وصنف آخر اختلقوا قرآنًا يسمونه الفرقان الحق 37، وهو زيف وكذب وافتراء وتشويه وطمس للحقائق، لتشويه القرآن الكريم ورسالته السامية النبيلة، لقد بلغ صاحب هذا الكتاب ما لم يبلغه مسيلمة الكذاب، بل مسيلمة الكذاب لم يبلغ كذبه وافتراؤه إلى هذا الحد، بل كان يقر للنبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة، لكن كان يدعي أنه رسول آخر، ولا ينكر وجود الرب، ولا ينكر القرآن في الظاهر، وهذا المفتري جحد الرب، وأشرك به كل شيء، وافترى هذا الكتاب الذي يزعم أنه أعظم من القرآن.
وهذه المحاولة للدس والافتراء على كتاب الله الكريم ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة، ولكنها محاولات فاشلة. وسيبقى كتاب الله تعالى محفوظًا في الصدور وفي السطور، ولن تؤثر فيه محاولات التحريف والتزييف.
قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [الحجر: 9] .
وقال تعالى: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} [القمر: 17] .
وسيقذف الله بنور «القرآن الحق» على ظلام «الفرقان الحق المزعوم» فإذا هو مضمحل، كما اضمحلت المحاولات السابقة للافتراء على القرآن، ويخرج القرآن من هذه الافتراءات منتصرًا مضيئًا للخلق طريق الحق، كما قال تعالى: {بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ} [الأنبياء: 18] .
وإنا من ذلك لعلى يقين.
لكن منزل القرآن سبحانه وتعالى يحب من حملته أن يكونوا درعًا حصينة في صد ودحض الافتراءات التي لا تنتهي ولن تنتهي؛ لأنها سنة الله في دعوته، وهذه الافتراءات زبد يتلاشى؛ إذ لا نفع فيها، كما قال تعالى: {فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} [الرعد: 17] .
قال تعالى: {فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ} [يونس: 17] .
أي: لا أحد أظلم ولا أعتى ولا أشد إجرامًا {مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا} وتقول على الله، وزعم أن الله أرسله، ولم يكن كذلك.
فليس أحد أكبر جرمًا ولا أعظم ظلمًا من هذا، ومثل هذا لا يخفى أمره على الأغبياء، فكيف يشتبه حال هذا بالأنبياء!
فإن من قال هذه المقالة صادقًا أو كاذبًا فلا بد أن الله ينصب عليه من الأدلة على بره أو فجوره ما هو أظهر من الشمس.
فإن الفرق بين محمد صلى الله عليه وسلم وبين مسيلمة الكذاب لمن شاهدهما أظهر من الفرق بين وقت الضحى ووقت نصف الليل في حندس الظلماء، فمن سيما كل منهما وكلامه وفعاله يستدل من له بصيرة على صدق محمد صلى الله عليه وسلم وكذب مسيلمة الكذاب، وسجاح، والأسود العنسي 38.
و «من» استفهام إنكاري مستعمل في تهويل ظلم هذا الفريق، المعبر عنه بمن افترى على الله كذبًا و «من» الثانية موصولة، وهي عامة لكل من تتحقق فيه الصلة، وإنما كانوا أظلم الناس ولم يكن أظلم منهم لأن الظلم اعتداء على حق، وأعظم الحقوق هي حقوق الله تعالى، وأعظم الاعتداء على حق الله الاعتداء عليه بالاستخفاف بصاحبه العظيم، وذلك بأن يكذب بما جاءه من قبله، أو بأن يكذب عليه فيبلغ عنه ما لم يأمر به، فإن جمع بين الأمرين فقد عطل مراد الله تعالى من جهتين:
جهة إبطال ما يدل على مراده، وجهة إيهام الناس بأن الله أراد منهم ما لا يريده الله، والمراد بهذا الفريق: هم المشركون من العرب، فإنهم كذبوا بآيات الله التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، وافتروا على الله الكذب فيما زعموا أن الله أمرهم به من الفواحش 39.
وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ} [الأنعام: 21] .