ومن تلك الموارد التي يحتاجها الإنسان في حياته ويسأل عنها: الأصواف والأوبار والقطن مما يحتاجه في لباسه، ووقاية جسده من الحر والبرد، وتزيين منظره وتحسينه، وقد امتن تعالى بذلك على عباده في قوله: {يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) } [الأعراف:26] .
وقال تعالى: {وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [النحل:81] .
والسرابيل الأولى في الآية: هي الثياب من القطن والكتان والصوف، وأما السرابيل الثانية في قوله: {وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ} فهي الدروع من الحديد المصفح والزرد وغير ذلك، ثم قال تعالى: {كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ} ، أي: هكذا يجعل لكم ما تستعينون به على أمركم، وما تحتاجون إليه، ليكون عونًا لكم على طاعته وعبادته 35.
وقال تعالى في بيان ما أنعمه على عباده من موارد الأرض الباطنة كالمعادن وغيرها: {وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [الحديد:25] .
أي: خلق الله تعالى الحديد وأوجده لعباده، «لتكون منه السيوف والرماح والدروع والسفن البحرية وما أشبه ذلك، وفيها القوة التي ترغم أنف الظالم، وتحمي المظلوم» 36، وفيه منافع للناس «وهو ما يشاهد من نفعه في أنواع الصناعات والحرف، والأواني وآلات الحرث، حتى إنه قل أن يوجد شيء إلا وهو يحتاج إلى الحديد» 37.
وقد ذكر الفخر الرازي كلامًا نفيسًا في منافع الحديد وفوائده.
قال رحمه الله: «وأما الحديد ففيه البأس الشديد فإن آلات الحروب متخذة منه، وفيه أيضًا منافع كثيرة، منها قوله تعالى: {وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ} [الأنبياء:80] .
ومنها أن مصالح العالم، إما أصول، وإما فروع، أما الأصول فأربعة: الزراعة، والحياكة، وبناء البيوت، والسلطنة، وذلك لأن الإنسان مضطر إلى طعام يأكله، وثوب يلبسه، وبناء يجلس فيه، والإنسان مدني بالطبع، فلا تتم مصلحته إلا عند اجتماع جمع من أبناء جنسه يشتغل كل واحد منهم بمهم خاص، فحينئذ ينتظم من الكل مصالح الكل، وذلك الانتظام لا بد وأن يفضي إلى المزاحمة، ولا بد من شخص يدفع ضرر البعض عن البعض، وذلك هو السلطان، فثبت أنه لا تنتظم مصلحة العالم إلا بهذه الحروف الأربعة، أما الزراعة فمحتاجة إلى الحديد، وذلك في كرب الأراضي وحفرها، ثم عند تكوُن هذه الحبوب وتولدها لا بد من خبزها وتنقيتها، وذلك لا يتم إلا بالحديد، ...
وأما الحياكة فمعلوم أنه يحتاج في آلات الحياكة إلى الحديد، ثم يحتاج في قطع الثياب وخياطتها إلى الحديد، وأما البناء فمعلوم أن كمال الحال فيه لا يحصل إلا بالحديد، وأما أسباب السلطنة فمعلوم أنها لا تتم ولا تكمل إلا بالحديد، وعند هذا يظهر أن أكثر مصالح العالم لا تتم إلا بالحديد، ويظهر أيضًا أن الذهب لا يقوم مقام الحديد في شيء من هذه المصالح فلو لم يوجد الذهب في الدنيا ما كان يختل شيء من مصالح الدنيا، ولو لم يوجد الحديد لاختل جميع مصالح الدنيا.
ثم إن الحديد لما كانت الحاجة إليه شديدة، جعله سهل الوجدان، كثير الوجود، والذهب لما قلَت الحاجة إليه جعله عزيز الوجود، وعند هذا يظهر أثر وجود الله تعالى ورحمته على عبيده» 38.
قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (21) } [الحجر:21] .
فبين تعالى أنه مالك كل شيء، وأن جميع خزائن الأشياء بمختلف أجناسها وأنواعها عنده، «أي: في أمره وحكمه وتدبيره» 39.
{وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ} أي: «حسب ما تقضى حكمته، مما يصلح به أمر الناس وتعمر الأرض» 40.
فالله تعالى ينزل لعباده ما يحتاجون إليه في هذه الحياة بالقدر الذي يحتاجونه، فإذا زادت حاجاتهم من ذلك فتح الله تعالى لهم من خزائنه ويسر أبوابًا جديدة في العلم والإنتاج ما يكفل لهم ذلك الاحتياج، فمثلًا في الوقود، كان الناس قديمًا يستعملون الحطب وخشب الشجر في تحصيله.