فهرس الكتاب

الصفحة 2053 من 2431

الميثاق

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن فارس: «وثق، الواو والثاء والقاف كلمة تدل على عقد وإحكام» 1.

ووثقت الشيء: أحكمته، ووثق الرجل: قال: إنه ثقة. ووثق به وثاقة وثقةً أي: ائتمنه، وواثقه: إذا عاهده أو عاقده، والتوثيق: التثبيت والتقوية، وأرض وثيقة: كثيرة العشب موثوق بها، والوثيق: الشيء المحكم 2.

ومن خلال النظر في معاني الميثاق في اللغة فإنه يمكن إجمال هذه المعاني فيما يأتي:

1.العهد المحكم.

2.العقد والإحكام.

3.التقوية والتثبيت.

4.الشد والربط.

5.الأخذ بالوثاقة والوثيقة.

6.الاستحلاف واليمين 3.

ثانيا: المعنى الاصطلاحي:

الميثاق اصطلاحًا: «هو العقد المؤكد إما بوعيدٍ أو بيمينٍ» 4.

وعرف الإمام أبو جعفر الطبري الميثاق بقوله: «الميثاق من الوثيقة، وهي إما بيمين، وإما بعهد أو غير ذلك من الوثائق» 5.

قال صاحب المنار: «العهد ما يتفق رجلان أو فريقان من الناس على التزامه بينهما لمصلحتهما المشتركة، فإن أكداه ووثقاه بما يقتضي زيادة العناية بحفظه والوفاء به سمي ميثاقًا» 6.

وردت مادة (وثق) في القرآن الكريم (34) مرة، يخص موضوع الميثاق منها (31) مرة 7.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 1 ... (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ) [المائدة:7]

المصدر الميمي ... 3 ... (قَالَ لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى? تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ) [يوسف:66]

اسم التفضيل ... 2 ... (فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى?) [البقرة:256]

الأسماء ... 25 ... (وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) [النساء:21]

وجاء الميثاق في القرآن بمعناها اللغوي وهو: عقد مؤكد بيمين وعهد 8.

العهد:

العهد لغةً:

هو الموثق الذي يعطيه الإنسان لغيره، ويقال: عهد إليه، أي: أوصاه. فهو: التزام بين اثنين أو أكثر على شيء يعامل كل واحد من الجانبين الآخر به، وسمي عهدًا لأنهما يتحالفان بعهد الله، أي: بأن يكون الله رقيبًا عليهما في ذلك 9.

العهد اصطلاحًا:

قال الراغب: حفظ الشيء ومراعاته حالًا بعد حال 10.

وقيل: هو الميثاق واليمين التي يستوثق بها المعاهد ممن عاهده ويلزم مراعاته 11.

الصلة بين العهد والميثاق:

البيعة:

البيعة لغة:

هي العهد على الطاعة، وهي في الأصل: الصفقة من البيع، ثم استعملت في العهد والميثاق، وأصل ذلك كله من الصفق باليد؛ لأن المتعاهدين والمتبايعين يضع أحدهما يده في يد الآخر 12.

البيعة اصطلاحًا:

هي العقد الذي يعقده الناس على أنفسهم من بذل الطاعة للإمام، وتسليم النظر له في أمور أنفسهم، وعدم منازعته في شيء من ذلك، وطاعته فيما يكلفهم به من الأمر، على المنشط والمكره، والوفاء بالعهد الذي التزموه له 13.

الصلة بين البيعة والميثاق:

أن البيعة نوع من أنواع الميثاق، وهي تختص بالجوانب السياسية أو الجهاد أو غير ذلك.

العقد:

العقد لغة:

قال ابن فارس: «عقد: العين والقاف والدال أصل واحد يدل على شد وشدة وثوق، وإليه ترجع فروع الباب كلها، من ذلك عقد البناء، والجمع أعقاد وعقود، وهو نقيض الحل، ويأتي بمعنى العهد، ويأتي بمعنى الربط بين أطراف الشيء 14.

العقد اصطلاحًا:

وهو اتفاق بين طرفين يلتزم بمقتضاه كل منهما تنفيذ ما اتفقا عليه، ويجمع على عقود 15.

الصلة بين العقد والميثاق:

عرض القرآن الكريم قضية الميثاق على عدة أساليب، أهمها ما يأتي:

أولًا: الخبر:

جاءت آيات كثيرة بصيغة الخبر مفيدة عاقبة نقض العهد، أو جزاء الوفاء بالميثاق.

قال تعالى: ( وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ ?26?الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ?27?) [البقرة:26 - 27] .

وكما أن الضلال والفسق عاقبة الناقضين لعهد الله تأتي آية أخرى لتقابل معنى هذه الآية حيث جعل التقوى جزاء من أوفى بعهده: (بَلَى? مَنْ أَوْفَى? بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى? فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) [آل عمران:76] .

وهذا الأسلوب رائع، حيث جعل نقض العهد في الآية الأولى ملازما للفسق، وجعل التقوى في الآية الثانية ملازمة للوفاء بالعهد، وهذا فيه من البيان والبديع ما فيه 19.

وفي آية أخرى يأتي الخبر في سياق التذكير والامتنان: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ?63?ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَ?لِكَ ? فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ ?64?) [البقرة:63 - 64] .

هذه صيغة تحيي القلوب الميتة، وأسلوب يدعو إلى الشكر والإيمان والوفاء، لمن في قلبه ذرة من كرم أو حياء.

ونجد أسلوب المقابلة بصيغة خبرية رائعة، والمقابلة نوع من البلاغة بديع، وهذا الأسلوب له أثره الإيجابي في النفس تلاوة واعتبارًا.

قال تعالى: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ?20?وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ?21?وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَ?ئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ?22?جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ? وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ?23?سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ ? فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ?24?) [الرعد:20 - 24] .

ثم يذكر ما يقابل ذلك عملًا وأثرًا.

قال تعالى: وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ? أُولَ?ئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ) [الرعد:25] .

وتتعدد الصيغ الخبرية، وكلها تعرض بأسلوب جميل، فمرة تأتي بسياق الأمر، وأخرى في معرض النهي وثالثة مسبوقة بجملة استفهامية 20.

ثانيًا: النهي:

ورد النهي عن نقض الميثاق بصيغة طلبية وبأسلوب خبري.

يقول تعالى في سورة النحل بعد الأمر بالوفاء بالعهد: (ڑ وَلَا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ? إِنَّمَا عِندَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ) [النحل:91] .

وقوله تعالى: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ) [النحل:95] .

وهذا نهي صريح عن نقض العهود والمواثيق.

أما الأسلوب الخبري وهو يحمل معنى النهي فقوله تعالى في سورة الرعد: (? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ?) [الرعد:20] فمدلوله لا تنقضوا الميثاق لتكونوا من أولي الألباب 21.

ثالثًا: الاستفهام:

ورد الميثاق بصيغة الاستفهام التوبيخي في عدة آيات، منها قوله تعالى موبخا بني إسرائيل على سوء أفعالهم وخيانتهم الميثاق: (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ) [الأعراف:169] .

ويبين الله تعالى ما سيوجه للكافرين يوم القيامة من توبيخ وتقريع لتفريطهم بالعهد والميثاق الذي عهده الله إليهم فضيعوه: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ ? إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ?60?وَأَنِ اعْبُدُونِي ? هَ?ذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ?61?) [يس:60 - 61] .

وجاء الاستفهام إنكاريًا في قوله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً ? قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ ? أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ ?80?) [البقرة:80] 22.

وقوله تعالى: (كَيْفَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدٌ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِهِ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ? فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ ? إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ(7 ) ) [التوبة:7] 23.

ويستمر عرض موضوع العهد والميثاق بأسلوب الاستفهام، فيأتي الاستفهام بمعنى النفي: (? وَمَنْ أَوْفَى? بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ ? فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ ? وَذَ?لِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة:111] .

وهكذا يكون الاستفهام بأنواعه أحد الأساليب البلاغية التي عرضت فيها قضية الميثاق توبيخا وإنكارا ونفيا 24.

رابعًا: الإجمال والبيان:

أجمل القرآن الكريم قضية الميثاق في مواضع، وبين وفصل في مواضع أخر، وهذا أسلوب بلاغي رفيع، ففي الإجمال لا إخلال، وفي البيان لا حشو ولا إسهاب.

فقد ذكر الله في سورة البقرة أنه قد أخذ الميثاق على بني إسرائيل دون أن يبين أو يفصل في ذلك، قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ(63 ) ) [البقرة:63] .

فتتشوق النفوس وتتطلع الأفئدة لمعرفة ذلك الميثاق، وسرعان ما يأتي البيان والتفصيل في آية أخرى: وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى? وَالْيَتَامَى? وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ ?83?) [البقرة:83] 25.

ويأتي زيادة بيان وتفصيل لهذا الميثاق بقوله تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا ? وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ ? لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ? فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَ?لِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ ?12?) [المائدة:12] .

وكذلك ذكر الله أخذ الميثاق على النبيين ولم يفصل فيه: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ? وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) [الأحزاب:7] .

ثم فصل وبين ما أجمل بقوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ? قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى? ذَ?لِكُمْ إِصْرِي ? قَالُوا أَقْرَرْنَا ? قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ(81 ) ) [آل عمران:81] .

والمعنى أنه تعالى أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم عليه السلام إلى عيسى عليه السلام لمهما آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة وبلغ أي مبلغ ثم جاءه رسول من بعده ليؤمنن به ولينصرنه في إقامة دين الله تعالى، وإبلاغ رسالته، والتعاون والتناصر والاتفاق مع المبعوث بعده، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته 26.

خامسًا: الترغيب والترهيب والوعد والوعيد:

إن من أبرز الأساليب القرآنية في قضية الميثاق أسلوب الترغيب والترهيب، والوعد والوعيد، بل إن أغلب الآيات التي وردت في هذا المجال لا تخلو من أحد هذين الأسلوبين، وفي آيات منها يأتي الجمع بين الترغيب والترهيب في آية واحدة، كقوله تعالى: (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلَا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ ?20?وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ ?21?وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَ?ئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ ?22?جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ ? وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ ?23?سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ ? فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ ?24?وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ? أُولَ?ئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ?25?) [الرعد:20 - 25] .

فقد بينت الآيات جزاء الذين يوفون بالميثاق بأن لهم جنات عدن، وأن لهم عقبى الدار، والتي هي الجنة، كما بينت جزاء الذين ينقضون الميثاق بأن لهم اللعنة ولهم سوء الدار، والتي هي النار 27.

ومن الآيات التي جمعت بين الوعد والوعيد وبينت جزاء الوفاء بالميثاق وعاقبة الكفر والعصيان قوله تعالى: (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ? فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَ?لِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) [المائدة:12] .

وهناك آيات تعرض القضية بأسلوب آخر في معرض الترغيب: (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ(1) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (2) وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (3) وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (4) وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (5) إِلَّا عَلَى? أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (6) فَمَنِ ابْتَغَى? وَرَاءَ ذَ?لِكَ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (7) وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (8 ) ) [المؤمنون:1 - 8] .

فما هو جزاؤهم، وماذا أعد الله لهم؟ (أُولَ?ئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ?10?الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ?11?) [المؤمنون:10 - 11] .

ويأتي الوعيد مخيفًا: (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَ?ئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ [آل عمران:77] .

ولم يقتصر التهديد والوعيد على الآخرة فقط، بل هناك تهديد ووعيد دنيوي؟ لا يدع مجالا للمتلاعبين والخائنين الناقضين مواثيقهم: (الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ ?56?فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ?57?وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى? سَوَاءٍ ? إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ ?58?) [الأنفال:56 - 58] 28.

إن الميثاق في القرآن الكريم على نوعين رئيسين: الأول: ميثاق الله مع الخلق، والثاني: الميثاق بين الخلق، والأول على خمسة أنواع، وهي: ميثاق الله مع بني آدم، وميثاق الله مع النبيين، وميثاق الله مع المؤمنين، وميثاق الله مع بني إسرائيل، وميثاق الله مع أولي العلم. والثاني على أربعة أنواع، هي: الميثاق بين الأنبياء وأتباعهم، والميثاق بين الراعي والرعية، والميثاق بين الناس، والميثاق بين الدول، وهذه الأنواع الرئيسة والفرعية يمكن بيانها فيما يأتي:

أولًا: ميثاق الله مع الخلق:

يخبر الله تعالى أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم وهم في عالم الأرواح حيث تشعر كل روح بذاتها ووجودها، وأشهدهم على أنفسهم بأنه ربهم ومليكهم، وأنه لا إله إلا هو، وسألهم: ألست بربكم؟ فشهدوا جميعا، وقالوا: بلى أنت ربنا وخالقنا.

قال تعالى: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى? أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ? قَالُوا بَلَى? ? شَهِدْنَا ? أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَ?ذَا غَافِلِينَ ?172?أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ ? أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ ?173?) [الأعراف:172 - 173] 29.

وما أخذ الله عليه الميثاق من بني آدام هو فطرة الله التي فطر الناس عليها وجبلهم عليه.

قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ? فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ? لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ) [الروم:30] وفي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) 30.

ويذكر الله تعالى العبد بهذا الميثاق يوم القيامة، وذلك فيما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء أكنت مفتديا به؟ قال: فيقول: نعم. فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك، قد أخذت عليك في ظهر آدم أن لا تشرك بي شيئا فأبيت إلا أن تشرك بي) 31.

فهذه الأحاديث دالة على أن الله عز وجل استخرج ذرية آدم من صلبه، وميز بين أهل الجنة وأهل النار، ثم أشهدهم على أنفسهم ألست بربكم؟ قالوا: بلى. أي: أوجدهم شاهدين بذلك، والشهادة تارة تكون بالقول كقوله: (قَالُوا بَلَى? ? شَهِدْنَا ? أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَ?ذَا غَافِلِينَ) ، وتارة تكون حالا كقوله تعالى: (مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى? أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ ?) [التوبة:17] .

أي: حالهم شاهد عليهم بذلك لا أنهم قائلون ذلك، وكذا قوله تعالى: وَإِنَّهُ عَلَى? ذَ?لِكَ لَشَهِيدٌ ?) [العاديات:7] .32.

والذي يترجح في هذه المسألة أن الله أخرج ذريه آدم من ظهره، وأخذ الميثاق عليهم مشهدا بعضهم على بعض، وهذا قول جمهور المفسرين وبعض الصحابة والتابعين، هو الذي يدل عليه سياق الآية، وجاءت به الأحاديث المفسرة للآية، وقد نص الإمام ابن عطية على تواتر الأحاديث على إخراج الذرية من ظهر آدم عليه السلام وأخذ الميثاق منهم 33، قال الإمام ابن عطية: « وتواترت الأحاديث في تفسير هذه الآية عن النبي صلى الله عليه وسلم من طريق عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم وغيرهما أن الله عز وجل لما خلق آدم مسح على ظهره بيمينه، فاستخرج منها أي من المسحة أو الضربة نسم بنيه كالذر أو كالخردل، وأخذ عليهم العهد بأنه ربهم وأن لا إله غيره، فأقروا بذلك والتزموه، وأعلمهم أنه سيبعث الرسل إليهم مذكرة وداعية، فشهد بعضهم على بعض، فليس من أحد يولد إلى يوم القيامة إلا وقد أخذ عليه العهد في ذلك اليوم والمقام» 34.

وقال ابن عاشور: «ومما يثبت هذه الدلالة أخبار كثيرة رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم، وعن جمع من أصحابه، متفاوتة في القوة غير خال واحد منها عن متكلم، غير أن كثرتها يؤيد بعضها بعضا» 35.

ومن الآيات العامة التي ذكر بعض المفسرين أحد المعاني المذكورة في الميثاق الذي ذكره الله عز وجل في الآيات هو الميثاق الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم الذي وصفه، قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) [البقرة:27] .

وقوله تعالى: (مَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ? وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [الحديد:8] .

وقوله سبحانه: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ? وَاتَّقُوا اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(7) [المائدة:7] .

قال الإمام ابن جرير والماوردي والقرطبي وابن كثير: في أحد المعاني المذكورة في الميثاق الذي ذكره الله عز وجل في الآيات هو الميثاق الذي أخذه عليهم حين أخرجهم من صلب آدم الذي وصفه في قوله: وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى? أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ ? قَالُوا بَلَى? ? شَهِدْنَا ? أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَ?ذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ ? أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173 ) ) [الأعراف:172 - 173] 36.

أخذ الله تعالى الميثاق على النبيين عليهم السلام على الوفاء بما حملوا من الرسالة، وأن يصدق بعضهم بعضا، ويبشر بعضهم ببعض، وعلى أن يعبدوا الله، ويدعوا إلى عبادته، وينصحوا لقومهم، وأن يبلغوا كتاب الله ورسالاته، فبلغت الأنبياء كتاب الله ورسالاته إلى قومهم، وأخذ عليهم فيما بلغتهم رسلهم أن يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ويصدقوه وينصروه.

قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ ? قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى? ذَ?لِكُمْ إِصْرِي ? قَالُوا أَقْرَرْنَا ? قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ(81) فَمَن تَوَلَّى? بَعْدَ ذَ?لِكَ فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (82 ) ) [آل عمران:81 - 82] .

وقد اختلف المفسرون في الآية: هل كان أخذ الميثاق من النبيين، أو من أممهم؟ على أقوال:

القول الأول: ذهب جمهور العلماء من الصحابة والتابعين، منهم: علي وابن عباس رضي الله عنهم وقتادة والحسن وطاوس والسدي وسعيد بن جبير وغيرهم إلى القول بأن الميثاق قد أخذ على الأنبياء أنفسهم، واستدل هؤلاء بظاهر الآية، ويؤيد ذلك قوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ? وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا [الأحزاب:7] 37.

قال الإمام ابن كثير: «يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم عليه السلام إلى عيسى عليه السلام أنه مهما آتى الله أحدهم من كتاب وحكمة وبلغ أي مبلغ ثم جاءه رسول من بعده ليؤمنن به ولينصرنه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته، (ے قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى? ذَ?لِكُمْ إِصْرِي) ؟ وقال ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس وقتادة والسدي: يعني عهدي. وقال محمد بن إسحاق: (إصري) أي: ثقل ما حملتم من عهدي، أي ميثاقي الشديد المؤكد، (قَالُوا أَقْرَرْنَا ? قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ(81) فَمَن تَوَلَّى? بَعْدَ ذَ?لِكَ)، أي: عن هذا العهد والميثاق، (فَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) » 38.

القول الثاني: ذهب بعض المفسرين إلى أن الميثاق أخذ من أتباع الأنبياء، ولم يؤخذ من النبيين أنفسهم، وتأويل الآية عندهم: وإذا أخذ الله ميثاق أمم النبيين، أو: وإذ أخذ الله ميثاق أتباع النبيين، أو: وإذ أخذ الله ميثاق النبيين على أممهم، ونحو ذلك، فأضافوا (ميثاق) إلى (النبيين) وقدروا محذوفا كما تقول: عهد الله ويمين الله وميثاق الله، وممن قال بذلك علي وابن عباس رضي الله عنهم ومجاهد والربيع وغيرهم 39.

والراجح هو القول الأول، فإن الله قد أخذ الميثاق على جميع الأنبياء بأن يؤمن بعضهم ببعض، ويصدق بعضهم بعضا، وينصر بعضهم بعضا، وأمرهم بأن يأخذوا ذلك على أممهم، على أن القول الثاني لا يعارض الأول، ولكنه أخص منه، وقد رجح الإمام الطبري القول الأول بقوله: «وأولى هذه الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معنى ذلك: الخبر عن أخذ الله الميثاق من أنبيائه بتصديق بعضهم بعضا، وأخذ الأنبياء على أممها وأتباعها الميثاق بنحو الذي أخذ عليها ربها من تصديق أنبياء الله ورسله بما جاءتها به؛ لأن الأنبياء عليهم السلام بذلك أرسلت إلى أممها، ولم يدع أحد ممن صدق المرسلين أن نبيا أرسل إلى أمة بتكذيب أحد من أنبياء الله عز وجل» 40.

كذلك قال الإمام ابن كثير: «وما قاله طاووس وقتادة لا يضاد ما قاله علي وابن عباس رضي الله عنهم ولا ينفيه، بل يستلزمه ويقتضيه» 41.

وقد وصف الله هذا الميثاق بأنه ميثاق غليظ.

قال تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى? وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ? وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا [الأحزاب:7] 42.

والميثاق الغليظ هو تبليغ الرسالة، وأن يصدق بعضهم بعضا، وأن يعلنوا أن محمدا رسول الله، ويعلن محمد صلى الله عليه وسلم أنه لا نبي بعده، وفي ذكر من سمى من الأنبياء ونص من بينهم على هؤلاء الخمسة وهم أولو العزم مع دخولهم في ذكر النبيين وجهان: أحدهما: تفضيلا لهم، الثاني: لأنهم أصحاب الشرائع، وهو من باب عطف الخاص على العام 43.

يقول تعالى مذكرا عباده المؤمنين بنعمته عليهم في شرعه لهم هذا الدين العظيم، وإرساله إليهم هذا الرسول الكريم، وما أخذ عليهم من الميثاق في مبايعته على متابعته ومناصرته ومؤازرته، والقيام بدينه وإبلاغه عنه وقبوله منه، فقال تعالى: (وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ إِذْ قُلْتُمْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ? وَاتَّقُوا اللَّهَ ? إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ [المائدة:7] .

وهذه هي البيعة التي كانوا يبايعون عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم عند إسلامهم، كما قالوا: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله 44. وقال الله تعالى: (وَمَا لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ? وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) [الحديد:8] 45.

واختلف المفسرون في الميثاق الذي ذكره الله في هذه الآية على قولين:

القول الأول: ذهب جمهور المفسرين إلى أنه الميثاق الذي جرى لهم مع النبي صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في المنشط والمكره، إذ قالوا: سمعنا وأطعنا كما جرى ليلة العقبة وتحت الشجرة، وأضافه تعالى إلى نفسه كما قال: (إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) [الفتح:10] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت