالى عالم بجميع الأشياء، لا يخفى عن علمه شيء؛ لأنه محيط بأعمال العباد كلها، فيجازي المحسنين، ويعاقب المسيئين.
ونظير هذه الآيات قوله تعالى: (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ? وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا) [النساء: 126] .
قال السعدي: وهذه الآية الكريمة فيها بيان إحاطة الله تعالى بجميع الأشياء، فأخبر أنه له (مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: الجميع ملكه وعبيده، فهم المملوكون، وهو المالك المتفرد بتدبيرهم، وقد أحاط علمه بجميع المعلومات، وبصره بجميع المبصرات، وسمعه بجميع المسموعات، ونفذت مشيئته وقدرته بجميع الموجودات، ووسعت رحمته أهل الأرض والسماوات، وقهر بعزه وقهره كل مخلوق، ودانت له جميع الأشياء 57.
ولعل المتمعن في هذه الآيات التي جاء فيها الإخبار بعلم الله وخبرته وإطلاعه على ما يعمله الملائكة والجن والإنس وتنوعها، وما جاء فيها من تقريرات حاسمة عن إحاطة الله بكل شيء في كل آن، وشمول قدرته لكل شيء، واستغنائه عن كل عون في تصريف ملكوت السماوات والأرض يدرك مدى قدرة الله وعظمته، ومدى إحاطته بكل شيء، وقدرته على كل شيء، وعدم طروء ما يطرأ على البشر من غفلة ونسيان عليه، ونفي أي مشابهة له في الأسماء والصفات، والقدرة الشاملة.
وفيها: إشارة إلى سعة إحاطة الله بأعمال الناس ونواياهم، فهو يعلم كل حركة من حركاتهم، خفيها وظاهرها، حتى ما يدق على المشاهدين مما تنطوي عليه لحظات العيون، وتخفيه الصدور من النوايا المريبة.
فهو السميع لكل شيء، النافذ بصره إلى كل شيء، وهو الذي سيقضي بين الناس بالحق وفق أعمالهم، أما الشركاء الذين يدعوهم المشركون مع الله فليس لهم أي قدرة على شيء، أو القضاء في أي شيء، أو النفوذ إلى أي شيء 58.
وقد قال في آية أخرى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى? عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ) [آل عمران: 5] وهذه الجملة السامية تفيد تمام إحاطة الله تعالى في علمه، فهو سبحانه وتعالى يتجلى له كل شيء، ولو كان خافيًا عن الناس أو من شأنه الخفاء؛ ولذلك جاء التعبير عن العلم الكامل، ببيان نفي الخفاء عليه سبحانه؛ وذلك لأن العالم المحيط قد يخفى عليه شيء، لكن علم الله غير ذلك، فهو علم لا خفاء معه في شيء مطلقًا؛ وإذا كان الله سبحانه وتعالى عليمًا بكل شيء، لا يخفى عليه شيء فهو يعلم القلوب وما تخفيه، وما تكنه السرائر، وما تكنه الضمائر، فهو يعلم البواعث على الكفر، وأنها ليست نقصًا في الدليل، ولكنها مآرب الدنيا، والعصبية الجنسية والمذهبية، فليس الذين ينكرون ما جاء به محمد مخلصين في إنكارهم، بل هي لجاجة العناد، وجحود المستيقن.
وذكر سبحانه السماء والأرض للإشارة إلى أن علمه قد وسع كل شيء وسع السماوات والأرض، وليس الإنسان وما تحدثه به نفسه إلا شيئًا صغيرًا في هذا الملكوت العظيم؛ وذلك العالم بأرضه وسمائه، وأكد نفي الخفاء بتكرار «لا» في قوله تعالى: (وَلَا فِي السَّمَاءِ) فذكرها ثانيًا تأكيد؛ لأنه لا يخفى عليه شيء 59.
وقال في آية أخرى: (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا ? وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا ?وَكَفَى? بِنَا حَاسِبِينَ) [الأنبياء: 47] قال السعدي: يخبر تعالى عن حكمه العدل، وقضائه القسط بين عباده، إذا جمعهم في يوم القيامة، وأنه يضع لهم الموازين العادلة، التي يبين فيها مثاقيل الذر الذي توزن بها الحسنات والسيئات (فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ) مسلمة أو كافرة (شَيْئًا) بأن تنقص من حسناتها، أو يزاد في سيئاتها.
(وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ) التي هي أصغر الأشياء وأحقرها من خير أو شر (أَتَيْنَا بِهَا) وأحضرناها ليجازى بها صاحبها، (وَكَفَى? بِنَا حَاسِبِينَ) يعني: بذلك نفسه الكريمة، فكفى به حاسبًا، أي: عالمًا بأعمال العباد حافظًا لها، مثبتًا لها في الكتاب، عالمًا بمقاديرها، ومقادير ثوابها وعقابها، واستحقاقها موصلًا للعمال جزاءها 60.
ويجد المتأمل في آيات القرآن الكريم أن الله تعالى كثيرًا ما يقرن بين اسمه تعالى «العليم» و «الخبير» عند الكلام على علمه وخبرته بأعمال عباده، كما في قوله: (فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَ?ذَا ? قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ) [التحريم: 3] وإيثار وصفي العليم الخبير هنا دون الاسم العلم «الله» لما فيهما من التذكير بما يجب أن يعلمه الناس من إحاطة الله تعالى علمًا وخبرًا بكل شيء.
والعليم: القوي العلم، وهو في أسمائه تعالى دال على أكمل العلم، أي: العلم المحيط بكل معلوم.
والخبير: أخص من العليم؛ لأنه مشتق من خبر الشيء إذا أحاط بمعانيه ودخائله؛ ولذلك يقال: خبرته، أي: بلوته، وتطلعت بواطن أمره.
والفرق بين الخبر والعلم وسائر الأشياء الدالة على صفة العلم أن الفائدة متى حصلت من موضع الحضور سميت مشاهدة، والمتصف بها هو الشاهد والشهيد، وكذلك إن حصلت عن طريق السمع أو البصر، فالمتصف بها سميع وبصير، وكذلك إن حصلت عن علم أو علامة فهو العلم، والمتصف به العالم والعليم، وإن حصلت عن استكشاف ظاهر المخبور عن باطنه ببلوى أو امتحان أو تجربة، أو تبليغ فهو الخبر، والمسمى به الخبير.
قال الغزالي في «المقصد الأسنى» : العلم إذا أضيف إلى الخفايا الباطنة سمي خبرة، وسمي صاحبها خبيرًا، وحظ العبد من ذلك أن يكون خبيرًا بما يجري في عالمه وعالمه قلبه وبدنه، والخفايا التي يتصف القلب بها من الغش والخيانة، والتطواف حول العاجلة، وإضمار الشر، وإظهار الخير، والتجمل بإظهار الإخلاص مع الإفلاس عنه، لا يعرفها إلا ذو خبرة بالغة قد خبر نفسه ومارسها، وعرف مكرها وتلبيسها وخدعها، فحاذرها وتشمر لمعاداتها، وأخذ الحذر منها، فذلك من العباد جدير بأن يسمى خبيرًا 61.
والمقصود: أن علم الله تعالى بأعمال العباد ومجازاتهم عليها قاطع لكل شك بأن الله هو إله الحق، وأن ما يدعون من دونه من أوثان هو الباطل، وقاطع بأن الله تعالى ذا الألوهية الحقة هو العلي الكبير، أي: ذو العلو المطلق الكبير الذي ليس شيء أكبر منه؛ إذ هو رب كل شيء ومالكه، والقاهر له، والمتحكم فيه، لا إله إلا هو، ولا رب سواه، الذي يعلم ما خفي، وما ظهر، قال تعالى: (وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَعْلَمُ مَا تُكِنُّ صُدُورُهُمْ وَمَا يُعْلِنُونَ) [النمل: 74] أي: إن ربك وخالقك -جل جلاله- يعلم أحوال هؤلاء الذين معك، فيعلم منافقهم وكافرهم، وصادقهم وكاذبهم، يعلم ما يكنون في أنفسهم، ويجعلونه مكنونًا مستورًا مخفيًا.
ويعلم ما يعلنون، أي: وما يظهرونه، ويتجاهرون به، هل هو كما يظهرونه ويعلنونه، هو النفاق والكذب والدجل، فالله تعالى محيط بهم، محيط بأعمالهم، سميع لأقوالهم، وهذا في مقام التهديد والوعيد، فالله يعلم كل أحوالهم ما أخفوا وما أعلنوا، فلا يطمعوا يومًا في أن يظهروا لك شيئًا لا وجود له لتعتقده؛ لأن الله الخالق يعلم منهم ما خفي، وما أعلن 62.
ومما يدل على إحاطة الله بعمل الخلق، أنه يسألهم عنها، ويجازيهم بها، فلا تهمل، ولا تضيع، بل يسأل الله عنها، ويجازي عليها.
قال تعالى: (وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [النحل: 93] .
وقال: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) [النحل: 97] .
وقال: (وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَحْسَنَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ) [العنكبوت: 7] .
فهذه الآيات وغيرها تدل على أن العباد مسؤولون عن أعمالهم، مجزيون عنها، خيرًا أو شرًا، يسألهم الله عنها، ويجازيهم بها، وهذا يدل على إحاطته سبحانه وتعالى بتلك الأعمال، وإحصائها، وكتابتها، وأنها محفوظة، لا تضيع، ولا تنسى، ولا تهمل.
قال في البحر: وتوعد بالسؤال عن العمل، فقال: (وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) وهو سؤال توبيخ، لا سؤال تفهم، وسؤال التفهم هو المنفي في آيات، ثم قال: يعني: سؤال المحاسبة والمجازاة 63.
وهو خطاب لجميع الناس، ومثله في التأكيد والعموم قوله في سورة الحجر: (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ?93? [الحجر: 92 - 93] .
وأكد السؤال بتأكيدين، اللام والنون، أي: عما تعملون من عمل ضلال، أو عمل هدى، والسؤال: كنية عن المحاسبة؛ لأنه سؤال حكيم، تترتب عليه الإنارة، وليس سؤال استطلاع 64.
قال ابن عرفة: واختلف الناس في المباح هل تكتبه الحفظة، ويتعلق فيه السؤال أو لا؟
وعموم الآية تدل على أنه يسأل عنه، ويكتب؛ لأن «ما» إن كانت موصولة بمعنى «الذي» فهي عامة؛ لأن «الذي» معرف بالألف واللام، وهذه بمعناه، وإن كانت مضافة، فيعم بالإضافة 65.
والمقصود: أن مما يدل على إحاطة الله بأعمال المكلفين، أنه يحصيها، ويسأل عنها، قال: (وَلَتُسْأَلُنَّ) والسؤال سؤال محاسبة وجزاء، لا سؤال استفهام واستعلام (عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) «عما» أي: «عن ما» و «ما» اسم موصول، والاسم الموصول من صيغ العموم، أي: سيحاسبنا الله سبحانه وتعالى على كل ما عملنا، من خير، أو شر، والقسم على أن الخلق سيحاسبون مع التأكيد بنون التوكيد زيادة في التهديد والوعيد.
ومما يدل على إحاطة الله بعمل الخلق، وإحصائه عليهم، أن الله تعالى ابتلاهم بالعمل، ليتم على وفق ذلك الجزاء، والفلاح أو الهلاك، فلما ابتلاهم بالعمل كان من اللازم أن يحصي عليهم أعمالهم؛ ليجازيهم بها في الآخرة.
قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [هود: 7] .
وقال: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الكهف: 7] .
وقال: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك: 2] .
فهذه الآيات تدل على أن الله خلق الخلق، وكلفهم بالعمل الصالح، وأحصاه عليهم؛ ليجازيهم به يوم القيامة.
قال البيضاوي: أي خلق ذلك كخلق من خلق؛ ليعاملكم معاملة المبتلي لأحوالكم كيف تعملون، فإن جملة ذلك أسباب ومواد لوجودكم ومعاشكم، وما تحتاج إليه أعمالكم، ودلائل وأمارات تستدلون بها، وتستنبطون منها 66.
فالاستخلاف في الأرض منوط بالعمل الصالح، فالله يستخلف قومًا بعد آخرين؛ لينظر كيف يعملون، خيرًا أو شرًا، فيعاملهم على حسب عملهم، وبما أن الله يعلم ما سيكون في المستقبل في كل أنحاء الكون ومن المخلوقات، فيكون المقصود إقامة الدليل الحسي والمادي المشاهد على الناس من خلال أعمالهم الواقعية، وليس معنى الآية بأن الله تعالى ما كان عالمًا بأحوال الخلق قبل وجودهم؛ وإنما المراد منه أنه تعالى يعامل العباد معاملة من يطلب العلم بما يكون منهم، ليجازيهم بحسبه، كقوله: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك: 2] 67.
فبين الحكمة من خلقه الخلائق، فقال: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [هود: 7] ولم يقل: أكثر عملًا.
وقال في أول سورة الكهف: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا) ثم بين الحكمة في خلق الأرض وزينتها، قال: (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الكهف: 7] .
وقال في أول سورة الملك: (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) ثم بين الحكمة، فقال: (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) [الملك: 2] .
فهذه الآيات دلت على أنه خلق الخلق ليمتحنهم، وهذا لا ينافي: (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ? وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) [الذاريات: 56] أي: إلا لآمرهم بعبادتي على ألسنة رسلي، وأمتحنهم فيظهر المحسن منهم وغير المحسن، وبين النبي صلى الله عليه وسلم أن طريق الإحسان محصورة في هذا الزاجر الأكبر، والواعظ الأعظم، وهو أن يعلم العبد الضعيف الذليل المسكين أن جبار السماوات والأرض مطلع عليه، حاضر لا يغيب عنه شيء من فعله، يعلم كل ما يفعل؛ ولذا فجميع الخلائق الله جل وعلا مطلع عليهم، لا يخفى عليه شيء من أعمالهم، لا يغيب عنه شيء من أعمالهم؛ ولذا قال: (فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِم بِعِلْمٍ ? وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ) [الأعراف: 7] 68.
أشار القرآن الكريم إلى أنواعٍ من العمل، وإلى بعض شروطها، ومن هذه الأعمال:
أولًا: العمل الصالح:
العمل الصالح في مفهوم القرآن هو جميع الطاعات التي أمر الله بها، وأمر بها رسوله صلى الله عليه وسلم، وكل عمل يحبه الله ويرضاه فهو من العمل الصالح، بل يتعدى ذلك إلى كل عمل قصد به فاعله وجه الله تعالى، وكان موافقًا لهدي رسوله، وإن كان فعلًا عاديًا، يفعله الإنسان بدافع العادة.
وقد عبر الله عنه في القرآن بالعمل الصالح، وبالصالحات، وبالحسنات، والطاعة، والحسنة، والخير، وغير ذلك من الألفاظ التي تدل على العمل الصالح.
قال تعالى: (وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ) [فاطر: 10] .
وقال: (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) [البقرة: 25] .
وقال: (مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا) [الأنعام: 160] .
وقال: (إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ?) [هود: 114] .
وقال: (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ) [محمد: 21] .
وقال: (وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَں) [الحج: 77] .
ففي قوله: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: الخصال والفعلات الصالحات، نعت لاسم مؤنث محذوف.
ومعناه: أخلصوا الأعمال، يدل عليه قوله: (فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا) [الكهف: 110] .
أي: خالصًا؛ لأن المنافق والمرائي لا يكون عمله خالصًا، وقال ابن عباس -رضي الله عنهما-: (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) فيما بينهم وبين ربهم، وقال: العمل الصالح يكون فيه أربعة أشياء: العلم، والنية، والصبر، والإخلاص.
وقال سهل بن عبد الله: لزموا السنة؛ لأن عمل المبتدع لا يكون صالحًا.
وقيل: أدوا الأمانة، يدل عليه قوله: (وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا) [الكهف: 82] . أي: أمينًا.
وقيل: تابوا، ودليله قوله تعالى: (وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ) [يوسف: 9] . أي: التائبين 69.
والعمل الصالح أيضًا هو ما يصلح للقبول، وهو ما يؤدى على الوجه المأمور به، ويقال: العمل الصالح ما كان بنعت الخلوص، وصاحبه صادق فيه، ويقال: هو الذي لا يستعجل عليه صاحبه حظًا في الدنيا من أخذ عوض، أو قبول جاه، أو انعقاد رياسة، وما في هذا المعنى 70.
فالصالحات: هي الأعمال التي تعود بالخير عليك، أو على غيرك، وأضعف الإيمان في عمل الصالح أن تترك الصالح في ذاته على صلاحه فلا تفسده، كأن تجد بئرًا يشرب منه الناس فلا تطمسه ولا تلوثه، فإن رقيت العمل الصالح، فيمكنك أن تزيد من صلاحه، فتبني حوله جدارًا يحميه، أو تجعل له غطاءً.
قال ابن عثيمين: و (الصَّالِحَاتِ) هي: التي كانت خالصة لله، وموافقة لشريعة الله.