«إن هؤلاء المنافقين رجس البواطن أخباث الاعتقادات، لا يقبلون التطهير؛ لأنهم منافقون، ومسكنهم جهنم، جزاء بما اكتسبوه في الدنيا من الآثام والخطايا، فلا ينفع معه التوبيخ أو اللوم في الدنيا والآخرة. وحقيقة أيمانهم الكاذبة أنها ليست لوجه الله، وإنما لمجرد استرضاء لكم معشر المؤمنين؛ لتستمروا في معاملتهم كالمسلمين. وإنكم إن رضيتم عنهم، فلا ينفعهم رضاكم، إذا كانوا في سخط الله، والله لا يرضى عن القوم الفاسقين، أي: الخارجين عن طاعة الله والرسول، فليكن همهم إرضاء الله ورسوله، لا إرضاؤكم، كما وصفهم الله بقوله: {يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108) } [النساء:108] .
وقوله عز وجل: {لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ (13) } [الحشر:13] .
وهذا إرشاد ونهي للمؤمنين عن الرضا عن المنافقين، والاغترار بأيمانهم الكاذبة، وكفى بالله عليمًا ومعلمًا للمؤمنين منهج الحياة الاجتماعية وطريق معاملة المنافقين وغيرهم من أصحاب البدع المنكرة، فعلى المؤمنين أن يبغضوا المنافقين، وألا يرضوا عنهم لسبب دنيوي، من غير تفرقة بين منافق حضري أو بدوي» 35.
1.تحدث القرآن الكريم عن نوعين من؛ أحدهما محمود، والآخر مذموم، وسوف يتم الحديث عنهما في هذا المبحث ..
أولًا: المحمود:
إن المحمود هو ما أمر الله به عباده المؤمنين؛ من أجل زجر هؤلاء الكفار المعرضين عن دين الله تعالى وشريعته، وتصديق رسله، والإيمان بهم، فأمر الله تعالى عباده المؤمنين ب عمن أعرض عن دين الله تعالى، وليس مساومته على شيء من الشريعة ليقبلها. فمن تولى عن ذكر الله تعالى، يعرض عنه بنص الكتاب؛ وذلك أن مهمة الرسل والدعاة من بعدهم هي البلاغ لا الهداية.
قال الله تعالى: {فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ} [الشورى:48] .
وقوله تعالى: {فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ} [آل عمران:20] .
وقوله تعالى {فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (30) } [السجدة:30] .
وكذلك أمر الله عباده المؤمنين ب عن أهل النفاق؛ لأن هؤلاء المنافقين يظهرون الخير ويبطنون الشر لأهل الإيمان، وقد أمر الله تعالى عباده المؤمنين ب عنهم؛ خشية أن لا يتخذهم المؤمنين بطانة من دون المؤمنين، وينخدعوا فيهم وفي أفعالهم الظاهرة، فأوجب الله تعالى عن قولهم، وعدم أخذ نصيحتهم، ولا أن يتخذوا منهم بطانة؛ لأنهم أهل غش وخيانة، فإذا أعرض المؤمنون عنهم، وتوكلوا على الله تعالى لم يضرهم المنافقون شيئًا مهما بلغ كيدهم، وعظم مكرهم.
قال الله تعالى: {وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81) } [النساء:81] .