وهذا الآية عامة، وقد أخبرنا الله بما حصل لبني إسرائيل بسبب ذنوبهم وكيف نزعت منهم الوراثة أبد الآبدين فقال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى? يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ ? إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ ? وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ?167?) [الأعراف: 167] .
ومن ذلك ما أخبر الله عنهم في قوله تعالى: (وَقَضَيْنَا إِلَى? بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا ?4?فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ ? وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا ?5?) [الإسراء: 4 - 5] .
وذلك أنهم لما بغوا وطغوا سلط الله عليهم عدوهم، فاستباح بيضتهم، وسلك خلال بيوتهم وأذلهم وقهرهم، جزاء وفاقا، وما ربك بظلام للعبيد؛ فإنهم كانوا قد تمردوا وقتلوا خلقا من الأنبياء والعلماء 50.
والعموم في الآية الأولى هو تحذير لكل من دخل في هذا العموم، وقد جاء التحذير باستبدال الوراثة صريحًا في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ? أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ? فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ?38?إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ? وَاللَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?39?) [التوبة: 38 - 39] .
وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم أمته، بأن ضياع الدين وترك شرائعه سبب في الذب وتسلط الأعداء، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، ورضيتم بالزرع، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم) 51.
قال سيد قطب: «وليس العذاب الذي يتهددهم هو عذاب الآخرة فقط، بل عذاب الدنيا والآخرة، عذاب الذل الذي يصيب القاعدين عن الجهاد، عذاب الحرمان من الخيرات التي يستفيد منها العدو الكافر ويحرمها أهلها، وهم مع ذلك كله يخسرون من النفوس والأموال أضعاف ما يخسرون في الجهاد، ويقدمون على مذابح الذل أضعاف ما تتطلبه منهم الكرامة لو قدموا لها الفداء، وما من أمة تركت الجهاد إلا ضرب الله عليها الذل فدفعت مرغمة صاغرة أضعاف ما كان يتطلبه منها جهاد الأعداء» 52.
منها: الابتلاء، كما قال تعالى: (ذَ?لِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَ?كِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ ? وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ [محمد: 4] .
فإنه تعالى على كل شيء قدير، وقادر على أن لا ينتصر الكفار في موضع واحد أبدا، حتى يبيد المسلمون خضراءهم، ولكن الله سبحانه له الحكمة في إدالة الكفار في بعض الأوقات على المسلمين إدالة غير مستقرة، (وَلَ?كِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ) فيعلم المجاهدين منكم والصابرين فيثيبهم، ويبلوهم بكم، فيعاقب بأيديكم من شاء منهم حتى ينيب إلى الحق 53.
ومنها: الرجوع إلى الله تعالى والتوبة، كما قال تعالى: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى? هَ?ذَا ? قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ ? إِنَّ اللَّهَ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?165?) [آل عمران: 165] .
فقوله تعالى: (قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ) دعوة للمحاسبة والمراجعة في تخلف أسباب النصر من النزاع أو مخالفة أمر النبي صلى الله عليه وسلم ونحو ذلك.
ومنها: تمييز الخبيث من الطيب، ومعرفة من يتبع الدين رضًا وقناعة ممن يتبعه حال الرخاء، فإذا حصلت الشدائد انقلب على عقبيه، نسأل الله العافية.
قال تعالى: (وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ ?166?وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا ? وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا ? قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ ? هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ ? يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ? وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ ?167?) [آل عمران: 166 - 167] .
وقال تعالى: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى? مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى? يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ?) [آل عمران: 179] .
وقال: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ ?5?) [القصص: 5] .
ثم تأتي مرحلة الاختبار والابتلاء (قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا ? قَالَ عَسَى? رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ?129?) [الأعراف: 129] .
فإن قاموا بما أمر الله من العمل والعبادة والصلاح حصل لهم التمكين والوراثة التامة التي أخبر الله تعالى عنها بقوله: (ےإِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ ? وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ) [الأعراف: 128] .
وقوله تعالى: (وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ) [الأنبياء: 105] .
تمثل قصة ذي القرنين نموذجًا مشرقًا من وراثة الأرض كما يحب الله ويرضى حيث جمع بين أداء حق الله في الأرض بالإيمان والعمل الصالح، والقيام بحقوق المخلوقين، واستثمار الموارد والثروات في تكثير الخير وتقليل الشر.
جاء الحديث عن وراثة الميت في سورة النساء، وكان أول ما نزل في المورايث قوله تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ? نَصِيبًا مَفْرُوضًا ?7?) [النساء: 7] .
وكانت هذه الآية ممهدة وموطئة لما يليها من الأحكام، فقد أصبح من المسلمات لدى العرب في الجاهلية أن المرأة لا حق لها من الميراث وقضوا على ذلك العقود بعد العقود، فإذا جاء تشريع المواريث مبينا الأحكام التفصيلية ومقدار ما يستحقه كل من الذكر والأنثى، سيشق ذلك على الناس وقد لا تقبله النفوس مباشرة.
فكان من الحكمة أن تأتي آية تشريع المواريث ممهدة لبيان الأحكام التفصيلية، لتهيئ النفوس لقبول حكم الله والإذعان له 54.
فقوله تعالى: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ? نَصِيبًا مَفْرُوضًا ?7?) [النساء: 7] .
إجمال لما سيتبع من البيان، وإبطال لما قد كان.
وكان التمهيد في هذه الآية بما يلي:
أولًا: أن تقدير المواريث حق لله تبارك وتعالى، وفريضة من الفرائض التي يجب الالتزام فيها بأحكام الله، وإبطال أحكام الجاهلية وإلغائها، وقد ختمت الآية بقوله: (نَصِيبًا مَفْرُوضًا) تقريرًا لهذا المعنى.
ثانيًا: إثبات حق المرأة في الميراث، لا كما يفعله أهل الجاهلية، وحماية حقها وتفصيل هذا في الحكمة الثالثة من حكم المواريث كما سيأتي بيانه.
ثالثًا: بيان علة الميراث وهي: القرابة، كيفما تصرفت من قريب أو بعيد.
رابعًا: أن نصيب كل من الرجل أو المرأة محدد معين لامجال فيه للآراء أو العادات 55.
وفي هذه التوطئة من تثبيت القلب وتخفيف التكليف الذي يخالف عادة الجاهلية ما يرفع الحرج ويزيل المشقة، وهذا من رحمة الله وإرادته الخير لعباده حتى يذعنوا ويطيعوا، فهو سبحانه لا تضره معصية العاصين ولا تنفعه طاعة الطائعين، وما هذا التيسير إلا من اصطفاء الله واختياره لهذه الأمة.
ثم جاء الحديث عن المواريث ومقاديرها مفصلة في قوله تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ? لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ? فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ ? وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ ? وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ ? فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ ? فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ ? مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ ? آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ? فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا ?11?وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ ? فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ ? مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ? وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ ? فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ ? مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ ? وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ? فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَ?لِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ ? مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى? بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ? وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ ? وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ ?12?) [النساء: 11 - 12] .
ثم جاء بيان بعض أحكامها في آخر سورة النساء بقوله: (يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ ? إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ ? وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ ? فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ ? وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ? يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ? وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ?176?) [النساء: 176] .
كما جاء في آخر سورة الأنفال قوله تعالى: (وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى? بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ? إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الأنفال: 75] .
وقد تضمنت هذه الآيات جملة من مسائل المورايث موضعها في كتب الفقه، وأحكام القرآن 56.
وقد تضمنت الآيات من الحكم العظيمة والغايات الجليلة ما يدعو إلى الامتثال والتطبيق وربطها بمقاصد الشريعة وغاياتها ومن ذلك:
ورد النص القرآني صريحا مبينا أن امتثال التقوى يقود إلى الصواب والرشاد، فقال تعالى: (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا ?9?) [النساء: 9] .
فجاء الأمر بالتقوى الذي في امتثاله صلاح العبد وتوفيقه إلى القول السديد، سواء في ذلك المورث حال وصيته أو من حضره حال الوصية.
فإن كان يخشى إن هو أوصى بماله للفقراء والمساكين أن يضر بورثته وأولاده، فعليه أن يتقي الله في هؤلاء الورثة وألا يدعهم فقراء 57، وهذا من السداد.
كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص: (الثلث والثلث كثيرٌ، إنك إن تدع ورثتك أغنياء خيرٌ من أن تدعهم عالةً يتكففون الناس في أيديهم وإنك مهما أنفقت من نفقةٍ فإنها صدقةٌ حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك وعسى الله أن يرفعك فينتفع بك ناسٌ ويضر بك آخرون) ولم يكن له يومئذٍ إلا ابنةٌ 58.
وكذلك فإن من حضر الميت أثناء وصيته ورأى في وصية الميت ما يضر بورثته، فعليه أن يتقي الله ويجعل ورثة الميت مكان أولاده، فهل يرضى لهم ما يرضى لأولاده، فإذا رآه أوصى بما يضر بورثته فعليه نصحه وتوجيهه إلى الهدي النبوي والشرع الإلهي.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: هذا في الرجل يحضره الموت، فيسمعه الرجل يوصي بوصية تضر بورثته، فأمر الله تعالى الذي يسمعه أن يتقي الله، ويوفقه ويسدده للصواب، ولينظر لورثته كما كان يحب أن يصنع بورثته إذا خشي عليهم الضيعة 59.
أما إن غلب على ظنه أنه لو أوصى للفقراء والمساكين ألا يضر بورثته، فإن ذلك من التقوى، فكما أنه يحب أن يحسن إلى ذريته فعليه أن يتقي الله في الفقراء والمساكين.
فإن الله - جلت حكمته- فرض عند اجتماع الذكور والإناث في الميراث أن للذكر مثل حظ الأنثيين سواء كانوا أولادا أو إخوة فقال تعالى: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ? لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) الآية [النساء: 11] .
وقال: (وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ? يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ? وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [النساء: 176] .
وفي هاتين الآيتين تتجلى مظاهر العدل للقارئ المتبصر في أمرين:
الأول: التسوية بين الذكور فيما بينهم من الميراث، وبين الإناث كذلك.
فلقد كان أهل الجاهلية يورثون من الذكور الأكبر فالأكبر ولا يعطون الصغير شيئا، معللين ذلك بأن الكبير أنفع لهم من الصغير، فأبطل الله هذا الحكم وأمر بالتسوية بين الذكور فيما بينهم ملغيا في ذلك أي علة يراد منها تغيير فرض الله الذي فرضه 60 فقال: (لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا ? فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ) [النساء: 11] .
ولذلك فقد جاء التعبير بلفظ: (الذكر والأنثى) دون ذكر (الرجال والنساء) في هذه الآية للتنصيص على استواء الصغار والكبار من الفريقين في الميراث دون البلوغ 61.
وهذا عدل منه جل وعلا، فلئن كان الكبار أحوج إلى المال لحملهم السلاح في نظر قوم فإن الصغار الذين لا يستطيعون التكسب والحصول على المال هم أحوج في نظر آخرين فكان العدل في ذلك هو ما حكم به أحكم الحاكمين.
الثاني: تفضيل الذكر على الأنثى في هذه الحالة.
فإن من عدل الله تبارك وتعالى عدم التسوية بين الرجال والنساء في الميراث، وكيف يسوى بمن فرق الله بينهما وفضل بعضهما على بعض فقال: (وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى? ?) [آل عمران: 36] .
وقد بين الله تبارك وتعالى أن هذه القسمة أعدل قسمة وأقومها، وأن من رام غيرها فهو في ضلال كما ذكر في آخر سورة النساء.
وإذا وجد من يعترض على توريث النساء لضعفهن وعدم قيامهن بما يقوم به الرجل ووجد من يعترضون على عدم التسوية بين الرجل والمرأة فقد رد الله جل جلاله عليهم جميعا بقوله: (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى? بَعْضٍ ? لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ? وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ ? وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ ? إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا ?32?) [النساء: 32] .
فعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: (يا رسول الله: تغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث! فنزلت: وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى? بَعْضٍ ? لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا ? وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) 62.
فالله تبارك وتعالى هو العدل ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون.
وتتجلى مظاهر العدل لنا في هذه القسمة الربانية بما أخبر الله تعالى عن الرجال والنساء في قوله: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى? بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) [النساء: 34]
فإن الله تبارك وتعالى جعل الرجال أكمل من النساء، ولما كان ضعف النساء ونقصهن جبلة وطبيعة خلقهن الله عليها، فقد كلف الرجال بما لم يكلف به النساء، وجعل المرأة الضعيفة تحت نظر الرجل، ولذلك فإن الرجل مكلف بالإنفاق عليها والقيام على حوائجها دون أن يطلب منها ذلك، فالرجل أحوج منها للمال لما يجب عليه من النفقة وتكلف معاناة التكسب والتجارة، ولذلك كان من العدل أن يكون ميراثه ضعفي ميراث الأنثى.
ثم إن هذا المال الذي ورثاه لم يتعبا في جمعه، وليس هو حق من أحدهما أعطي للآخر، بل هو فضل من الله وتمليك منه سبحانه ملكهما إياه تمليكا جبريا، فاقتضت حكمته سبحانه أن يضاعف للرجل لأنه مترقب النقص بالنفقة ودفع المهور، والبذل على نوائب الدهر.
بينما المرأة مترقبة للزيادة بدفع المهر والميراث لها، والنفقة عليها، وإيثار مترقب النقص دائمًا على مترقب الزيادة دائمًا لجبر بعض نقصه المترقب، حكمة ظاهرة واضحة لا ينكرها إلا من أعمى الله بصيرته بالكفر والمعاصي 63.
ومن كمال عدل الله أنه لم يطرد في الميراث تفضيل الذكر على الأنثى، بل هناك من الأحوال ما يتساوى فيه الذكر والأنثى، كما في قوله: وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) [النساء: 11] .
وقوله: (وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ ? فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَ?لِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ) [النساء: 12] .
كما ذكر العلماء حالة اختلف فيها العلماء، وظاهر النص يقتضي تفضيل الأنثى على الذكر في الميراث، في حال ماتت امرأة وتركت زوجًا وأبوين وبنتًا أو بنتين.
والعجب ممن يتهم الإسلام بظلم المرأة، وهو الذي أنقذها من أن تورث كما يورث المال، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا ?) [النساء: 19] .
«وإذا نظرنا إلى النظام الشائع خارج العالم الإسلامي نرى أنه يعطي المورث الحق في توزيع تركته بين من يخلفه من أولاده وغيرهم وفق رأيه ورغبته، وفي الغالب أن المورث يفضل إيثار الذكور من أولاده بالميراث، أما بقصد عدم خروج المال عن العائلة أو بقصد آخر، وهذا أمر يظهره الواقع.
فالإرث في الإسلام يحمي المساواة بين الذكر والأنثى بأن يكون لكل منهما نصيب من الإرث يقدره العليم الحكيم لعوامل مختلفة ويحصنها من أهواء أو رغبات المورثين ويستجيب بذلك لمقتضيات المنطق والعدل، فالنظام الإسلامي كما هو ظاهر يحمي المساواة بين الذكر والأنثى ولا ينتهكها» 64.
ومن كمال عدل الله تعالى في المواريث: أن رفع مكانة المرأة بأن جعل لها نصيبًا مقدرًا، وقد كانت لا ترث، بل إن سبب نزول آيات المواريث هي في حماية حقوق المرأة حين اشتكت امرأة سعد بن الربيع في أخذ مال ابنتيها.
ومن كمال حفظ حقها: أن الله تعالى بين مقادير الإرث في القرآن فذكر النصف والربع والثلثين والثلث والسدس ونحو ذلك، ولم يذكر عدد ركعات الصلوات، ولا مقادير الزكاة ولا أنصبتها في القرآن، مع أن الصلاة في الإسلام هي أعلى شأنًا من المواريث، وهذا فيه بيان لشأن الميراث، وأن الظلم فيه إثم عظيم وخطر كبير، فكيف يقال إن المرأة في الإسلام ظلمت في ميراثها؟!
بل جعل نصيب المرأة في الميراث هو الأصل، فقال جل وعلا: (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ ? لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) [النساء: 11] .
ولم يقل للأنثى نصف حظ الذكر، وهذا يبين أن المرأة أخذت حقها تمامًا غير منقوص.
وقد ورد في آيات المواريث النهي عن الضرر في الوصية، فإن الله تعالى لما بين ما للورثة من حق وما للموصى لهم من حق ختم الآية بالنهي عن الضرر فقال: (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى? بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ ?) [النساء: 12] .
أي: لا يدخل الضرر على الورثة بالوصية التي يوصي بها الميت، وذلك أنه لما كان الموصى لهم والورثة شركاء فيما بقي من التركة بعد أداء الدين نهى الله عما يضر الورثة في مال مورثهم لما يلحقهم من المشقة والحرج.
ثانيًا: الوراثة الأخروية:
تبين في المباحث السابقة سنة الله في وراثة الحياة الدنيا، قرون تليها قرون، وأجيال ترثها أجيال، وأحياء يرثون أمواتًا، وهكذا تمضي الحياة منذ خلق الله آدم حتى يأتي اليوم الذي أخبر الله عنه: (إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ ?40? [مريم: 40] .
فلا بقاء في الدنيا ولا خلود، وهذه الحقيقة التي حاول الكفار التشكيك فيها، فكان هذا الرد قاطعًا للأطماع مؤيسًا للآمال.
هذا هو الجزء الأول من الحقيقة، أما الشطر الثاني وهو الأعظم ألا وهو: (وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ)
وهذه هي الحقيقة التي تمايز فيها أهل الكفر وأهل الإيمان، إنها حقيقة اليوم الآخر.
فأما الكافرون والمعاندون فكان حالهم التشكيك والتكذيب والاستهزاء كما جاء خبرهم في غير آية، كقوله تعالى: وَقَالُوا إِنْ هَ?ذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ?15?أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ?16?أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ ?17?) [الصافات: 15 - 17] .
وكقوله: زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ?) [التغابن: 7] .
وكقوله: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ ?3?بَلَى? قَادِرِينَ عَلَى? أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ ?4?) [القيامة: 3 - 4] .
والآيات كثيرة في بيان حال الكافرين في استهزائهم وتكذيبهم باليوم الآخر.
وأما الصالحون الأبرار فكان إيمانهم باليوم الآخر من أعظم الدوافع للسعي إلى ما يرضي الله، وتحمل المشاق والأذى في سبيل مرضاته، كقوله تعالى: (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى? حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا ?8?إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا ?9?إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا ?10?) [الإنسان: 8 - 10] .
كما جاء الحديث عن اليوم الآخر في القرآن متكاثرًا متنوعًا، فتارة يرد في وصف المتقين، وتارة يأتي في سياق الشرط المقتضي للقيام بأمر من أوامر الله، وتارة يأتي في سياق النفي في ذم الأعمال التي تغضب الله تعالى، لما للإيمان بهذا اليوم العظيم من الأثر البالغ في التقرب إلى الله، وقد جاء تصوير حال أهل الكفر وأهل الإيمان في الدنيا ثم حالهم في الآخرة وأثر الإيمان بهذا اليوم من عدمه على الفريقين، وهو تصوير بليغ يبين عظم منزلة هذا اليوم، وأن الفوز الحقيقي هو الفوز به.
فقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ ?29?وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ ?30?وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلَى? أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ ?31?وَإِذَا رَأَوْهُمْ قَالُوا إِنَّ هَ?ؤُلَاءِ لَضَالُّونَ ?32?وَمَا أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حَافِظِينَ ?33?فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ ?34?عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ ?35?هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ ?36?) [المطففين: 29 - 36] .
والمعنى: هل جازينا الكفار على عملهم الذي كان من جملته ضحكهم بكم واستهزاؤهم بطريقتكم، كما جازيناكم على أعمالكم الصالحة؟ فيكون هذا القول زائدا في سرورهم، لأنه يقتضي زيادة في تعظيمهم والاستخفاف بأعدائهم، 65، وما أعظم هذه الكلمة وأشدها على الكفار، فجمع لهم بين العذاب الحسي والعذاب النفسي، حين يتذكرون صنيعهم وتكذيبهم، فإذا هم قد عاينوا العذاب ووقع بهم.
وقد جاءت الآيات متكاثرة في وصف ما أعد الله للمتقين وما أعد للكافرين في الآخرة، والملاحظ في التعبير القرآني أن هناك بعض الألفاظ التي جاءت مشتركة في بيان ما أعد الله لأهل الجنة وأهل النار، وهناك ألفاظ اختصت بما أعد الله لأوليائه في الجنة، ومن هذه الألفاظ: لفظ الوراثة، فقد اختص بما أعد الله لأهل الإيمان كما في قوله: (وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ?43?) [الأعراف: 43] .
وكقوله: (. وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) [الزخرف: 72] .
وقوله: (تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا) [مريم: 63] .
وقوله: (أُولَ?ئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ?10?الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ?11?) [المؤمنون: 10 - 11] .
وسر اختصاص هذا اللفظ بأهل الجنة والله أعلم أن لفظ الوراثة يفيد استحقاق أهل التوحيد للجنة بأكمل أنواع الاستحقاق، فالوراثة أقوى لفظ يستعمل في التملك والاستحقاق من حيث إنها لا تعقب بفسخ ولا استرجاع، ولا تبطل برد ولا إسقاط 66.
قال الزمخشري: الجامعون لهذه الأوصاف هم الوارثون الأحقاء بأن يسموا وراثا دون من عداهم 67.
وقال ابن الجوزي: «قال بعضهم: لما سمي الكفار أمواتًا بقوله: (أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ ? وسمى المؤمنين أحياء بقوله:(لِّيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا) أورث الأحياء الموتى» 68.
يتضح مما سبق أن الوراثة الأخروية هي وراثة تكريم ورفعة اختص الله بها أهل الجنة نسأل الله أن نكون من أهلها، وقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه عند قوله تعالى: (أُولَ?ئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما منكم من أحدٍ إلا له منزلان: منزلٌ في الجنة، ومنزلٌ في النار، فإذا مات، فدخل النار، ورث أهل الجنة منزله، فذلك قوله تعالى:(أُولَ?ئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ ) ) 69.
أولًا: أسباب الوراثة الدنيوية:
من أسباب الوراثة الدنيوية:
أولًا: تعاقب الأجيال، ومن خلال التأمل في آيات الورثة يظهر لنا أن تعاقب الأجيال سبب في وراثة الكتاب، ووراثة الأرض، ووراثة الميت.
فأما وراثة الكتاب فقد قال تعالى: فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ) [الأعراف: 169] .
فقد أخرج ابن أبي حاتم عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «الخلف من بعد ستين سنة» ، وعن قتادة قال: «ورثوا الكتاب بعد أنبيائهم ورسلهم، أورثهم 70.
وأما ورثة الأرض، ففي قول الله تعالى: (أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا) [الأعراف: 100] .
قال البغوي: «من بعد هلاك أهلها الذين كانوا فيها قبلهم» 71.
وأما ورثة الميث، فقد أخبر الله الإرث لمن يخلفه الميت بعد وفاته من أولاده وقرابته، وقد قسم العلماء أسباب الإرث من خلال آيات المواريث إلى أقسام وهي: