فهرس الكتاب

الصفحة 910 من 2431

الحساب

أولًا: المعنى اللغوي:

قال ابن فارس: « (حسب) الحاء والسين والباء أصول أربعة:

فالأول: العد، تقول: حسبت الشيء أحسبه حسبًا وحسبانًا، قال الله تعالى: {الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (5) } [الرحمن:5] .

والأصل الثاني: الكفاية، تقول شيء حساب، أي: كافٍ.

والأصل الثالث: الحسبان، وهي جمع حسبانة، وهي الوسادة الصغيرة، وقد حسبت الرجل أحسبه، إذا أجلسته عليها ووسدته إياها.

والأصل الرابع: الأحسب الذي ابيضت جلدته من داء ففسدت شعرته، كأنه أبرص» 1.

والحساب في اللغة مأخوذ من قولهم: حسبك كذا، أي: كفاك، فسمي الحساب في المعاملات حسابًا؛ لأنه يعلم به ما فيه كفاية، وليس فيه زيادة على المقدار ولا نقصان، والحسبان الظن 2.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

المراد بالحساب هنا: المؤاخذة والمجازاة، فالحساب: ما يحاسب عليه فيجازى بحسبه 3.

والمعنى الاصطلاحي مرتبط بمعنى الحساب في اللغة، فالجزاء على الفعل بما يناسب شدته من شديد العقاب، تشبيهًا لتقدير الجزاء بإجراء الحساب بين المتعاملين، وهو الحساب في الدنيا 4.

وردت مادة (حسب) في القرآن (109) مرات، يخص موضوع الحساب منها (47) مرة 5.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 1 ... {فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا} [الطلاق:8]

الفعل المضارع ... 2 ... {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة:284]

المصدر ... 42 ... {هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (39) } [ص:39]

اسم الفاعل ... 2 ... {وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) } [الكهف:40]

وجاء الحساب في الاستعمال القرآني على عدة أوجه 6:

الأول: العدد: مثل قوله تعالى: {وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [الإسراء:12] ، يعني: عدد الأيام والشهور.

الثاني: الكثير: مثل قوله تعالى: {جَزَاءً مِنْ رَبِّكَ عَطَاءً حِسَابًا (36) } [النبأ:36] ، يعني: كثيرًا، بواحد عشرًا.

الثالث: المحاسبة، والعرض: مثل قوله تعالى: {فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (8) } [الانشقاق:8] ، وهو: العرض للحساب.

الرابع: التقتير: مثل قوله تعالى: {يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ} [غافر:40] ، يعني: بلا فوت ولا تقتير.

الخامس: الجزاء: مثل قوله تعالى: {إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (113) } [الشعراء:113] ، أي: ما جزاؤهم.

السادس: العذاب: مثل قوله تعالى: {وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (40) } [الكهف:40] ، أي: عذابًا من السماء.

الجزاء:

الجزاء لغة:

المكافأة على الشيء 7.

الجزاء اصطلاحًا:

هو الغناء والكفاية والمكافأة بالشيء وما فيه الكفاية من المقابلة إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر، ومنه قوله تعالى: {لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا} [لقمان:33] 8.

الصلة بين الحساب والجزاء:

أن كلًّا منهما يقال في المجازاة على الخير والشر.

الثواب:

الثواب لغةً:

الثواب اسم للمصدر؛ ومصدر الثلاثي ثوبًا وثوبانًا، ومصدر الرباعي إثابة، وفعل الثواب ثلاثي أجوف معتل العين، ولفظ الثواب في اللغة جاء على عدة معانٍ أبرزها: العود والرجوع، والاجتماع، والجزاء 9.

الثواب اصطلاحًا:

هو الجزاء كيف ما كان من الخير والشر، إلا أن استعماله في الخير أكثر 10.

الصلة بين الحساب والثواب:

أن كلًّا منهما يقال في المجازاة على الخير والشر، إلا أن استعمال الثواب في الخير أكثر.

يظهر الحساب في حق الله تعالى من خلال الفقرات الآتية:

أولًا: اسم الله الحسيب:

يوصف الله عزّ وجلّ بأنه الحسيب.

قال تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6) } [النساء:6] .

وقال جلّ وعلا: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39) } [الأحزاب:39] .

بينت الآيات أن الله تعالى هو الحسيب الكافي الذي يخلق ما يكفي العباد في مصالحهم ومهماتهم.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (64) } [الأنفال:64] .

أي: كافيك وكافي أتباعك، فكفاية الله لعبده بحسب ما قام به في متابعة الرسول ظاهرًا وباطنًا، وقيامه بعبودية الله تعالى، والحسيب بمعنى الرقيب المحاسب لعباده المتولي جزاءهم بالعدل، وبالفضل.

وقيل: المحاسب بإخباره المكلفين بما فعلوا من خير وشر، والحسيب أيضًا: هو الذي يحفظ أعمال عباده من خير، وشر، ويحاسبهم إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر 11.

وفي الآيات وعيد لولي اليتيم وإعلام له أنه تعالى يعلم باطنه كما يعلم ظاهره لئلا ينوي أو يعمل في ماله ما لا يحل، ويقوم بالأمانة التامة في ذلك إلى أن يصل إليه ماله، وهذا المقصود حاصل، سواء فسرنا الحسيب بالمحاسب أو بالكافي 12.

وقوله تعالى: {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (86) } [النساء:86] .

المقصود منه الوعيد، فإن الرجل في الجهاد كان يلقاه الرجل في دار الحرب أو ما يقاربها فيسلم عليه، فقد لا يلتفت إلى سلامه عليه ويقتله، وربما ظهر أنه كان مسلمًا، فمنع الله المؤمنين عنه وأمرهم أن كل من يسلم عليهم ويكرمهم بنوع من الإكرام يقابلونه بمثل ذلك الإكرام أو أزيد، فإنه إن كان كافرًا لا يضر المسلم أن قابل إكرام ذلك الكافر بنوع من الإكرام، أما إن كان مسلمًا وقتله ففيه أعظم المضار والمفاسد، ولذلك قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا} [النساء:86] .

أي: هو محاسبكم على أعمالكم وكافٍ في إيصال جزاء أعمالكم إليكم فكونوا على حذر من مخالفة هذا التكليف، وهذا يدل على شدة العناية بحفظ الدماء والمنع من إهدارها 13.

قال محمد رشيد رضا: «قال الأستاذ الإمام: المعنى أنه رقيب عليكم في مراعاة هذه الصلة بينكم بالتحية، وفيه تأكيد لأمر هذه الصلة بين الناس، وأقول: إن فيها أيضًا إشعارًا بحظر ترك إجابة من يسلم علينا ويحيينا وأنه تعالى يحاسبنا على ذلك» 14.

ثانيًا: شمول الحساب للسر والعلن:

ذكر القرآن الكريم شمول الحساب للسر والعلن.

قال تعالى: {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (284) } [البقرة:284] .

يخبر تعالى في هذه الآية أن له ملك السماوات والأرض وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليه الظواهر ولا السرائر والضمائر، وإن دقت وخفيت، وأخبر أنه سيحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم، كما قال تعالى: {قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (29) } [آل عمران:29] .

وقال سبحانه: {وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) } [طه:7] .

ولما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة، رضي الله عنهم، وخافوا منها، ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم، وإبداء ما في النفس: إظهاره، وهو إعلانه بالقول، فيما سبيله القول، وبالعمل فيما يترتب عليه عمل وإخفاؤه بخلاف ذلك، وعطف أو تخفوه للترقي في الحساب عليه، فقد جاء على مقتضى الظاهر في عطف الأقوى على الأضعف، وفي الغرض المسوق له الكلام في سياق الإثبات، وما في النفي يعم الخير والشر، وقد أجمل الله تعالى هنا الأحوال المغفورة وغير المغفورة: ليكون المؤمنون بين الخوف والرجاء، فلا يقصروا في اتباع الخيرات النفيسة والعملية، إلا أنه أثبت غفرانًا وتعذيبًا بوجه الإجمال على كل مما نبديه وما نخفيه، وهذه الآية منسوخة بالنص، وذلك ما جاء من حديث ابن عمر رضي الله عنه: «أنها قد نسخت: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ} [البقرة:284] » 15.

وجاء من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: (لما نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم، {لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(284) } [البقرة:284] .

قال: فاشتد ذلك على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم بركوا على الركب، فقالوا: أي رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نطيق، الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزلت عليك هذه الآية ولا نطيقها، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) ، قالوا: سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير، فلما اقترأها القوم، ذلت بها ألسنتهم، فأنزل الله في إثرها: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) } [البقرة:285] .

فلما فعلوا ذلك نسخها الله تعالى، فأنزل الله عز وجلّ: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة:286] (قال: نعم) .

{رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا} [البقرة:286] (قال: نعم) .

{رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ} [البقرة:286] (قال: نعم) .

{وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ} [البقرة:286] (قال: نعم) 16.

ويرى بعض العلماء أن الآية محكمة والجمع بينها وبين قوله صلى الله عليه وسلم: (من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة) 17.

وقوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله تجاوز لأمتي عما حدثتها به أنفسها) 18.

أن ما يخطر في النفس إن كان مجرد خاطر وتردد من غير عزم فلا خلاف في عدم المؤاخذة به، إذ لا طاقة للمكلف بصرفه عنه، وهو مورد حديث التجاوز للأمة عما حدثت به أنفسها، وإن كان قد جاش في النفس عزم، فإما أن يكون من الخواطر التي تترتب عليها أفعال بدنية أو لا، فإن كان من الخواطر التي لا تترتب عليها أفعال: مثل الإيمان، والكفر، والحسد، فلا خلاف في المؤاخذة به؛ لأن مما يدخل في طوق المكلف أن يصرفه عن نفسه، وإن كان من الخواطر التي تترتب عليها آثار في الخارج، فإن حصلت الآثار فقد خرج من أحوال الخواطر إلى الأفعال كمن يعزم على السرقة فيسرق، وإن عزم عليه ورجع عن فعله اختيارًا لغير مانع منعه، فلا خلاف في عدم المؤاخذة به وهو مورد حديث (من هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة) 19.

وإن رجع لمانع قهره على الرجوع ففي المؤاخذة به قولان، أي إن قوله تعالى: {يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} ، محمول على معنى يجازيكم وأنه مجمل تبينه موارد الثواب والعقاب في أدلة شرعية كثيرة، وإن من سمى ذلك نسخًا من السلف فإنما جرى على تسمية سبقت ضبط المصطلحات الأصولية فأطلق النسخ على معنى البيان وذلك كثير في عبارات المتقدمين وهذه الأحاديث، وما دلت عليه دلائل قواعد الشريعة، هي البيان لمن يشاء في قوله تعالى: {فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ} 20.

ثالثًا: الله أسرع الحاسبين:

ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى أسرع الحاسبين.

قال تعالى: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ (62) } [الأنعام:62] .

وقال سبحانه: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (17) } [غافر:17] .

بينت الآيات أن الله تعالى يحاسب عباده يوم القيامة ويسألهم عن أعمالهم، وهل يحاسب العباد إلا الذي خلقهم وتعبدهم وأحصى أعمالهم وحفظها عليهم حتى يسألهم عنها، فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء وهو العلي القدير، وسرعة حسابه أنه يحاسب العباد كلهم في أسرع زمن وأقصره، لا يشغله حساب أحد عن حساب غيره، ولا يشغله شأن عن شأن.

وقوله عز وجل: {ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} ، يعني: ثم رد العباد بالموت إلى الله في الآخرة، وإنما قال سبحانه: {مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ} ، لأنهم كانوا في الدنيا تحت أيدي موال بالباطل، والله مولاهم وسيدهم ومالكهم بالحق، {أَلَا لَهُ الْحُكْمُ} ، يعني لا حكم إلا له، {وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} ، يعني أنه تعالى أسرع من حسب؛ لأنه لا يحتاج إلى فكر وروية وعقد يد فيحاسب خلقه بنفسه لا يشغله حساب بعضهم عن بعض، واختلفوا في كيفية هذا الحساب، فقيل: إنه تعالى يحاسب الخلق بنفسه دفعة واحدةً لا يشغله كلامٌ عن كلامٍ.

وقيل: بل يأمر اللّه الملائكة أن يحاسب كلّ واحدٍ منهم واحدًا من العباد؛ لأنه تعالى لو حاسب الكفّار بنفسه لتكلّم معهم، وذلك باطلٌ؛ لقوله تعالى في صفة الكفّارٍ: {وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [البقرة:174] .

وقد سمى الله تعالى اليوم الآخر الساعة، فقال سبحانه: {بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (11) } [الفرقان:11] .

أي: القيامة والحشر والنشر، والساعة جزء من أجزاء الزمان ويعبر بها عن القيامة تشبيهًا بذلك لسرعة حسابه، كما قال تعالى: {كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ} [الأحقاف:35] 21.

وإنما وصف جل ثناؤه نفسه بسرعة الحساب، لأنه جل ذكره يحصي ما يحصى من أعمال عباده بغير عقد أصابع، ولا فكرٍ ولا روية، فعل العجزة الضّعفة من الخلق، ولكنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يعزب عنه مثقال ذرة فيهما، ثم هو مجازٍ عباده على كل ذلك، فلذلك امتدح نفسه جل ذكره بسرعة الحساب، وأخبر خلقه أنه ليس لهم بمثل، فيحتاج في حسابه إلى عقد كف أو وعي صدر، ولذكر السرعة هنا وقعه في القلب البشري، فهو ليس متروكًا ولو إلى مهلة في الحساب! وتصور المسلم للأمر على هذا النحو الذي توحي به أصول عقيدته في الحياة والموت والبعث والحساب، كفيل بأن ينزع كل تردد في إفراد الله سبحانه بالحكم- في هذه الأرض- في أمر العباد، وفي هذه الآيات إظهار قدرة الله تعالى بسرعة الحساب ليدلّ على كمال قدرته ووجوب الحذر منه 22.

وقوله تعالى: {أَلَا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} [الأنعام:62] .

جملة تذييل ولذلك ابتدئ بأداة الاستفتاح المؤذنة بالتنبيه إلى أهمية الخبر، وقدم المجرور في قوله: {لَهُ الْحُكْمُ} ، للاختصاص، أي له لا لغيره، وهذا يتضمن وعدًا ووعيدًا؛ لأنه لما أتى بحرف المهلة في الجمل المتقدمة وكان المخاطبون فريقين: فريق صالح وفريق كافر، وذكر أنهم إليه يرجعون كان المقام مقام طماعية ومخالفة، فالصالحون لا يحبون المهلة والكافرون بعكس حالهم، فعجلت المسرة للصالحين والمساءة للمشركين بقوله تعالى: {وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ} 23.

رابعًا: الله هو المحاسب لعباده:

ذكر القرآن الكريم أن الله تعالى هو الذي يحاسب عباده.

قال تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6) } [النساء:6] .

وقال سبحانه: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39) } [الأحزاب:39] .

بينت الآيات أن الله تعالى هو وحده الذي يحاسب الخلائق يوم القيامة وأنه سبحانه شهيدٌ على كل ما يفعله الإنسان وكفى به شهيدًا، وأنه لا شاهد أفضل من الله، وكفى بالله محاسبًا وشهيدًا ورقيبًا على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم للأموال، هل هي كاملة موفرة، أو منقوصة مبخوسة مدخلة مروج حسابها مدلس أمورها؟ الله عالم بذلك كله، {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [النساء:6] .

أي: شهيدًا.

وقيل: إن المعنى: أنه لا شاهد أفضل من الله تعالى فيما بينكم وبينهم.

وقيل: إن المعنى: وكفى به تعالى محاسبًا لكم، فلا تخالفوا ما أمرتم به ولا تجاوزوا ما حدّ لكم.

ولا يخفى موقع المحاسب هنا؛ لأن الوصي يحاسب على ما في يده، وفي فاعل كفى وجهان:

أحدهما: أنه الاسم الجليل، والباء زائدة دخلت لتدل على معنى الأمر، فالتقدير اكتفوا بالله تعالى.

والثاني: أن الفاعل مضمر والتقدير كفى الاكتفاء بالله تعالى، فبالله على هذا في موضع نصب على أنه مفعول به، وحسيبًا حال.

وقيل: تمييز، وكفى متعدية إلى مفعول واحد، والتقدير وكفاكم الله حسيبًا، وإلى مفعولين، والتقدير: ومثل اليتيم في النهي غيره، فكل ذي ولاية أو أمانة على مال يجب أن يعلم أن الله تعالى رقيب وشهيد ومطلع عليه.

ومن بليغ إيجاز القرآن في بيانه أنه يذكر الشيء ليدل به على تأثيره، أو الذي هو أحرى بالحكم منه، أو لكون امتثال الحكم الشرعي فيه داعيًا إلى امتثاله في غيره بالمساواة، فليعلم هذا عند كل ذي ولاية وليتقي الله تعالى في ولايته وأمانته، ولهذا ثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (يا أبا ذر، إني أراك ضعيفًا، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمرن على اثنين، ولا تولين مال يتيم) 24.

وفي الآية وعيد لولي اليتيم وإعلام له أنه تعالى يعلم باطنه كما يعلم ظاهره لئلا ينوي أو يعمل في ماله ما لا يحل، ويقوم بالأمانة التامة في ذلك إلى أن يصل إليه ماله، وهذا المقصود حاصل سواء فسرنا الحسيب بالمحاسب أو بالكافي 25.

وقوله سبحانه: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39) } [الأحزاب:39] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت