فهرس الكتاب

الصفحة 354 من 2431

الأجل

أولًا: المعنى اللغوي:

أصل مادة (أ ج ل) تدل على خمس معانٍ مختلفة، كل واحدةٍ أصلٌ في نفسها 1.

وأما (الأَجَل) : فغاية الوقت، سواء في الموت، أو الدين، وغير ذلك 2.

ويقال للمدة المضروبة لحياة الإنسان: أجل، فيقال: دنا أجله، عبارة عن دنو الموت 3.

واسْتَأْجَلْتُه فَأَجَلَنِي، جعلني إلى مدةٍ 4.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

يطلق الأجل في الاصطلاح على الوقت الذي ينتهي عنده الأجل 5.

ويطلق على مدة الحياة كلها 6.

فالأجل: الوقت الذي قدر الله تعالى فيه انقضاء الأشياء الكونية والشرعية، أو الموعد الذي حدده غاية لمعاملاتهم.

وردت مادة (أجل) في القرآن (56) مرة، يخص موضوع البحث منها (55) مرة 7.

والصيغ التي وردت بها هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 2 ... {لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (12) } [المرسلات:12]

اسم المفعول ... 1 ... {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا} [آل عمران:145]

الاسم المفرد ... 51 ... {مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ} [العنكبوت:5]

الاسم المثنى ... 1 ... {أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ} [القصص:28]

وجاء الأجل في الاستعمال القرآني بالمعنى اللغوي، وهو: المدة المضروبة للشيء؛ سواء أكانت مضروبة لحياة الإنسان كما في قوله تعالى: {لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (49) } [يونس:49] .

أو لعدة المرأة كما في قوله تعالى: {فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ} [الطلاق:2] . أو غير ذلك 8.

1.العمر:

العمر لغةً:

أصل مادة (ع م ر) تدل على معنين:

أحدهما: بقاءٌ وامتداد زمانٍ.

والآخر: شيءٌ يعلو، من صوتٍ أو غيره.

فالأول العُمُر، وهو الحياة، وهو العَمْر أيضًا 9.

العمر اصطلاحًا:

اسم لمدة عمارة البدن بالحياة، والتعمير: إعطاء العمر بالفعل أو بالقول على سبيل الدعاء 10.

الصلة بين الأجل والعمر:

فرق العسكري بينهما بقوله: الأجل: هو آخر مدة العمر المضروبة في علمه تعالى، فهو لا يتبدل، والعمر: هو ما يتبدل ويحتمل الزيادة والنقصان» 11.

الوقت:

الوقت لغةً:

وقت: قال الليث: الوقت: مقدارٌ من الزمان. وكل شيءٍ قدرت له حينًا فهو موقت، وكذلك ما قدرت غايته فهو موقت. والميقات: مصدر الوقت ... ويقال: وقتٌ موقوتٌ وموقت 12.

الوقت اصطلاحًا:

المقدار المحدود من الزمن 13.

الصلة بين الأجل والوقت:

وبالنظر في تعريف الوقت وتعريف الأجل نجد أن بينهما خصوصًا وعمومًا مطلقًا، فكل وقتٍ أجلٌ على اعتبار أن الوقت هو: نهاية الزمان المفروض للعمل 14.

وهذا هو الأجل كما رأينا سابقًا -، وليس العكس فليس كل أجل وقتٌ على اعتبار أن الوقت هو: المقدار من الدهر 15.

المدة:

المدة لغةً:

مددت الشيء فامتد والمادة الزيادة المتصلة، ومد الله في عمره. ومده في غيه، أي أمهله وطول له ... ورجلٌ مديد القامة، أي: طويل القامة، ومدةٌ من الزمان: برهة منه 16.

المدة اصطلاحًا:

هي حركة الفلك من مبدئها إلى منتهاها مع تلاصق أجزائها وتعاقب أبعاضها 17.

الصلة بين الأجل والمدة:

أما الفرق بينهما فالأجل في الأصل موضوع للمدة المضروبة للشيء.

قال الله تعالى: {وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى} [غافر:67] . في المدة المضروبة لحياة الإنسان 18.

وعليه فالأجل نهاية المدة المعلومة.

1.ارتبطت الآجال التي قدرها الله تعالى ارتباطًا وثيقًا بقدر الله في هذا الكون، فبعضها قد استأثر الله بعلمه وبعضها قد عرفه لخلقه وبعضها قد وضعه البشر مواقيت بينهم، وكل ذلك بحكمة الله وعلمه وتقديره وأسرار حكمته وتشريعه.

أولًا: العلم بالآجال:

ظهر لنا من التعريف القرآني للأجل أن الأجل إما أن يكون كونيًا أو شرعيًا مقدرًا من الله تعالى، أو أن يكون أجلًا مضروبًا بين الناس بعضهم بعضًا، وعليه فإن العلم بالأجل فرعٌ عن هذه الأقسام على النحو الآتي:

1.آجال اختص الله بعلمها.

وهي الآجال التي قدرها الله تعالى في هذا الكون والحياة الدنيا والآخرة من الخلق والتكوين والعمر والموت والعذاب والإهلاك والبعث والقيامة ومقادير السماوات والأرض والأفلاك.

قال تعالى في بيان استئثاره بعلم أجل الخلق والموت والنشور (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن طِينٍ ثُمَّ قَضَى? أَجَلًا ? وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ ? ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ) [الأنعام: 2] .

ومعنى قوله أي: لا يعلمه إلا هو، كقوله: (إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ? لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ) [الأعراف: 187] .

وكقوله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ?42?فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا ?43?إِلَى? رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا) [النازعات: 42 - 44] 19.

وقال جل ثناؤه في تقدير وقوع الهلاك على الأمم المستحقة له: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ ? وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) [العنكبوت: 53] .

«يقول تعالى ذكره: ويستعجلك يا محمد هؤلاء القائلون من قومك: لولا أنزل عليه آية من ربه بالعذاب، ويقولون: (اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَ?ذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) [الأنفال: 32] .

ولولا أجل سميته لهم فلا أهلكهم حتى يستوفوه ويبلغوه، لجاءهم العذاب عاجلًا.

وقوله: (وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) يقول: وليأتينهم العذاب فجأة، وهم لا يشعرون بوقت مجيئه قبل مجيئه» 20.

أما أجل الحياة وانقضاؤها بالموت ففيه آيات كثيرة.

قال تعالى: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُم بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُم بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى? أَجَلٌ مُّسَمًّى ? ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) [الأنعام: 60] .

«يعني تعالى ذكره: (ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ) ، يثيركم ويوقظكم من منامكم (فِيهِ) يعني: في النهار، و (الهاء) التي في (فِيهِ راجعة على(پ) (بِالنَّهَارِ) ، يقول: ليقضي الله الأجل الذي سماه لحياتكم، وذلك الموت، فيبلغ مدته ونهايته 21.

وقد كتب الله لهذه الدنيا أجلًا وختامًا هو وقت البعث والنشور لا يعلم وقته إلا هو.

قال جل ذكره: (إِنَّ فِي ذَ?لِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ ? ذَ?لِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَ?لِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ ?103?وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) [هود:103 - 104] .

أي: ما نؤخر إقامة القيامة إلا لأنه قد سبقت كلمة الله في وجود أناسٍ معدودين من ذرية آدم، وضرب مدة معينة إذا انقطعت وتكامل وجود أولئك المقدر خروجهم قامت الساعة. ولهذا قال: (وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ) أي: لمدةٍ مؤقتةٍ لا يزاد عليها ولا ينتقص منها 22.

وبين سبحانه أنه خلق الأفلاك وقدر سيرها وانقضاء أجلها بعلمه: (وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ? كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى) [الرعد: 2] .

يقول جل ثناؤه: كل ذلك يجري في السماء (لِأَجَلٍ مُسَمًّى) : أي: لوقت معلوم، وذلك إلى فناء الدنيا وقيام القيامة التي عندها تكور الشمس، ويخسف القمر، وتنكدر النجوم 23 24.

ومما استأثر الله بعلمه من آجال الخلق والتكوين أيضًا مدة مكث الجنين في رحم أمه، قال تعالى: (وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى? أَجَلٍ مُسَمًّى) [الحج: 5] .

والأجل: الأمد المجعول لإتمام عملٍ ما، والمراد هنا: مدة الحمل ... ولكل مولودٍ مدةٌ معينةٌ عند الله لبقائه في رحم أمه قبل وضعه. والأكثر استكمال تسعة أشهرٍ وتسعة أيامٍ، وقد يكون الوضع أسرع من تلك المدة لعارضٍ، وكلٌ معينٌ في علم الله تعالى 25.

مراتب الغيب: إن لعلم الغيب مراتب، أعلاها: ما اختص بعلمه الله وحده، ومن الغيب ما أطلع عليه ملائكته، ولكنه غيبٌ بالنسبة لبقية الملائكة وللبشر عمومًا، فهذا غيب نسبي.

وقد ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية هذا في تفسيره، لقوله تعالى (ثُمَّ قَضَى? أَجَلًا ? وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ? ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ) [الأنعام: 2] . حيث بين علة تقييد الأجل المسمى الثاني بـ (عنده) فقال: أما قوله سبحانه: (ثُمَّ قَضَى? أَجَلًا ? وَأَجَلٌ مُّسَمًّى عِندَهُ) [الأنعام: 2] .

فالأجل الأول هو أجل كل عبدٍ؛ الذي ينقضي به عمره، والأجل المسمى عنده هو: أجل القيامة العامة. ولهذا قال: (مُّسَمًّى عِندَهُ) فإن وقت الساعة لا يعلمه ملكٌ مقربٌ ولا نبيٌ مرسلٌ، كما قال: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا ? قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي ? لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ?) [الأعراف: 187] .

بخلاف ما إذا قال: (مُّسَمًّى) كقوله: (إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى? أَجَلٍ مُسَمًّ) [البقرة: 282] .

إذ لم يقيد بأنه مسمًى عنده فقد يعرفه العباد، وأما أجل الموت فهذا تعرفه الملائكة الذين يكتبون رزق العبد وأجله وعمله وشقيٌ أو سعيدٌ، كما قال في الصحيحين عن ابن مسعودٍ قال: حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق: (إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه أربعين يومًا نطفةً، ثم يكون علقةً مثل ذلك، ثم يكون مضغةً مثل ذلك، ثم يبعث إليه الملك فيؤمر بأربع كلماتٍ فيقال: اكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقيٌ أو سعيدٌ، ثم ينفخ فيه الروح) 26.

فهذا الأجل الذي هو أجل الموت قد يعلمه الله لمن شاء من عباده. وأما أجل القيامة المسمى عنده فلا يعلمه إلا هو 27.

2.آجالٌ شرعها الله لبعض معاملات البشر.

وهي بطبيعة الحال آجالٌ عرفها الله عباده ليتعبدوه بالتزامها واتباعها فهي معلومة مرقومة جعلها الله آجالًا لبعض العبادات والمعاملات كعدة المطلقة والمتوفى عنها زوجها وكتابة الدين ووقت نحر الهدي.

قال تعالى: (لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى? أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ) [الحج: 33] .

والأجل المسمى هو وقت نحرها، وهو يومٌ من أيام منًى. وهي الأيام المعدودات 28.

3.ما ضربه الناس بينهم من آجال باختيارهم.

وهو معلوم أيضًا بطبيعة الحال كسابقه، ولكنه يخالفه في أن القسم الثاني أجلٌ شرعيٌ مقدرٌ من عند الله وهذا أجلٌ وضعه البشر فيما بينهم وقد ورد عليه مثال واحدٌ في كتاب الله تعالى وهو الأجل الذي جعله أبو المرأتين اللتين سقا لهما نبي الله موسى عليه السلام على موسى.

قال تعالى: (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى? أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ? فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ? وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ? سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ قَالَ ذَ?لِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ ? أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ ? وَاللَّهُ عَلَى? مَا نَقُولُ وَكِيلٌ ?28?) [القصص:27 - 28] .

(ثَمَانِيَ حِجَجٍ) صاحب مدين لموسى (قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى? أَنْ تَأْجُرَنِي) أي: تصير أجيرًا عندي، (فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ) أي: ثماني سنين، (وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ) تبرع منك، لا شيء واجب عليك، (عُدْوَانَ عَلَيَّ) فأحتم عشر السنين، أو ما أريد أن أستأجرك لأكلفك أعمالًا شاقة، وإنما استأجرك لعمل سهل يسير لا مشقة فيه ... فـ (قل) موسى عليه السلام - مجيبًا له فيما طلبه منه: (ذَ?لِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ) أي: هذا الشرط، الذي أنت ذكرت، رضيت به، وقد تم فيما بيني وبينك، (أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ سواء قضيت الثماني الواجبة، أم تبرعت بالزائد عليها،(وَاللَّهُ عَلَى? مَا نَقُولُ وَكِيلٌ) حافظ يراقبنا، ويعلم ما تعاقدنا عليه 29.

فهذا عقدٌ بين أبي المرأتين وموسى عليه السلام بأن يكون مهر تزويج موسى لابنته عملًا، وليس الأجل المضروب هنا أجلًا شرعيًا؛ كونه اندرج في معاملة شرعية، وهي مهر الزواج فالمهر هو العمل وليس الأجل ولم يرد في شرع الله تأقيتٌ لأي عملٍ يكون مهرًا، فالتأقيت هنا عقدٌ بشري والدليل على ذلك أن الرجل خير موسى بين أجلين.

ثانيًا: الأجل بين المحو والإثبات:

قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً ? وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ? لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ? وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) [الرعد:38 - 39] .

لكل أجلٍ كتابٌ، يقول: لكل أمرٍ قضاه الله كتابٌ قد كتبه فيه، وقيل: فيه تقديمٌ وتأخيرٌ، تقديره أي: لكل كتابٍ أجلٌ ومدةٌ أي: الكتب المنزلة لكل واحدٍ منها وقتٌ ينزل فيه 30.

لم يقع الخلاف بين السلف في معنى (لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) إلا على قولين متقاربين كما رأيت أعلاه، ولكن الخلاف الكبير وقع بينهم في معنى المحو والإثبات في الآية التي تليها والمتصلة بها اتصالًا وثيقًا.

قال تعالى: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ? وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ) [الرعد: 39] .

وسأسوق باختصار أقوالهم قبل أن أحاول الوقوف على أرجحها وأكثرها ارتباطًا بالنص القرآني:

سعيد بن جبيرٍ وقتادة: يمحو الله ما يشاء من الشرائع والفرائض فينسخه ويبدله ويثبت ما يشاء منها فلا ينسخه.

ابن عباسٍ: يمحو الله ما يشاء ويثبت إلا الرزق والأجل والسعادة والشقاوة.

عمر وابن مسعود: يمحو السعادة والشقاوة أيضًا، ويمحو الرزق والأجل ويثبت ما يشاء.

الضحاك والكلبي: يكتب القول كله حتى إذا كان يوم الخميس طرح منه كل شيءٍ ليس فيه ثوابٌ ولا عقابٌ.

عطية عن ابن عباسٍ: هو الرجل يعمل بطاعة الله عز وجل، ثم يعود لمعصية الله فيموت على ضلالةٍ، فهو الذي يمحو، والذي يثبت الرجل يعمل بطاعة الله، فيموت وهو في طاعة الله عز وجل، فهو الذي يثبت.

الحسن: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ) أي: من جاء أجله يذهب به، ويثبت من لم يجئ أجله إلى يوم أجله.

سعيد بن جبيرٍ: يمحوا الله ما يشاء من ذنوب العباد فيغفرها، ويثبت ما يشاء فلا يغفرها.

السدي: (يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ) يعني: القمر، ويثبت يعني الشمس، بيانه قوله تعالى: (فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً) [الإسراء: 12] .

الربيع: هذا في الأرواح يقبضها الله عند النوم، فمن أراد موته محاه فأمسكه، ومن أراد بقاءه أثبته ورده إلى صاحبه، بيانه قوله عز وجل: (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) [الزمر: 42] 31.

ويمكن إجمال هذه الأقوال في اتجاهات خمسة هي:

1.أن الآية تتحدث عن القدر الذي كتبه الله تعالى سواء في اللوح المحفوظ أو كتبته الملائكة في الصحف.

2.أن الآية تتحدث عن الشرائع السماوية نسخًا وإثباتًا.

3.أن الآية تتحدث عن كتابة الحسنات والسيئات على الأعمال.

4.أن الآية تتحدث عما نفذ من قضاء الله تعالى وما لم يزل مؤجلًا في الأزل.

5.أن الآية تتحدث عن أحداث كونية لبعض مخلوقات الله كالأفلاك والروح.

ولكي نحاول ترجيح أولى الأقوال بمعنى الآية فإننا ينبغي أن نقف على سياق الآية، فإن السياق من المقيدات والمحددات كما هو معلوم عند أهل التفسير، فهذه الآيات تتحدث عن رجوع الأمر إلى الله في كل شأن، حتى في شأن أوليائه الأنبياء وشأن المعجزات التي يأتون بها تأييدًا لدعوة الله، فحتى هذا النبي الذي إنما يأتي بالمعجزات نصرة لدين الله وتأييدًا له، لا يمكن أن يأتي بهذه الآية إلا بإذن الله تعالى وتقديره.

يقول ابن كثير: وقوله: (وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ? لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ) [الرعد: 38] .

أي: لم يكن يأتي قومه بخارقٍ إلا إذا أذن له فيه، ليس ذلك إليه بل إلى الله عز وجل، يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، (لكل أجل كتاب) أي: لكل مدةٍ مضروبةٍ، كتابٌ مكتوبٌ بها، وكل شيءٍ عنده بمقدارٍ (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ? إِنَّ ذَ?لِكَ فِي كِتَابٍ ? إِنَّ ذَ?لِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ) [الحج:70] 32.

إذًا فأرجح الأقوال في تفسير المحو والإثبات هو القول الأول المتعلق بما قدره الله تعالى وكتبه على عباده، ولكن ما معنى المحو والإثبات هنا؟ وهل يتغير قدر الله كما يظهر من لفظ الآية؟

لن نخوض في أقوال العلماء في هذه المسألة التي خاضوا فيها كثيرًا، وهي من مسائل العقيدة في مبحث القضاء والقدر ولكننا نختار ألصق الأقوال بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد فصل شيخ الإسلام ابن تيمية في هذه المسألة فقال: وفي الصحيحين عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (من سره أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) 33.

وقد قال بعض الناس: إن المراد به: البركة في العمر بأن يعمل في الزمن القصير ما لا يعمله غيره إلا في الكثير، قالوا: لأن الرزق والأجل مقدران مكتوبان، فيقال لهؤلاء: تلك البركة، وهي الزيادة في العمل والنفع، هي أيضًا مقدرةٌ مكتوبةٌ وتتناول لجميع الأشياء، والجواب المحقق: أن الله يكتب للعبد أجلًا في صحف الملائكة فإذا وصل رحمه زاد في ذلك المكتوب، وإن عمل ما يوجب النقص نقص من ذلك المكتوب.

ونظير هذا ما في الترمذي وغيره عن النبي صلى الله عليه وسلم: (أن آدم لما طلب من الله أن يريه صورة الأنبياء من ذريته، فأراه إياهم فرأى فيهم رجلًا له بصيصٌ فقال: من هذا يا رب؟ فقال: ابنك داود، قال: فكم عمره؟ قال: أربعون سنةً، قال: وكم عمري؟ قال: ألف سنةٍ، قال: فقد وهبت له من عمري ستين سنةً، فكتب عليه كتابٌ، وشهدت عليه الملائكة، فلما حضرته الوفاة قال: قد بقي من عمري ستون سنةً، قالوا: وهبتها لابنك داود، فأنكر ذلك فأخرجوا الكتاب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: فنسي آدم فنسيت ذريته، وجحد آدم فجحدت ذريته) 34.

فهذا داود كان عمره المكتوب أربعين سنةً ثم جعله مائةً.

وهذا معنى ما روي عن عمر أنه قال: اللهم إن كنت كتبتني شقيًا، فامحني واكتبني سعيدًا، فإنك تمحو ما تشاء وتثبت 35.

والله سبحانه عالمٌ بما كان وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون؛ فهو يعلم ما كتبه له، وما يزيده إياه بعد ذلك، والملائكة لا علم لهم إلا ما علمهم الله، والله يعلم الأشياء قبل كونها وبعد كونها، فلهذا قال العلماء: إن المحو والإثبات في صحف الملائكة، وأما علم الله سبحانه فلا يختلف، ولا يبدو له ما لم يكن عالمًا به، فلا محو فيه ولا إثبات 36.

وقد ساق الألوسي شواهد كثيرة على تحقق وقوع المحو والإثبات في قضاء الله عز وجل، نذكر بعضها هنا من كلامه:

«ورأيت في نسخة لبعض الأفاضل كانت عندي وفُقِدَت في حادثة بغداد، ألفت في هذه المسألة، وفيها أنه ما من شيء إلا ويمكن تغييره وتبديله حتى القضاء الأزلي، واستدل لذلك بأمور:

6.منها: أنه قد صح من دعائه صلى الله عليه وسلم في القنوت: (وقني شر ما قضيت) 37، وفيه طلب الحفظ من شر القضاء الأولي، ولو لم يمكن تغييره ما صح طلب الحفظ منه.

7.ومنها: ما صح في حديث التراويح من عذره صلى الله عليه وسلم عن الخروج إليها، وقد اجتمع الناس ينتظرونه لمزيد رغبتهم فيها بقوله: (خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها) 38، فإنه لا معنى لهذه الخشية لو كان القضاء الأزلي لا يقبل التغيير، فإنه إن كان قد سبق القضاء بأنها ستفرض فلا بد أن تفرض، وإن سبق القضاء بأنها لا تفرض فمحال أن تفرض على ذلك الفرض، على أنه قد جاء في حديث فرض الصلاة ليلة المعراج بعد ما هو ظاهر في سبق القضاء بأنها خمس صلوات مفروضة لا غير، فما معنى الخشية بعد العلم بذلك لولا العلم بإمكان التغيير والتبديل.

8.ومنها: ما صح أنه صلى الله عليه وسلم كان يضطرب حاله الشريف ليلة الهواء الشديد حتى أنه لا ينام، وكان يقول في ذلك: (أخشى أن تقوم الساعة) ، فإنه لا معنى لهذه الخشية أيضًا مع إخبار الله تعالى أن بين يديها ما لم يوجد إذ ذاك؛ كظهور المهدي، وخروج الدجال، ونزول عيسى عليه السلام، وخروج يأجوج ومأجوج، ودابة الأرض، وطلوع الشمس من مغربها، وغير ذلك مما يستدعي تحققه زمانًا طويلًا، فلو لم يكن عليه الصلاة والسلام يعلم أن القضاء يمكن تغييره، وأن ما قضي من أشراطها يمكن تبديله، ما خشي صلى الله عليه وسلم من ذلك.

9.ومنها: أن المبشرين بالجنة كانوا من أشد الناس خوفًا من النار، حتى أن منهم من كان يقول: «ليت أمي لم تلدني» ، وكان عمر رضي الله تعالى عنه يقول: «لو نادى منادٍ: كل الناس في الجنة إلا واحدًا، لظننت أني ذلك الواحد» ، وهذا مما لا معنى له مع إخبار الصادق وتبشيره له بالجنة، والعلم بأن القضاء لا يتغير.

10.ومنها: أنه لولا إمكان التغيير لَلُغِيَ الدعاء؛ إذ المدعو به إما أن يكون قد سبق القضاء بكونه، فلا بد أن يكون، وإلا فمحال أن يكون، وطلب ما لا بد أن يكون، أو محال أن يكون، لغوٌ مع أنه قد ورد الأمر به، والقول بأنه لمجرد إظهار العبودية والافتقار إلى الله تعالى وكفى بذلك فائدة، يأباه ظاهر قوله: (? ? ?) [غافر: 60] .

11.وأيضًا: أخرج الحاكم وصححه عن ابن عباس قال: «لا ينفع الحذر من القدر، ولكن الله تعالى يمحو بالدعاء ما يشاء من القدر» 39» 40.

ثالثًا: أسرار إخفاء الآجال:

كما ذكرنا سابقًا فإن من الأجل ما استأثر الله بعلمه، ومنه ما يعلمه البشر فما هي الأسرار والحكم التي تكون وراء إخفاء هذه الآجال عن البشر؟

لقد أخفى الله تعالى الآجال المرتبطة بحياة الإنسان؛ من انقضاء عمرٍ، وحلول عذابٍ، ويوم بعثٍ ونشورٍ، وإنما كان هذا لحكمٍ كثيرة، لعل من أهمها فتح باب الاجتهاد والعمل، وإغلاق باب التفريط والتسويف وطول الأمل، فإن العبد الذي لا يدري متى ينقضي عمره وينتهي أجله، يبقى في ترقبٍ دائمٍ، وتوقعٍ مستمرٍ لمفارقة هذه الدنيا، وبالتالي فإن صاحب كل ذي عقلٍ ينبغي أن يستعد ليوم الحساب، ويتأهب ليوم الفراق الذي لا يعرف متى وقوعه، فهذا يحمله على دوام التأهب، والحرص على ألا يغادر إلا وهو على عمل خير وخاتمة رشد.

قال الله تبارك وتعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (102) } [آل عمران:102] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت