فهرس الكتاب

الصفحة 2296 من 2431

يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم، والنعيم المقيم 96، فيا ويل من أبغضهم أو سبهم أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم، أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه؛ فإن الطائفة المخذولة من الرافضة يعادون أفضل الصحابة ويبغضونهم ويسبونهم -عياذا بالله من ذلك-، وهذا يدل على أن عقولهم معكوسة وقلوبهم منكوسة، فأين هؤلاء من الإيمان بالقرآن إذ يسبون من رضي الله عنهم؟ وأما أهل السنة فإنهم يترضون عمن رضي الله عنه، ويسبون من سبه الله ورسوله، ويوالون من يوالي الله، ويعادون من يعادي الله، وهم متبعون لا مبتدعون، ويقتدون ولا يبتدئون؛ ولهذا هم حزب الله المفلحون وعباده المؤمنون 97.

ثانيًا: المهاجرون من الأنبياء:

الهجرة أسلوب من أساليب نشر الدعوة، وطريقة للمحافظة عليها من بغي الباغين، وعدوان الجبابرة الظالمين؛ ولهذا كانت الهجرة سبيل الأنبياء السابقين والرسل المتقدمين قبل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، يرتادون فيها الأرض الخصبة التي تحتضن الدعوة، ويبحثون أثناءها عن البذور الطيبة الصالحة للإخصاب.

وقد حدثنا القرآن عن عدد من الأنبياء الذين هاجروا وتركوا ديارهم، وسنفصل القول في بعضهم:

هذا النبي المبارك الذي بدأ دعوته في بيئة كفر وشرك، فدعا قومه إلى التوحيد الخالص والعقيدة الصحيحة، ونبذ ما هم عليه من خرافات وأباطيل، دعاهم دعوة واضحة المعالم، ميسورة الفهم.

قال تعالى: (وَإِبْرَاهِيمَ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاتَّقُوهُ ? ذَ?لِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ?16?إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ? إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ? إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ?17?) [العنكبوت: 16 - 17] .

ولكنهم بدلًا من أن يمدوا البصر في دعوته، ويجيلوا النظر في محتوى رسالته، قاموا بإشعال النيران من أجل إحراقه، (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ) [العنكبوت: 24] .

«إنه منطق الحديد والنار الذي لا يعرف الطغاة منطقًا سواه، عندما تعوزهم الحجة وينقصهم الدليل، وحينما تحرجهم كلمة الحق الخالصة ذات السلطان المبين» 98.

فلما يئس إبراهيم من هؤلاء القوم الغلاظ -الذين لم تلن قلوبهم لآية إنجائه من النار- قرر أن يهاجر ويتركهم؛ «لأن الهادي إذا هدى قومه ولم ينتفعوا فبقاؤه فيهم مفسدة؛ لأنه إن دام على الإرشاد كان اشتغالًا بما لا ينتفع به مع علمه، وإن سكت فالسكوت دليل الرضا، فيقال بأنه صار منا ورضي بأفعالنا، وإذا لم يبق للإقامة وجه وجبت المهاجرة» 99.

وقال تعالى: (وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى? رَبِّي ? إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ?) [العنكبوت: 26] .

«وهذه أول هجرةٍ لأجل الدين ولذلك جعلها هجرةً إلى ربه» 100.

وقال الله عن هجرته أيضًا: (. وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى? رَبِّي سَيَهْدِينِ) [الصافات: 99] .

«وإبراهيم عليه السلام لم يهاجر للنجاة، ولم يهاجر لأرض أو كسب أو تجارة، وإنما هاجر إلى ربه متقربًا له، ملتجئًا إلى حماه بقلبه وعقيدته، قبل أن يهاجر بلحمه ودمه، هاجر إليه ليخلص له عبادته، ويخلص له قلبه، بل وكيانه كله في مهجره، بعيدًا عن موطن الكفر والضلال، بعد أن لم يبق رجاء في أن يفيء القوم إلى الهدى والإيمان بحال» 101.

وهجرة إبراهيم عليه السلام «هجرة نفسية قبل أن تكون هجرة مكانية، هجرة يترك وراءه فيها كل شيء من ماضي حياته، يترك فيها أباه وقومه وأهله وبيته ووطنه، وكل ما يربطه بهذه الأرض، وبهؤلاء الناس، ويدع وراءه كذلك كل عائق وكل شاغل ويهاجر إلى ربه متخففًا من كل شيء، طارحًا وراءه كل شيء، مسلمًا نفسه لربه لا يستبقي منها شيئًا، موقنًا أن ربه سيهديه، ويرعى خطاه، وينقلها في الطريق المستقيم، إنها الهجرة الكاملة من حال إلى حال، ومن وضع إلى وضع، ومن أواصر شتى إلى آصرة واحدة لا يزحمها في النفس شيء، إنه التعبير عن التجرد والخلوص والاستسلام والطمأنينة واليقين» 102.

من نماذج هجرة الأنبياء في القرآن هجرة سيدنا موسى عليه السلام، ذلك النبي الكريم الذي تحمل الكثير والكثير من أجل إبلاغ الرسالة، وتبصير الناس بها، فقد قال الله له: (اذْهَبْ إِلَى? فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى?) [طه: 24] .

وتلك مهمة شاقة؛ لأن فرعون من الجبابرة الطغاة الذين لا يقيمون وزنًا للأرواح والأنفس، إنها مهمة غاية في الصعوبة والخطورة؛ لأنها مواجهة بالموعظة لأعظم ملوك الأرض يومئذٍ؛ ليكشف له فساد حاله، ويحذره من سوء مآله.

ومع كل هذه المصاعب والمخاطر ذهب موسى إلى فرعون، وعرض عليه رسالته، وقال له ولملئه: (أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ ? إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ ?18?وَأَنْ لَا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ ? إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ ?19?وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ ?20?وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ?21?ٹ) [الدخان: 18 - 21] .

لقد طلب منهم أن يسلموه بني إسرائيل، وألا يتكبروا على الله بتكذيب رسله، «فإن استعصوا على الإيمان فهو يفاصلهم ويعتزلهم، ويطلب إليهم أن يفاصلوه ويعتزلوه، وذلك منتهى النصفة 103 والعدل والمسالمة، ولكن الطغيان قلما يقبل النصفة؛ فهو يخشى الحق أن يظل طليقًا، ويصل إلى الناس في سلام وهدوء، ومن ثم يحاربه بالبطش، ولا يسالمه أبدًا.

وحين وصلت التجربة إلى نهايتها، وأحس موسى أن القوم لن يؤمنوا له، ولن يستجيبوا لدعوته، ولن يسالموه أو يعتزلوه، وأنه لن يستطيع تبليغ الدعوة وأداء الرسالة، وبدا له إجرامهم أصيلًا عميقًا لا أمل في تخليهم عنه، عند ذلك لجأ إلى ربه وملاذه الأخير: (وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ) [الدخان: 21] 104، فأتاه الأمر بالخروج: (? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ) [الدخان: 23 - 24] .

وهكذا خرج موسى بقومه، وأهلك الله فرعون وجنده، وهاجر موسى بقومه ليتوجه بهم إلى بلاد جديدة، يستطيع فيها أن يبلغهم الهدايات الإلهية، وتعاليم الرسالة الربانية، وأن ينشئ بهم مجتمعًا فاضلًا على وفق موازينها ومراداتها.

كانت مكة حين بعث النبي صلى الله عليه وسلم قلعة الشرك والوثنية، ومقصدًا لعباد الأصنام من كل حدب وصوب، فبدأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته فيها إلى التوحيد وعبادة الله وحده، ونبذ عبادة ما سواه، ولكن قريشًا لم تستقبل دعوته بالود والترحاب، وإنما واجهت رسالته بالتكذيب، وأصحابه بالتعذيب، وقرآنه باللغو: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَ?ذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ ?26?) [فصلت: 26] .

ولما بدأت دعوته تنتشر ويقبل عليها الناس «قرر المشركون ألا يألوا جهدًا في محاربة الإسلام، وإيذاء الداخلين فيه، والتعرض لهم بألوان النكال والإيلام، وانفجرت مكة بمشاعر الغضب، وظلت عشرة أعوام تعد المسلمين عصاةً ثائرين، فزلزلت الأرض من تحت أقدامهم، واستباحت في الحرم الآمن دماءهم، وأموالهم وأعراضهم، وجعلت مقامهم تحملًا للضيم، وتوقعًا للويل» 105.

ولما لم تنجح هذه المحاولات في قطع دابر الدعوة وثني الناس عنها حز ذلك في نفوس طواغيت الكفر والشرك، فاجتمعوا في دار الندوة؛ ليتخذوا قراراهم الحاسم بالخلاص من النبي صلى الله عليه وسلم، وآنئذٍ أمر الله نبيه بالهجرة؛ فانتقل النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة حيث البلد الجديد، والدولة التي سيجري العمل على بنائها ورفع عمادها، وقد أشار القرآن إلى هجرة النبي صلى الله عليه وسلم وعبر عنها بالإخراج، كما في قوله: (وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ? وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ? وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [الأنفال: 30] .

وقوله: (إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا ? فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى? ? وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا ? وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ?40?) [التوبة: 40] .

والتعبير عن الهجرة بالإخراج فيه دلالة على حجم الإيذاء الذي تعرض له النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته في مكة من قبل المشركين، وعلى شدة تضييق المشركين على الدعوة، ومنعها من الانتشار بين الناس.

ثالثًا: المهاجرون من الصحابة:

إن الهجرة كما مر معنا عمل عظيم، فيه من المشقة والتعب والتضحيات ما فيه، ولا يقوم به بشرطه -حقًا- إلا مؤمن تمكن الإيمان من قلبه، وملأ اليقين فؤاده.

ولولا أن القرآن حدثنا عن أناس ليسوا بأنبياء ولا مرسلين قاموا به لقلنا ما يقوم به إلا نبي أو رسول؛ لأجل هذا كان للمهاجرين من الصحابة رضي الله عنهم مكانة خاصة، ومنزلة سامية في القرآن والسنة.

وقد تحدث القرآن عن المهاجرين من الصحابة على صورتين:

الصورة الأولى: الحديث عنهم بوجهٍ عام.

وهذا يظهر من خلال ما يأتي:

قال تعالى: (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ? ذَ?لِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ?100?) [التوبة: 100] .

وفي هذه الآية ثناء بليغ على المهاجرين، وإظهار لفضلهم، ويظهر هذا في الآية من وجوه:

••كلام الله عنهم، وهذه وحدها تكفي لإظهار فضلهم ورفعة درجاتهم؛ إذ الكلام من الرب الجليل مدبر الأفلاك، وفاطر الأرض والسماء، تنويهًا على عظيم صنعهم، وشريف فضلهم.

••تزكية من حذا حذوهم، واقتفى أثرهم، وسار على دربهم، تأمل قوله تعالى: (بِإِحْسَانٍ) تجد أنه «قيد مؤكد، يكشف عن الإحسان الذي يكون من متابعة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والتأسي بهم، فمتابعتهم هي إحسان. وقوله تعالى: (بِإِحْسَانٍ) هو توكيد لهذا الإحسان الذي تنطوي عليه المتابعة، وهذا يعني أن ما كان من السابقين من المهاجرين والأنصار هو إحسان كله، فمن تابعهم وتأسى بهم على ما كانوا عليه فهو محسن كل الإحسان» 106.

••رفعهم لمقام تبادل الرضا مع الخالق، تأمل قوله: (وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا) [التوبة: 100] . «ورضا الله عنهم هو الرضا الذي تتبعه المثوبة، وهو في ذاته أعلى وأكرم مثوبة، ورضاهم عن الله هو الاطمئنان إليه سبحانه، والثقة بقدره، وحسن الظن بقضائه» 107.

••جزاؤهم أعده الله. قال تعالى: (وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ? [التوبة: 100] . فما ظنك بجزاء أعده الله الكريم الجليل؟! إن جزاءهم إذًا لعظيم، ونعيمهم لا يوصف، وسرورهم يوم يلقونه لا يقدر.

ومن الثناء عليهم ما جاء في قوله تعالى: (وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ? وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) [النساء: 100] .

قال ابن عباس في رواية عطاء: كان عبد الرحمن بن عوف يخبر أهل مكة بما ينزل فيهم من القرآن، فكتب الآية التي نزلت: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنفُسِهِمْ) [النساء: 97] .

فلما قرأها المسلمون قال حبيب بن ضمرة الليثي لبنيه -وكان شيخًا كبيرًا-: احملوني، فإني لست من المستضعفين، وإني لا أهتدي إلى الطريق، فحمله بنوه على سرير متوجهًا إلى المدينة، فلما بلغ (التنعيم) أشرف على الموت، فصفق يمينه على شماله، وقال: اللهم هذه لك وهذه لرسولك أبايعك على ما بايعتك يد رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومات حميدًا، فبلغ خبره أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: لو وافى المدينة لكان أتم أجرًا، فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية 108.

قال تعالى عن المهاجرين: (لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ? أُولَ?ئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) [الحشر: 8] .

أي فضل وأي تكريم وأي شهادة أعظم؟! وأي تزكية أعظم لهم من تزكية رب العالمين؟!

قال تعالى: (أُولَ?ئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) [الحشر: 8] .

إنه إذن الخلود في مقامات الشرف والرفعة، إنها الشهادة لهم بالصدق من خالق هذا الكون.

قال تعالى: (وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى? وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ? وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا ? أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) [النور: 22] .

وهذه الآية لها علاقة بحادثة الإفك؛ حيث «إن أبا بكر رضي الله عنه كان ينفق على مسطح بن أثاثة، وكان مسطح ابن خالة أبي بكر الصديق، وكان من فقراء المهاجرين، فلما علم أبو بكر بخوضه في قضية الإفك أقسم أن لا ينفق عليه، فلما تاب مسطح وتاب الله عليه لم يزل أبو بكر واجدًا في نفسه على مسطح فنزلت هذه الآية» 109.

ولقد ظهر هذا جليًا في تعامل الصحابة مع المهاجرين، فعمر بن الخطاب رضي الله عنه لما حضرته المنية قال: «أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين خيرًا، أن يعرف لهم حقهم، وأن يحفظ لهم حرمتهم، وأوصيه بالأنصار خيرًا الذين تبوؤوا الدار والإيمان أن يقبل من محسنهم، ويعفى عن مسيئهم، وأوصيه بذمة الله، وذمة رسوله صلى الله عليه وسلم أن يوفى لهم بعهدهم، وأن يقاتل من ورائهم، وأن لا يكلفوا فوق طاقتهم» 110.

وهذا الوصية العمرية تظهر عميق تقديره للمهاجرين واعترافه بمكانتهم وفضلهم عن غيرهم.

الصورة الثانية: الحديث عن بعضهم بوجه خاص:

وهذا يتجلى في قول الله: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ? وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ) [البقرة: 207] .

وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في صهيب بن سنان الرومي رضي الله عنه أراد أن يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويهاجر إلى المدينة، فمنعته قريش وحبسوه، فقال لهم: أعطيكم داري ومالي وما كان لي من شيء، فخلوا عني فألحق بهذا الرجل؟ فأبوا، ثم إن بعضهم قال لهم: خذوا منه ما كان له من شيء وخلوا عنه، ففعلوا، فأعطاهم داره وماله ثم خرج، فأنزل الله عز وجل على النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة: (وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ ? [البقرة: 207] .

فلما دنا من المدينة تلقاه عمر في رجال، فقال له عمر: ربح البيع، قال: وبيعك فلا يخسر، قال: وما ذاك؟ قال: أنزل فيك كذا وكذا 111.

وهذه المنازل العظيمة والدرجات الرفيعة التي أعدها الله لهم تثبت فضل المهاجرين، وتوضح أن هؤلاء المهاجرين ما نالوا هذه الدرجات إلا عن تعب ومشقة وبذل وعطاء، وبذا قضى الله تعالى بين عباده أن الدرجات العلى لا تنال إلا بعد معاناة وصبر.

قال تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ? وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) [السجدة: 24] .

أولًا: الآثار الدنيوية:

الهجرة أحد أسباب السعة في العيش والرزق، وبهذا وعد الله تعالى من خرج مهاجرًا في سبيله، قال سبحانه وتعالى: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) [النساء: 100] .

وفي هذا «بيان للحث على الهجرة والترغيب فيها، وبيان ما فيها من المصالح، فوعد الصادق في وعده أن من هاجر في سبيله ابتغاء مرضاته يجد مراغمًا في الأرض وسعة، فالمراغم مشتمل على مصالح الدين والسعة على مصالح الدنيا» 112.

«فهم لما تركوا الأوطان والخلان، وانتقلوا عنها لأجل طاعة الرحمن، ذكر لهم ثوابًا عاجلًا في الدنيا من الرزق الواسع والعيش الهانئ الذي رأوه عيانًا بعد ما هاجروا، وانتصروا على أعدائهم، وافتتحوا البلدان وغنموا منها الغنائم العظيمة، فتمولوا وآتاهم الله في الدنيا حسنة» 113.

ولما هاجر إبراهيم عليه السلام إلى الله عز وجل من دار قومه إلى الشام، رزقه الله بالولد، وجعل في ذريته النبوة والكتاب، وجعل له الثناء الحسن، والذكر الجميل، وآتاه من خيري الدنيا والآخرة.

قال جل جلاله مخبرًا عن إبراهيم عليه السلام: (فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ ? وَقَالَ إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى? رَبِّي ? إِنَّهُ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ?26?وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا ? وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ?27?) [العنكبوت: 26 - 27] .

وقال أيضًا: (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ? وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا ?49?وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا ?50?) [مريم: 49 - 50] .

ولما هاجر موسى عليه السلام وفارق ديار مصر فرارًا من بطش فرعون وجنوده، وسع الله عليه فاستأجره الرجل الصالح، وزوجه إحدى ابنتيه، وآواه ونصره.

قال تعالى مخبرًا عن موسى عليه السلام: (فَسَقَى? لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى? إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ ?24?فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا ? فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ ? نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ ?25?قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ ? إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ ?26?قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى? أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ ? فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ ? وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ ? سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ?27? [القصص: 24 - 27] .

ولما هاجر نبينا صلى الله عليه وسلم وصحابته من مكة إلى المدينة أخرجهم الله من الضيق إلى السعة، ومن الاضطهاد والإقصاء إلى العزة والتمكين، فجعل لهم دارًا، ووسع عليهم، ورزقهم من فضله.

الهجرة ثورة على الخضوع للقوى الغاشمة الظالمة، ورفض لمظاهر الكفر والعصيان بمفارقة أرضه وسلطانه وأمره، إنها استعلاء وثبات، وتمسك بالحق، وإصرار عليه؛ ولذا وعد الله تعالى المهاجرين في سبيله بالسعة -كما مر في الآية السابقة- ليكون في ذلك إرغام للأعداء، وإغاظة لقوى الباطل، وشفاء لصدور قوم مؤمنين.

قال تعالى: (يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً) [النساء: 100] .

يقول الرازي مفسرًا الآية: «المعنى: ومن يهاجر في سبيل الله إلى بلد آخر، يجد في أرض ذلك البلد من الخير والنعمة ما يكون سببًا لرغم أنف أعدائه الذين كانوا معه في بلدته الأصيلة؛ وذلك لأن من فارق وذهب إلى بلدة أجنبية، واستقر فيها أمره، وعلم أهله بذلك، خجلوا من سوء معاملتهم معه، ورغمت أنوفهم بسبب ذلك» 114. ويقول القرطبي رحمه الله: «فكأن كفار قريشٍ أرغموا أنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجرٌ لأرغم أنوف قريشٍ؛ لحصوله على منعةٍ منهم، فتلك المنعة هي موضع المراغمة» 115.

وعد الله للمهاجرين بالعاقبة الحسنة والنصر على الأعداء:

قال تعالى: (. وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً ?) [النحل: 41] .

فهذه الآية فيها وعد من الله للمهاجرين في سبيله بأن يجعل عاقبتهم حسنة، ومآلهم مرضيًا.

وقد اختلفت أقوال المفسرين في قوله: (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) جمعها ابن الجوزي رحمه الله في خمسة أقوال:

الأول: لننزلنهم المدينة.

والثاني: لنرزقنهم في الدنيا الرزق الحسن.

والثالث: النصر على العدو.

والرابع: أنه ما بقي بعدهم من الثناء الحسن، وصار لأولادهم من الشرف.

والخامس: أن المعنى: لنحسنن إليهم في الدنيا 116.

والمتأمل لهذه الأقوال جميعها يدرك أنها جميعًا مرادة، ومفادها أن الله تعالى سيجعل عاقبتهم حسنة، ومصيرهم ومآلهم مرضيًا، وهو ما يدل عليه لفظة (لَنُبَوِّئَنَّهُمْ) .

«ولقد صدق الله وعده فأيد المؤمنين بنصره، ومكن لهم في الأرض، وأذل الكافرين والمشركين والمنافقين، وجاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجًا» 117.

وعاد المخرجون المهاجرون فاتحين منتصرين، وحقق الله وعده لنبيه حين قال عز وجل: (إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى? مَعَادٍ ? قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ مَنْ جَاءَ بِالْهُدَى? وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [القصص: 85] .

ثانيًا: الآثار الأخروية:

الهجرة من أعظم أسباب النجاة، وأكثر الأعمال رجاءً في إدراك رحمة الله، يقول الله جل جلاله: (ے إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَ?ئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ ? وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) [البقرة: 218] .

فقوله: (أُولَ?ئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ) روي أن عبد الله بن جحش وأصحابه حين قتلوا الحضرمي في الشهر الحرام، ظن قوم أنهم إن سلموا من الإثم فليس لهم أجر، فنزلت: (أُولَ?ئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ) 118.

قال الرازي: فإن قيل: لم جعل الوعد مطلقًا بالرجاء ولم يقطع به كما في سائر الآيات؟

فالجواب من وجوه:

أحدها: أن مذهبنا أن الثواب على الإيمان والعمل غير واجب عقلًا، بل بحكم الوعد، فلذلك علقه بالرجاء.

وثانيها: هب أنه واجب عقلًا بحكم الوعد ولكنه تعلق بأن لا يكفر بعد ذلك، وهذا الشرط مشكوك فيه لا متيقن، فلا جرم كان الحاصل هو الرجاء لا القطع.

وثالثها: أن المذكور ها هنا هو الإيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله، ولا بد للإنسان مع ذلك من سائر الأعمال، وهو أن يرجو أن يوفقه الله لها، كما وفقه لهذه الثلاثة، فلا جرم علقه على الرجاء.

ورابعها: ليس المراد من الآية أن الله شكك العبد في هذه المغفرة، بل المراد وصفهم بأنهم يفارقون الدنيا مع الهجرة والجهاد مستقصرين أنفسهم في حق الله تعالى، يرون أنهم لم يعبدوه حق عبادته، ولم يقضوا ما يلزمهم في نصرة دينه، فيقدمون على الله مع الخوف والرجاء 119.

والمقصود أنه سبحانه وضع الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله موضع الرجاء من رحمة الله ولم يعطهم الثواب والمغفرة والرضوان على القطع والتحقيق؛ وذلك ليقيمهم من هذا الرجاء على عمل دائم، وجهاد متصل، وهذا على خلاف ما إذا سوى حسابهم بعد الهجرة وبعد كل موقف من مواقف الجهاد، فقد يقعد بهم هذا عن أن يضيفوا جديدًا، أو يخفوا للجهاد مرة بعد مرة.

ثم إنه من جهة أخرى يرى الذين آمنوا -مجرد إيمان- ولم يهاجروا ولم يجاهدوا يريهم شناعة موقفهم ومغبة تقصيرهم بتخلفهم عن ركب المهاجرين والمجاهدين، ويرفع لأعينهم بعد ما بينهم وبين مواقع رحمة الله ورضوانه؛ إذ يرون المهاجرين المجاهدين ولما يلمسوا بأيديهم مواقع الرحمة والرضوان، وأنهم ما زالوا على رجاء، فكيف بالذين آمنوا ولم يهاجروا ولم يجاهدوا؟

إن المدى بعيد بينهم وبين أن يصلوا إلى جانب الأمن والسلامة، وإن عليهم أن يحثوا المطي إلى ميدان الهجرة والجهاد؛ ليلحقوا بركب المهاجرين المجاهدين، وليكونوا بمعرض من رحمة الله ورضوانه 120.

ومما يدل على أن الهجرة من أهم أسباب الحصول على رحمة الله قوله سبحانه: (الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ ?20?يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ ?21?) [التوبة: 20 - 21] .

وقوله سبحانه: (ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُوا مِن بَعْدِ مَا فُتِنُوا ثُمَّ جَاهَدُوا وَصَبَرُوا إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ) [النحل: 110] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت