فهرس الكتاب

الصفحة 730 من 2431

التطوع

أولًا: المعنى اللغوي:

وردت مادة (ط و ع) في معاجم اللغة العربية لعدة معانٍ، من أشهرها وأكثرها تداولًا:

1.التنفل: هو التقرب إلى الله تعالى بما ليس بفرض من العبادات؛ فيقال: تنفل: لمن أدى العبادة طائعًا مختارًا دون أن تكون فرضًا عليه 1، والتنفل والتطوع بمعنى واحد؛ فـ «كل متنفل خير متطوع» 2، يقال: صلى نافلة، وصام تطوعًا، وتطوع في لجنة كفالة الأيتام، بيد أن التنفل يستعمل غالبًا مع التطوع التعبدي؛ أما التطوع فيستعمل فيه وفي غيره من التطوع الاجتماعي.

2.التبرع: يقال: تطوع فلانٌ بالشيء إذا تبرع به 3، ويستعمل ذلك غالبًا مع التطوع الاجتماعي.

3.الانقياد والخضوع: يقال: انطاع لك فلانٌ، أو فلانٌ طوع يديك، أو هو طوع أمرك، إذا انقاد لك وخضع 4.

4.الموافقة: فالمطاوعة: الموافقة، ويقال لمن وافق غيره «طاوعه» 5.

5.تكلف الطاعة: يقال: تطوع: أي تكلف الطاعة 6.

6.الليونة: يقال: «طاع وأطاع: لان وانقاد، وتطوع، أي: لان» 7.

7.الطوع: الذي هو نقيض الكره، يقال: «لتفعلن هذا الأمر طوعًا أو كرهًا، يعني طائعًا أو كارهًا» 8.

8.الطاعة: التي هي ضد المعصية، يقال: «إذا مضى في أمرك فقد أطاعك» ، والطاعة اسم لأطاع، وفيها معنى الانقياد كذلك 9.

9.الاستطاعة: بمعنى إطاقة فعل الشيء، يقال: تطاوع لهذا الأمر حتى تستطيعه، وتطوع له، أي: تكلف استطاعته، يعني: زاوله حتى يستطيعه 10.

وبتأمل المعاني اللغوية السابقة نلحظ: أن ثمة علاقة وثيقة بين مادة (ط و ع) والكلمات المشتقة منها، والمعاني التي تدل عليها تلك المشتقات؛ وأن ثمة تناسب واضح بينها وبين المعنى الأصلي للمادة الذي هو (الانقياد واللين) ؛ كيفما قلبت حروفها.

فالطاعة مثلًا: فيها معنى الانقياد والخضوع، كما أنها تستلزم من المطيع تكلف الطاعة، ليتدرب على استطاعتها وإطاقتها؛ مع مجاهدة نفسه ليحملها عليها، وليكون هواه موافقًا لمرغوب ربه سبحانه؛ ليحصل له التلذذ بالطاعة بعد ذلك التكلف، وتصدر عنه الطاعة بسهولة ولين.

ومثل ذلك: ما يتطوع به العبد تنفلًا مما لم يجب عليه من عبادات، أو ما يتبرع به من وقت أو جهد أو مال مسارعة في الخيرات؛ فإن هذا أو ذاك إنما يصدر عنه طوعًا لا كرهًا، ولذا يجد نفسه منقادًا لفعل هذا الخير، فيفعله بسهولة طائعة به نفسه.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لقد عرف العلماء السابقون التطوع بتعريفات متعددة تشمل نوعي التطوع (التعبدي والاجتماعي) ، من هذه التعريفات:

ما قاله الخليل: «التطوع: ما تبرعت به مما لا يلزمك فرضه» 11.

وقول الجرجاني: «التطوع اسم لما شرع زيادة على الفرض والواجبات» 12.

وقول المناوي: «هو التبرع بما لا يلزم كالنفل» 13.

لكننا لما وجدنا الذهن ينصرف إلى التطوع الاجتماعي خاصة عند إطلاق مصطلح (التطوع) سنخص (التطوع الاجتماعي) بمزيد بيان في السطور التالية:

وبتأمل المعاني اللغوية السابقة: نجد أن التطوع الاجتماعي يتطلب هذه المعاني اللغوية السابقة جميعها؛ فالمتطوع: متبرع بوقته أو بدنه أو ماله أو بهما جميعًا، وهو يقوم بعمل نافلةٍ لا فرضٍ، ثم هو في تطوعه هذا منقاد وخاضع لله سبحانه وتعالى، متكلف ومجاهد نفسه على العمل التطوعي، سهل لين في تعامله مع الفئات المستفيدة من تطوعه 14.

ولذا: عرف بعضهم التطوع الاجتماعي بأنه: «كل ما يقدمه الفرد من خدمات للآخرين بلا أجر مادي، سواء كان ما يبذل علمًا، أو مالًا، أو وقتًا، أو جهدًا بدنيًا، أو رأيًا، أو غيرها مما يملكه الفرد ويحتاجه الآخرون» 15.

وعلى الرغم من كثرة التعريفات للتطوع: إلا أن الباحث يستحسن تعريف الدكتور محمد القاضي له بأنه: «كل جهد بدني أو فكري أو عقلي أو قلبي يأتي به الإنسان أو يتركه تطوعًا دون أن يكون ملزمًا به لا من جهة الشرع ولا من غيره» 16.

لأن هذا التعريف يدخل فيه «التطوع بالترك» وأعني به الأعمال التطوعية التي يتركها الإنسان ابتغاء الأجر والثواب من الله تعالى دون أن يكون ملزمًا بتركها، كالتنازل عن الدية، ونصف المهر للمطلقة قبل الدخول، ونحو ذلك مما يترك تطوعًا، والتي سنأتي عليها بشيء من التفصيل في ثنايا هذا البحث بمشيئة الله تعالى.

فالمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن بعض معانيه اللغوية.

1.وردت مادة (طوع) في القرآن بصيغتين، بلغت (3) مرات 17.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل المضارع ... 2 ... {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) } [البقرة:158]

اسم الفاعل ... 1 ... {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ} [التوبة:79]

الأصل في التطوع: تكلف الطاعة، ثم غلب استعماله على التنفل بما لا يلزم من العبادات، ولم يخرج في الاستعمال القرآني عن هذا المعنى 18.

1.الخير:

الخير لغة:

الخير: ضد الشر 19.

الخير اصطلاحًا:

الخير: ما يرغب فيه الكل، كالعقل والعدل والفضل والشيء النافع 20.

الصلة بين التطوع والخير:

يمكننا تلخيص الصلة بين (التطوع) و (الخير) : بأن الخير يشمل الواجب وغيره من نفل ومندوب، أما التطوع؛ فإنه يقتصر على ما لم يجب؛ فهو: «اسم لما شرع زيادة على الفرض والواجب» ، أو: «هو التبرع بما لا يلزم» كما صرح بذلك الخليل والمناوي 21.

والعمل التطوعي يندرج تحت عموم فعل الخير المأمور به في الكتاب والسنة؛ فكل من فعل معروفًا أو خيرًا لا يلزمه، يبتغي بذلك الأجر من الله عز وجل عد عمله هذا عملًا تطوعيًا.

الإحسان:

الإحسان لغة:

مصدر حسن، والحسن: ضد القبح ونقيضه، والإحسان: ضد الإساءة 22

الإحسان اصطلاحًا:

إتقان الأعمال، والتطوع بالزائد عن الفرائض، ومقابلة الخير بأفضل منه، والشر بأقل منه 23.

الصلة بين التطوع والإحسان:

أن الإحسان قد يكون واجبًا وقد يكون غير واجب، أما التطوع فلا يكون واجبًا؛ إذ الإيجاب والإلزام يفقد التطوع معناه.

1.إن مفهوم التطوع في القرآن الكريم يتسع ليشمل نوعي التطوع الرئيسين (التعبدي والاجتماعي) ؛ إذ التطوع بمختلف ميادينه يندرج تحت عموم «فعل الخير» المأمور به في غير آية من القرآن الكريم؛ لعل أجمعها قوله سبحانه: (افْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) [الحج: 77] ؛ بل إنه يعد من أسمى صور التعاون على البر والتقوى، الذي حث عليه القرآن الكريم في قوله سبحانه: وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى? ? وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) [المائدة: 2] .

وفضلًا عن ذلك: فإنه يعد صورة من صور شكر المنعم سبحانه وتعالى على نعمه وآلائه؛ حيث قال حبيبنا صلى الله عليه وسلم: (كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس، يعدل بين الاثنين صدقة، ويعين الرجل على دابته فيحمل عليها، أو يرفع عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وكل خطوة يخطوها إلى الصلاة صدقة، ويميط الأذى عن الطريق صدقة) 24.

والتطوع ينقسم إلى نوعين رئيسيين، هما:

الأول: التطوع التعبدي:

والذي يمكننا أن نعرفه-في ضوء التعريف اللغوي للتطوع المذكور سابقا - أنه: «عبادة زائدة عن الفرض يتقرب بها العبد لربه سبحانه وتعالى، رغبة في نيل رضاه سبحانه ومحبته» .

يعني: ما يفعله العبد من الشعائر التعبدية المعروفة كالصلاة والصيام والحج، ونحوها، تطوعًا من غير فريضة.

وهذا النوع من التطوع يصدق فيه قول الله عز وجل في الحديث القدسي: (وما يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) 25.

ومما ينبغي ملاحظته هنا: أن ثمرة التطوع التعبدي وإن كانت تعود على المتطوع نفسه بالمقام الأول، إلا أن للمجتمع فيها نوع فائدة تتمثل في أثر هذه العبادات في نفس المتطوع وخلقه؛ ففي ذلك نفع للمجتمع لا يخفى.

وباستقراء آيات القرآن الكريم نجد: أن «التطوع» 26، قد ورد فيها مرتين بصيغة الفعل المضارع «تطوع» :

الأولى: في قوله تعالى {إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (158) } [البقرة: 158] .

والثانية: في قوله تعالى: {وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} [البقرة: 184] .

كما ورد مرة ثالثة بصيغة اسم الفاعل «المطوعين» في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (79) } [التوبة: 79] .

أما الآية الأولى: فقيل في المراد بالخير فيها: إنه الزيادة على الطواف شوطًا ثامنًا وتاسعًا، وقيل: المراد به الطواف بين الصفا والمروة في حجة تطوع أو عمرة تطوع.

وقيل: ليس المراد بالخير هنا خصوص السعي وإنما هو حكم كلي يعم كل أفعال الخير، فيشمل كل ما ليس بفرض من صلاة أو زكاة أو صيام، أو أي نوع من أنواع الطاعات؛ لأن {خَيْرًا} نكرة وردت في سياق الشرط فتفيد العموم، ولذلك عطفت بالواو دون الفاء؛ لئلا يكون الخير قاصرًا على الطواف بين الصفا والمروة، ولذا رجح كثير من المفسرين إفادة {خَيْرًا} لعموم فعل الخير من الطاعات والنوافل ولم يقصروها على خصوص السعي.

وعليه: فيكون معنى قوله تعالى: {وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} أي: من فعل خيرًا -أيًا كان هذا الخير- فإن الله عز وجل يجزيه خيرًا منه؛ لأنه سبحانه {شَاكِرٌ} لا يضيع أجر المحسنين: {عَلِيمٌ} لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء 27.

وأما الآية الثانية: فقيل في المراد بالخير الأول فيها في قوله تعالى {فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا} : إنه خصوص الصوم، يعني: أن الصوم مع وجود الرخصة في الفطر أفضل من تركه، وقيل: المراد به أن الزيادة على إطعام مسكين أفضل من الاقتصار عليه 28.

وقد رجح ابن عاشور هذا القول الثاني قائلًا: «لا شك أن الخير هنا متطوعٌ به؛ وهو الزيادة من الأمر الذي الكلام بصدده وهو الإطعام لا محالة، وذلك إطعام غير واجب فيحتمل أن يكون المراد: فمن زاد على إطعام مسكينٍ واحد فهو خير، أو أن يكون: من أراد الإطعام مع الصيام فهو خير» 29.

وأما {خَيْرٌ} الثاني في قوله تعالى: {فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ} ؛ فيجوز أن يكون المراد به: خيرًا آخر أي خير الآخرة، ويجوز أن يكون المراد به التفضيل، أي: فالتطوع بالزيادة أفضل من تركها 30.

وأما الآية الثالثة: فقد نزلت بسبب حادث حدث في مدة نزول السورة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم حث الناس على الصدقة فجاء عبد الرحمن بن عوف بأربعة آلاف درهم، وجاء عاصم بن عدي بأوسقٍ كثيرة من تمر، وجاء أبو عقيل بصاع من تمر؛ فقال المنافقون: ما أعطى عبد الرحمن وعاصم إلا رياءً، وأحب أبو عقيل أن يذكر بنفسه ليعطى من الصدقات؛ فأنزل الله فيهم هذه الآية 31.

الثاني: التطوع الاجتماعي:

وهذا النوع من التطوع هو المراد غالبًا عند إطلاق نحو مصطلح: العمل التطوعي، العمل الخيري، العمل الاجتماعي، وهي مصطلحات تدل على: «كل جهد بدني أو فكري أو عقلي أو قلبي يأتي به الإنسان أو يتركه تطوعًا دون أن يكون ملزمًا به لا من جهة الشرع ولا من غيره؛ ليحقق به نفعًا لغيره دون عوض مالي» .

العلاقة بين التطوع الاجتماعي والتطوع التعبدي:

ثمة علاقة وثيقة بين التطوع التعبدي، والتطوع الاجتماعي؛ فالتطوع التعبدي وإن كان يخص (العبادات المحضة) من صلاة وصيام وحج، ونحوها، مما يتقرب به العبد لربه سبحانه ابتغاء مرضاته ومحبته، فكذلك التطوع الاجتماعي يتحول بالنية الصالحة إلى (عبادات غير محضة) ينال بها العبد رضا ربه سبحانه وتعالى ومحبته.

ومن ثم كان هذا النوع من التطوع خلق الأنبياء والمرسلين، وشعار الصالحين من عباد الله أجمعين:

فقد رغب نبينا صلى الله عليه وسلم في الأعمال التطوعية قولًا وعملًا؛ فشارك بنفسه تارة في بعض الأعمال التطوعية: كحلف الفضول 32، وإعادة بناء الكعبة 33، وبناء مسجد المدينة 34.

وتارة أخرى: رغب فيها قولًا في كثير من أحاديثه الشريفة: حتى أنه صلى الله عليه وسلم قد جمع لنا في حديث واحد أصنافًا من الأعمال التطوعية، كـ: الصلح بين المتخاصمين، ومساعدة المحتاج، والكلمة الطيبة، وإماطة الأذى عن الطريق، وإرشاد الضال، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإفشاء السلام، وغيرها 35 ترغيبًا لنا في فعلها.

وتارة ثالثة: نجده صلى الله عليه وسلم يكرم أصحاب الأعمال التطوعية ويهتم بشأنهم، لحديث أبي هريرة رضي الله عنه: (أن رجلًا أسود، أو امرأةً سوداء، كان يقم المسجد؛ فمات، فسأل النبي صلى الله عليه وسلم عنه، فقالوا: مات، قال: أفلا كنتم آذنتموني به؟ دلوني على قبره، أو قال: قبرها، فأتى قبرها فصلى عليها) 36.

بل بين لنا صلى الله عليه وسلم: أن هذه الأعمال لا يقتصر مجالها على الإنسان فحسب؛ وإنما تشمل الحيوان والطير كذلك؛ فقال صلى الله عليه وسلم: (في كل ذات كبد رطبة أجرٌ) 37.

وموسى عليه السلام: سقى للفتاتين وهو الغريب الذي لا يعرف ولا يعرف 38.

والخضر: أقام جدار الغلامين اليتيمين حفظًا لمالهما بدون أجر 39.

وذو القرنين: بنى السد تطوعًا 40.

ويوسف عليه السلام: تطوع بتفسير رؤيا الملك دون أن يشترط لنفسه شيئًا 41.

والصديق رضي الله عنه: حلب لجواري الحي منائحهم 42، وتعهد سرًا امرأة عمياء يقضي لها أشغالها 43.

وذو النورين رضي الله عنه: اشترى بئر رومة وأوقفها على المسلمين 44.

وعلي رضي الله عنه: كان يكنس بيت مال المسلمين بنفسه 45.

وبذلك يكون قد تبين لنا بجلاء: أن التطوع الاجتماعي كان خلقًا أصيلًا عند الأنبياء والمرسلين والصالحين من عباد الله أجمعين.

1.لقد تنوعت أساليب القرآن الكريم في الحث على التطوع، ما بين أمر بالمبادرة إليه، والثناء على فاعله، وبيان أنه أهل لمحبة الله تعالى ورضوانه، ووعده بالثواب العظيم، وما بين ذم لضد من هم على هذه الصفات من المثبطين للهمم الذين يبخلون ويأمرون الناس بالبخل، وسنزيد ذلك بيانًا فيما يلي:

أولًا: دعوة القرآن للتسابق في العمل التطوعي:

لقد تنوع الخطاب القرآني في الدعوة إلى التسابق في فعل الخير على سبيل العموم؛ فتارة: أمر سبحانه باغتنام الفرص عن طريق المنافسة والمسارعة إلى فعل الخير وإيقاعه على أكمل الأحوال قبل فوات الأوان.

وتارة أخرى: قص علينا نماذج عملية للتسابق في فعل الخير.

وفي ثالثة: مدح أقوامًا اغتنموا الفرص وسارعوا إلى فعل هذه الخيرات.

فمن الأولى: قوله تعالى: {وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ} [البقرة: 148]

وقوله سبحانه: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ} [المائدة: 48]

فـ «الاستباق» : يعني التسابق، وهو يطلق مجازًا على المنافسة؛ لأن الفاعل للخير لا يمنع غيره من أن يفعل مثل فعله أو أكثر؛ فشابه التسابق، والمراد به هنا: المعنى المجازي وهو الحرص على فعل الخير والإكثار منه؛ فإن المبادرة إلى الخير محمودة، ومن ذلك: فضيلة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، قال تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا} [الحديد: 10] .

ومن الثانية: قوله سبحانه: {وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} [آل عمران: 44] .

فهذه الآية الكريمة: تشير إلى أنهم تنافسوا - بل وتنازعوا-في شأن كفالة مريم حين ولدت، وأنهم استهموا لأجل الفوز بذلك الفضل؛ ولمعرفة أيهم ستكون مريم في كفالته وتحت كنفه ورعايته 46.

وقوله سبحانه: {قَالَ يَاأَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ} [النمل: 38 - 40] .

فهنا أيضًا: صورة من صور التنافس في فعل الخير؛ وكلا المتنافسين يعرض مهاراته ومقوماته الشخصية التي تؤهله للفوز بهذا الشرف.

ومن الثالثة: مدحه عز وجل لطائفة من أهل الكتاب بأنهم: {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) } [آل عمران: 114] .

ومدحه لزكريا عليه السلام وأهله بأنهم: {كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء: 90] .

فالقاسم المشترك بين المذكورين في الآيات السابقة والذي كان من جملة ما استحقوا لأجله هذا الثناء من رب الأرض والسماء هو أنهم {كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} أي: يعملونها مبادرين غير متثاقلين، أو يجدون في طاعة الله ويتسابقون في فعل الطاعات وعمل الصالحات، أو يبادرون إلى أبواب الخير 47.

كما ذكر سبحانه: أن المسارعة لفعل الخير من أخص صفات عباده المؤمنين؛ فقال سبحانه: {أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) } [المؤمنون: 61] .

أي: لأجلها فاعلون السبق، أو سابقون الناس إلى الطاعة 48.

ثانيًا: وعد المتطوع بالثواب العظيم:

مما لا شك فيه: أن العمل التطوعي يندرج تحت عموم فعل الخير والعمل الصالح الموعود صاحبه بالثواب العظيم في آيات عديدة من القرآن الكريم، منها:

قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8) } [البينة: 7 - 8] .

يعني: أن المؤمنين الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح هم خير الخليقة التي خلقها الله تعالى وبرأها، وأن جزاء ما قدموه من إيمان وعمل صالح {جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا} ولهم زيادة على ذلك رضوان الله تعالى عليهم؛ فقد {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ} بما قدموا في الدنيا من طاعات وأعمال صالحة، {وَرَضُوا عَنْهُ} بما أعطاهم من الخيرات والكرامات، ثم ذيلت الآية بقوله تعالى {ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ} لبيان أن الحسنة هي ملاك الأمر والباعث على كل خير 49.

كما بين الحق تبارك وتعالى: أن كل أعمال الإنسان ستكون عاقبتها الخسارة والبوار إلا الأعمال الصالحة؛ فقال تعالى: {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3) } [العصر: 1 - 3] .

ففي هذه السورة الكريمة: أقسم سبحانه بالعصر، وهو الدهر والزمان لأنه رأس عمر الإنسان، أو بصلاة العصر لفضلها وشرفها على أن الإنسان في خسران لتفضيله العاجلة على الآجلة {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} أي: إلا من جمعوا بين الإيمان والأعمال الصالحة، {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ} وهو الخير كله من الإيمان التصديق وعبادة الرحمن، {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} على الطاعات والشدائد وترك المحرمات؛ فهؤلاء وحدهم هم الفائزون 50.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت