فهرس الكتاب

الصفحة 2194 من 2431

النجوم

أولًا: المعنى اللغوي:

النون والجيم والميم أصل صحيح يدل على طلوع وظهور، ونجم السن والقرن: طلعا، والنجم: اسم يقع على الثريا، وكل منزل من منازل القمر سمي نجمًا، وكل كوكب من أعلام الكواكب يسمى نجمًا، والنجوم تجمع الكواكب كلها.

وأنجمت السماء: بدت نجومها، والنجم من النبات: ما لم يكن له ساق، من نجم إذا طلع 1.

نجم الشيء ينجم بالضم نجومًا: ظهر وطلع، وفلانٌ منجم الباطل والضلالة -بالفتح- أي: معدنه 2.

أصل النجم: الكوكب الطالع، وجمعه: نجومٌ، ونجم: نجومًا ونجمًا، فصار النجم مرة اسما كالقلوب والجيوب، ومرة مصدرًا كالطلوع والغروب، واشتقوا منه فقالوا نجمت الدين بالتثقيل إذا جعلته نجومًا 3 والنجمة: هي أخص من النجم، وكأنها واحدته، كنبتةٍ ونبت.

ونجمة الصبح: فرسٌ نجيبٌ، والنجم: نزول القرآن نجمًا نجمًا 4.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

وبالنظر في الكتب والمراجع التي هي مظنة التعريف الاصطلاحي، والتي منها كتاب (الكليات) للكفوي، وكتاب (التعريفات) للجرجاني، وكتاب (المفردات في غريب القرآن) للأصفهاني، وغيرها، فلم نجد فيها تعريفًا اصطلاحيًا للنجوم، وعليه فإنه من خلال المعنى اللغوي السابق، ومعاني الآيات التي وردت فيها لفظة النجوم نورد ما يأتي:

النجم عرفًا: أحد الأجرام السماوية المضيئة بذاتها، ومواضعها النسبية في السماء ثابتة، ومنها الشمس 5.

وردت مادة (نجم) في القرآن الكريم (13) مرة 6.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

المفرد ... 4 ... {وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (1) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (2) } [النجم:1 - 2]

الجمع ... 9 ... {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} [الأنعام:97]

وجاءت النجوم في الاستعمال القرآني على وجهين 7:

الأول: الكواكب: ومنه قوله تعالى: {وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (1) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (2) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (3) } [الطارق: 1 - 3] . يعني: الكواكب.

الثاني: النبات: ومنه قوله تعالى: {وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (6) } [الرحمن: 6] . يعني بالنجم: كل شجرٍ مما لا ساق له من النبات، والشجر: ما له ساق.

الكوكب:

الكوكب لغةً:

من كب: الكاف والباء أصل صحيح يدل على جمع وتجمع، لا يشذ منه شيء، والكوكب يسمى كوكبًا من هذا القياس 8.

والكوكب: واحد الكواكب، فالكوكب والكوكبة: النجم، وكوكب: اسم موضع 9 ..

الكواكب اصطلاحًا:

«الكواكب: أجسام بسيطة مركوزة في الأفلاك، كالفص في الخاتم، مضيئة بذواتها، إلا القمر» 10 أو: «جرم سماوي يدور حول الشمس ويستضيء بضوئها وأشهر الكواكب مرتبة على حسب قربها من الشمس عطارد الزهرة الأرض المريخ المشتري زحل يورانس نبتون بلوتون» 11.

الصلة بين الكوكب والنجم:

إن الكوكب اسم للكبير من النجوم، وكوكب كل شيء معظمه، والنجم عام في صغيرها وكبيرها، ويجوز أن يقال: الكواكب هي الثوابت، ومنه يقال: فيه كوكب من ذهب أو فضة؛ لأنه ثابت لا يزول، والنجم الذي يطلع منها ويغرب 12.

وقيل: النجم فيه مراعاة لمعنى من معاني النجوم والكواكب وهو الظهور والطلوع، أما الكوكب ففيه مراعاة لمعنى الإضاءة والبياض والعظمة 13.

الشمس:

الشمس لغةً:

الشين والميم والسين أصل يدل على تلون وقلة استقرار، فالشمس معروفة، وسميت بذلك؛ لأنها غير مستقرة، ويقال: شمس يومنا وأشمس، إذا اشتدت شمسه 14.

الشمس اصطلاحًا:

الشمس: هو كوكب مضيء نهاري 15، يشع لنا حرارة وضياء.

الصلة بين الشمس والنجم:

الشمس: مضيئة في النهار، بينما النجم مضيء في الليل.

القمر:

القمر لغةً:

القاف والميم والراء أصل صحيح يدل على بياض في شيء، ثم يفرع منه. من ذلك: القمر الذي في السماء، وضوؤه القمراء، وسمي قمرًا: لبياضه 16.

القمر اصطلاحًا:

هو كوكب في السماء معتم.

وقيل: جرم سماوي صغير معتم يدور حول كوكب أكبر منه ويكون تابعا له 17.

الصلة بين القمر والنجم:

القمر جسم معتم يستمد ضوءه من الشمس، بينما النجم مضيء.

أولًا: صور من تسخير النجوم:

النجوم من المخلوقات التي لها جرم كبير، وسرعة عالية، وقد أشار القرآن إليها في غير ما موضع؛ لأنها من الآيات العجيبات، والدلائل الواضحات على قدرة الباري وعظمته وقهره، وقد تحدث القرآن عن كونها مسخرة بأمر الله وخاضعة لمولاها في موضعين من كتابه.

قال تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الأعراف:54] .

وهذه الآية جاءت في سياق التدليل على ربوبية الله وألوهيته، وأنه لا معبود سواه فهي سياحة «في ملكوت الله، يرتادها السياق بعد قصة النشأة الإنسانية، وبعد تصوير طرفي الرحلة، وبعد الحديث عن اتباع الشيطان، والاستكبار عن اتباع رسل الله، وبعد عرض التصورات الجاهلية، والتقاليد التي يشرعها البشر لأنفسهم بلا إذن من الله ولا شرع؛ ليرد البشر إلى ربهم الذي خلق هذا الوجود وسخره، والذي يحكمه بنواميسه ويصرفه بقدره، والذي له الخلق والأمر وحده» 18.

وجاء ذكر النجوم في الآية وكونها مسخرة بأمر خالقها كأحد الشواهد على ربوبية الله وألوهيته واستحقاقه العبادة «والتسخير حقيقته تذليل ذي عمل شاق أو شاغل بقهر وتخويف، أو بتعليم وسياسة بدون عوض، فمنه تسخير العبيد والأسرى، ومنه تسخير الأفراس والرواحل، ويستعمل مجازًا في تصريف الشيء غير ذي الإرادة في عمل عجيب أو عظيم من شأنه أن يصعب استعماله فيه، بحيلة أو إلهام تصريفًا يصيره من خصائصه وشوؤنه» 19.

فالإشارة بأن النجوم مسخرة إذًا فيه ما يدل على ضخامة شأنها، وأنه ما كان لأحد أن يستطيع تسييرها في نظام منضبط محدد إلا الله، فهي آية عظيمة على ربوبية الله وألوهيته؛ وما ذلك إلا لأنها أجرام تسبح في الفضاء بسرعات عالية، كما أن لها كتلًا ضخمة قد يعجز الإنسان عن تصورها، فالشمس وهي «نجمٌ متوسط الحجم إذا قيست بالنجوم الأخرى، تكبر الأرض بمليونٍ وثلاثمائة ألف مرةٍ حجمًا، وتبعد عنها مائةً وستةً وخمسين مليون كيلو متر وسطيًا، ويقطع ضوء الشمس هذه المسافة في ثماني دقائق.

وأما عن حرارتها فهي تصل إلى عشرين مليون درجة في مركزها، فلو ألقيت الأرض في جوف الشمس لتبخرت في وقتٍ قصيرٍ، ويزيد طول ألسنة اللهب المنطلقة من سطحها من نصف مليون كيلو مترٍ إلى مليون كيلو متر، وتنتج الشمس من الطاقة في كل ثانيةٍ ما يعادل إحراق ألفي مليار طنٍ من الفحم الحجري» 20.

فهذه الشمس بكتلتها الكبيرة تدور حول نفسها كل خمسة وعشرين يومًا دورة، وتجري بسرعة مائتي كيلو متر في الثانية الواحدة.

وإذا كان هذا شأن الشمس وهي نجم متوسط «فهنالك في هذا الفضاء الذي لا يعرف البشر له حدودًا ملايين الملايين من النجوم، منها الكثير أكبر من الشمس، وأشد حرارة وضوءًا، فالشعرى اليمانية أثقل من الشمس بعشرين مرة، ونورها يعادل خمسين ضعف نور الشمس، والسماك الرامح حجمه ثمانون ضعف حجم الشمس، ونوره ثمانية آلاف ضعف، وسهيل أقوى من الشمس بألفين وخمسمائة مرة» 21.

إن هذا يكشف لنا عن مدى عظم النجوم، وعظم شأن تسخيرها، فهي برغم هذه السرعات العالية «تتبع نظامًا دقيقًا لا تحيد عنه قيد أنملة مهما مرت بها الليالي، وتعاقبت عليها الفصول والأعوام والقرون، وتدور في أفلاكها بنظام يمكننا من التنبؤ بما يحدث من الكسوف والخسوف قبل وقوعه بقرون عديدة» 22. فسبحان من هي مسخرة بأمره!

والآية الثانية التي ذكرت تسخير النجوم بأمره تعالى هي قوله تعالى: {وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [النحل:12] .

وهذه الآية أتت في سياق الاستدلال على وجود الباري، واستعراض عظمته، وإظهار قدرته، وما تفيض به على العالم من نعم فهو استدلال «بإتقان الصنع على وحدانية الصانع وعلمه، وإدماج بين الاستدلال والامتنان» 23.

وفي هذه الآيات عدة أوجه للقراءات فقد «قرأ الجمهور جميع هذه الأسماء منصوبة على المفعولية لفعل {وَسَخَّرَ} وقرأ ابن عامر: {وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ} بالرفع على الابتداء، ورفع: {مُسَخَّرَاتٌ} على أنه خبر عنها، ونكتة اختلاف الإعراب الإشارة إلى الفرق بين التسخيرين.

وقرأ حفص برفع: {وَالنُّجُومُ} و {مُسَخَّرَاتٌ} ، ونكتة اختلاف الأسلوب الفرق بين التسخيرين من حيث إن الأول واضح، والآخر خفي لقلة من يرقب حركات النجوم» 24.

فرفع النجوم إذًا يدل على أن «للنجوم شأنًا كشأن الشمس والقمر، وأنها مسخرة كالشمس والقمر، وإن كان الإنسان في غفلة عنها» 25.

ولذلك أتت الخاتمة بقوله تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} «لتلفت العقل إلى هذه الظاهرة، ظاهرة النجوم وحركاتها في السماء، وتسخيرها في مداراتها، وأن أصحاب العقول وحدهم هم الذين يرون هذه الظاهرة، ويتعرفون إلى آثار رحمة الله وقدرته، وأنه إذا التفت العقل إلى هذه النجوم التفاتًا جادًا متفحصًا وجد عالمًا رحيبًا لا حدود له، وأكوانًا عجيبة تذهل لجلالها العقول، وتخشع لروعتها القلوب؛ إذ ليست هذه النجوم التي تبدو وكأنها حبات من اللؤلؤ المنثور في السماء إلا أجرامًا أكبر من الشمس، وأن أصغر نجم فيها يعدل جرم الشمس آلاف المرات، وأن صغر حجمها، وقلة ضوئها بالنسبة للشمس إنما مرجعهما إلى بعدها البعيد عنا، حتى ليبلغ مدى هذا البعد مئات الألوف، وألوف الألوف من السنين الضوئية» 26.

1.النجوم ساجدة.

وهذا من صور تسخير النجوم التي أشار إليها القرآن.

يقول تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ ? وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ ? وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ ? إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ? ?18?) [الحج: 18] .

وهذه الآية أتت في سياق ذكر اختلاف أهل الديانات وافتراقهم لتقرر بأنه «ما كان ينبغي لأهل الأديان المختلفة أن يختلفوا؛ لأن جميع العوالم خاضعة لسلطان الله وقدرته، وساجدة لعظمته طوعًا أو كرهًا» 27.

وخصت الآية ذكر (وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ) ؛ «لأنها قد عبدت من دون الله، فبين أنها تسجد لخالقها، وأنها مربوبة مسخرة» 28.

واختلف العلماء في المراد بالسجود على ضربين:

أحدهما: من يعقل، فسجوده عبادة.

الثاني: من لا يعقل، واختلفوا فيه على رأيين:

وعلى كلا القولين وسواء كان السجود حقيقة أو مجازًا فإنه لا شك دال على الخضوع والتسخير.

وهناك موضع ذكر فيه سجود النجم، وهو قوله تعالى: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) [الرحمن:6] .

وفي المراد بالنجم هنا قولان:

أحدهما: أنه كل نبتٍ ليس له ساق، وهو مذهب ابن عباس والسدي ومقاتل واللغويين.

والثاني: أنه نجم السماء 30.

وكثير من المفسرين رجح الرأي الأول؛ ولذا أحجمت عن الكلام فيه 31.

وهكذا يظهر لنا كيف أن النجوم بأحجامها الضخمة وسرعاتها المذهلة مسخرة لربها، وخاضعة لخالقها، تنقاد لأمره، وتخضع لسلطانه ومشيئته، فسبحان من ألزمها مدارها، وقهرها في فلكها، وسيرها في نظام لا تشذ عنه ولا تحيد.

2.النجوم علامات وإرشاد.

لخلق النجوم الكثير من المنافع التي أشار إليها القرآن، ومنها أنها علامات وإرشاد للناس في ظلمات البر والبحر، كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} [الأنعام: 97] .

وفي هذه الآية يذكرنا تعالى «ببعض فضله في تسخير هذه النيرات» 32: وذلك بجعله لنا النجوم أدلة «ليهتدي بها مسافرونا في البر والبحر حتى لا يضلوا طريقهم فيهلكوا» 33.

قال قتادة: «إن الله تبارك وتعالى إنما خلق النجوم لثلاث خصال: جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدي بها، وجعلها رجومًا للشياطين، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد رأيه وأخطأ حظه وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به» 3435.

«وفي إضافة الظلمات إلى البر والبحر إشارة إلى أن الظلام هو الذي يلبسهما، ويستولي عليهما، فكأن السائر في الليل يقطع قطعًا من الظلام، سواء أكان في البر أو البحر» 36.

فأن تكون النجوم دليلًا للمرء في وسط هذه الظلمات فهذه لا شك منفعة كبيرة.

ومن الآيات التي أكدت على هذا قوله: {وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ} [النحل:16] .

ففي هذه الآية يؤكد تعالى على كون النجوم تهدي «من ضلال الطريق في البر والبحر» 37.

وهذه «هداية عظيمة في وقت ارتباك الطريق على السائر؛ ولذلك قدم المتعلق في قوله تعالى: {وَبِالنَّجْمِ} تقديمًا يفيد الاهتمام، وكذلك بالمسند الفعلي في قوله تعالى: {هُمْ يَهْتَدُونَ} » 38.

والاهتداء بالنجوم ليس مقصورًا على مكان دون مكان، ولا زمان دون زمان، وإنما «تختلف وسائل الاهتداء بالنجوم ويتسع مداها بالكشوف العلمية والتجارب المنوعة» 39.

لماذا النجوم علامات وإرشاد؟

قد يقول قائل: لماذا النجوم علامات وإرشاد دون القمر أو غيره مع أن القمر أكثر ضياء وأقرب مسافة؟ ولكن من تأمل تخصيصه عز وجل النجوم بهذه الهداية دون القمر ظهرت له حكم بديعة، فالقمر سريع الحركة والتنقل في الليلة الواحدة، وخلال ليالي الشهر والعام بخلاف النجوم التي تبدو أكثر ثباتًا في السماء مما يجعل معرفة منازلها أيسر، والقمر يغيب من السماء ويفقد ضياؤه في عدد من ليالي الشهر بخلاف النجم الذي لا يذهب نوره إلا ضوء النهار ونور الشمس، والقمر ينكسف وأما النجم فلا ينكسف؛ بل إن لذكر النجم دون غيره من الوسائل والأدوات التي استخدمها الناس منذ القدم حكمة بالغة؛ إذ النجم متاح لكل إنسان في كل مكان وفي كل ساعة من ساعات الليل ولا يملك حجبه أحد، وتعلم الاهتداء به ميسر، بينما تلك الوسائل غير متاحة لكثيرين، وقد يصعب استخدامها على كثيرين.

وهكذا يظهر لنا كيف أن النجوم جعلها الله علامات وإرشاد للناس تهديهم في ظلمات البر والبحر حتى لا يضلوا طريقهم ويهلكوا.

ثانيًا: النجوم زينة:

«مشهد النجوم في السماء جميل -ما في هذا شك-، جميل جمالًا يأخذ بالقلوب، وهو جمال متجدد تتعدد ألوانه بتعدد أوقاته، ويختلف من صباح إلى مساء، ومن شروق إلى غروب، ومن الليلة القمراء إلى الليلة الظلماء، ومن مشهد الصفاء إلى مشهد الضباب والسحاب، بل إنه ليختلف من ساعة لساعة، ومن مرصد لمرصد، ومن زاوية لزاوية، وكله جمال، وكله يأخذ بالألباب.

فهذه النجمة الفريدة التي توصوص هناك، وكأنها عين جميلة، تلتمع بالمحبة والنداء! وهاتان النجمتان المنفردتان هناك، وقد خلصتا من الزحام تتناجيان! وهذه المجموعات المتضامة المتناثرة هنا وهناك وكأنها في حلقة سمر في مهرجان السماء، وهي تجتمع وتفترق كأنها رفاق ليلة في مهرجان!» 40.

فالنجوم زينة السماء، وقد جاء وصف النجوم بأنها زينة في القرآن لعدة فوائد ومنافع:

فإن تزيين السماء بهذه النجوم فيه من بديع التكوين، وجميل التنسيق ما يستدل به على خالقه، ويرغم عقول العباد على التفكر في صانعه وموجده، فهذه النجوم المتناثرة في السماء، المتفرقة في جو الفضاء التي ترنو للناظرين، وتزدان للمعتبرين في حلة بهية، ولوحة نقية، لا بد لها من قائم بأمرها، مدبر لأحوالها وشئونها.

قال تعالى: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ) [الحجر:16] .

أي: «وزينا هذه السماء بالنجوم» 41. وهذه الزينة (لِلنَّاظِرِينَ) «إلى حركاتها وأضوائها، أو للمتفكرين المعتبرين المستدلين بها على قدرة موجدها ووحدانيته» 42.

فإنه لولا النجوم «لما كان للسماء هذا المنظر البهي والهيئة العجيبة، وهذا مما يدعو الناظرين إلى التأمل فيها، والنظر في معانيها، والاستدلال بها على باريها» 43.

فتزيين النجوم للسماء آية عظيمة من آيات القدرة الإلهية التي تشهد بوحدانية الله تعالى وعظمته وجلاله، وتلفت الأنظار إلى بديع صنعه في كونه، وعجيب فعله في خلقه.

وبالنظر في السياق الذي وردت فيه الآية يتأكد هذا المعنى، فقد جاءت هذه الآية بعد ذكر عتو الكافرين واستكبارهم، وعماهم عن آيات الله.

يقول تعالى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ ?14?لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ ?15?وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ?16?) [الحجر:14 - 16] .

فكأنه تعالى «لما ذكر كفر الكافرين وعجز أصنامهم ذكر كمال قدرته؛ ليستدل بها على وحدانيته، فقال: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ ?16?) » 44.

وكأنه سبحانه أراد أن يبين أن في السماء من العجائب ما لا يحتاج إلى صعود وارتقاء، بل يدركها الواقفون على الأرض من أهل الاعتبار، من هذه العجائب تزيين السماء بالكواكب.

وكذا يقال في قوله: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ?6?) [الصافات:6] .

فإنه تعالى لما ذكر وحدانيته على خلقه، وأنه رب السموات والأرض ورب المشارق بقوله: (?إِنَّ إِلَ?هَكُمْ لَوَاحِدٌ ?4?رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ ?5?) [الصافات:4 - 5] .

أردف ذلك بقوله: إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ?6?) [الصافات:6] .

وفي علاقة هذه الآية بما قبلها يقول ابن عاشور رحمه الله: «هذه الجملة تتنزل من جملة (رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا) منزلة الدليل على أنه رب السموات، واقتصر على ربوبية السموات؛ لأن ثبوتها يقتضي ربوبية الأرض بطريق الأولى» 45.

وهكذا يظهر أن جعل النجوم زينة فيه دلالة على خالقها وعلى وحدانيته وعلى جلاله وكماله؛ لأنها تحرك في الإنسان التساؤل: من الذي خلق هذا الخلق البديع المتقن الذي يخلب الأنظار ويجذب القلوب؟ لابد أن وراء الإبداع مبدع، وخلف كل جمال جميل!

زينة النجوم جمال، والله جميل يحب الجمال، خلق هذا الكون فأحسن خلقه وأتقنه وجمله.

يقول صاحب الظلال رحمه الله: «القرآن يوجه النفس إلى جمال السماء، وإلى جمال الكون كله؛ لأن إدراك جمال الوجود هو أقرب وأصدق وسيلة لإدراك جمال خالق الوجود، وهذا الإدراك هو الذي يرفع الإنسان إلى أعلى أفق يمكن أن يبلغه؛ لأنه حينئذٍ يصل إلى النقطة التي يتهيأ فيها للحياة الخالدة، في عالمٍ طليق جميل، بريء من شوائب العالم الأرضي والحياة الأرضية» 46.

من أجل هذا جعل الله في خلقه العديد من مشاهد الجمال والزينة، بل لا تجد خلقًا من خلق الله إلا وفيه جمال، ويدل على جمال!

ومن هذا الجمال الذي أبدعه الله جل جلاله؛ ليتأمله خلقه ويستروحون في ظلاله النجوم التي جعلها الله زينة للسماء.

قال تعالى: (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ) [الحجر:16] .

وأن تكون النجوم زينة للسماء فهذا لا شك يشي «بأن الجمال غاية مقصودة في خلق هذا الكون، فليست الضخامة وحدها، وليست الدقة وحدها إنما هو الجمال الذي ينتظم المظاهر جميعًا، وينشأ من تناسقها جميعًا.

وإن نظرة مبصرة إلى السماء في الليلة الحالكة وقد انتثرت فيها الكواكب والنجوم توصوص بنورها، ثم يبدو كأنما تخبو، ريثما تنتقل العين لتلبي دعوة من نجم بعيد، ونظرة مثلها في الليلة القمرية والبدر حالم، والكون من حوله مهوم كأنما يمسك أنفاسه لا يوقظ الحالم السعيد!

إن نظرة واحدة شاعرة لكفيلة بإدراك حقيقة الجمال الكوني، وعمق هذا الجمال في تكوينه» 47.

وهذا لا شك يوجه المؤمنين بأن من واجبهم أن «يجعلوا حياتهم مبنية على الجمال في الظاهر وفي الباطن؛ تأسيًا بسنة الله تعالى في خلق هذا الكون» 48.

وهكذا يظهر لنا كيف أن كون النجوم زينة يلفت الأنظار بشدة لجمالية هذا الكون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت