فهرس الكتاب

الصفحة 2426 من 2431

ولما اشتهر ال وصار الناس فيها بين عاذر ولائم وقادح قرر العزيز ومن معه سجنه عليه السلام، كما قال تعالى: {ثُمَّ بَدَا لَهُمْ} [يوسف:35] . أي: ظهر لهم من الرأي {مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ} وهي الأدلة الدالة على براءته {لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ} أي: إلى مدةٍ؛ وذلك لينقطع بذلك الخبر ويتناساه الناس، فإن الشيء إذا شاع لم يزل يذكر ويشاع مع وجود أسبابه، فإذا عدمت أسبابه نسي، فرأوا أن هذا مصلحة لهم، فأدخلوه في السجن؛ وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها، فسجنوه ظلمًا وعدوانًا، وكان هذا مما قدر الله له، ومن جملة ما عصمه به؛ فإنه أبعد له عن معاشرتهم ومخالطتهم 165.

وبعد مدة قضاها في السجن يقدر الله تعالى رؤيا منامية يراها الملك ويعجز الجميع عن تعبيرها إلا يوسف عليه السلام، فلما عبرها أعجب به الملك وأمر بإخراجه من السجن، فامتنع يوسف عليه السلام عن الخروج حتى تتبين براءته التامة مما نسب إليه، فلما تقرر ذلك خرج وهو نقي العرض، كما قال تعالى: {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ} [يوسف:50] . أي: رسول الملك {قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ} يعني الملك، {فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} أي: اسأله ما شأنهن وقصتهن، {إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ} يقول: إن الله تعالى ذكره ذو علم بكيدهن، لا يخفى عليه ذلك كله. وقيل: إن معنى ذلك: إن سيدي العزيز زوج المرأة التي راودتني عن نفسي ذو علم ببراءتي مما اقترفتني به من السوء 166.

فرجع الرسول إلى الملك من عند يوسف برسالته، فدعا الملك النسوة اللاتي قطعن أيديهن وامرأة العزيز فقال لهن: {مَا خَطْبُكُنَّ} [يوسف:51] . أي: ما شأنكن وخبركن {إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ} يعني: يوم الضيافة، فهل رأيتن منه ما يريب؟ فلما سئلن عن ذلك برأنه، و {قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ} أي: لا قليل ولا كثير، يقلن: حاش لله أن يكون يوسف متهما، والله ما علمنا عليه من سوءٍ، فعند ذلك {قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ} أي: ظهر وتبين ووضح، والحق أحق أن يتبع {أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ} أي: فيما قاله من تبرئة نفسه ونسبة المراودة إليها 167.

ثم قالت: {ذَلِكَ لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ} [يوسف:52] .

تقول: إنما اعترفت بهذا ليعلم زوجي أني لم أخنه في نفس الأمر، وإنما كان مراودةً لم يقع معها فعل فاحشةٍ 168.

قيل: ويحتمل أن مرادها بذلك يوسف عليه السلام، والمعنى: ليعلم يوسف أني لم أخنه في غيبته بالكذب عليه 169.

{وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيْدَ الْخَائِنِينَ} فإن كل خائن لا بد أن تعود خيانته ومكره على نفسه، ولا بد أن يتبين أمره.

{وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (53) } [يوسف:53] .

تقول المرأة: ولست أبرئ نفسي، فإن النفس تتحدث وتتمنى؛ ولهذا راودته لأنها أمارةٌ بالسوء، {إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} أي: إلا من عصمه الله تعالى، {إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} أي: غفور لمن تاب وأناب، {رَحِيمٌ} بقبول توبته وتوفيقه للأعمال الصالحة 170.

هذا هو الصواب أن هذا من قول امرأة العزيز، لا من قول يوسف، فإن السياق في كلامها، ويوسف إذ ذاك في السجن لم يحضر 171.

قال الحافظ ابن كثير: وهذا القول هو الأشهر والأليق والأنسب بسياق القصة ومعاني الكلام 172.

أما القول بأن هذا من كلام يوسف عليه السلام فإن السياق يأباه لعدة أمور:

أولها: أن الكلام لا يزال في سياق كلام امرأة العزيز.

وثانيها: أن يوسف عليه السلام لا يزال في السجن لم يخرج منه بعد كما يفيده السياق إذ قال بعد هذا {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ} [يوسف:54] .

وثالثها: أن المقام مقام براءة له وقد ظهرت براءته وحصل مطلوبه فليس مناسبا أن يقول {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} [يوسف:53] ، ولكل مقام مقال.

ويمكن إجمال بطلان ما يخالف براءته في ثلاثة محاور:

1.بطلان الإسرائليات الواردة في ذلك.

لقد جاءت عدد من الروايات تصف يوسف عليه السلام بأنه عزم على فعل الفاحشة حتى جلس من المرأة مجلس الرجل من المرأة لولا أمور رآها صرفته عن ذلك، وهذه من الإسرائليات لا يلتفت إليها؛ لأنها ليس فيها خبر واحد صحيح عن نبينا المعصوم صلى الله عليه وسلم، ولأنها لا تليق بمقام الأنبياء، ولأنه لو وصل إلى هذه الدرجه لما أثنى الله عليه كل هذا الثناء.

قال الحافظ ابن كثير: وأكثر أقوال المفسرين هاهنا متلقًَّى من كتب أهل الكتاب، فالإعراض عنه أولى بنا، والذي يجب أن يعتقد: أن الله تعالى عصمه وبرأه، ونزهه عن الفاحشة وحماه عنها وصانه منها، ولهذا قال تعالى: (كَذَ?لِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ ? إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [يوسف:24] 173.

قال الشنقيطي رحمه الله تعالى: والآثار الواردة في ذلك على قسمين: قسمٌ لم يثبت نقله عمن نقل عنه بسندٍ صحيحٍ، وهذا لا إشكال في سقوطه. وقسمٌ ثبت عن بعض من ذكر ولكنه ملتقى عن الإسرائيليات، ولم يرفع منه قليلٌ ولا كثيرٌ إليه صلى الله عليه وسلم، فلا يجوز التجرؤ على القول في نبي الله يوسف اعتمادًا على مثل هذه الروايات 174.

2.دلائل وشواهد براءته.

منها:

3.معنى الهم الوارد في الآية.

الآية هي قوله تعالى: (وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَن رَّأَى? بُرْهَانَ رَبِّهِ ?) [يوسف:24] .

ولأهل العلم في المعنى المراد بالهم قولان معتبران:

الأول: أن يوسف عليه السلام لم يقع منه همٌّ أصلًا، بل هو منفيٌ عنه لوجود البرهان. وهو اختيار أبي حيان 177.

قال الشنقيطي: هذا الوجه الذي اختاره أبو حيان وغيره هو أجرى الأقوال على قواعد اللغة العربية؛ لأن الغالب في القرآن وفي كلام العرب أن الجواب المحذوف يذكر قبله ما يدل عليه، كقوله: فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ) [يونس:84] .

أي: إن كنتم مسلمين فتوكلوا عليه.

وكقوله: (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) [النمل:64] .

أي: إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم، وعلى هذا القول: فمعنى الآية: لولا أن رأى برهان ربه لهم بها.

ونظير ذلك قوله تعالى: (إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى? قَلْبِهَا) [القصص:10] .

أي: لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به» 178.

وهذا القول هو الذي يترجح عندي؛ لأن ظاهر السياق يؤيده، والثناء الوارد من الله في حق يوسف يؤكده.

القول الثاني: أن المراد بهمه بهاخطرات حديث النفس التي لا يؤاخذ العبد عليها، بل يؤجر العبد على تركها؛ لأنه تركها خوفا من الله تعالى، كما في الحديث: (ومن هم بسيئةٍ فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنةً كاملةً) 179.

وكما قال تعالى: (وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى? ?40?فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى? ?41?) [النازعات:40 - 41] .

فكان يوسف عليه السلام ممن خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى 180.

أولًا: سبب دخوله السجن:

لم يقترف يوسف عليه السلام جرما يستحق أن يسجن بسببه بل سجن ظلما وعدوانًا؛ وذلك أن امرأة العزيز لما راودته عن نفسه فأبى هددته بالسجن إن لم يوافق عل طلبها ويرضى باقتراف الفاحشة، فاختار السجن على فعل الفاحشة؛ فقرروا سجنه عليه السلام، كما قال تعالى ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى? حِينٍ ?) [يوسف:35] .

أي: إلى مدةٍ؛ كتمانًا للقصة ألا تشيع في العامة، وليظهروا أنه راودها عن نفسها فسجن بسببها، فسجنوه ظلمًا وعدوانًا، وكان هذا مما قدر الله له، ومن جملة ما عصمه به؛ فإنه أبعد له عن معاشرتهم ومخالطتهم 181.

وفي هذا دلالة على أنه ليس كل من سجن فهو متهم، بل قد يسجن البريء ظلمًا وعدوانًا كما حصل ليوسف عليه السلام.

ثانيًا: حاله في السجن:

قال تعالى: ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى? حِينٍ ?) [يوسف:35] . أي: إلى مدةٍ.

وقال فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) [يوسف:42] .

والبضع: هو ما بين الثلاث إلى التسع 182، ولهذا قيل: إنه لبث سبع سنين 183، والله أعلم.

المهم أن يوسف عليه السلام مكث في السجن عدة سنوات، والسجن ليوم واحد صعب فكيف بسنين!

ومع أنه سجن ظلمًا، ومكث في السجن عدة سنين لكنه ظلَّ صابرًا ثابتًا على مبدئه حتى عندما طلب منه الخروج من السجن من قبل الملك امتنع عن الخروج وتأنى حتى ثبتت براءته، وقد وردت السنة بمدحه على ذلك، والتنبيه على فضله وصبره، كما في الحديث: (لو لبثت في السجن ما لبث يوسف لأجبت الداعي) 184.

وعرف يوسف عليه السلام بين السجناء بحسن التعامل حتى صاروا يقولون: (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) [يوسف:36] .

ويخاطبونه بقولهم: يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ [يوسف:46] .

قال الحافظ ابن كثير: «كان يوسف، عليه السلام، قد اشتهر في السجن بالجود والأمانة وصدق الحديث، وحسن السمت وكثرة العبادة، صلوات الله عليه وسلامه، ومعرفة التعبير والإحسان إلى أهل السجن وعيادة مرضاهم والقيام بحقوقهم» 185.

ولما أوصى السجين أن يذكره عند الملك فنسي، ثم عاد ليسأله عن تعبير رؤيا الملك بعد بضع سنين عبرها له يوسف عليه السلام، من غير تعنيفٍ له في نسيانه ما وصاه به، ومن غير اشتراطٍ للخروج قبل ذلك 186.

وعرف يوسف عليه السلام في السجن، بتعبير الرؤى وجرى له في ذلك موقفان سجلهما القرآن:

الأول: تعبيره لرؤيا الفتيين الذين كانا معه في السجن.

والثاني: تعبيره لرؤيا الملك، وقد مضى تفصيل ما يتعلق بهاتين الحادثين في مبحث يوسف وتعبير الرؤى.

وقد مارس يوسف عليه السلام الدعوة إلى الله وهو داخل السجن وذلك أنه لما دخل السجن، دخل معه السجن فتيان «ومن فطنته عليه السلام أنه لما رأى فيهما قابلية لدعوته، حيث ظنا فيه الظنَّ الحسن وقالا له: (إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف:36] .

وأتياه ليعبر لهما رؤياهما؛ رأى ذلك فرصة فانتهزها، فدعاهما إلى الله تعالى قبل أن يعبر رؤياهما ليكون أنجح لمقصوده، وأقرب لحصول مطلوبه، وبين لهما أولًا أنَّ الذي أوصله إلى الحال التي رأياه فيها من الكمال والعلم، إيمانه وتوحيده، وتركه ملة من لا يؤمن بالله واليوم الآخر، وهذا دعاء لهما بالحال، ثم دعاهما بالمقال، وبين فساد الشرك وبرهن عليه، وحقيقة التوحيد وبرهن عليه» 187.

فقال: (لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ? ذَ?لِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي) [يوسف:37] . يقول لهما: إنَّ هذا من تعليم الله إياي، لأني مؤمنٌ به موحدٌ له.

(إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ) يقول: إني برئت من ملة من لا يصدق بالله، ويقر بوحدانيته.

(وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ) يقول: وهم مع تركهم الإيمان بوحدانية الله، لا يقرون بالمعاد والبعث، ولا بثواب ولا عقاب.

(وَاتَّبَعْتُ مِلَّةَ آبَائِي إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ?) يقول: هجرت طريق الكفر والشرك وسلكت طريق هؤلاء المرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وهكذا يكون حال من سلك طريق الهدى، واتبع المرسلين، وأعرض عن طريق الظالمين فإنه يهدي قلبه ويعلمه ما لم يكن يعلمه، ويجعله إمامًا يقتدى به في الخير، وداعيًا إلى سبيل الرشاد 188.

(مَا كَانَ لَنَا) أي: ما ينبغي ولا يليق بنا (أَنْ نُشْرِكَ بِاللَّهِ مِنْ شَيْءٍ) بل نفرد الله بالتوحيد، ونخلص له الدين والعبادة، (ذَ?لِكَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ عَلَيْنَا) [يوسف:38] . أي: بأن هدانا لهذا، وَعَلَى النَّاسِ بأن أرسلنا إليهم دعاةً إلى توحيده وطاعته، وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ) أي: لا يعرفون نعمة الله عليهم بإرسال الرسل إليهم، بل (بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) [إبراهيم:28] 189.

ثم صرح لهما بالدعوة، فدعاهما إلى التوحيد وذم عبادة ما سوى الله عزوجل، وصغر أمر الاوثان وحقرها، وضعف أمرها فقال: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ) [يوسف:39] .أي: يا ساكني السجن، «وجعلهما صاحبيه لطول مقامهما فيه، كقولك: أصحاب الجنة، وأصحاب النار» 190.

(أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) أي: أرباب عاجزة ضعيفة لا تنفع ولا تضر، ولا تعطي ولا تمنع، وهي متفرقة ما بين أشجار وأحجار وأموات، وغير ذلك من أنواع المعبودات التي يتخذها المشركون، أتلك (خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ) الذي له صفات الكمال، (الْوَاحِدُ) في ذاته وصفاته وأفعاله فلا شريك له في شيء من ذلك. (الْقَهَّارُ) الذي انقادت الأشياء لقهره وسلطانه، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن؛ ومن المعلوم أن من هذا شأنه ووصفه خير من الآلهة المتفرقة التي هي مجرد أسماء، لا كمال لها ولا أفعال لديها.

ولهذا قال: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ [يوسف:40] .

بين لهما أن التي يعبدونها ويسمونها آلهةً، إنما هو جهل منهم، وتسميةٌ من تلقاء أنفسهم، تلقاها خلفهم عن سلفهم، وليس لذلك مستندٌ من عند الله.

ولهذا قال: (مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ) أي: حجةٍ ولا برهانٍ، بل أنزل الله السلطان بالنهي عن عبادتها وبيان بطلانها؛ لأن الحكم لله وحده، فهو الذي يأمر وينهى، ويشرع الشرائع، ويسن الأحكام.

(إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) وقد أمر عباده قاطبةً ألا يعبدوا إلا إياه، (ڑ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ?) أي: وحده لا شريك له، (ذَ?لِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ أي: المستقيم، يقول: هذا الذي أدعوكم إليه من توحيد الله، وإخلاص العمل له، هو الدين المستقيم، الذي أمر الله به وأنزل به الحجة والبرهان.

(وَلَ?كِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ?) يقول: ولكن أهل الشرك بالله يجهلون ذلك، فلا يعلمون حقيقته؛ لذلك فهم لا يهتدون إليه مع وضوحه وظهوره؛ وإلا فإن الفرق بين عبادة الله وحده لا شريك له، وبين الشرك به، أظهر الأشياء وأبينها؛ ولكن لعدم العلم من أكثر الناس بذلك، حصل منهم ما حصل من الشرك 191.

وكانت دعوته لهما في هذا الحال في غاية الكمال؛ لأن نفوسهما معظمةٌ له، منبعثةٌ على تلقي ما يقول بالقبول، فناسب أن يدعوهما إلى ما هو الأنفع لهما مما سألا عنه وطلبا منه. ثم لما قام بما وجب عليه وأرشد إلى ما أرشد إليه، عبر لهما ما رأيا 192.

قال السعدي: «فيوسف عليه السلام دعا صاحبي السجن لعبادة الله وحده، وإخلاص الدين له، فيحتمل أنهما استجابا وانقادا، فتمت عليهما النعمة، ويحتمل أنهما لم يزالا على شركهما، فقامت عليهما بذلك الحجة 193» .

ثالثًا: سبب خروجه من السجن:

لما ظن يوسف عليه السلام، نجاة أحد الفتيين الذين كانا معه في السجن -وهو الساقي- أوصاه بأن يذكر أمره للملك.

(وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ) [يوسف:42] .

يعني: اذكر أمري وما أنا فيه من السجن بغير جرمٍ عند ربك -أي سيدك: وهو الملك-، لعله يرق لي، فيخرجني مما أنا فيه، فنسي ذلك الموصى أن يذكر مولاه بذلك، وكان من جملة مكايد الشيطان، لئلا يطلع نبي الله من السجن.

ولهذا قال تعالى: (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) أي: فأنسى الشيطان ذلك الناجي ذكر الله تعالى، وذكر ما يقرب إليه، ومن جملة ذلك نسيانه ذكر يوسف الذي يستحق أن يجازى بأتم الإحسان، أو المعنى: أنسى الشيطان الساقي أن يذكر يوسف لربه، أي لسيده، وفيه حذفٌ، أي أنساه الشيطان ذكره لربه، (فَلَبِثَ) يوسف (فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ) [يوسف:42] 194.

هذا هو الصواب أن الضمير في قوله: (فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ) عائدٌ على الناجي، وأما القول بأن الضمير عائدٌ على يوسف عليه السلام فقول ضعيف 195؛ إذ لا سلطان للشيطان على أنبياء الله وعباده المخلصين كما قال: (إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) [ص:83] .

ويوسف عليه السلام من المخلصين، كما قال تعالى: (إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) [يوسف:24] .

وكقوله تعالى: إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى? رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) [النحل:99] .

وأما ما جاء على لسان بعض الأنبياء من نسبة ما أصابهم إلى الشيطان كقول أيوب عليه السلام: (أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ [ص:41] .

فإنما هو من باب الأدب مع الله تعالى في عدم نسبة الشر إليه، ثم إن ما ذكره أيوب عليه السلام حتى وإن حمل على ظاهره فهو حديث عن التسبب في الأذى البدني وهو يختلف عن التسلط على القلب واللسان 196. والله أعلم.

لما أراد الله تعالى أن يخرج يوسف عليه السلام من السجن، قدر سببًا لإخراجه وارتفاع شأنه وإعلاء قدره، وهو رؤيا الملك، حيث «أرى الله الملك تلك الرؤيا العجيبة، التي تأويلها يتناول جميع الأمة، ليكون تأويلها على يد يوسف، فيظهر من فضله، ويبين من علمه ما يكون له رفعة في الدارين، ومن التقادير المناسبة أن الملك الذي ترجع إليه أمور الرعية هو الذي رآها، لارتباط مصالحها به» 197، حيث قال: (إِنِّي أَرَى? سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ) [يوسف:43] .

ثم سأل قومه عنها فعجزوا جميعًا عن تعبيرها، فعند ذلك أرسل إلى يوسف عليه السلام وهو في السجن فعبرها كأحسن ما يكون التعبير.

هكذا عجزوا عن تعبيرها ليقع تعبيرها من يوسف عليه السلام بعد عجزهم عنها فتكون له المكانة بينهم.

قال الحافظ بن كثير: «هذه الرؤيا من ملك مصر مما قدر الله تعالى أنها كانت سببًا لخروج يوسف عليه السلام، من السجن معززًا مكرمًا، وذلك أن الملك رأى هذه الرؤيا، فهالته وتعجب من أمرها، وما يكون تفسيرها، فجمع الكهنة وكبراء دولته وأمراءه وقصَّ عليهم ما رأى، وسألهم عن تأويلها، فلم يعرفوا ذلك، واعتذروا إليه بأن هذه (أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ) [يوسف:44] .

أي: أخلاطٌ اقتضت رؤياك هذه (وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ) [يوسف:44] .

أي: ولو كانت رؤيا صحيحةً من أخلاطٍ، لما كان لنا معرفة بتأويلها، وهو تعبيرها» 198.

قال السعدي: وهذا أيضًا من لطف الله بيوسف عليه السلام؛ فإنه لو عبرها ابتداء -قبل أن يعرضها على الملأ من قومه وعلمائهم، فيعجزوا عنها - لم يكن لها ذلك الموقع، ولكن لما عرضها عليهم فعجزوا عن الجواب، وكان الملك مهتمًّا لها غاية الاهتمام، فعبرها يوسف عليه السلام وقعت عندهم موقعًا عظيمًا، وهذا نظير إظهار الله فضل آدم على الملائكة بالعلم، بعد أن سألهم فلم يعلموا، ثم سأل آدم، فعلمهم أسماء كلِّ شيء، فحصل بذلك زيادة فضله.

وكما يظهر فضل أفضل خلقه محمد صلى الله عليه وسلم في القيامة؛ أن يلهم الله الخلق أن يتشفعوا بآدم، ثم بنوح، ثم إبراهيم، ثم موسى، ثم عيسى عليهم السلام، فيعتذرون عنها، ثم يأتون محمدًا صلى الله عليه وسلم فيقول: «أنا لها أنا لها» فيشفع في جميع الخلق، وينال ذلك المقام المحمود، الذي يغبطه به الأولون والآخرون.

فسبحان من خفيت ألطافه، ودقت في إيصاله البر والإحسان، إلى خواص أصفيائه وأوليائه 199.

لما رجعوا إلى الملك بتعبير رؤياه بما أعجبه عرف فضل يوسف عليه السلام، وكمال علمه، وتمام عقله، فأمر بإحضاره إليه؛ ليكون من جملة خاصته (ائْتُونِي بِهِ) [يوسف:50] .

فلمَّا جاءه الرسول بذلك، امتنع من الخروج وأحبَّ أن لا يخرج حتى يتبين لكلِّ أحدٍ أنه حبس ظلمًا وعدوانًا، وأنه بريء الساحة مما نسبوه إليه زورًا وبهتانًا 200.

فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى? رَبِّكَ) يعني: الملك، (فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ ? إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ) ، فجمع الملك النسوة وسألهن فاعترفن جميعًا ببراءته حتى امرأة العزيز.

فلما ظهرت للملك وللناس براءة يوسف عليه السلام ونزاهة عرضه مما نسب إليه، ازدادت مكانته في عين الملك فأرسل إليه وأخرجه من السجن، وعزم أن يجعله من خاصته (وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي) [يوسف:54] .

أي: أجعله من خاصتي وأهل مشورتي، فأتوه به مكرمًا محترمًا، (فَلَمَّا كَلَّمَهُ) أي: فلما كلم يوسف الملك أعجبه كلامه، وزاد موقعه عنده، ورأى من حسن منطقه ما صدق به الخبر؛ إذ المرء مخبوءٌ تحت لسانه 201، أو فلما كلم الملك يوسف عليه السلام وعرف براءته وعظم أمانته، قال له: (إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ) [يوسف:54] . أي: ذو مكانةٍ ومنزلةٍ (أَمِينٌ) أي: مؤتمنٌ على كلِّ شيءٍ 202.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت