فهرس الكتاب

الصفحة 926 من 2431

ويقال: إنما ذكر المثل بالبعوضة؛ لأن خلقة البعوضة أعجب؛ لأن خلقتها خلقة الفيل، ويقال: لأن البعوضة ما دامت جائعة عاشت فإذا شبعت ماتت، فكذلك الآدمي إذا استغنى، فإنه يطغى، فضرب الله المثل للآدمي، والبعوضة واحدة البعوض وهي: حشرة صغيرة طائرة ذات خرطوم دقيق تحوم على الإنسان لتمتص بخرطومها من دمه غذاء لها 32.

وفي هذه الآية: دحض شبهة الذين أنكروا ذكر الله تعالى لهذه المخلوقات الحقيرة وأنه تعالى لا يليق به ذلك، وأن القرآن ليس من كلام الله، بحجة أن ضرب الأمثال هكذا بما فيها من تصغير لهم وسخرية منهم لا تصدر عن الله، وأن الله لا يذكر هذه الأشياء الصغيرة كالذباب والعنكبوت في كلامه! وكان هذا طرفًا من حملة التشكيك والبلبلة التي يقوم بها المنافقون واليهود في المدينة، كما كان يقوم بها المشركون في مكة 33.

قال محمد رشيد: «وأما وجه تقديم الإضلال على الهداية، فلأن سببه ومنشأه من الكفر متقدم في الوجود، وإنما جاءت الآيات المبينة بالأمثال لإخراجهم مما كانوا فيه من ظلمات الباطل إلى نور الحق، فزادت الفاسقين رجسًا على رجسهم؛ لأن نور الفطرة قد انطفأ من أنفسهم بتماديهم في نقض العهد، وقطع الوصل والإفساد في الأرض، كما في الآية التالية لهذه، وقد علم بما ذكر أن في الآية لفًّا ونشرًا غير مرتب فإن الضلال ذكر أولًا، وهو للفريق الثاني، والهدى ذكر آخرًا، وهو للفريق الأول» 34.

سادسًا: العنكبوت:

العنكبوت: صنف من الحشرات ذات بطون وأرجل وهي ثلاثة أصناف، منها صنف يسمى ليث العناكب وهو الذي يفترس الذباب، وكلها تتخذ لأنفسها نسيجًا تنسجه من لعابها يكون خيوطًا مشدودة بين طرفين من الشجر أو الجدران، وتتخذ في وسط تلك الخيوط جانبًا أغلظ وأكثر اتصال خيوط تحتجب فيه وتفرخ فيه، وسمي بيتًا لشبهه بالخيمة في أنه منسوج ومشدود من أطرافه فهو كبيت الشعر 35.

شبه القرآن الكريم معبودات المشركين، وأولياءهم ببيت العنكبوت، قال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) } [العنكبوت:41] .

لما بينت الآيات السابقة الأشباه والأمثال من الأمم التي اتخذت الأصنام من دون الله فما أغنت عنهم أصنامهم لما جاءهم عذاب الله، ثم بين الله تعالى في هذه الآية أن من اتخذ معبودًا من دون الله ويعتقد أنها تنصره في الدنيا وتشفع له في الآخرة، وهي أضعف من أن تدفع عن نفسها، مثله كمثل العنكبوت، وقد اتخذت لها بيتًا لا يريحها إذا هي أوت، ولا يجيرها من حر أو برد إذا هي ثوت، فالمشركون أشبهوا العنكبوت في الغرور بما أعدوه، وأولياؤهم أشبهوا بيت العنكبوت في عدم الغناء عمن اتخذوها وقت الحاجة إليها وتزول بأقل تحريك، وأقصى ما ينتفعون به منها نفع ضعيف وهو السكنى فيها وتوهم أن تدفع عنهم كما ينتفع المشركون بأوهامهم في أصنامهم، وجملة: {وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ} [العنكبوت:41] ، معترضة مبينة وجه الشبه، وهذه الجملة تجري مجرى المثل، فيضرب لقلة جدوى شيء، فاقتضى ذلك أن الأديان التي يعبد أهلها غير الله هي أحقر الديانات وأبعدها عن الخير والرشد وإن كانت متفاوتة فيما يعرض لتلك العبادات من الضلالات كما تتفاوت بيوت العنكبوت في غلظها بحسب تفاوت الدويبات التي تنسجها في القوة والضعف، ثم زاد الإنكار توكيدًا فذكر أن ما يدعونه ليس بشيء، فكيف يتسنى للعاقل أن يترك القادر الحكيم، ويشتغل بعبادة من ليس بشيء؟ ثم أردف هذا ببيان فائدة ضرب الأمثال للناس، وأنه لا يدرك مغزاها إلا ذوو الألباب، الذين يفهمون خبيئ الكلام وظاهره، وسره وعلانيته 36.

قال ابن القيم: «فذكر سبحانه أنهم ضعفاء، وأن الذين اتخذوهم أولياءهم أضعف منهم، فهم في ضعفهم وما قصدوه من اتخاذ الأولياء كالعنكبوت اتخذت بيتًا، وهو أوهن البيوت وأضعفها؛ وتحت هذا المثل أن هؤلاء المشركين أضعف ما كانوا حين اتخذوا من دون الله أولياء فلم يستفيدوا بمن اتخذوهم أولياء إلا ضعفًا، كما قال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (81) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (82) } [مريم:81 - 82] .

وقال تعالى: {وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (74) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (75) } [يس:74 - 75] .

وقال بعد أن ذكر إهلاك الأمم المشركين: {وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ (101) } [هود:101] .

فهذه أربعة مواضع في القرآن تدل على أن من اتخذ من دون الله وليًّا يتعزز به ويتكبر به ويستنصر به لم يحصل له به إلا ضد مقصوده، وفي القرآن أكثر من ذلك، وهذا من أحسن الأمثال وأدلها على بطلان الشرك وخسارة صاحبه وحصوله على ضد مقصوده» 37.

وقال الألوسي: «وفي الآية إشارة إلى أن من اعتمد على غير الله عزّ وجلّ في أسباب الدنيا والآخرة فهو منقطع عن مراده غير واصل إليه، قال ابن عطاء: من اعتمد شيئًا سوى الله تعالى كان هلاكه في نفس ما اعتمد عليه، ومن اتخذ سواه عزّ وجلّ ظهيرًا قطع عن نفسه سبيل العصمة ورد إلى حوله وقوته» 38.

سابعًا: دابة الأرض (الأرضة) :

ودابة الأرض: الأرضة، وهي الدويبة التي يقال لها السرفة والأرض فعلها، فأضيفت إليه، يقال: أرضت الخشبة أرضًا، إذا أكلتها الأرضة، وهي السوس؛ أي: سوس الخشب، من رتبة الحشرات، وعددها كثير جدًّا؛ لأنه يدخل تحتها أكثر من خمسين ألف نوع، وحياة الإنسان لا تكفي لدراستها جيدًا بمفردها، وهي إحدى الرتب المهمة بسبب تنوع أشكالها ولطافة ألوانها، خصوصًا الخصال والقوى الإلهامية الخاصة بكل نوع، وتقسميها إلى أقسام ثانوية مؤسسة خصوصًا على صفات متخذة من جهازها الفمي وأجنحتها وأربطتها وقرونها وانقلاباتها؛ منها الحشرات ذات الأجنحة الشبكية، والنمل الأبيض ينسب لهذا القسم، ومنها الحشرات ذات المنقار وذات المنقاب؛ أي: الآلة التي تنقب بها هذه الحشرات النباتات لإحداث العفص، ومنها الحشرات ذات الأجنحة القشرية، وأبدان هذه الحشرات لها ستة أرجل، وتقرض أوراق الأشجار والأزهار والجذور والأزرار والحبوب وتحدث إتلافًا، ومنها ما يقرض الجوخ والأقمشة التي من الصوف والفراء، ومنها دودة القز، ومنها الحشرات الجناحية النصف، وهذه الحشرات دودة الصبغ ودودة البلوط والبق وحشرة الملك وسوس الخشب المسمى بالدابة وسوس القمح وجنس القمل والحشرات الماصة كالبرغوث ونحوه، ومنها ما سبق الكلام عليه؛ مثل: النمل والدراريح والنحل وغير ذلك 39.

ذكر القرآن الكريم دابة الأرض في سورة سبأ، قال تعالى: {فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَى مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَنْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ (14) } [سبأ:14] .

لما بين الله تعالى في الآيات السابقة عظمة ملك سليمان عليه السلام وتسخير الريح والرواح له، بين في هذه الآية أنه لم ينج من الموت، وأنه قضى عليه الموت، تنبيهًا للخلق على أن الموت لا بد منه، ولو نجا منه أحد لكان سليمان أولى بالنجاة منه، يقول المفسرون: «إن سليمان عليه السلام كان في محرابه، فأدركه الموت، وهو متكئ على عصاه، واستمر على ذلك، كما قال ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة وغير واحد - مدة طويلة نحوًا من سنة، حتى جاءت الأرضة، وأكلت طرف العصا (المنساة) ، فاختل توازنه، فسقط على الأرض، وتبينت الجن والإنس أيضًا أن الجن لا يعلمون الغيب، كما كانوا يتوهمون ويوهمون الناس ذلك 40.

ذكرت الآية دابة الأرض لإثبات حقيقة أنه لا يعلم الغيب إلا الله.

ثامنًا: الجراد والقمل:

الجراد: هو الحشرة الطائرة من فصيلة الصرصر والخنافس له أجنحة ستة ذات ألوان صفر وحمر تنتشر عند طيرانه، يكون جنودًا كثيرة يسمى الجند منها رجلًا، سمي به لجرده ما على الأرض 41.

القمل: قيل: هو الدبى وهو الصغار من الجراد ولا يسمى جرادًا إلا بعد نبات أجنحته، وقيل: هو القردان جمع القراد المعروف، وقيل: صغار الذر، وقيل: هي الجعلان، وقيل: هي البراغيث، وقيل: هي السوس، وهي الدابة التي تكون في الحنطة وغيرها 42.

من الآيات التي أيد الله تعالى بها موسى عليه السلام: الجراد والقمل.

قال تعالى: {فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) } [الأعراف:133] .

لما بينت الآيات السابقة تمرد قوم فرعون وعتوهم، وعنادهم للحق وإصرارهم على الباطل، بينت هذه الآية أن الله تعالى أرسل عليهم صنوفًا من العذاب، منها الطوفان: وهو ما طاف بهم وغشى أماكنهم وحروثهم من مطر أو سيل فهو اسم جنس من الطواف.

وقيل: إنه في الأصل مصدر، وهو اسم لكل شيء حادث يحيط بالجهات ويعم؛ كالماء الكثير والقتل الذريع والموت الجارف.

وقد اشتهر في طوفان الماء، وقيل: الموت، وقيل: هو الطاعون.

ثم أرسل عليهم الجراد، وهو جند من جنود الله تعالى يسلطه على من يشاء من عباده، فأكل زرعهم وثمارهم وثيابهم وسقوف دورهم، ولم يدخل دور بني إسرائيل، فضجوا إلى موسى وفزعوا لشدة ما حل بهم وأعطوه العهود والمواثيق بأنه إذا كشف عنهم هذا الضر يؤمنون به ويرسلون معه بني إسرائيل، فدعا ربه فكشفه بعد أن دام سبعة أيام، وقبل أن يقضي على البقية الباقية من مواشيهم.

فلما كشف عنهم، قالوا: بقي لدينا ما يكفينا، ما نحن بتاركي ديننا من أجلك، ونكثوا عهودهم، فدعا عليهم فأرسل الله عذابًا سابعًا ذكره بقوله: {وَالْقُمَّلَ} .

فملأ طعامهم وشرابهم وآلمهم بقرحة وأكل منهم شعور رؤسهم وأهدابهم وحواجبهم، ولم يصب بني إسرائيل شيء منه، فاشتد عليهم البلاء أكثر من ذي قبل، فعجوا إلى موسى واستغاثوا به ووثقوا إليه العهود وعظموا له الأيمان بأنه إذا كشف عنهم هذه المرة يؤمنون ولا يعودون إلى الكفر ويرسلون معه بني إسرائيل، وذلك بعد أن دام عليهم سبعة أيام أيضًا، فرق لهم موسى ورحمهم ودعا ربه، فكشف عنهم، فلم يبق منه واحدة، فقالوا: ما كنا نوقن أنه ساحر مثل اليوم! كيف ذهب ما كنا نراه بكلمة واحدة، ونكثوا عهدهم، ونقضوا أيمانهم.

فدعا عليهم، فأرسل عذابًا ثامنًا بينه بقوله: {وَالضَّفَادِعَ} .

وهكذا توالت الآيات حتى بلغت تسعًا، وكلما كشف عنهم عادوا إلى سابق عهدهم من الكفر والضلال.

وسمى الله تعالى هذا العذاب الذي أرسله على بني إسرائيل آيات؛ لأنها دلائل على صدق موسى.

وهي دلائل على غضب الله عليهم؛ لتظافرها عليهم حين صمموا على الكفر والعناد.

و {مُفَصَّلَاتٍ} وصف لـ {آيَاتٍ} ، فيكون مرادًا منه معنى الفصل المجازي وهو إزالة اللبس؛ لأن ذلك هو الأنسب بالآيات والدلائل.

أي: هي آيات لا شبهة في كونها كذلك لمن نظر نظر اعتبار.

وقيل: المراد أنها مفصول بعضها عن بعض في الزمان، أي: لم تحدث كلها في وقت واحد، بل حدث بعضها بعد بعض، وعلى هذا فصيغة التفعيل للدلالة على تراخي المدة بين الواحدة والأخرى، ويجيء على هذا أن العذاب كان أشد وأطول زمنًا، كما دل عليه قوله تعالى: {وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إِلَّا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (48) } [الزخرف:48] .

قيل: كان بين الآية منها والأخرى مدة شهر أو مدة ثمانية أيام، وكانت تدوم الواحدة منها مدة ثمانية أيام وأكثر، وعلى هذا الوجه فالأنسب أن يجعل {مُفَصَّلَاتٍ} حالًا ثانية من الطوفان والجراد، وأن لا يجعل صفة لـ {آيَاتٍ} ، ثم أخبر الله تعالى أن هذه الآيات لم تنفع فيهم وأنها لم تزدهم إلا كبرًا وعتوًّا وبعدًا عن الحق، والفاء في قوله تعالى: {فَاسْتَكْبَرُوا} ، للتفريع والترتيب، أي: فتفرع على إرسال الطوفان وما بعده استكبارهم، كما تفرع على أخذهم بالسنين غرورهم بأن ذلك من شؤم موسى ومن معه.

فعلم أن من طبع تفكيرهم فساد الوضع، وهو انتزاع المدلولات من أضداد أدلتها، وذلك دليل على انغماسهم في الضلالة والخذلان، وبعدهم عن السعادة والتوفيق، فلا يزالون مورطين في وحل الشقاوة.

فالاستكبار: شدة التكبر كما دلت عليه السين والتاء، أي: عد أنفسهم كبراء، أي تعاظمهم عن التصديق بموسى وإبطال دينهم إذ أعرضوا عن التصديق بتلك الآيات المفصلات، وقوله تعالى: {وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ} [الأعراف:133] .

معطوفة على جملة فاستكبروا، فالمعنى: فاستكبروا عن الاعتراف بدلالة تلك الآيات وأجرموا، وإنما صيغ الخبر عن إجرامهم بصيغة الجملة الاسمية للدلالة على ثبات وصف الإجرام فيهم، وتمكنه منهم، ورسوخه فيهم من قبل حدوث الاستكبار، وفي ذلك تنبيه على أن وصف الإجرام الراسخ فيهم هو علة للاستكبار الصادر منهم، فـ (كان) دالة على استمرار الخبر وهو وصف الإجرام، وهذه الآيات التي أرسلها الله تعالى على فرعون وقومه كانت متعلقة بالزرع وآفاته، وهم أهل زرع وضرع من أقدم العصور 43.

-من الأمثال القرآنية التي ذكرت فيها الحشرات ما يأتي:

أولًا: الذباب:

ضرب الله تعالى مثلًا في بيان عجز معبودات المشركين وتفاهتها بالذباب الحقير، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (73) } [الحج:73] .

ضرب الله تعالى المثل في أحقر المخلوقات وأضعفها وأهونها وذلك يناسب من يعبد غير الله في حقارته وسفاهة عقله وذله ومهانته حين رضيت نفسه أن يعبد مخلوقًا مثله، ولم تكن حقارة الذباب مانعة من ضرب المثل، فالحقير يشبه بمثله، وفي هذا المثل الدليل القاطع الذي يثبت بطلان الوثنية، ويقيم الدليل على الوحدانية، فإن الأوثان ومن يتبعونها ولو تضافرت كل القوى معها لا يمكن أن يخلقوا ذبابًا، وهذا المثل وإن لم يأت على طريق التشبيه في الظاهر، فهو متضمن له في المعنى، يقول صاحب الكشاف: «قد سميت الصفة أو القصة الرائعة المتلقاة بالاستحسان والاستغراب مثلًا، تشبيهًا لها ببعض الأمثال المسيرة لكونها مستحسنة مستغربة عندهم» 44.

وفي هذا المثل بيان عجز الأصنام ومن يعبدونها العجز المطلق وقدرته تعالى على كل شيء، ثم يقول تعالى: {ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج:73] .

أي: أن ما طلبته منكم هو ضعيف جدًّا، وتحتقرونه بأعينكم، ومع ذلك فإنكم لا تستطيعون مقابلة هذا التحدي مع ضعفه 45.

والحكمة من ضرب هذا المثل هي: أن الحجة بضرب الأمثال أقرب إلى الأفهام، وبيان ضعف كل ما يعبد من دون الله، وإقامة الحجة على ذلك.

قال ابن القيم: «وهذا المثل من أبلغ ما أنزله الله سبحانه في بطلان الشرك، وتجهيل أهله، وتقبيح عقولهم، والشهادة على أن الشيطان قد تلاعب بهم أعظم من تلاعب الصبيان بالكرة، حيث أعطوا الإلهية التي من بعض لوازمها القدرة على جميع المقدورات والإحاطة بجميع المعلومات والغنى عن جميع المخلوقات، وأن يصعد إلى الرب في جميع الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات وإجابة الدعوات، فأعطوها صورًا وتماثيل يمتنع عليها القدرة على أقل مخلوقات لآلهة الحق وأذلها وأصغرها وأحقرها، ولو اجتمعوا لذلك وتعاونوا عليه» 46.

وقال ابن القيم أيضًا: «فتأمل هذا المثل الذي أمر الناس كلهم باستماعه فمن لم يستمعه فقد عصى أمره كيف تضمن إبطال الشرك وأسبابه بأصح برهان في أوجز عبارة وأحسنها وأحلاها، وأسجل على جميع آلهة المشركين أنهم لو اجتمعوا كلهم في صعيد واحد وساعد بعضهم بعضًا وعاونه بأبلغ المعاونة لعجزوا عن خلق ذباب واحد، ثم بين ضعفهم وعجزهم عن استنقاذ ما يسلبهم الذباب إياه حين يسقط عليهم، فأي إله أضعف من هذا الإله المطلوب ومن عابده الطالب نفعه وخيره، فهل قدر القوي العزيز حق قدره من أشرك معه آلهة هذا شأنها، فأقام سبحانه حجة التوحيد وبين إفك أهل الشرك والإلحاد بأعذب ألفاظ وأحسنها لم يستكرهها غموض ولم يشنها تطويل ولم يعبها تقصير ولم تزر بها زيادة ولا نقص، بل بلغت في الحسن والفصاحة والبيان والإيجاز مالا يتوهم متوهم ولا يظن ظان أن يكون أبلغ في معناها منها وتحتها من المعنى الجليل القدر العظيم الشرف البالغ في النفع ما هو أجل من الألفاظ» 47.

ثانيًا: البعوض:

ومن الأمثال التي ذكرها الله تعالى في القرآن قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (26) } [البقرة:26] .

بَيَّنَ الله تعالى في هذه الآية أنّ ما استنكره الجهلة والسفهاء وأهل العناد والمراء من الكفار، واستغربوه من أن تكون المحقرات من الأشياء مضروبًا بها المثل، ليس بموضع للاستنكار والاستغراب، من قبل أنّ التمثيل إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب، وإدناء المتوهم من المشاهد.

فإن كان المتمثل له عظيمًا كان المتمثل به مثله، وإن كان حقيرًا كان المتمثل به كذلك، فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل إذًا إلا أمرًا تستدعيه حال المتمثل له وتستجرّه إلى نفسها، فيعمل الضارب للمثل على حسب تلك القضية، ألا ترى إلى الحق لما كان واضحًا جليًّا أبلج، كيف تمثل له بالضياء والنور؟ وإلى الباطل لما كان بضد صفته، كيف تمثل له بالظلمة؟ 48.

قال ابن القيم: عند تفسير قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة:26] ، قال: «وهذا جواب اعتراض اعترض به الكفار على القرآن، وقالوا: إن الرب أعظم من أن يذكر الذباب والعنكبوت ونحوها من الحيوانات الخسيسة، فلو كان ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم كلام الله لم يذكر فيه الحيوانات الخسيسة، فأجابهم الله تعالى بأن قال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا} [البقرة:26] .

فإن ضرب الأمثال بالبعوضة فما فوقها إذا تضمن تحقيق الحق وإيضاحه وإبطال الباطل وإدحاضه كان من أحسن الأشياء والحسن لا يستحيا منه، فهذا جواب الاعتراض، فكأن معترضًا اعترض على هذا الجواب أو طلب حكمة ذلك.

فأخبر تعالى عما له في ضرب تلك الأمثال من الحكمة، وهي إضلال من شاء وهداية من شاء، ثم كأن سائلًا سأل عن حكمة الإضلال لمن يضله بذلك، فأخبر تعالى عن حكمته وعدله وأنه إنما يضل به الفاسقين: {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (27) } [البقرة:27] .

فكانت أعمالهم هذه القبيحة التي ارتكبوها سببًا لأن أضلهم وأعماهم عن الهدى» 49.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت