فهرس الكتاب

الصفحة 1948 من 2431

اللعب

أولًا: المعنى اللغوي:

اللعب واللعب: ضد الجد، لَعِبَ يَلْعَبُ لَعِبًا ولَعْبًا، ولَعَّبَ، وتَلاعَبَ، وتلعب مرة بعد أخرى 1.

ويقال لكل من عمل عملًا لا يجدي عليه نفعًا: إنما أنت لاعبٌ 2.

قال الراغب: (أصل الكلمة اللعاب، وهو البزاق السائل، وقد لعب يلعب لعبًا: سال لعابه، ولعب فلان: إذا كان فعله غير قاصد به مقصدًا صحيحًا، يلعب لعبًاواللعبة للمرة الواحدة، واللعبة: الحالة التي عليها اللاعب، ورجل تلعابةٌ: ذو تلعبٍ، واللعبة: ما يلعب به، والملعب: موضع اللعب) 3.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

وردت تعاريف كثيرة ومتعددة للفظة (اللعب) ، نذكر منها:

اللعب ترك ما ينفع بما لا ينفع 4.

اللعب ما يشغل الإنسان، وليس فيه منفعة في الحال ولا في المآل 5.

اللعب عمل يشغل النفس وينفرها عما تنتفع به 6.

اللعب: عملٌ أو قولٌ في خفةٍ وسرعةٍ وطيشٍ، ليست له غايةٌ مفيدةٌ، بل غايته إراحة البال، وتقصير الوقت، واستجلاب العقول في حالة ضعفها 7.

وردت مادة (لعب) في القرآن الكريم (20) مرة 8.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل المضارع ... 9 ... {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) } [يوسف:12]

المصدر ... 8 ... {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ} [الأنعام:32]

اسم الفاعل ... 3 ... {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) } [الأنبياء:16]

وجاء اللعب في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو: ضد الجد 9، وهو أيضًا: كل فعل لا يدل على مقصدٍ صحيحٍ 10.

اللهو:

اللهو لغة:

قال ابن منظور: (اللهو: ما لهوت به ولعبت به وشغلك من هوًى وطربٍ ونحوهما. واللهو: اللعب. يقال: لهوت بالشيء ألهو به لهوًا وتلهيت به إذا لعبت به وتشاغلت وغفلت به عن غيره. ولهيت عن الشيء، بالكسر، ألهى، بالفتح، لهيًا ولهيانًا إذا سلوت عنه وتركت ذكره وإذا غفلت عنه واشتغلت) 11.

اللهو اصطلاحًا:

هو الشيء الذي يتلذذ به الإنسان فيلهيه، ثم ينقضي 12.

وقيل: هو كل باطل ألهى عن الخير وعما يعنى 13.

وقيل: هو صرف القلب إلى ما لا يحصل به نفع أخروي 14.

الصلة بين اللهو واللعب:

اللعب تقديم شيء على غيره من غير إهمال للثاني إنما يأتي بعده، مثال ذلك من يقول: بعد هذا الشغل، أشتغل بالعبادة والآخرة.

وأما اللهو فالاشتغال بشيء إلى حد الاستغراق فيه والإعراض عن غيره، فالدنيا للبعض لهو يشتغل به، وينسى الآخرة بالكلية 15.

وكلاهما فيه انشغال عن المهمات من الأعمال بأخرى ليست ذات أهمية.

وكلاهما يخلو من مقصد يحقق منفعة حقيقيةً في الحياة.

وآثارهما لا تدوم؛ بل هي سريعة الزوال.

العبث:

العبث لغة:

يقول ابن فارس: (العبث، هو الفعل لا يفعل على استواءٍ وخلوص صوابٍ. تقول: عبث يعبث عبثًا، وهو عابثٌ بما لا يعنيه وليس من باله) 16.

وقد عبث يعبث عبثًا فهو عابث: لاعب بما لا يعنيه وليس من باله 17.

العبث اصطلاحًا:

أن تعبث بالشيء، وقيل: العبث: ما لا فائدة فيه يعتد بها، أو ما لا يقصد به فائدة 18.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: (إن العبث هو الفعل الذي ليس فيه مصلحةٌ ولا منفعةٌ ولا فائدةٌ تعود على الفاعل) 19.

الصلة بين العبث واللعب:

العبث من مرادفات اللعب، ومعناهما متقارب جدًا، ولذا يفسر كل منها بالآخر.

الرتع:

الرتع لغة:

قال الراغب الأصفهاني:(الرتع أصله: أكل البهائم، يقال: رتع يرتع رتوعًا ورتاعًا ورتعًا.

قال تعالى: {يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} [يوسف:12] ، ويستعار للإنسان إذا أريد به الأكل الكثير)20.

الرتع اصطلاحًا:

لا يخرج عن معناه اللغوي.

الصلة بين الرتع واللعب:

أن كلًا منهما يدل على الحركة والنشاط والانبساط.

قال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) } [الدخان:38] .

قبل البدء بتنزيه الله عن اللعب، يجب علينا الحديث عن صفة الحكمة لله تعالى؛ لأن بإثبات هذه الصفة لله تعالى ننزهه عن اللعب والعبث.

والحكمة عبارةٌ عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم. ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها: حكيم 21.

الحكمة عند العرب، هي ما منع من الجهل، وبذلك سمي الحاكم لمنعه الظالم 22.

والحكيم: الذي لا يدخل تدبيره خللٌ ولا زللٌ 23. أو هو العالم بوضع الأشياء في مواضعها 24.

والحكمة صفة من صفات الله عز وجل، لذلك فإن الله تعالى لم يشرع حكما من الأحكام، وما خلق شيئًا من المخلوقات إلا له فيها حكمة عظيمة وغاية نبيلة، وهذه الحكمة التي خلق الله تعالى لها الخلائق مذكورة في كثير من الآيات في كتاب الله الكريم سواء كان بصريح العبارة أو بالتضمين، وكذلك يدل عليها اسم الله: الحكيم.

فـ (الحكيم) اسم من أسماء الله الحسنى يدل على الكمال وأن الله تعالى لم يفعل فعلا، ولم يخلق خلقا إلا له فيه حكمة وغاية.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وقد أجمع المسلمون على أن الله موصوف بالحكمة، لكن تنازعوا في تفسير ذلك: فقال الأشاعرة والجهمية: الحكمة ترجع إلى علمه بأفعال العباد وإيقاعها على الوجه الذي أراده. ولم يثبتوا إلا العلم والإرادة والقدرة. وهم قد أطلقوا ألفاظها، ولكنهم لا يعنون بها معناها، بل يطلقونها لأجل مجيئها في القرآن. وهم يثبتون أنه مريد، وينكرون أن تكون له حكمة يريدها، وأنه لم يخلق شيئًا لشيء، وأنكروا الأسباب والطبائع والقوى الموجودة في خلق الله وأمره والحكم المقصودة بذلك. وقال أهل السنة: بل هو حكيم في خلقه وأمره. والحكمة ليست مطلق المشيئة، إذ لو كان كذلك، لكان كل مريد حكيمًا) 25.

والحكمة تناقض العبث واللعب، وأصحاب العقول السليمة والفطرة يدركون أن الله الخالق الموصوف بالحكمة لا بد أن يكون وراء تنظيمه لهذا الكون، ووضع الإنسان فيه غاية وحكمة، وتعالت حكمته أن يكون خلق هذا كله عبثًا.

وقد أشار سبحانه وتعالى إلى أن تكوين العالم وخلق السماوات والأرض وما بينهما من المخلوقات التي لا تعد ولا تحصى مؤسس على الحكم والغايات، ولم يأت اعتباطا ولعبا ولهوا، فقال تعالى: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (16) } [الأنبياء:16] . يعني: ما خلقناهما عبثًا.

وفي آية أخرى يؤكد سبحانه على أن خلق السماوات والأرض لم يكن عبثا بل كان بالحق والجد، فقال: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (38) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (39) } [الدخان:38 - 39] .

وقال: {وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (22) } [الجاثية:22] .

وأشار سبحانه وتعالى إلى أن الذي لا يؤمن بالبعث والنشور شأنه شأن من لا يرى في خلق السماوات والأرض حكمة وغاية، حتى لو لم يصرحوا بأن الله خلقهما باطلا، ولكن لما أنكروا البعث والجزاء صار في ظنهم خلقهما باطلا، حيث قال جل جلاله: {وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (27) أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (28) } [ص:27 - 28] .

وفي آية أخرى يذكر لنا أن في خلق السماوات والأرض وتعاقب الليل والنهار علامات ودلائل على قدرة الله تعالى وحكمته لمن كان ذا عقل ولب، من الذين يذكرون الله على كل حال، ويتفكرون في خلق السماوات والأرض وعجائب صنع الله فيهما، فيقولون معتقدين ومعترفين: ربنا وخالقنا ما خلقت هذا الكون والخلائق باطلا وعبثا وخاليًا عن حكمة، أنت منزه من أن يكون خلقك وفعلك عبثًا.

فقال: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (190) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (191) } [آل عمران:190 - 191] .

وقد وبخ الله منكري البعث والحساب على تماديهم في الغفلة، بأسلوب الاستفهام الاستنكاري، فإنه يلزم من إنكارهم البعث أن يكون خلق الناس مشتملًا على عبثٍ فقال: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (115) } [المؤمنون:115] .

وهذا نظير قوله تعالى: {أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (36) } [القيامة:36] .

ثم نفى عن نفسه العبث فقال: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (116) } [المؤمنون:116] .

فالأدلة النقلية والعقلية تثبت بأن الله تعالى منزه عن اللعب والعبث واللهو والباطل.

وهنا قد ترد شبهة، وهي إن الله تعالى يذم الحياة الدنيا في كثير من الآيات، ويصفها بأنها لهو ولعب وزينة، ولا مَنْشِئ لها غيره سبحانه. فإن كانت الحياة الدنيا على هذا الوصف، وهي مخلوق لله تعالى، فكيف التوفيق بين هذا وبين كون الله تعالى لا يخلق عبثا؟

فالإجابة عن هذا من وجوه:

أولًا: على التقديم والتأخير مع الإضمار: كأنه قال: اعلموا أن مَثَلَ الحياة الدنيا وزينتها وتفاخرها وتكاثرها ولعبها ولهوها، كمثل الغيث أعجب الكفار نباته، ثم يصير إلى ما ذكر حتى لا ينتفع به؛ فهكذا هي حال الحياة الدنيا، والله أعلم.

ثانيًا: إنما الحياة الدنيا على ما هي عند كثير من الناس لهو ولعب و لأنهم لا يعرفون من الدنيا إلا التمتع والتزين والتفاخر والتكاثر، وكذا الذين لا يؤمنون بالبعث على ما يظنون أن الحياة الدنيا لم تكن إلا للإفناء والإهلاك، وعلى هذا الظن تكون لهوا ولعبا وعبثا، فأما الحياة الدنيا على ما هي عند أهل التوحيد فهي حكمة وحق وصواب، وارتقاء بسبب العبادة إلى المراتب العليا عند الله، والفوز بالجنة.

ثالثًا: لو أن الحياة الدنيا قوبلت بحياة الآخرة، لكانت عبثا ولهوا؛ لأن الدنيا بنيت على الفناء والانقطاع والزوال عن قريب، والآخرة على الدوام والبقاء، كما قال تعالى: {قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى} [النساء:77] .

فالآخرة باقية، والدنيا فانية. فالحياة الدنيا -مقارنة بالآخرة- قليل جدا، وفي القرآن الكريم إشارات كثيرة إلى هذه الحقيقة، كما في قوله تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32) } [الأنعام:32] .

وقوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (38) } [التوبة:38] .

وقوله: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ} [الرعد:26] .

وقوله: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) } [العنكبوت:64] .

وقوله: {يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) } [غافر:39] .

رابعًا: أو يقال: إن من جعل الحياة الدنيا للدنيا خاصة تكون لعبا ولهوا، ومن جعل الحياة الدنيا زادا للآخرة وبُلْغَةً إليها، فهي ليست بلعب، وهو ما قال تعالى: {مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (117) } [آل عمران:117] .

أخبر أن الإنفاق للدنيا كمثل ريح فيها صر - البرد الشديد-، شبه إنفاقهم بزرع اجتاحته جائحة أو أصابته ريح باردة فأهلكته.

وقال في النفقة التي تكون في الدنيا لحياة الآخرة: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (261) } [البقرة:261] .

والله أعلم 26.

أولًا: اللعب المباح

إن المتتبع والناظر في الآيات التي ذكر فيها (اللعب، ومشتقاتها) ، يجد أن اللعب ليس بمذموم على إطلاقه، بل من اللعب ما هو مباح، كما في قوله تعالى، في قصة نبي الله يوسف عليه السلام، ذاكرا قول إخوة يوسف لأبيهم يعقوب عليه السلام وطلبهم منه أن يرسل معهم أخاهم يوسف: {أَرْسِلْهُ مَعَنَا غَدًا يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (12) } [يوسف:12] .

فقد ذكر المفسرون أن المراد باللعب المذكور في هذه الآية هو اللعب المباح، وهو مجرد الانبساط لانشراح الصدر، والاستجمام ورفع السآمة، أو هو اللعب الذي يتعلمون به الحرب ويتقوون به عليه، فقد كان أكثر لعب أهل البادية بالاستباق والانتضال والرمي بالعصى والسهام ونظائرها، مما يعد من باب التأهب للغزو أو رد العدو. بدليل: {قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ} [يوسف:17] .

ولم يكن هذا من اللعب المحظور الذي هو ضد الحق وقرين اللهو، والدليل على ذلك: أن يعقوب عليه السلام لم ينكر عليهم لما قالوا: ونلعب-وفقا لقراءة أهل البصرة- وإنما سماه لعبًا؛ لشبهه به، وإنه في صورته 27.

ونسبة اللعب - على جميع الاحتمالات-إلى يوسف لا حرج فيها؛ لأن يوسف حينها كان صبيا، ولم يكن نبيا بعد.

وفي السنة النبوية الشريفة ما يدل على اللعب أو اللهو المباح، فعن عقبة بن عامر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: (كل ما يلهو به الرجل المسلم باطلٌ، إلا رميه بقوسه، وتأديبه فرسه، وملاعبته أهله، فإنهن من الحق) 28.

وإنما أبيحت هذه الثلاثة الأنواع؛ لأن في هذه الثلاثة عونا على الدين وقواما له، فالرجل يرمي بقوسه؛ لئلا تذهب عادته للرمي، ولا يتشنج أعضاؤه ومفاصله وكتفاه، ويؤدب فرسه؛ لئلا يجمح، ولا يكون مستوليا على النزع منه.

ويتعلم الفروسية؛ لئلا ينقطع عنه شجاعته، ويكون جريئا ذا قلب. فإذا ترك ذلك ضعف قلبه وجبن.

ويلاعب أهله ليسكن ما به وبها. وهذا كله وإن كان مُلْهيًا، فهو في الأصل حق. وإنما رخص للمؤمن في التلهي بهذا؛ لأن قلبه في أثقال العظمة، فإذا دام عليه ضاق به والتمس تفريجا وتخفيفا، فيلجأ إلى هذه الأشياء التي هي في الأصل حق حتى يكون مزاجا للمؤمن 29.

وقد رأى جماعة من العلماء في مفهوم كلمة: (باطل) ، في الحديث المذكور آنفا، أن الكلمة هذه لا تدل على تحريم ما سوى تلك الثلاثة، فقال ابن حجر العسقلاني: وإنما أطلق على ما عداها البطلان من طريق المقابلة، لا أن جميعها من الباطل المحرم 30.

وقال الهروي والمباركفوري: في معنى: (باطل) : لا ثواب له) 31.

وقال الشوكاني: قال الغزالي: قلنا قوله صلى الله عليه وسلم: (فهو باطلٌ) لا يدل على التحريم، بل يدل على عدم فائدةٍ انتهى. وهو جوابٌ صحيحٌ؛ لأن ما لا فائدة فيه من قسم المباح، على أن التلهي بالنظر إلى الحبشة وهم يرقصون في مسجده صلى الله عليه وسلم كما ثبت في الصحيح خارجٌ عن تلك الأمور الثلاثة) 32.

و عن عطاء بن أبي رباحٍ قال: رأيت جابر بن عبد الله وجابر بن عميرٍ الأنصاريين يرميان قال: فأما أحدهما فجلس فقال له صاحبه: أكسلت؟ قال: نعم فقال أحدهما للآخر: أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (كل شيءٍ ليس من ذكر الله فهو لعبٌ، لا يكون أربعةٌ: ملاعبة الرجل امرأته، وتأديب الرجل فرسه، ومشي الرجل بين الغرضين، وتعلم الرجل السباحة) 33.

وهناك أنواع من اللعب المباح، منها مثلًا: المسابقة، فقد سابق النبي صلى الله عليه وسلم عائشة مرتين، سبقته في الأولى وسبقها في الثانية، عن عائشة، رضي الله عنها، (أنها كانت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفرٍ قالت: فسابقته فسبقته على رجلي، فلما حملت اللحم سابقته فسبقني فقال:(هذه بتلك السبقة) 34.

وسابق النبي صلى الله عليه وسلم بناقته العضباء فسبقت، عن أنسٍ رضي الله عنه (كان للنبي صلى الله عليه وسلم ناقةٌ تسمى: العضباء، وكانت لا تسبق، فجاء أعرابيٌ على قعودٍ له فسبقها، فاشتد ذلك على المسلمين، وقالوا: سُبِقَتِ العضباءُ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(إن حقًّا على الله أن لا يرفع شيئًا من الدنيا إلا وضعه) 35.

وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يرخص في اللعب المباح كما رخص صلى الله عليه وسلم للحبشان، وأذن لعائشة النظر إليهم.

عن عائشة، قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم جالسًا فسمعنا لغطًا وصوت صبيانٍ، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا حبشيةٌ تزفن والصبيان حولها، فقال: (يا عائشة تعالي فانظري) . فجئت فوضعت لحيي على منكب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: (أما شبعت، أما شبعت) . قالت: فجعلت أقول: لا؛ لأنظر منزلتي عنده إذ طلع عمر، قالت: فَارْفَضَّ الناس عنها. قالت: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إني لأنظر إلى شياطين الإنس والجن قد فروا من عمر) قالت: فرجعت) 36.

ومن هنا يتبين لنا أن الإسلام أباح أنواع اللعب التي تفيد الذهن أو الجسم، أو ترفع عنهما السآمة والملل، أو تعيد إليهما النشاط والحيوية بشرط ألا تكون في هذا اللعب مخالفة شرعية أو إهدار للوقت فيما لا فائدة فيه، وأن لا يتضمن ضررا، ولا يكون فيه خسة ودناءة لا يليق بصاحب المروءة، ولا يشغل عن الواجبات والفرائض 37.

قال العيني: إذا لم يشغله، أي: اللعب عن طاعة الله يكون مباحا، وعليه أهل الحجاز. لا يرى أن الشارع أباح للجاريتين يوم العيد الغناء في بيت عائشة من أجل العيد، كما مضى في كتاب العيدين، وأباح لها النظر إلى لعب الحبشة بالحراب في المسجد؟ 38.

ومن اللعب المباح الألعاب الرياضية التي تنشط البدن وتقوي الروح، وتساعد في علاج بعض الأمراض، بشرط أن لا تؤدي إلى إضاعة الصلاة أو أي فرض آخر، وأن لا تتسبب في حصول الحقد والكره والبغضاء والعداوة بين اللاعبين، وأن لا ينكشف فيها شيء من العورة، وأن لا تكون على عوض من مال، أو منفعة دنيوية.

قال ابن القيم الجوزية: والرياضة المعتدلة، هي التي تَحْمَرُّ فيها البشرة وتربو، و يتندى بها البدن، وأما التي يلزمها سيلان العرق فمفرطة. وأي عضو كثرت رياضته قوي فإن من استكثر من الحفظ قويت حافظته، ومن استكثر من الفكر قويت قوته المفكرة، ولكل عضو رياضة تخصه وأما ركوب الخيل ورمي النشب والصراع، والمسابقة على الأقدام، فرياضة للبدن كله، وهي قالعة لأمراض مزمنة، كالجذام، والاستسقاء، والقولنج 39.

ثانيًا: اللعب الحرام:

الإسلام دين جاد، يريد من المسلمين أن يكونوا جادين في كل الأمور والشؤون، ولو تأملنا في أنواع اللعب التي أباحها الإسلام لرأينا أنها تحقق مقصدًا من مقاصد الشريعة، وحد الإسلام لها حدودها ضمن ضوابط وقواعد معينة، مثل: خلوها من المحرمات، وأن لا يفضي إلي ترك الواجبات، ولا إلى بث العداوة والكراهية والبغضاء والفساد، و فإذا أخل بهذه الضوابط والشروط تحول من الحل إلى الحرمة.

فقوله تعالى: {وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (65) } [التوبة:65] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت