استخلف المولى سبحانه وتعالى الإنسان في الأرض لعمارتها واستثمار خيراتها ومواردها، وسخر له كل ما في الكون من سماء وأرض وما بينهما، وأغدق عليه نعمه، ليتمكن من القيام بواجب الاستخلاف، وسنوضح ذلك من خلال النقاط الآتية:
أولًا: الموارد الاقتصادية نعمة إلهية:
من كمال ربوبية الله تعالى لعباده وقيوميته عليهم أنه سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض، وخلق لهم جميع ما يحتاجونه في هذه الحياة الدنيا من مستلزمات.
وقد حمد ربنا جل وعلا ذاته العلية على ذلك في قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة:2] .
أي: هو تعالى المربي جميع العالمين، بخلقه إياهم، وإعداده لهم الآلات، وإنعامه عليهم بالنعم العظيمة، التي لو فقدوها، لم يمكن لهم البقاء، فما بهم من نعمة، فمنه تعالى، وهو معنى ربوبيته العامة لخلقه 30.
وربوبية الله تعالى لخلقه ليست مادية فقط، بل هي ربوبية عامة تشمل الأمور المعنوية أيضًا، ومن ذلك إرساله الرسل، وإنزاله الكتب، وأنه فطر عباده على معرفته.
قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} [الكهف:1] 31.
ومن تلك المستلزمات الحياتية التي أنعم الله بها على عباده الموارد الاقتصادية، من الغذاء واللباس والمعادن والصخور والأخشاب والتراب وغيرها من مقومات الحياة والبناء والصناعة والعمل، وقد امتن الله تعالى على عباده بذلك في آيات كثيرة.
قال تعالى: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم:34] .
أي: خلق لعباده كل شيء مما يحتاجون إليه في ليلهم ونهارهم، وحضرهم وسفرهم، وفي جميع أحوالهم 32، و (ما) في قوله: {مَا سَأَلْتُمُوهُ} هي (ما) الموصولة، والتقدير: آتاكم من كل ذلك ما احتجتم إليه ولم تصلح أحوالكم ومعايشكم إلا به، فكأنكم سألتموه أو طلبتموه بلسان الحال 33.
وذلك من عظيم نعمة الله تعالى على عباده، أن هيأ لهم جميع ما يحتاجون إليه ويطلبونه لتقوم أمور حياتهم، ولذلك ذيل تعالى الآية بقوله: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا} ، ومن تلك النعم التي يحتاجها الإنسان في حياته ويسأل عنها الغذاء من الطعام والشراب، فهو قوت الإنسان الذي ينمو به ويعيش عليه، وقد امتن الله تعالى به على عباده في قوله: {وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (10) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (11) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (12) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (13) } [الرحمن:13] .
كما أقسم ببعض أنواعه في قوله: {وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ} [التين:1] .
وذلك تنبيهًا لعباده على أهمية هذه الأنواع، وكونها آية من آياته، وقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ} [إبراهيم:32] .
فامتن تعالى بمورد عزيز على الإنسان، هو الماء، الذي أنزله تبارك وتعالى من السحب، فأخرج لهم به من الثمرات المختلفة الأشكال والألوان، والطعوم والروائح والمنافع، وجعل من هذا الماء بحارًا تحمل السفن العظيمة وتنقلها المسافات البعيدة، وجعل منه الأنهار التي تشق الأرض من قطر إلى قطر، رزقًا للعباد؛ ليشربوا ويسقوا زروعهم وأنعامهم وغير ذلك من أنواع المنافع 34.