فهرس الكتاب

الصفحة 1413 من 2431

ويقول الطبري رحمه الله: «يقول تعالى ذكره: هؤلاء الذين وصفنا صفتهم، وآتيناهم الثواب الذي ذكرناه، الذين صيروا في الله على ما نابهم في الدنيا {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} يقول: وبالله يثقون في أمورهم، و إليه يستندون في نوائب الأمور التي تنوبهم» 123.

وقال الخازن: « {الَّذِينَ صَبَرُوا} على الشدائد، ولم يتركوا دينهم لشدةٍ لحقتهم، وقيل: صبروا على الهجرة ومفارقة الأوطان، وعلى أذى المشركين، وعلى المحن والمصائب، وعلى الطاعات، وعن المعاصي، {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} أي: يعتمدون على الله في جميع أمورهم» 124.

ويقول ابن سعدي رحمه الله: «ثم ذكر وصف أوليائه فقال: {الَّذِينَ صَبَرُوا} على أوامر الله وعن نواهيه، وعلى أقدار الله المؤلمة، وعلى الأذية فيه والمحن {وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} أي: يعتمدون عليه في تنفيذ محابه، لا على أنفسهم، وبذلك تنجح أمورهم، وتستقيم أحوالهم؛ فإن الصبر والتوكل ملاك الأمور كلها، فما فات أحدًا شيء من الخير إلا لعدم صبره، وبذل جهده فيما أريد منه، أو لعدم توكله واعتماده على الله» 125.

فعلى الإنسان أن يتحلى بهذا الخلق العظيم؛ ليكون داخلًا في هذا الثناء العظيم من رب كريم، صبر على طاعة الله تبارك وتعالى وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله.

ثالثًا: بيان العاقبة الحسنة للصابرين:

إن المتأمل في الكون يلحظ أن لكل شيء نهاية، ولكل شيء عاقبة، والعاقبة قد تكون حسنة مُسرة لصاحبها، وقد تكون سيئة مُحزنة لصاحبها، وفيما يلي سنذكر -بعون الله لنا- العاقبة الحسنة للصابرين، والإنسان في هذه الحياة معَرض للبِلَى والمصائب والمحن، فإن صبر على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى المكارة والأقدار؛ فإن عاقبة الصبر تكون حسنة، والصبر صعب لا يستطيع الإنسان عليه إلا بمجاهدة نفسه عليه، والطلب من الله تبارك وتعالى التوفيق له والإعانة.

ومن ذلك: قول الله سبحانه وتعالى: {إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} [آل عمران: 120] .

يخبر الله تبارك وتعالى في هذه الآية بأن من صبر واتقى الله تبارك وتعالى؛ فإن عاقبة ذلك عدم مقدرة عدوهم الإضرار بهم، وأخبرهم بأنه بما يعملون محيط، ومن أصدق من الله قيلًا، ومن أصدق من الله حديثًا.

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «العداوة منهم للمؤمنين وهو أنه إذا أصاب المؤمنين خصب، ونصر وتأييد، وكثروا وعز أنصارهم؛ ساء ذلك المنافقين، وإن أصاب المسلمين سَنَة -أي: جَدْب-أو أُديل عليهم الأعداء، لما لله في ذلك من الحكمة، كما جرى يوم أُحُد؛ فَرح المنافقون بذلك، قال الله تعالى مخاطبًا عباده المؤمنين: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} يرشدهم تعالى إلى السلامة من شر الأشرار وكَيْدِ الفُجار، باستعمال الصبر والتقوى، والتوكل على الله الذي هو محيط بأعدائهم، فلا حول ولا قوة لهم إلا به، وهو الذي ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يقع في الوجود شيء إلا بتقديره ومشيئته، ومن توكل عليه كفاه» 126.

ثم قال تبارك وتعالى في آية أخرى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [آل عمران: 186] .

وقال: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} [الشورى: 43] .

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «يقول تعالى للمؤمنين عند مَقْدمهم المدينَة قبل وقعة بدر، مسليًا لهم عما نالهم من الأذى من أهل الكتاب والمشركين، وآمرًا لهم بالصبر والصفح والعفو؛ حتى يفرج الله، فقال: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} » 127.

وقد قيل: «الصبر مفتاح الفرج» .

وأخبر الله أن العُسر يعقبه يُسر كما في قوله: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 5] .

ثم أكد ذلك بأداة التوكيد «إن» فقال: {إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا} [الشرح: 6] .

قال الشنقيطي رحمه الله: «ذكر في هذه الآية الكريمة أن المؤمنين سيبتلون في أموالهم وأنفسهم، وسيسمعون الأذى الكثير من أهل الكتاب والمشركين، وأنهم إن صبروا على ذلك البلاء والأذى واتقوا الله؛ فإن صبرهم وتقاهم {مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} ، أي: من الأمور التي ينبغي العزم والتصميم عليها لوجوبها.

وقد بين في موضع آخر أن من جملة هذا البلاء: الخوف والجوع وأن البلاء في الأنفس والأموال هو النقص فيها، وأوضح فيه نتيجة الصبر المشار إليها هنا بقوله: {فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} ، وذلك الموضع هو قوله تعالى: {وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (155) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (156) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155 - 157] .

وبقوله: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ} [التغابن: 11] .

ويدخل في قوله: {وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ} الصبر عند الصدمة الأولى، بل فسره بخصوص ذلك بعض العلماء، ويدل على دخوله فيه قوله قبله: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} .

وبين في موضع آخر أن خصلة الصبر لا يعطاها إلا صاحب حظ عظيم، وبخت كبير، وهو قوله: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} [فصلت: 35] .

وبين في موضع آخر أن جزاء الصبر لا حساب له، وهو قوله: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} [الزمر: 10] » 128.

ومنها: قوله تبارك وتعالى: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ} [الأنعام: 34] .

قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: «هذه تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم وتعزية له فيمن كذبه من قومه، وأمر له بالصبر، كما صبر أولو العزم من الرسل، ووعد له بالنصر كما نصروا، وبالظفر حتى كانت لهم العاقبة، بعد ما نالهم من التكذيب من قومهم والأذى البليغ، ثم جاءهم النصر في الدنيا، كما لهم النصر في الآخرة؛ ولهذا قال: {وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ} أي: التي كتبها بالنصر في الدنيا والآخرة لعباده المؤمنين» 129.

ومنها: قول الله تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} [هود: 11] .

بيَن الله سبحانه في هذه الآية عاقبة الصابرين في الشدائد والمكاره، والعاملين لصالحات في الرخاء والعافية بأن لهم مغفرة من الله بما يصيبهم من الضراء، {وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} بما أسلفوه في الرخاء 130.

وقد قال النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كما في حديث: (ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب، ولاسقم ولاحزن، حتى الهم يهمه إلا كفر به من سيئاته) 131.

وحديث: (فصبر كان خيرًا له) 132.

ومنها: قوله تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} [هود: 49] .

قال ابن جرير الطبري رحمه الله: «إن الخير من عواقب الأمور لمن اتقى الله، فأدَى فرائضه، واجتنب معاصيه، فهم الفائزون بما يؤمِلون من النعيم في الآخرة، والظفر في الدنيا بالطلبة، كما كانت عاقبة نوح إذ صبر لأمر الله، أنْ نجَاه من الهلكة مع من آمن به، وأعطاه في الآخرة ما أعطاه من الكرامة، وغرَق المكذبين به فأهلكهم جميعهم» 133.

ومنها: قوله تبارك وتعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [يوسف: 90] .

أخبر الله تبارك وتعالى أن من يتق فعل ما حرم الله عليه، ويصبر على المصائب والأقدار والطاعات؛ فإن هذا من الإحسان وأن الله لا يضيع أجر المحسنين.

ومنها: قوله تبارك وتعالى: {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 24] .

قال ابن سعدي رحمه الله: «أي: حلت عليكم السلامة، والتحية من الله، وحصلت لكم، وذلك متضمن لزوال كل مكروه، ومستلزم لحصول كل محبوب، {بِمَا صَبَرْتُمْ} أي: صبركم هو الذي أوصلكم إلى هذه المنازل العالية، والجنان الغالية، {فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} » 134.

وأخبر سبحانه أنه تعالى يغفر لمن ابتلاه فصبر، فقال: {ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 110] .

قال العلامة ابن سعدي رحمه الله: «أي: ثم إن ربك الذي ربى عباده المخلصين بلطفه وإحسانه؛ لغفور رحيم لمن هاجر في سبيله، وخلى دياره وأمواله؛ طلبًا لمرضاة الله، وفتن على دينه؛ ليرجع إلى الكفر، فثبت على الإيمان، وتخلص ما معه من اليقين، ثم جاهد أعداء الله؛ ليدخلهم في دين الله بلسانه ويده، وصبر على هذه العبادات الشاقة على أكثر الناس، فهذه أكبر الأسباب التي تنال بها أعظم العطايا وأفضل المواهب، وهي مغفرة الله للذنوب صغارها وكبارها، المتضمن ذلك زوال كل أمر مكروه، ورحمته العظيمة التي بها صلحت أحوالهم، واستقامت أمور دينهم ودنياهم، فلهم الرحمة من الله في يوم القيامة» 135.

ومنها: قوله سبحانه وتعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} [النحل: 126] .

وقال الشنقيطي رحمه الله: «الأمر في قوله: {فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ} للجواز، والله لا يأمر إلا بحسن؛ فدل ذلك على أن الانتقام حسن، ولكن الله بين أن العفو والصبر خير منه وأحسن في قوله: {وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} .

وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، كقوله تعالى في إباحة الانتقام: {وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ} [الشورى: 41] .

مع أنه بين أن الصبر والغفران خير منه، في قوله بعده: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} .

وكقوله في جواز الانتقام: {لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ} [النساء: 148] .

مع أنه أشار إلى أن العفو خير منه» 136.

ومنها: قول الله تبارك وتعالى: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} [المؤمنون: 111] .

قال ابن كثير رحمه الله: «أخبر عما جازى به أولياءه، وعباده الصالحين، فقال: {إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا} أي: على أذاكم لهم واستهزائكم منهم، {أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ} أي: جعلتهم هم الفائزين بالسعادة والسلامة والجنة، الناجين من النار» 137.

فبسبب صبرهم في هذه الحياة الدنيا على أذى الكفار لهم، وسخريتهم بهم، وبصبرهم على طاعة الله، وامتثال أمره تعالى، واجتناب نهيه؛ جازاهم الله بأن جعلهم في يوم القيامة من الفائزين.

ومنها: قوله تبارك وتعالى: {أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (75) } [الفرقان: 75] .

اسم الاسم الإشارة في {أُولَئِكَ} عائد إلى عباد الله المؤمنين، أصحاب الصفات المتقدمة، وأخبر أنهم سيجزون الغرفة، وهي الجنة؛ بسبب صبرهم في هذه الحياة على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى أقدار الله ويبتدرون فيها بالتحية والسلام والإكرام، من قِبل ملائكة الرحمن {وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (23) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 23 - 24] .

ومنها: قوله تعالى: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [القصص: 54] .

أخبر الله في هذه الآية بأنه تعالى يُعطي الصابرين يوم القيامة أجرهم مرتين، وهذه الآية في أهل الكتاب، فهم يؤتون أجرهم بإيمانهم بالرسول الأول، وإيمانهم بالرسول الثاني، وما ذلك إلا بسبب صبرهم على اتباع الحق، ثم إن الله تبارك وتعالى تفضل على المؤمنين من هذه الأمة مثل ذلك كما في قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ} [الحديد: 28] .

وزادهم على ذلك بقوله: {وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} .

رابعًا: من خلال عرض القصص القرآني:

إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم واجهوا في سبيل دعوتهم ألوان الأذى، تكذيبًا واستهزاءً وسخريةً، أوذوا بالقول والفعل، قال الله سبحانه: {وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا} [الأنعام: 34] .

أي: أن الأنبياء قبلك أوذوا؛ فصبروا حتى أتاهم نصر الله عز وجل الذي وعدهم، ثم أمره بالصبر كما في قوله: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} [الأحقاف: 35] .

وقد صبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على أذى قومه وتكذيبهم، فاتهمه كفار قريش بالتكذيب {وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ} [ص: 4] .

وقال عنهم: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا} [الفرقان: 4] .

وتقول أمنا عائشة رضي الله عنها كما في البخاري للنبي صلى الله عليه وسلم: «هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد، قال: (لقد لقيت من قومك ما لقيت، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت؛ فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب 138 فرفعت رأسي، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت؛ فإذا فيها جبريل؛ فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال؛ لتأمره بما شئت فيهم؛ فناداني ملك الجبال؛ فسلم عليَ، ثم قال: يا محمد، فقال، ذلك فيما شئت، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين 139؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئًا) » 140.

ووضع سلا الجزور 141 على ظهره وهو ساجد بأبي هو وأمي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك فصبر على كل ما لاقى حتى مكنه الله سبحانه وتعالى.

ولقد ضرب الله تبارك وتعالى لنا في كتابه الكريم نماذج رائعة جدًا تجسدت فيها حقيقة الصبر، ذكروا بصبرهم في القرآن؛ ليقتدي بهم الصابرون، النموذج الأول عن لون من ألوان الصبر وهو الصبر على طاعة الله عز وجل، ومن ذلك صبر إبراهيم عليه السلام في الدعوة إلى الله حتى أنه صبر صبرًا قويًا، وعانى من التكذيب والرفض والضرب والإبعاد، فهُدد بالإلقاء في النار؛ حتى قذف فيها، فقال الله مخبرًا عن ذلك: {قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (68) قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ} [الأنبياء: 68 - 69] .

فما كان منه إلا أن قال: حسبنا الله ونعم الوكيل كما روى ذلك البخاري عن ابن عباس رضي الله عنهما: « {حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [آل عمران: 173] .

قالها إبراهيم عليه السلام حين ألقي في النار، وقالها محمد صلى الله عليه وسلم حين قالوا: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} » 142.

ومن ذلك صبره على ترك زوجته هاجر وولده إسماعيل عليه السلام في مكة، وهي أرض لا أنيس فيها، ولا ماء فيها، ولا صديق ولا قريب، ويرجع من عندهم ويقول حاكيًا ذلك: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} [إبراهيم: 37] .

وعن سعيد بن جبير قال ابن عباس رضي الله عنهما: (أَوَلَ مَا اتَخَذَ النِسَاءُ المِنْطَقَ مِنْ قِبَلِ أُمِ إِسْمَاعِيلَ، اتَخَذَتْ مِنْطَقًا لِتُعَفِيَ أَثَرَهَا عَلَى سَارَةَ، ثُمَ جَاءَ بِهَا إِبْرَاهِيمُ وَبِابْنِهَا إِسْمَاعِيلَ وَهِيَ تُرْضِعُهُ، حَتَى وَضَعَهُمَا عِنْدَ البَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ، فَوْقَ زَمْزَمَ فِي أَعْلَى المَسْجِدِ، وَلَيْسَ بِمَكَةَ يَوْمَئِذٍ أَحَدٌ، وَلَيْسَ بِهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُمَا هُنَالِكَ، وَوَضَعَ عِنْدَهُمَا جِرَابًا فِيهِ تَمْرٌ، وَسِقَاءً فِيهِ مَاءٌ، ثُمَ قَفَى إِبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُ إِسْمَاعِيلَ فَقَالَتْ: يَا إِبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وَتَتْرُكُنَا بِهَذَا الوَادِي، الَذِي لَيْسَ فِيهِ إِنْسٌ وَلاَ شَيْءٌ؟ فَقَالَتْ لَهُ ذَلِكَ مِرَارًا، وَجَعَلَ لاَ يَلْتَفِتُ إِلَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ: آللَهُ الَذِي أَمَرَكَ بِهَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَتْ: إِذَنْ لاَ يُضَيِعُنَا، ثُمَ رَجَعَتْ، فَانْطَلَقَ إِبْرَاهِيمُ حَتَى إِذَا كَانَ عِنْدَ الثَنِيَةِ حَيْثُ لاَ يَرَوْنَهُ، اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ البَيْتَ، ثُمَ دَعَا بِهَؤُلاَءِ الكَلِمَاتِ) 143.

وفعلًا لم يضيعهم رب العالمين تبارك وتعالى، رغم أنه تركهم في وادٍ لا زرع فيه، ولا ماء، ولا مرعى، ولا أكل.

ثم بعد ذلك رأى في منامه أنه يذبح ولده إسماعيل عليه السلام ورؤيا الأنبياء حق وصدق كما في قول رب العزة والجلال: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (102) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (103) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (104) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (105) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (106) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (107) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (108) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (109) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (110) إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ} [الصافات: 99 - 111] .

ثم إن إبراهيم الخليل عليه الصلاة والسلام بدأ بتنفيذ ما رأى، وعرض ذلك على ولده إسماعيل عليه السلام؛ فلم يقابل ذلك بالرفض، وإنما قابل ذلك بالتسليم والاستسلام لأبيه -عليهما الصلاة والسلام-، ولأمر الله طواعية واختيارًا، وكان إسماعيل عليه السلام هو الابن الوحيد لإبراهيم عليه السلام حينئذ، ولم يأته إلا بعد أن طال عمره، ثم إن تعلق الأب بابنه لا يوصف، لكن تعلقه بالله تبارك وتعالى أعظم، وطاعته لله فوق كل ذلك، فلم يتأول إبراهيم عليه السلام الرؤيا لصالحه، ولكن بادر بالامتثال، وعرض على ابنه ما رأى عرضًا في غاية الإيجاز والسهولة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت