وقد ختم الله تعالى هذه الآيات باسمين من أسمائه الحسنى مطابقين لسياقها وهما: الواسع والعليم، فلا يستبعد العبد هذه المضاعفة ولا يضيق عنها عطنه، فإن المضاعف واسع العطاء واسع الغنى واسع الفضل ومع ذلك فلا يظن أن سعة عطائه تقتضي حصولها لكل منفق فإنه عليم بمن تصلح له هذه المضاعفة وهو أهل لها، ومن لا يستحقها ولا هو أهل لها، فإن كرمه وفضله لا يناقض حكمته بل يضع فضله مواضعه لسعته ورحمته ويمنعه من ليس من أهله بحكمته وعلمه 39.
ولعل هذا يشير إلى: أن الله سبحانه يعطي من فضله الواسع من يشاء عن كمال العلم بمن يستحق هذا العطاء، سواءً أكان هذا العطاء رحمةً، أو مغفرةً، أو ملكًا، أو مالًا، أو علمًا، أو أي نوع من أنواع العطاء، وعطاؤه سبحانه - فضلا عن كونه عن كمال العلم- فهو مع كمال الحكمة، وسعة المغفرة 40.
وجاء اسمه تعالى: (الواسع) مقترنًا باسمه (الحكيم) مرةً واحدةً في قوله تعالى: {وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130) } [النساء:130] .
إن اقتران اسم الله الواسع بالحكيم ناسب ذلك ذكر السعة؛ لأن اسمه الواسع عام في الغنى والقدرة والعلم وسائر الكمالات، وناسب ذكر وصف الحكمة، وهو وضع الشيء موضع ما يناسب 41.
قال الراغب الأصفهاني: «والواسع: عام في الغنى، والقدرة، والعلم، وعقبه بالحكم، منبهًا أن السعة ما لم يكن معها الحكمة، والعلم، كان إلى الفساد أقرب منها إلى الصلاح» 42.
فقد أخبر الله تعالى أنهما إذا تفرقا فإن الله يغنيه عنها ويغنيها عنه بأن يعوضه الله من هو خير له منها، ويعوضها عنه بمن هو خير لها منه، {وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا} أي: واسع الفضل، عظيم المن، حكيما، في جميع أفعاله وأقداره وشرعه، وتدبيره وقضاياه في خلقه 43.
جاء اسم الله (الواسع) سبحانه مضافًا إلى المغفرة مرةً واحدةً: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32) } [النجم:32] .
في إضافة اسمه سبحانه وتعالى: (الواسع) إلى المغفرة إشارة إلى أن مغفرة الله تعالى كثيرة، حيث يكفر الصغائر باجتناب الكبائر، والكبائر بالتوبة، وفي قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} إشارة كذلك إلى أن الكبائر إذا تاب الإنسان منها غفر الله له، وكأنها لم تكن، وإن لم يتب منها فهو تحت المشيئة: إن شاء غفر الله له، وإن شاء عاقبه بما يستحق، ويكون معنى قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} ، أي: رحمته وسعت كل شيء ومغفرته تسع الذنوب كلها لمن تاب منها، كقوله تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) } [الزمر:53] .
وفي الآية امتنان من الله تعالى على المذنبين بسعة مغفرته لكل الذنوب، فكأن السامعين لما سمعوا ذلك الامتنان شكروا الله وهجس في نفوسهم خاطر البحث عن سبب هذه الرحمة بهم فأجيبوا بأن ربهم أعلم بحالهم من أنفسهم فهو يدبر لهم ما لا يخطر ببالهم 44.
إن السعة نعمة من نعم الله تعالى التي ينعم بها على من يشاء من خلقه، ويمنعها على من يشاء من خلقه، وتجري على نعمة السعة كل الأحكام الشرعية المقررة على النعم، من واجب الشكر عليها وبذلها لمن هو محتاج إليها، وذلك في النقاط الآتية:
أولًا: السعة في المال:
إن السعة في المال نعمة إلهية يمنحها الله تعالى لمن يشاء، ويمنعها عمن يشاء.
قال تعالى: {اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ (26) } [الرعد:26] .
وقال سبحانه: {إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (30) } [الإسراء:30] .
وقال جل شأنه: {قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (36) } [سبأ:36] .
فالله سبحانه وتعالى يبسط الرزق لمن يشاء من عباده ويقدر على من يشاء، أي: بحسب ماله في ذلك من الحكمة يبسط على هذا من المال كثيرًا، فيبسط لهذا في رزقه، ويضيق ويقتر على هذا في رزقه، وله في ذلك من الحكمة ما لا يدركها غيره، كما قال تعالى: {انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (21) } [الإسراء:21] .
أي: كما هم متفاوتون في الدنيا فهذا فقير، وهذا غني موسع عليه، فكذلك هم في الآخرة هذا في الغرفات في أعلى الدرجات، وهذا في الغمرات في أسفل الدركات، ومع هذا التفضيل بين الناس في الدنيا والآخرة، يكون أطيب الناس في الدنيا من أسلم ورزق كفافًا 45، كما قال صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهم: (قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا وقنعه الله بما آتاه) 46.
وهذا التفضيل في الرزق هو مقتضى خبرة الله بعباده: {إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا} : أي: إن ربك ذو خبرة بعباده، ومن الذي تصلحه السعة في الرزق وتفسده؛ ومن الذي يصلحه الإقتار والضيق، {بَصِيرًا} : أي: هو ذو بصر بتدبيرهم وسياستهم 47.
وليس المال بدال على رضا الله عن صاحبه، فإن الله يعطي ويمنع ويضيق ويوسع ويخفض ويرفع، وله الحكمة التامة والحجة البالغة، وهذا كما في الحديث المرفوع عن ابن مسعود رضي الله عنه (إن الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم، وإن الله يعطي المال من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب) 48.
فقد أوسع الله على قارون بالمال الكثير مع كفره وعصيانه.
قال تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِنْ قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ (76) } [القصص:76] .
كما أن العادة في نظر الناس القاصر أن السعة في المال من أسباب الملك والسلطان في الأرض، وهذا ما صوره القرآن بقوله تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) } [البقرة:247] .
قال الإمام الزمخشري: «والمعنى: كيف يتملك علينا والحال أنه لا يستحق التملك لوجود من هو أحق بالملك، وأنه فقير ولا بد للملك من مال يعتضد به، وإنما قالوا ذلك؛ لأن النبوة كانت في سبط لاوى بن يعقوب، والملك في سبط يهوذا ولم يكن طالوت من أحد السبطين، ولأنه كان رجلًا سقاءً أو دباغًا فقيرًا، وروى أن نبيهم دعا الله تعالى حين طلبوا منه ملكًا، فأتى بعصا يقاس بها من يملك عليهم، فلم يساوها إلا طالوت: {قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ} يريد أن الله هو الذي اختاره عليكم، وهو أعلم بالمصالح منكم ولا اعتراض على حكم الله، ثم ذكر مصلحتين أنفع مما ذكروا من النسب والمال وهما: العلم المبسوط والجسامة» 49.
وكان بنو إسرائيل اعتقدوا أن الملك يستحق بالوراثة وكثرة المال، وكان فيهم أسباط ملوك، فلما أنبأهم نبيهم أن الله بعث لهم طالوت ملكًا، ولم يكن من بيت الملك، ولا كان ذا مال، استعظموا، فراجعوه وقالوا: {أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا} 50، فرد الله تعالى عليهم بأنه: {وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ} يريد: أن الملك ليس بالوراثة، وإنما هو بإيتاء الله تعالى واختياره، والله واسع أي: واسع الرزق والفضل، والرحمة وسعت رحمته كل شيء، وهذا كما يقال: فلان كبير عظيم 51.
وهكذا في كل زمان يظن الجهال أن أحق الناس بالزعامة والقيادة أصحاب النفوذ والثروة، كما زعم بنو إسرائيل بقولهم: {وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ} ، مع أن الأجدر بالقيادة أهل العلم والخبرة والمقدرة الشخصية والخلق الكريم كما تدل على ذلك الآية الكريمة 52.
ثانيًا: السعة في العلم:
جعل الله تعالى السعة في العلم من نعمه على عباده التي يمن بها على من يشاء، كما ذكر الله تعالى ذلك في شأن العبد الصالح: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) } [البقرة:247] 53.
والبسطة: الزيادة في كل شيء، من بسط الشيء بسطًا إذا نشره ووسعه، ومنه قوله تعالى: {وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ} [البقرة:245] .
وقال تعالى: {وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (27) } [الشورى:27] أي: لو وسعه عليهم لبغوا، قال المفسرون إن المراد بالعلم في الآية: هو العلم بالحروب، والظاهر علم الديانات والشرائع 54.
والمعنى: زاده بسطةً في العلم بالحرب، والجسم بالطول، وكان يفوق الناس برأسه ومنكبيه، وإنما سمي طالوت لطوله 55، أي: أعطاه من العلم، وقال بعضهم: بسطته في العلم هو أن انتفع هو به ونفع غيره فصار له به بسطة أي: جود 56، وبسط له في الجسم قدرًا يزيد على ما أعطى أهل زمانه 57.
قال الإمام الرازي: «وقدم العلم على الجسم ولا شك أن المقصود من سائر النعم سعادة البدن، فسعادة البدن أشرف من السعادة المالية فإذا كانت السعادة العلمية راجحةً على السعادة الجسمانية فأولى أن تكون راجحةً على السعادة المالية» 58.
والعلم الواسع هو: ما أورث الخشية من الله تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} [فاطر:28] .
يعني بالعلماء: الذين يخافونه، وقد ذكر المفسرون أقوالا عن السلف بهذا المعنى منها ما قاله الربيع بن أنس: «من لم يخش الله فليس بعالم، قال ابن مسعود: المتقون سادة، والعلماء قادة 59، وقال مقاتل: أشد الناس لله خشيةً أعلمهم به، وقال مسروق: كفى بخشية الله علمًا وكفى بالاغترار بالله جهلًا، وقال مجاهد والشعبي: العالم من خاف الله تعالى، وروى عكرمة، عن ابن عباس، قال: من خشي الله فهو عالم. وقال الربيع بن أنس: من لم يخش الله فليس بعالم» 60.
وقال الإمام ابن كثير: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} أي: إنما يخشاه حق خشيته العلماء العارفون به، لأنه كلما كانت المعرفة للعظيم القدير العليم الموصوف بصفات الكمال المنعوت بالأسماء الحسنى، كلما كانت المعرفة به أتم والعلم به أكمل كانت الخشية له أعظم وأكثر» ثم قال أيضا: «والعلم الذي فرض الله عز وجل أن يتبع، فإنما هو الكتاب والسنة وما جاء عن الصحابة رضي الله عنهم ومن بعدهم من أئمة المسلمين، فهذا، لا يدرك إلا بالرواية» 61.
ثالثًا: السعة في الخلق:
بين الله تعالى في كتابه الكريم أن الزيادة في خلق المخلوقات من نعمه تعالى التي يمن بها على من يشاء، وذلك في قوله تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) } [فاطر:1] .
وذلك زيادته تبارك وتعالى في خلق هذا الملك من الأجنحة على الآخر ما يشاء، ونقصانه عن الآخر ما أحب، وكذلك ذلك في جميع خلقه يزيد ما يشاء في خلق ما شاء منه، وينقص ما شاء من خلق ما شاء، له الخلق والأمر وله القدرة والسلطان: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} يقول: إن الله تعالى قدير على زيادة ما شاء من ذلك فيما شاء، ونقصان ما شاء منه ممن شاء، وغير ذلك من الأشياء كلها، لا يمتنع عليه فعل شيء أراده سبحانه وتعالى 62.
قال الإمام الماوردي: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} : «فيه ثلاثة تأويلات: أحدها: أنه حسن الصوت، قاله الزهري وابن جريج، الثاني: أنه الشعر الجعد، حكاه النقاش، الثالث: يزيد في أجنحة الملائكة ما يشاء، قاله الحسن، ويحتمل رابعًا: أنه العقل والتمييز، ويحتمل خامسًا: أنه العلوم والصنائع، ويكون معناه على هذين التأويلين: كما يزيد في الخلق ما يشاء كذلك يزيد في أجنحة الملائكة ما يشاء» 63.
وقال قتادة: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} هي: الملاحة في العينين، والحسن في الأنف، والحلاوة في الفم، وقيل: الخط الحسن 64.
وقد ذهب أكثر المفسرين إلى أن المراد من قوله تعالى: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} أي: في خلق الملائكة، فقد جاء في الحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى جبريل عليه السلام ليلة أسري به، وله ستمائة جناح 65.
ولهذا قال سبحانه {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} أي يزيد في خلق الأجنحة وغيره ما يشاء مما تقتضيه حكمته لأن الله على كل شيء قدير 66.
ومن المفسرين من عمم المعنى، وقال إن المراد بـ {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} : الوجه الحسن، ومنهم من قال: الصوت الحسن، ومنهم من قال: كل وصف محمود، وهو الأولى، أي: يزيد بعض مخلوقاته على بعض، في صفة خلقها، وفي القوة، وفي الحسن، وفي زيادة الأعضاء المعهودة، وفي حسن الأصوات، ولذة النغمات 67.
قال الإمام الزمخشري: «والآية مطلقة تتناول كل زيادة في الخلق، من طول قامة، واعتدال صورة، وتمام في الأعضاء، وقوة في البطش، وحصافة في العقل، وجزالة في الرأي، وجرأة في القلب، وسماحة في النفس، وذلاقة في اللسان، ولباقة في التكلم، وحسن تأت في مزاولة الأمور، وما أشبه ذلك مما لا يحيط به وصف، ثم ختم سبحانه- الآية الكريمة بقوله: {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي: إن الله تعالى لا يعجزه شيء يريده، لأنه قدير على فعل كل شيء، فالجملة الكريمة تعليل لما قبلها من كونه- سبحانه- يزيد في الخلق ما يشاء، وينقص منه ما يشاء» 68.
ورأي الأمام الزمخشري هو المختار في تفيسر الآية؛ لأن الأقوال والتفسيرات قبله هو تفسير بالمثال.
والزيادة في الخلق قد تكون لأقوام وأجيال بعينها كما ذكر عن عاد قوم هود عليه السلام: {أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69) } [الأعراف:69] .
يذكر الله تعالى عاد قوم هود النعمة التي أنعم الله بها عليهم، يقول: اذكروا أن الله أهلك قوم نوح واستخلفكم بعدهم {وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً} [الأعراف:69] .
أي: فضيلة في الطول والأجسام، قال ابن عباس: «يريد: أنكم أجسم وأتم من آبائكم الذين ولدوكم بأن زاد في أجسامكم طولًا وعظمًا على أجسام قوم نوح، وفي قواكم على قواهم، نعمةً منه بذلك عليكم، فاذكروا نعمه وفضله الذي فضلكم به عليهم في أجسامكم وقواكم، واشكروا الله على ذلك بإخلاص العبادة له، وترك الإشراك به، وهجر الأوثان والأنداد لعلكم تفلحون، فتدركوا الخلود والبقاء في النعم في الآخرة، وتنجحوا في طلباتكم عنده» 69.
قال محمد رشيد رضا: «أي: واذكروا فضل الله عليكم ونعمه إذ جعلكم خلفاء الأرض من بعد قوم نوح، وزادكم في المخلوقات بسطةً وسعةً في الملك والحضارة، أو زادكم بسطةً في خلق أبدانكم؛ إذ كانوا طوال الأجسام أقوياء الأبدان، وقد نص القرآن على قوتهم وجبروتهم وهذه الآيات هي قوله تعالى عن عاد قوم هود عليه السلام: {وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلَا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ (52) } [هود:52] .
وقوله تعالى: {أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (128) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (129) وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (130) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (131) } [الشعراء:128 - 131] .
وقوله تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (15) } [فصلت:15] » 70.
وقد تكون الزيادة في الخلق والبسط في الجسم في شخص واحد كما قال تعالى: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247) } [البقرة:247] .
رابعًا: السعة في الذرية:
إن السعة في الذرية من نعمة الله تعالى الواسعة على عباده يهبها لمن يشاء، ويمنع الذرية عمن يشاء، كما قال تعالى: {لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (49) أَوْ يُزَوِّجُهُمْ ذُكْرَانًا وَإِنَاثًا وَيَجْعَلُ مَنْ يَشَاءُ عَقِيمًا إِنَّهُ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (50) } [الشورى:49 - 50] .
والذرية أصلها: الصغار من الأولاد، وإن كان قد يقع على الصغار والكبار معًا في التعارف، ويستعمل للواحد والجمع، وأصله الجمع.
قال تعالى: {ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (34) } [آل عمران:34] .
وقال تعالى: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) } [الإسراء:3] .
وقال سبحانه: {وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (41) } [يس:41] 71.
وقد بين الله تعالى أنه بسط ذرية آدم، ومن حمل مع نوح، ومن ذرية إبراهيم وجعل فيها النبوة.
قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (58) } [مريم:58] .
وقد ذكر الله تعالى أنه بسط ذرية من حمل مع نوح حتى جاء منهم موسى وهارون عليهم السلام من بني إسرائيل في قوله عز وجل: {ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (3) } [الإسراء:3] .
يعني موسى وقومه من بني إسرائيل ذرية من حملهم الله تعالى مع نوح في السفينة وقت الطوفان 72.
ويلاحظ من خلال هذه الآية أن من أسباب البسط في الذرية العبادة والشكر حيث علل سبحانه وتعالى بقاء ذرية نوح بكونه عبدًا شكورًا.