فهرس الكتاب

الصفحة 1796 من 2431

كل معصية لله فهي من خطوات الشيطان، وخطوات الشيطان هي نزغات الشيطان، فالشيطان يدعو البشر إلى الانغماس في الشهوات وعمل المنكرات والوقوع في الفحشاء، والخطوات التي يقع فيها البشر كثيرة، وقد توعد الشيطان الإنسان بأن يفسد عليه إيمانه وطاعته لله، ليس فقط على سبيل الخطايا وحدها، أو السبل وحدها، بل هو تعبير لما يريده الشيطان من الإنسان منذ تكليفه إلى حين خروج الروح من الجسد، فالشيطان يسلب الإنسان دينه من حيث لا يدري لا يكاد المرء يميز بين مراحله كحال الخطوة التي تتبعها الخطوة، وطريق الشيطان يبدأ بالوسوسة، فتسول له نفسه، أو التزيين بالتحسين تارة أخرى غير ذلك، ثم تتوالى الخطوات حتى يتم الزلل؛ فيقع الإنسان في المعصية، وهذا ما يتضح من خلال السياق القرآني، فالله يبين أن تلك الخطوات إنما هي أوامر شر وفحش وسوء، ولذا جاء النهي عن اتباع خطوات الشيطان.

وقال تعالى: (? يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ? وَمَن يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ ? وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى? مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَ?كِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاءُ ? وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(21 ) ) [النور:21] .

يأمر الله تعالى المؤمنين بألا يتبعوا خطوات الشيطان، وما يأمر به أولياءه، والشيطان إنما يأمر أولياءه بفعل الفاحشة وإشاعتها وارتكاب المنكرات، فمن اتبع خطوات الشيطان جره إلى ارتكاب هذه الموبقات.

أما خطوات الشيطان، فقيل: آثاره. وقيل: عمله. وقيل: طرقه التي يدعوهم إليها. وقال قتادة والسدي: «كل معصية لله، فهي من خطوات الشيطان» 59.

وقال ابن عطية: «وكل ما عدا السنن والشرائع من البدع والمعاصي فهي خطوات الشيطان» 60.

واتباع خطوات الشيطان إنما يقصد بها اتباع ما يصد عن سبيل الله، وقد تكرر النهي في القرآن الكريم عن اتباع خطوات الشيطان، ولم يقل: لا تتبعوا الشيطان. وجاء ذكر خطوات الشيطان في أربعة مواضع، كلها بصيغة النهي عن اتباعها، وهذه المواضع:

ذكر خطوات الشيطان في موضعين:

-في سياق ذكر الطعام، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ? إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ [البقرة:168] .

-القول على الله بلا علم، وهذا يكون بالخوض في الشريعة وأحكامها بجهل كما يقع في ذلك كثير من الناس الذين يبيحون المحرمات، ويسقطون الواجبات، وينتهكون حمى الشريعة، ويهونون أحكامها لدى العامة بما يستحسنونه من آرائهم وأفكارهم.

ومنهم من يفتون الناس بغير علم، ووجه دخوله في القول على الله بلا علم؛ لأنه لو علم عظمة الله لما اجترأ على انتهاك شريعته، وقال تعالى: {كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (142) } [الأنعام:142] .

وخطوات الشيطان مع الإنسان فيما يتعلق بالطعام لها مسلكان: تحريم حلال، أو إباحة حرام.

إذ يزين الكسب المحرم بحيث يصير ما يشترى به الطعام مالا حرامًا، وقد يكون الدافع للكسب الحرام خوف الفقر والجوع، وهذا هاجس من الشيطان، وعلى أن خطوات الشيطان لا تقتصر على إباحة المحرم فقط، بل تكون كذلك في تحريم الحلال من الطعام أو غيره. «وعن مسروق قال: أتى عبد الله بن مسعود بضرع وملح، فجعل يأكل، فاعتزل رجل من القوم، فقال ابن مسعود: ناولوا صاحبكم. فقال: لا أريده. فقال: أصائم أنت؟ قال: لا. قال: فما شأنك؟ قال: حرمت أن آكل ضرعًا أبدًا. فقال ابن مسعود: هذا من خطوات الشيطان، فأطعم وكفر عن يمينك» 61.

وجاء ذكر خطوات الشيطان في سياق الأمر بأخذ شرائع الإسلام كلها، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} [البقرة:208] .

فمن اتبع خطوات الشيطان في الترخيص للناس وإرضائهم بغير حق، فإنه ينتهي به المطاف إلى إباحة المحرمات وإسقاط الواجبات؛ لأن الله لما أمر بالدخول في الإسلام كافة وأخذ الشرائع كلها، نهى عن اتباع خطوات الشيطان؛ لأن الشيطان يصد الناس عن الأخذ بالشرائع كلها.

وجاء ذكر خطوات الشيطان في سياق النهي عن الفواحش، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} [النور:21] .

وجاء ذكر خطوات الشيطان في سياق النهي عن الفواحش، وهي طريقة الشيطان في استدراج الإنسان إلى المعاصي بأخذهم إليها شيئا فشيئا، حتى يقعوا في الفاحشة؛ لذا حذرنا الله من اتباع خطوات الشيطان باختلاق الذرائع إلى الفواحش والمنكرات التي يأمر بها الشيطان.

قال ابن عاشور: «ومن يتبع خطوات الشيطان يفعل الفحشاء والمنكر؛ لأن الشيطان يأمر الناس بالفحشاء والمنكر، أي: بفعلهما، فمن يتبع خطوات الشيطان يقع في الفحشاء والمنكر؛ لأنه من أفراد العموم، والفحشاء كل فعل أو قول قبيح» 62.

والشيطان في تحقيق عداوته للإنسان يسلك بخطواته كل طريق للإغواء، ويأتي الإنسان من كل مكان.

لذا كان واجبا على الإنسان أن يجعل الشيطان عدوا له، فلا يستسلم لوساوسه؛ لئلا يقوده إلى المحرمات.

ثالثًا: اتباع الهوى:

إن المتأمل لآيات القرآن الكريم يجد أن الله تعالى قد حذرنا من هوى النفس، فنهى عن اتباعه، وبين خطورته على الفرد والمجتمع؛ لأن اتباعه في غير طاعة الله إثم عظيم، وآفة تتطلب اليقظة والحذر، ومن ثم فإنه إذا تمكن الهوى من النفس حملها بما تهوى، وجعل الشهوة قائدها إلى كل شر ورذيلة، وينهاها عن كل خير وفضيلة، فهوى النفس يزين للشخصية المريضة المنكر، ويجمل لها الباطل، ويقلب لها المعروف منكرًا، والمنكر معروفًا؛ فترى صاحب الهوى يتبع هوى نفسه، فهي الآمرة بالشر الناهية عن الخير.

وقد حرص الإسلام على تخويف النفس من الله، فلا يعصيه من خلال منع النفس عن هواها.

قال تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (40) } [النازعات:40] .

«قال ابن عباس: المعنى خافه عند المعصية؛ فتنهى عنها و (الهوى) شهوات النفس وما جرى مجراها، وأكثر استعماله إنما هو في الشهوات» 63.

وقال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (43) } [الفرقان:43] .

«قوله: {اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} معناه: جعل هواه مطاعًا فصار كالإله، والهوى قائد إلى كل فساد؛ لأن النفس أمارة بالسوء، وإنما الصلاح إذا ائتمرت للعقل، وقال ابن عباس: الهوى يعبد من دون الله» 64.

وقال تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف:28] .

قال ابن عطية: «قوله تعالى: {أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ} جعلناه غافلا، وقيل: من ظننا غافلين عنه، و (الفرط) يحتمل أن يكون بمعنى التفريط والتضييع، أي: أمره الذي يجب أن يلتزم، ويحتمل أن يكون بمعنى الإفراط والإسراف» 65.

وقال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ} [الأعراف:176] .

قال ابن عطية: «قوله تعالى: {أَخْلَدَ} معناه لازم وتقاعس وثبت، وقوله: {إِلَى الْأَرْضِ} يحتمل أن يراد إلى شهواتها ولذاتها وما فيها من الملاذ، ويحتمل أن يراد بها العبارة عن الأسفل والأخس، قوله تعالى: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ} قال الجمهور: إنما شبه به في أنه كان ضالا قبل أن يؤتى الآيات ثم أوتيها فكان أيضا ضالا لم تنفعه، فهو كالكلب في أنه لا يفارق اللهث في حال حمل عليه، وتحرير المعنى فالشيء الذي تتصوره النفس من حاله هو كالذي تتصور من حال الكلب» 66.

فالحيرة والتخبط من أهم صفات هوى النفس في القرآن الكريم، وقد حذرنا الإسلام من اتباع هوى النفس.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة:105] .

قال ابن عطية: «وجملة ما عليه أهل العلم في هذا: الأمر بالمعروف متعين متى رجي قبول أو رجي رد الظالم ولو بعنف، ما لم يخف المرء ضررا يلحقه في خاصيته، أو فتنة يدخلها على المسلمين، إما بشق عصا الطاعة وإما بضرر يلحق طائفة من الناس، فإذا خيف هذا فعليكم أنفسكم، محكم واجب يوقف عنده» 67.

لذا فالعاقل من علم ما أعد الله تعالى من الثواب لمن نهى النفس عن الهوى واستحضر عاقبة اتباع الهوى.

رابعًا: التقليد:

يقع كثير من الناس في المعصية ويرتكبون الفواحش بسبب التقليد الأعمى، أو التقليد عن جهل بالأمور، فقد يرتكب المرء الفاحشة رغبة في تقليد أصحاب السوء، فيكون في هذه الحالة إمعة لا رأي له، ولعل هذا ما نهينا عنه، وقد يكون التقليد لأسباب عقائدية، أو لعدم الرغبة في الدخول في دين الله وإنكارهم له.

قال تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (169) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) } [البقرة:168 - 170] .

فقوله تعالى: {وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ} نهي للمشركين المتلبسين بالمنهي عنه، وأما المؤمنون فتحذير وموعظة، واتباع الخطوات يراد به اتباع ذلك المسلك منه، فجعل المقتدي الذي لا دليل له سوى المقتدى به وهو يظن مسلكه مؤديا للصواب كالذي يتبع خطوات المقتدى به، والاقتداء بالشيطان خضوع النفس للعمل بما يوسوسه لها من الخواطر المؤذية لاتباعها، ولم يردعها بما له من الإرادة والعزيمة التي وهبها الله له، ولذلك أودع الله فينا العقل والإرادة.

وقوله: {إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ} أي: إنه لا يأمركم إلا بالسوء، أي: يحسن لكم ما فيه مضرتكم؛ لأن عداوته أمر خفي عرفناه من آثار أفعاله، والأمر في الآية للتعبير عن وسوسة الشيطان، وفي تلقيهم ما يوسوس لهم بأنهم لا إرادة لهم ولا يملكون أمرًا.

وقوله تعالى: {وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} يشير إلى ما اختلقه المشركون وأهل الضلال من نسبة أشياء ما أمر الله بها، وسمي (الفحشاء) لاشتماله على أكبر الكبائر، وهو الشرك والافتراء على الله.

وقوله تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (170) } [البقرة:170] .

فإن المقصود بالخطاب في ذلك هم المشركون؛ فإنهم الذين ائتمروا لأمره بالسوء والفحشاء، وخاصة بأن يقولوا على الله ما لا يعلمون، وفي هذه الآية زيادة تفظيع لحال أهل الشرك، فبعد أن أثبت لهم اتباعهم خطوات الشيطان فيما حرموا على أنفسهم من الطيبات أعقب ذلك بذكر إعراضهم عمن يدعوهم إلى اتباع ما أنزل الله، وتشبثوا بعدم مخالفتهم ما ألفوا عليه آباءهم، وأعرضوا عن الدعوة دون تأمل ولا تدبر، وبدون حجة إلا بأنه مخالف لما ألفوا عليه آباءهم، ما وجدوهم عليه من أمور الشرك، كما قالوا في قوله تعالى: {قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف:22] .

قال ابن عطية: {عَلَى أُمَّةٍ} وهي بمعنى الملة والديانة، والآية على هذا تعيب عليهم التقليد، وقرأ مجاهد {عَلَى أُمَّةٍ} أي: على نعمة؛ فالآية على هذا استمرار في احتجاجهم؛ لأنهم يقولون: وجدنا آباءنا في نعمة من الله، وهم يعبدون الأصنام، فذلك دليل رضا الله عنهم، وكذلك اهتدينا نحن بذلك {عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} 68.

وقوله تعالى: {أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ} إنما هو للرد على قولهم: {نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا} ويقصد منه الرد ثم التعجيب والتخطئة، هذه الآية ذم للذين أبوا أن يتبعوا ما أنزل الله وأصروا على تقليد العصاة، وقوله تعالى: {وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [الأعراف:28] .

والتقليد الذي يرفضه الإسلام هو التقليد الذي يمارسه الإنسان بدون تفكير، وهذه الآية لإبطال التقليد الذي تعيبه على المشركين هو تقليدهم من ليسوا أهلًا لأن يقلدوا؛ لأنهم لا يرتفعون عن رتبة مقلديهم إلا بأنهم أقدم جيلًا وأنهم آباؤهم، ولأن التقليد الذي رفضه الإسلام عليهم هو تقليد في أعمال الفساد، والتقليد في الفساد يستوي فيه التابع والمتبوع، وقد رد الله عملهم تلك الفواحش للضلال والغرور واتباع الشياطين أوليائهم من أئمة الكفر، فإن قولهم: {وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا} دعوى باطلة؛ إذ لم يبلغهم الله بها.

خامسًا: الاقتراب من دواعي الفواحش:

لاشك أن لكل جريمة أسبابها ودوافعها المؤدية إليها، وحتى يأمن المجتمع وقوع أي فاحشة فلا بد أن يسعى جادا إلى منع الأسباب المؤدية إليها؛ لأنه متى وجدت الأسباب والدوافع وجدت النتيجة، لذا جاء الإسلام بالقول الفصل بالبعد عن تلك الأسباب والدوافع التي تؤدي إلى كل شر وتدفع للهاوية.

قال تعالى: {وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} [الأنعام:151] .

قال ابن عطية: «نهي عام عن جميع أنواع الفواحش، وهي المعاصي و (ظهر وبطن) حالتان تستوفيان أقسام ما جعلت له من الأشياء» 69.

والنهي عن مجرد الاقتراب يحمل في طياته دلالة؛ لأنه لا يوجد حكم شرعي في كتاب الله أو السنة إلا وله حكمة مقصودة منه، وأحكام الشرع تجلب المصالح، دنيوية أو أخروية، وتدرأ المفاسد بكل أنواعها؛ لأن الفواحش معاص يستحى منها؛ لأنها تشمل الإباحية، والانحلال الخلقي، والزنا، وخيانة الأمانة، والمال الحرام، والسرقة، هذه كلها فواحش، إذا انتشر خبرها كان فضيحة، لذا كان النهي عن الاقتراب منها، فلا تقربوا الظاهر من الأشياء المحرمة عليكم، فـ (ما ظهر) هي الأمور العلانية بين الناس، والباطن منها ما كان بين الإنسان وربه، وهي الأمور التي تأتونها سرا في خفاء لا تجاهرون بها، فإن كل ذلك حرام لأن النهي من الله جاء عن ظاهر كل فاحشة وباطنها، والفواحش الباطنة كبائر القلوب تقترف في السر، والفاحشة الظاهرة ما تقترفه الجوارح، العين تزني، وزناها النظر، الأذن تزني، وزناها سماع ما لا يحل لك سماعه، اليد ترتكب فاحشة باللمس أو الضرب، والرجل ترتكب فاحشة بالسير إلى المحرمات، واللسان يرتكب فاحشة بذكر العورات والخوض في الأعراض، وجاء في الحديث: عن أبي هريرة رضي الله عنه، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا أدرك ذلك لا محالة، فزنا العينين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه) 70.

لقد أعطى الإسلام الجانب الأخلاقي والسلوكي للمسلم الأهمية القصوى، إذ غرس معاني الخير والفضيلة والإيمان والتقوى في نفوس المسلم؛ لأن هذه المعاني تدفع نحو كل خير، وتمنع كل شر، وتجعل المؤمن مراقبا لله في السر والعلن، وتصقل الإنسان بأخلاق الإسلام وآدابه وأحكامه وتعاليمه.

قال تعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ (138) } [البقرة:138] .

إن المنهج الإسلامي فيه وقاية من الفواحش والرذائل، وجعل للمحافظة على المجتمع الإسلامي؛ ليكون طاهرا نقيا عفيفا يتحلى بالفضائل منهجا وسلوكا وتعاملا، وليتخلى عن الرذائل في مناحي الحياة كافة.

وقد جاءت رسالة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم؛ لتتم مكارم الأخلاق؛ ولهذا اهتم الإسلام بجملة من التدابير الواقية من الفواحش بنوعيها: القولية والفعلية، فجعل من صفات عباد الرحمن أنهم لا يقترفون فاحشة الزنا.

قال تعالى: {وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (68) } [الفرقان:68] .

وتتعدد وسائل الوقاية من الفواحش التي بينها الله تعالى في القرآن الكريم ووضع الضوابط التي ينبغي علينا التمسك بها، فجعل من بينها إقامة الحدود؛ لأن الإنسان إذا ما علم أنه إذا ما أجرم في حق الناس وأيقن أن المجتمع سيقيم عليه الحد فإنه سيفكر كثيرا قبل الإقدام على المعصية.

قال تعالى: {قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ} [الأنعام:151] .

وقد زودنا الله تعالى بعدد من النواهي، فنهانا عن مجرد الاقتراب من كل ما من شأنه أن يوقعنا في المعصية الموجبة للحد.

لعل أول الوسائل الوقائية من الوقوع في الفواحش التربية الإيمانية التي تدفع المؤمن إلى فعل الطاعات وترك المعاصي وتقيه من المعصية، وإذا ما وقع في الذنب بادر إلى التوبة بالندم على فعله والإقلاع عنه والعزم على عدم العودة للذنب مرة أخرى، ليحقق قوله تعالى: (وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى? مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ [آل عمران:135] .

إذ من صفات المؤمنين أنهم إذا صدر منهم ذنب أتبعوه بالتوبة والاستغفار، وفي الآية دلالة على أن الاستغفار من الذنب ينفع العاصين، فعن أنس رضي الله عنه قال: جاء رجل فقال: يا رسول الله، أذنبت ذنبًا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا أذنبت فاستغفر ربك) ، قال: فإني أستغفر، ثم أعود فأذنب. قال: (فإذا أذنبت فعد فاستغفر ربك) فقالها في الرابعة، فقال: (استغفر ربك حتى يكون الشيطان هو المحسور) 71.

وقوله: (مَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ) أي: لا يغفرها أحد سواه، وقوله: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى? مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أي: تابوا من ذنوبهم، ورجعوا إلى الله عن قريب، ولم يستمروا على المعصية ويصروا عليها، ولو تكرر منهم الذنب تابوا عنه 72.

وعن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة) 73.

وفي الحديث القدسي: عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم فيما يحكي عن ربه عز وجل قال: (أذنب عبد ذنبًا فقال: اللهم اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب، اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، ثم عاد فأذنب فقال: أي رب، اغفر لي ذنبي. فقال تبارك وتعالى: أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًّا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب، اعمل ما شئت فقد غفرت لك. قال عبد الأعلى: لا أدري أقال في الثالثة أو الرابعة: اعمل ما شئت) 74.

في الحديث دليل على صحة التوبة بعد نقضها بمعاودة الذنب؛ لأن التوبة الأولى طاعة، وقد انقضت وصحت، وهو محتاج بعد مواقعة الذنب الثاني إلى توبة أخرى مستأنفة، والعود إلى الذنب وإن كان أقبح من ابتدائه؛ لأنه أضاف إلى الذنب نقض التوبة، فالعود إلى التوبة أحسن من ابتدائها؛ لأنه أضاف إليها ملازمة الإلحاح بباب الكريم، وإنه لا غافر للذنوب سواه سبحانه وتعالى.

وفي الحديث عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم) 75.

وهذا يدل على أن باب التوبة مفتوح أمام الناس كافة، ومن ثم يستطيع الإنسان أن يتوب إلى الله.

وقال تعالى: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ ? قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ ? إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ ? إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ ?) [يوسف:23] .

فحسن إيمان يوسف عليه السلام منعه من الوقوع في الفاحشة التي حاولتها التي هو في بيتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت