فهرس الكتاب

الصفحة 975 من 2431

الحمد

أولًا: المعنى اللغوي:

يقول ابن فارس: «الحاء والميم والدال، كلمة واحدة وأصل واحد، يدل على خلاف الذم، يقال: حمدت فلانًا أحمده، ورجل محمود ومحمد: إذا كثرت خصاله المحمودة غير المذمومة» 1.

ويقال: حمدت الرجل أحمده حمدًا: إذا رأيت منه فعلًا محمودًا، وأحمدت الأرض أحمدها إحمادًا: إذا رضيت سكناها أو مرعاها 2.

ومن أسماء الله سبحانه وتعالى (الحميد) ، أي: المحمود على كل حال، فعيل بمعنى مفعول 3، ولهذا سمي نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم 4.

ويقول العرب: حماداك أن تفعل كذا، أي: غايتك وفعلك المحمود منك غير المذموم، ويقال: أحمدت فلانًا: إذا وجدته محمودًا. قال الفرزدق:

فلم تجر إلا جئت في الخير سابقًا ولا عدت إلا أنت في العود أحمد 5

ويستخلص مما سبق أن الحمد: الوصف بالكمال في الخصال الحسنة بحسب الموصوف، مع سلامتها من عارض الذم والعيب والنقص.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

ذكر الجرجاني عدة تعريفات لـ (الحمد) باعتبارات مختلفة، وهي:

الحمد: هو الثناء على الجميل من جهة التعظيم من نعمة وغيرها.

الحمد القولي: هو حمد اللسان وثناؤه على الحق بما أثنى به على نفسه على لسان أنبيائه.

الحمد الفعلي: هو الإتيان بالأعمال البدنية ابتغاء لوجه الله تعالى.

الحمد الحالي: هو الذي يكون بحسب الروح والقلب، كالاتصاف بالكمالات العلمية والعملية، والتخلق بالأخلاق الإلهية.

الحمد اللغوي: هو الوصف بالجميل على جهة التعظيم والتبجيل باللسان وحده.

الحمد العرفي: فعل يشعر بتعظيم المنعم بسبب كونه منعمًا، أعم من أن يكون فعل اللسان أو الأركان 6.

ويجمع بين هذه التعريفات ما عرفه به ابن القيم بقوله: «إخبار عن محاسن المحمود مع حبه وإجلاله وتعظيمه» 7.

فالمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن معناه اللغوي؛ إذ كلاهما يدلان على إخبار عن محاسن المحمود.

وردت مادة (حمد) في القرآن الكريم (68) مرة 8.

والصيغ التي جاءت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 1 ... {وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا} [آل عمران:188]

المصدر ... 43 ... {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) } [الفاتحة:2]

اسم الفاعل ... 1 ... {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ} [التوبة:112]

اسم المفعول ... 5 ... {وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا (79) } [الإسراء:79]

الصفة المشبهة ... 17 ... {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (267) } [البقرة:267]

أفعل التفضيل ... 1 ... {وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} [الصف:6]

وجاء الحمد في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: الثناء بالفضيلة 9.

الشكر:

الشكر لغة:

هو عرفان الإحسان ونشره 10. وقال الرازي: الشكر الثناء على المحسن بما أولاكه من المعروف 11.

الشكر اصطلاحًا:

هو عرفان الإحسان، والاعتراف بالنعمة، وأداء ما يترتب عليه، والقيام بحق مسديها 12.

قال ابن قيم الجوزية: «الشكر: ظهور أثر نعمة الله على لسان عبده ثناءً واعترافًا وعلى قلبه شهودًا ومحبة وعلى جوارحه انقيادًا وطاعة» 13.

الصلة بين الحمد والشكر:

أولًا: مما تقدم يتبين أن الحمد لا يكون إلا باللسان، وأما الشكر فإنه يكون باللسان وغيره، ودليله قول الله سبحانه وتعالى: {اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ} [سبأ: 13] .

فالحمد من جهة ما يكون به أخص من الشكر.

ثانيًا: سبق البيان أن الحمد يكون على جميع أسماء الله وصفاته وأفعاله، وأما الشكر فإنه لا يكون إلا على النعم 14.

فالحمد من جهة ما يكون عليه أعم من الشكر، فهما بينهما عموم وخصوص، كما قرره المحققون من أهل العلم 15.

المدح:

المدح لغة:

هو وصف المحاسن بكلام جميل، يقابله الهجاء 16.

المدح اصطلاحًا:

هو الثناء باللسان على الجميل الاختياري قصدًا 17.

الصلة بين الحمد والمدح:

المدح يستعمل فيما يكون من الإنسان باختياره، ومما يصدر منه أو يجبل عليه ويكون فيه بالتسخير، فقد يمدح الإنسان على جمال هيئته، كما يمدح بحسن خلقه وسخائه وعلمه، والحمد يكون في الثاني ولا يكون في الأول 18، وهذا باعتبار المخلوق بينما هو باعتبار الخالق فهو يكون في الصفات الذاتية والفعلية، وذلك أن صفات الله الذاتية والفعلية متعدية بالإنعام على من عبده.

لقد حمد الله سبحانه وتعالى نفسه في القرآن الكريم في مواضع كثيرة، على أمور متنوعة، منها:

أولًا: حمد الله لنفسه على ربوبيته العامة والخاصة:

أول ما حمد الله نفسه عليه في مفتتح كتابه العزيز: ربوبيته العامة.

قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] .

ثم نثر ذلك على بعض مظاهرها في ثنايا كتابه في سور متعددة، والأمر الذي قام الدليل على إثباته في فضل سور القرآن، هو أن أعظم سورة فيه هي الفاتحة، حيث جاء الحديث عن أبي سعيد بن المعلّى، قال: (كنت أصلّي في المسجد، فدعاني رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فلم أجبه، فقلت: يا رسول اللّه، إنّي كنت أصلّي، فقال:(ألم يقل اللّه: {اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ} [الأنفال: 24] ) ، ثمّ قال لي: (لأعلّمنّك سورةً هي أعظم السّور في القرآن، قبل أن تخرج من المسجد) . ثمّ أخذ بيدي، فلمّا أراد أن يخرج، قلت له: ألم تقل: لأعلّمنّك سورةً هي أعظم سورةٍ في القرآن، قال: ( {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] هي السّبع المثاني، والقرآن العظيم الّذي أوتيته) 19.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: «اعلم أن هذه السورة اشتملت على أمهات المطالب العالية أتم اشتمال، وتضمنتها أكمل تضمن، فاشتملت على التعريف بالمعبود تبارك وتعالى بثلاثة أسماء، مرجع الأسماء الحسنى والصفات العليا إليها، ومدارها عليها، وهي: الله، والرب، والرحمن.

وبنيت السورة على الإلهية والربوبيّة والرحمة» 20.

وهي أيضًا بمثابة الديباجة للقرآن، حيث حوت على وجازتها وجزالتها، عامة ما جاء في القرآن من معاني في آيات سبع، فكانت كل آية منها جامعة لما في بابها من المعاني، وأول هذه الآيات هي قوله: {الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الفاتحة: 2] 21.

لذلك يمكن القول بأنها أجمع آية للمحامد كلها، فالله سبحانه وتعالى قد أثبت فيها الحمد لنفسه حالة كونه موصوفًا بربوبيته لكل مربوب، وهم العالمون وكل ما سوى الله عالم، والرب يطلق في اللغة على المالك، والسيد، والمدبّر، والمربّي، والقيم، والمنعم؛ والمتمم، ولا يطلق مفردًا إلا على الله عز و جل، وإذا أطلق على غيره أضيف، فقيل: رب كذا. ورب كل شيء: مالكه ومستحقه 22.

فهو باعتبار اجتماع هذه المعاني كلها فيه، وبالنظر إلى آثارها في مخلوفاته يسلّم المتأمل، ويقر المتفكر بأنه حاز أعظم وأجل مراتب الحمد سبحانه وتعالى.

وتوحيد الربوبية عرّفه أهل العلم بأنه: «إفراد الله بأفعاله؛ من خلق، ورزق، وإحياء، وإماتة، وإعطاء، ومنع، وضر، ونفع ... ، إلخ» 23، والأفعال بآثارها لا تنفك عن انصباغها بصفات فاعلها، والحاصل بعد ذلك أن الحمد على الربوبية، هو حمد عليها مطابقة، وعلى صفات صاحبها تضمنًا والتزامًا، وبهذا كانت هذه الآية هي أجمع آية لإثبات الحمد لله سبحانه وتعالى، خاصة أنها مبتدأ الكلام وافتتاحه، ولم تأت تعقيبًا على فعل بذاته، أو وصف بعينه، أو أمر مخصوص، فكان المراد منها الإطلاق على جميع الأفعال، وكامل الأوصاف، مما يوجب لله حق الألوهية، فبحمد الله جل جلاله في هذه الآية ثبتت حقوق الله جميعًا، ألا وهي: توحيده ربًّا، أي: في أفعاله، وتوحيده في أسمائه وصفاته، وتوحيده في ألوهيته.

الحمد على بعض مظاهر الربوبية العامة:

لاشك أن الله سبحانه وتعالى يحمد على كل فعل منه، وجميع أفعاله وصفاته فيها تربية لخلقه، إلا أن هناك آيات ذكر الله تعالى فيها بعض معالم ربوبيته، المستوجبة لحمده بما ذكر فيها أفعال كانت آثارها مستوعبة لجميع مخلوقاته، أو لجميع المكلفين على وجه التحديد، فمنها خلقه للسماوات والأرض، وجعله الظلمات والنور، وإنزال المطر، وإحياء الأرض به، وانفراده بالملك لخلقه، وأنه هو الذي بدأ الخلق ونوع وأبدع، وفرق وجمع، وجعل ملائكة رسلًا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، ويرحم خلقه فينزل عليهم ما يخرج به قوتهم، بعد حصول قنوطهم، وهو رب السماوات ومن فيها، ورب الأرض ومن عليها، ورب العالمين أجمعين، وقد جاءت هذه المظاهر على وجه التخصيص في الآيات الواردة في كتاب الله عز و جل، كما سيبين في هذا المطلب إن شاء الله تعالى.

يقول سبحانه وتعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام:1] .

يحمد الله نفسه في هذه الآية على أنه خلق السموات والأرض، خصهما بالذكر؛ لأنهما أعظم مخلوقاته فيما يراه العباد وفيهما العبر والمنافع للعباد، وجعل الظلمات والنور، والجعل بمعنى الخلق، وقال الواقدي: «كل ما في القرآن من الظلمات والنور فهو الكفر والإيمان، إلا في هذه الآية فإنه يريد بهما الليل والنهار» ، وقال غيره: «ويدخل في ذلك الإيمان والكفر، وظلمة القلب والوجه ونور القلب والوجه» 24.

وفي الآية الآتية إلزام لهم بما أثبتوه من توحيد الربوبية على وجوب التسليم بتوحيد الألوهية، يقول سبحانه وتعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [العنكبوت: 63] .

فأنت لو سألتهم من خلق السماوات والأرض، ومن نزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها، ومن بيده تدبير جميع الأشياء؟ {لَيَقُولُنَّ اللَّهُ} وحده، ولاعترفوا بعجز غيره عن القيام بشيء من ذلك، فقل: الحمد لله، الذي خلق العالم العلوي والسفلي، وقام بتدبيرهم ورزقهم، وبسط الرزق على من يشاء، وضيقه على من يشاء؛ حكمة منه، ولعلمه بما يصلح عباده وما ينبغي لهم 25.

ذكر الله سبحانه وتعالى عموم ملكه، وأن جميع ما في السماوات والأرض -وهذا شامل لجميع العالم العلوي والسفلي- أنه ملكه، يتصرف فيهم بأحكام الملك الكونية والشرعية والجزائية، وهو واسع الغنى، وأن أعمال الناس الصالحة لا تنفع الله شيئًا فهو غني عنهم، وعن أعمالهم، {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (25) لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [لقمان: 25 - 26] .

ثم أخبر سبحانه وتعالى عن سعة حمده، وأن حمده من لوازم ذاته، فلا يكون إلا حميدًا من جميع الوجوه، فهو حميد في ذاته، وهو حميد في صفاته، فكل صفة من صفاته، يستحق عليها أكمل حمد وأتمه، لكونها صفات عظمة وكمال، وجميع ما فعله وخلقه يحمد عليه، وجميع ما أمر به ونهى عنه يحمد عليه، وجميع ما حكم به في العباد وبين العباد، في الدنيا والآخرة، يحمد عليه 26.

{الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [فاطر: 1] .

أثنى جل جلاله على نفسه بهذا الحمد العظيم، مقترنًا بكون مبدأ الخلق منه جل جلاله، وأنه جعل الملائكة رسلًا على هيئات متعددة، وذلك يدل على أن خلقه للسماوات والأرض، وما ذكر معه يدل على استحقاقه للحمد لذاته لعظمته وجلاله وكمال قدرته، لما في خلق السماوات والأرض من النعم على بني آدم، فهو بخلقهما مستحق للحمد لذاته، ولإنعامه على الخلق بهما، وكون خلقهما جامعًا بين استحقاق الحمدين المذكورين 27.

يخبر الله سبحانه وتعالى أنه ينزل المطر على عباده بعد انتظاره مدة طويلة أورثتهم يأسًا من نزول المطر، حتى استحق التعبير عنه بالغيث بإزالته علامات اليأس والبؤس والشقاء عن وجوههم، لينشر بذلك المطر رحمته بما نتج عنه من الخيرات والبركات والأرزاق التي انتظروها بفارغ الصبر، {وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ} [الشورى: 28] .

فهو سبحانه وتعالى الذي يتولى عباده بالإحسان والفضل والإنعام؛ وهذا لأن الله حميد في أفعاله وتصرفاته 28، {فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الجاثية: 36] .

يخص الله سبحانه وتعالى نفسه بالحمد على أياديه على خلقه، فإياه فاحمدوا، وله فاعبدوا، فكل ما بكم من نعمة فهو مصدرها، وليس لأحد سواه في أدنى أثر أو فضل، فهو مالك السموات السبع، ومالك الأرضين السبع، ومالك جميع ما فيهنّ 29.

الحمد على ربوبيته الخاصة وبعض مظاهرها:

إن الله سبحانه وتعالى الذي ربى جميع مخلوقاته بربوبيته العامة؛ لتستقيم الحياة الكونية على هذا النحو البديع، وكذلك كان شأنه مع الحياة الشرعية التي جعل لها ما تستقيم به، من إنزال الكتب المنظمة لحياتهم على وجه محكم، لا عوج فيها ولا ظلم؛ بحيث تنظم علاقاتهم مع كل من يتصلون به، وأرسل إليهم الرسل؛ ليقتدوا بهم، وليهتدوا بهديهم، ورعى من استجاب له رعاية خاصة يصلحون بها بحسب منازلهم، وأكرم أهل طاعته، وأهلك من عصاه، في الدنيا والآخرة، وقد جاءت هذه المظاهر مقرونة بالحمد في القرآن الكريم، بعد تتبع البحث لها على النحو الآتي:

1.حمد الله لنفسه على إنزال الكتب.

يحمد الله سبحانه وتعالى نفسه في آيات عدة من كتابه على نعمة هي من أجل النعم على عباده، بأن أنزل لهم الكتب التي تتحقق لهم بها المنافع في الدنيا والآخرة، وذلك أنّ ما وهبهم إياه بمقتضى ربوبيته العامة لا يكون نعمة إلا إذا عمل فيه بمقتضى ربوبيته الخاصة، فجاءت هذه الكتب متضمنة لإصلاح الحياة، من غير اعوجاج، {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا} [الكهف: 1] وعلى طريق واضح بيّن قويم، {الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [إبراهيم: 1] .

ولا يعلم حقيقة هذه الهداية إلا من أقبلوا على هذه الكتب وقرءوها، وتدبروا معانيها، وطبقوها واقعًا عمليًّا في حياتهم، فعاشوا بها الحياة الهانئة، {وَيَرَى الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ هُوَ الْحَقَّ وَيَهْدِي إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ} [سبأ:6] .

بخلاف الذين أعرضوا عنها فإنهم لم يرفعوا بعلومهم الدنيوية رأسًا، وإن دالت لهم الدولة ساعة من الزمن، فهم على الباطل، والباطل لا يثبت بل هو مدموغ، وعاقبته إلى زوال، {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ} [فصلت: 41، 42] .

وأما هذه الكتب فما فيها من الباطل شيء، بل كل ما فيها حق وصدق وعدل ورحمة وحكمة من حكمة الحميد في أقواله وأفعاله وتشريعاته 30.

2.حمد الله لنفسه على إرسال الرسل.

يختم الله سبحانه وتعالى سورة الصافات بتسبيح نفسه وحمدها، بقوله عز وجل: {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الصافات: 180 - 182] .

وهي من السور التي تخصصت في بيان أحوال الرسل مع أممهم ما بين الإجمال والتفصيل القليل، وبيان ما أعقبهم الله على قيامهم بحقه وحق رسالته من توفيقهم، وإهلاك أعدائهم، وتمكينهم في الأرض، وحسن الثناء في الآخرين، وجزائه لهم بما جعله للمحسنين، وقد جعل السلام على المرسلين في خاتمة السورة واقعًا بين تسبيحه وحمده؛ إشارة إلى أن من مقتضيات تنزهه عن النقص وحمده بصفات الكمال؛ إرسال الرسل هداية للناس، وإقامة للحجة 31، وقد حبا الله سبحانه وتعالى الرسل بصفات الكمال البشري الحميدة، الأمر الذي يؤهلهم لأن يكونوا قدوة للعالمين، وهو لم يرسلهم لحاجة به للخلق، بل هو غني عنهم، ولكنه غني حميد، فمع غناه عنهم لم يحرمهم من إرسال الرسل الذين يهدونهم إلى الحق، وهم على أحسن خلق، ولهم أحسن سيرة، وقد حمد نفسه على ذلك بقوله: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ} [الممتحنة: 6] 32.

3.حمد الله لنفسه على فضله في إهلاك الكافرين.

يبين الله سبحانه وتعالى أنه أرسل رسلًا للأمم السابقة، فكذبوهم؛ فابتلاهم الله بالشدة والفقر والأمراض والعلل؛ لعلهم يلجئون إلى الله بالدعاء، ويؤمنون برسل الله ويصدقونهم، فما فعلوا!. ثم نهج معهم نهجًا آخر بأن بدّلهم مكان الفقر والشدة السعة في الرزق، ومكان المرض والأسقام الصحة والعافية؛ لعلهم يشكرون الله على نعمه، فما فعلوا!. فأمهلهم الله تبارك وتعالى مدة ثم قطع دابرهم وأهلكهم، يقول جل جلاله: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (42) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (43) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (44) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [الأنعام: 42 - 45] .

وفي النصر والتأييد من الله لرسله بأن يقطع حجة الكافرين ويهلكهم من الربوبية الخاصة لأنبيائه وأوليائه ما حمد الله نفسه عليه، وهو للحمد أهل 33.

ثانيًا: حمد الله لنفسه لإثبات الكمال له وحده:

1.حمد الله لذاته على كمال حياته، وتفرده بالألوهية.

الحياة الكاملة هي الحياة التي لا يعتريها نقص بنوم، أو مرض، أو موت، أو سآمة، أو أي عارض من عوارض النقص في حياة المخلوقين، وقد انفرد الله عز و جل به عن سائر الموجودات، يقول جل جلاله: {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ} [غافر: 65] .

يثبت الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الحياة الكاملة الدائمة لنفسه، وأن كل من عداه لهم أعمار محدودة، وأزمان معدودة، وآجال مكتوبة، تنتهي بها حياتهم، وأنه هو المتفرد بالألوهية حقًّا، وأن نسبتها لغيره زعم باطل، وذلك بما له من الحمد على كماله الذي لم يبلغه سواه، لا في ذاته ولا في صفاته 34.

2.حمد الله لذاته بتنزهه عن المثيل والشريك.

يضرب الله سبحانه وتعالى الآية التالية مثلًا لنفسه ولمن عبد من دونه برجلين: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل: 75] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت