فهرس الكتاب

الصفحة 946 من 2431

قال الله تعالى: (چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ?) [التوبة:24] .

قال القاضي عياض: «فكفى بهذا حضًّا وتنبيهًا ودلالة وحجة على إلزام محبته، ووجوب فرضها، وعظم خطرها، واستحقاقه لها صلى الله عليه وسلم، إذ قرع تعالى من كان ماله وأهله وولده أحب إليه من الله ورسوله وأوعدهم بقوله تعالى: (گ گ گ گ ?) ثم فسقهم بتمام الآية وأعلمهم أنهم ممن ضل ولم يهده الله 38.

6.حرمة التقدم على النبي صلى الله عليه وسلم ورفع الصوت عليه.

من حقوق النبي صلى الله عليه وسلم التي وردت في القرآن حرمة رفع الصوت أمامه عليه السلام؛ وذلك امتثالًا لقول الله تعالى: (ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ? ? ? ? ?) [الأحزاب:1 - 5] .

والنهي عن التقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد في معناه أقوال:

الأول: أن ناسًا كانوا يقولون: لو أنزل فيّ كذا، لو أنزل فيّ كذا، فنزلت هذه الآية، قاله قتادة.

الثاني: أنهم نهوا أن يتكلموا بين يدي كلامه، قاله ابن عباس.

الثالث: معناه ألا يقتاتوا على الله ورسوله، حتى يقضي الله على لسان رسوله، قاله مجاهد.

الرابع: أنها نزلت في قوم ضحوا قبل أن يصلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأمرهم أن يعيدوا الذبح، قاله الحسن.

الخامس: لا تقدموا أعمال الطاعات قبل وقتها الذي أمر به الله تعالى ورسوله، قاله الزجاج 39.

والنهي عن رفع الصوت في الآية قيل: المراد به رفع الصوت أو الجهر به أمام النبي عليه الصلاة والسلام، وقيل: رفع الصوت عند منبره يوم الجمعة، وقيل: المراد داعؤه بإسمه فقط 40.

وأيًّا كان المقصود بالتقدم على النبي صلى الله عليه وسلم أو رفع الصوت عليه، فإن هذا يتنافى مع مكانة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يتفق مع مكارم الأخلاق، ونحن مأمورن بتعظيم شأن النبي وتقديره حق قدره.

وفي سبب نزول مقدمة سورة الحجرات روايات عدة كلها في الصحيح.

الأولى: ما رواه ابن أبى مليكة قال: كاد الخيّران أن يهلكا - أبا بكرٍ وعمر رضي الله عنهما رفعا أصواتهما عند النّبيّ صلى الله عليه وسلم حين قدم عليه ركب بني تميمٍ، فأشار أحدهما بالأقرع بن حابسٍ أخي بني مجاشعٍ، وأشار الآخر برجلٍ آخر -قال نافعٌ لا أحفظ اسمه- فقال أبو بكرٍ لعمر: ما أردت إلاّ خلافي، قال: ما أردت خلافك. فارتفعت أصواتهما في ذلك، فأنزل اللّه (? ? ? ? ? ?) الآية. قال ابن الزّبير: فما كان عمر يسمع رسول اللّه صلى الله عليه وسلم بعد هذه الآية حتّى يستفهمه. ولم يذكر ذلك عن أبيه، يعني: أبا بكرٍ 41.

الثاني: أخرجه مسلم عن أنس بن مالكٍ أنّه قال: لمّا نزلت هذه الآية (? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ) إلى آخر الآية، جلس ثابت بن قيسٍ في بيته وقال: أنا من أهل النّار. واحتبس عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم، فسأل النّبيّ صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذٍ فقال: (يا أبا عمرٍو ما شأن ثابتٍ أشتكى) . قال سعدٌ: إنّه لجاري وما علمت له بشكوى. قال: فأتاه سعدٌ فذكر له قول رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فقال ثابتٌ: أنزلت هذه الآية ولقد علمتم أنّي من أرفعكم صوتًا على رسول اللّه صلى الله عليه وسلم، فأنا من أهل النّار. فذكر ذلك سعدٌ للنّبيّ صلى الله عليه وسلم، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (بل هو من أهل الجنّة) 42.

وذكر الواحدي أن قوله تعالى: (ک گ گ گ گ ?) نزلت في خلاف سيدنا أبي بكر وعمر، والنهي عن رفع الصوت نزلت في ثابت بن قيس بن شماس كان في أذنه وقر وكان جهوري الصوت وكان إذا كلم إنسانًا جهر بصوته فربما كان يكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم فيتأذى بصوته، فأنزل الله تعالى هذه الآية 43.

ثانيًا: حقوق الوالدين:

من أعظم الحقوق على الإنسان بعد حق الله عز وجل حقوق الوالدين، حيث إن فضلهما كبير، ومنزلتهما عظيمة، ولهذا استحقا أن يقرن الله عز وجل شكرهما بشكر الله تعالى، وتعددت آيات القرآن الكريم التي توصي بالوالدين، وكذا نصوص السنة النبوية لا سيما بالأم. وأورد من ذلك ما يلي:

1.حق الإحسان إلى الوالدين مقترن بعبادة الله تعالى.

وهذا ما وردت به آيات عديدة، منها قول الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة:83] .

ويلحظ في الآية أن الوصية بالوالدين أمر معروف في كل الشرائع السماوية، وليس في الشريعة الإسلامية فقط.

ومنها: قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام:151] .

ومنها: قوله جل شأنه: (? ? ? ? ? ? ? ںں) [الإسراء:23] .

وبتدبر تلك الآيات الكريمة نجد أن الوصية بالإحسان للوالدين جاءت عقب الأمر بالتوحيد والنهي عن الشرك، مما يدل على عظم منزلة الوالدين وفضلهما عند الله تعالى.

قال الجصاص: «يدل على تأكيد حق الوالدين ووجوب الإحسان إليهما كافرين كانا أو مؤمنين؛ لأنه قرنه إلى الأمر بعبادته تعالى» 44.

وقال في موضع آخر: «فقرن تعالى ذكره إلزام بر الوالدين بعبادته وتوحيده وأمر به كما أمر بهما كما قرن شكرهما بشكره في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ?) وكفى بذلك دلالة على تعظيم حقهما ووجوب برهما والإحسان إليهما» 45.

وفي طائفة آخرى من الآيات جاء النص بالإخبار في صورة أمر كما في قول الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [العنكبوت:8] .

وقال تعالى: (? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ) [الأحقاف:15] .

وهنا جاء الأمر بالإحسان مقرونًا ببيان فضل الأم وما لاقته من عنت ومشقة في الحمل والولادة والرضاع.

وفسّر الإحسان بأنه تأدية حقوقهما ومجانبة عقوقهما والمحافظة على برهما 46.

ونكر لفظ الإحسان وجاء منونًا لمعان ذكرها بعض المفسرين، منها ما ذكره الألوسي من أن التنوين للتفخيم 47.

قال ابن العربي: «بر الوالدين ركن من أركان الدين في المفروضات، وبرهما يكون في الأقوال والأعمال؛ فأما في الأقوال فكما قال الله تعالى: (ہ ہ ہ ھ ھ ھ) [الإسراء:23] . فإن لها حق الرحم المطلقة، وحق القرابة الخاصة؛ إذ أنت جزء منه، وهو أصلك الذي أوجدك، وهو القائم بك حال ضعفك وعجزك عن نفسك» 48.

هذا والإحسان إلى الوالدين فيه جوانب مادية؛ كالإنفاق عليهما من ماله، وجوانب معنوبة؛ كالبر والطاعة وحسن معاملتهما، على تفصيل مبسوط في كتب الفقه وكتب السنة وغير ذلك.

2.طاعة الوالدين فيما لا يخالف شرع الله.

أمر الله تعالى الأبناء بطاعة الوالدين، مع اشتراط أن لا تكون تلك الطاعة مخالفة لشرع الله تعالى، أو متضمنة الأمر بالشرك ونحوه كما نصت عليه الآيات في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [العنكبوت:8] .

وروى مسلم عن مصعب بن سعدٍ عن أبيه أنّه نزلت فيه آياتٌ من القرآن، قال: حلفت أمّ سعدٍ أن لا تكلّمه أبدًا حتّى يكفر بدينه ولا تأكل ولا تشرب. قالت: زعمت أنّ اللّه وصّاك بوالديك وأنا أمّك وأنا آمرك بهذا. قال: مكثت ثلاثًا حتّى غشى عليها من الجهد فقام ابنٌ لها يقال له عمارة فسقاها فجعلت تدعو على سعدٍ، فأنزل اللّه عزّ وجلّ في القرآن هذه الآية (? ? ? ) (ژ ژ ڑ ڑ) وفيها (? ? ? ) ... الحديث 49.

وكما في قوله جل شأنه: (? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گگ ? ? ? ? ? ? ں ں? ? ? ? ? ? ہ ہ) [لقمان:14 - 15] .

ومن أروع الأمثلة في الطاعة طاعة نبي الله إسماعيل عليه السلام لأبيه الخليل إبراهيم عليه السلام في قصة الذبح.

قال الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الصافات:102] .

3.عدم إيذائهما أو التأفف منهما.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ) [الإسراء:23] .

وهنا عبرت الآية بلفظ (أف) ونهي الإنسان عن قولها لوالديه أو لأحدهما، ومن معاني هذه الكلمة والمقصود منها لدى المفسرين ما قاله قتادة أنها «الكلام الرديء، كأن تقول: اللهم أرحني منهما، أو تغلظ عليهما في القول عند كبرهما، ومعالجتك إياهما وعند إماطة القذر عنهما» ، وروي نحوه عن مجاهد 50.

وقيل: المقصود بها أنه استقذار الشيء وتغير الرائحة.

وقيل: إنها كلمة تدل على التبرم والضجر، خرجت مخرج الأصوات المحكية، والعرب أف وتف، فالأف وسخ الأظفار، والتّف ما رفعته من الأرض بيدك من شيء حقير، وحكى الجصاص أن هذا دلالة على تحريم ما فوق هذه الكلمة من نحو الضرب والشتم 51.

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحقاف:16 - 18] .

4.إلانة القول لهما وخفض الجناح.

قال الله تعالى: (ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ?) [الإسراء:23 - 24] .

أمر الله تعالى الأبناء بإلانة القول للوالدين وحسن اختيار الكلام معهما، وخفض الجناح بمعنى التذلل لهما وعدم الترفع عليهما أو التكبر، فاستعار للذل جناحًا، وأضافه إليه؛ مبالغة؛ فإنّ الطير إذا تذلل أرخى جناحه إلى الأرض، كذلك الولد، ينبغي أن يخضع لأبويه، ويلين جانبه، ويتذلل لهما غاية جهده، وقيل المراد: حسن التدبير لأمورهما وكفالتهما ورعايتهما 52.

5.الدعاء لهما في حياتهما وبعد وفاتهما.

من حقوق الوالدين على الأبناء الدعاء لهما، سواء كانا حيين أو ميتين 53، كما قال الله تعالى: (? ? ? ? ? ?) [الإسراء:24] .

وهذا الدعاء للمؤمنين فقط، كما قال الجصاص: «فيه الأمر بالدعاء لهما بالرحمة والمغفرة إذا كانا مسلمين؛ لأنه قال في موضع آخر: (? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ?) فعلمنا أن مراده بالدعاء للوالدين خاص في المؤمنين» 54.

ثالثًا: حقوق الأقارب:

الأقارب أنواع، منهم الأصول، كالآباء والأجداد، ومنهم الفروع كالأبناء وأبناء الأبناء والبنات، ومنهم الحواشي كالإخوة والأخوات، وهناك ذوو الأرحام، وكل هؤلاء قرابة المرء، لهم عليه حقوق، بعضها فرض، وبعضها مستحب، وقد ورد ذكر ذوي القربى في مواضع عدة من كتاب الله تعالى مبينًا فيها حقوقهم والوصية بهم ماديًّا ومعنويًّا، ومن هذه الحقوق ما يلي:

1.الإنفاق عليهم.

قال تعالى: (? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ?) [البقرة:177] .

قال الماوردي: «يريد قرابة الرجل من طرفيه من قبل أبويه، فإن كان ذلك محمولًا على الزكاة، روعي فيهم شرطان: أحدهما: الفقر، والثاني: سقوط النفقة، وإن كان ذلك محمولًا على التطوع لم يعتبر واحد منهما، وجاز مع الغنى والفقر، ووجوب النفقة وسقوطها؛ لأن فيهم مع الغنى صلة رحم مبرور» 55.

وقال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 215] .

2.الإحسان إليهم والمراد به صلتهم، والبر بهم 56.

وقد ورد الأمر بالإحسان لذوي القربى في آيات، منها قوله تعالى: (? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء:36] .

ومن لطائف الآية ما ذكره الرازي «اعلم أن الوالدين من الأقارب أيضًا، إلا أن قرابة الولاد لما كانت مخصوصة بكونها أقرب القرابات وكانت مخصوصة بخواص لا تحصل في غيرها، لا جرم ميزها الله تعالى في الذكر عن سائر الأنواع، فذكر في هذه الآية قرابة الولاد، ثم أتبعها بقرابة الرحم» 57.

ومنها: قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 83] .

3.إيفاؤهم حقهم.

أمر القرآن الكريم بإيفاء ذوي القربى حقوقهم من البر والصلة والعون والنصرة، وذلك في غير موضع، منها قول الله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الإسراء: 26] .

وقوله جل وعلا: (? ? ? ? ? ں ں? ? ? ? ? ? ہہ ہ ہ ھ) [الروم: 38] .

وفي هذا المعنى روي عن قتادة في قوله تعالى (? ? ? ?) قال: «إذا كان لك ذو قرابة فلم تصله بمالك ولم تمش إليه برجلك فقد قطعته» 58.

4.جعل نصيب لهم عند حضور القسمة.

قال الله تعالى: (ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء: 8] .

عن عكرمة: (ٹ ٹ ٹ ٹ ?) قال: كان ابن عباس يقول: «إذا ولي شيئًا من ذلك، يرضخ لأقرباء الميت. وإن لم يفعل، اعتذر إليهم وقال لهم قولا معروفًا» 59.

وذكر الماوردي في هذه الآية ثلاثة أقاويل:

أحدها: أنها ثابتة الحكم. قال سعيد بن جبير: هما وليان، أحدهما يرث وهو الذي أمر أن يرزقهم، أي: يعطيهم، والآخر لا يرث وهو الذي أمر أن يقول لهم قولًا معروفًا، وبإثبات حكمها قال ابن عباس، ومجاهد، والشعبي، والحسن، والزهري.

وروي عن عبيدة أنه ولي وصية فأمر بشاة فذبحت، وصنع طعامًا لأجل هذه الآية وقال: لولا هذه الآية لكان هذا من مالي.

والقول الثاني: أنها منسوخة بآية المواريث، وهذا قول قتادة، وسعيد بن المسيب، وأبي مالك، والفقهاء.

والثالث: أن المراد بها وصية الميت التي وصّى بها أن تفرق فيمن ذكر وفيمن حضر، وهو قول عائشة.

فيكون ثبوت حكمها على غير الوجه الأول 60.

فبان من هذه النصوص القرآنية مدى ما يتمتع به أولو القربى من حقوق كفلها لهم القرآن الكريم.

رابعًا: حقوق الجار:

أوصى القرآن الكريم بالجار على اختلاف أنواعه في آية كريمة اشتملت على الوصية بأصناف عدة وهي قول الله تعالى: (? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء:36] .

والمراد بالجار ذي القربى هو الجار الذي يمت لك بصلة قرابة، والجار الجنب، هو جارك من قوم آخرين؛ هكذا روي عن ابن عباس ومقاتل وقتادة ومجاهد 61، وهناك نوع آخر من الجيران وهو غير المسلم.

ولهذا فإن الجار الذي بينك وبينه قرابة له ثلاثة حقوق (حق الجوار وحق القرابة وحق الإسلام) ، والجار الذي ليس بقريب له حقان (حق الجوار وحق الإسلام) ، والجار غير المسلم له حق واحد وهو الجوار 62.

وقد قال القرطبي بعد أن أورد تقسيم الجيران: «وعلى هذا فالوصاة بالجار مأمور بها مندوب إليها مسلمًا كان أو كافرًا، وهو الصحيح. والإحسان قد يكون بمعنى المواساة، وقد يكون بمعنى حسن العشرة وكف الأذى والمحاماة دونه» 63.

ومن أبرز حقوق الجار:

1.محبة الجار والتودد إليه.

فقد أخرج مسلم عن أنس بن مالكٍ عن النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال (لا يؤمن أحدكم حتّى يحبّ لأخيه - أو قال لجاره - ما يحبّ لنفسه) 64.

2.عدم إيذائه بقول أو فعل.

فقد أخرج مسلم عن أبي هريرة أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال: (لا يدخل الجنّة من لا يأمن جاره بوائقه) 65.

ومن لطائف التفسير ما ذهب إليه أبي بن كعب بتفسير الفاحشة في قول الله تعالى بالبذاء على الجيران والإحماء أو على الزوج؛ بحيث أن بقاء أمثالهن في جوار أهل البيت يفضي إلى تكرر الخصام فيكون إخراجها من ارتكاب أخف الضررين 66.

3.عدم كشف ستره أو التجسس عليه.

وذلك إعمالًا للنص الوارد في النهي عن التجسس مطلقًا (? ?) [الحجرات:12] .

قلت: وإذا كان التجسس محرم على جهة العموم، في حق الجار وغير الجار، فلا شك أن حرمته في حق الجار أشد؛ نظرًا لقرب ما بين الجيران في السكن.

وهناك حقوق أخرى للجار وردت في السنة النبوية، بعضها حقوق مادية وبعضها معنوية، لا يناسب ذكرها في هذا البحث التفسيري.

خامسًا: حقوق الصحبة:

قال الفيروزآبادي: «الصاحب هو الملازم، إنسانًا كان أو غيره، ولا فرق بين أن يكون مصاحبته بالبدن - وهو الأكثر - أو بالعناية والهمة. ولا يقال في العرف إلا لمن كثرت ملازمته 67.

والصحبة من الأمور الهامة في حياة الناس، حيث لا يستطيع كثير من الناس العيش بمفردهم بل لابد لهم من أصحاب أو أصدقاء يأنسون لهم، ويستشيرونهم، ويتعاونون معهم على في السراء والضراء، والمعهود من قديم الزمان وجود الأصحاب والأصدقاء.

وللصحبة ضوابطها في الإسلام، وللأصحاب حقوقهم في القرآن والسنة، ولقد اهتم القرآن الكريم بحقوق الصحبة ونصت الآيات الكريمة على بيان فضلها في مواطن، فمن ذلك ما يلي:

1.نصرة الصاحب لصاحبه ومعاونته إياه.

وهذا يتجلى في موقف سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه من النبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الهجرة، حيث أثنى الله تعالى على صحبة أبي بكر الصديق للنبي صلى الله عليه وسلم في رحلة الهجرة، وما أبلاه رضي الله عنه في هذه الرحلة، بل وما أبلاه نحو الإسلام ونحو الدعوة عبر حياته.

قال تعالى: (? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [التوبة:40] .

ويتجلى من هذه الآية الكريمة طرف من العبر واللطائف بيانها على النحو الآتي:

قلت: وما ذلك إلا لبلاء أبي بكر رضي الله عنه وجهوده في خدمة دين الله تعالى، ولذلك استحق هذا الثناء، وما لحقه من ثناء من النبي عليه الصلاة والسلام في أحاديث عدة مبسوطة في كتب المناقب من كتب السنة المطهرة.

وقد ورد لفظ الصاحب في القرآن الكريم في عدة مواضع وتجلى في هذه المواضع بعض حقوق الصحبة منها:

2.الإحسان إلى الصاحب.

وذلك كما في قول الله تعالى: (? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النساء:36] .

وفسر الصاحب بالجنب هنا بتفسيرات عدة منها: أن المراد به الرفيق الصالح، وهو مروي عن علي وابن مسعود وغيرهم 70.

ومنها: أنه الرفيق في السفر، حيث روي هذا عن مجاهد وابن جبير وعكرمة وقتادة والضحاك وغيرهم 71.

ومنها: أن المراد بها زوجة الرجل، حيث روي هذا أيضًا عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما 72.

ومنها: أنه الذي يلزمك ويصحبك رجاء نفعك، وهو قول ابن زيد 73.

وعن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (خير الأصحاب عند الله خيره لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره) 74.

3.دعوة الصاحب إلى الهدى والرشاد.

وذلك كما فعل سيدنا يوسف عليه السلام من دعوته رفقاء السجن إلى دين الله عز وجل، كما في الآية (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک ک کگ گ گ گ ? ? ? ? ?) [يوسف:39 - 40] .

وهنا يلحظ أن نبي الله يوسف عليه السلام كرر النداء عليهم مرتين بـ (? ?) حتى تجتمع أنفسهما لسماع الجواب، ونسبهما إلى السجن باعتبار أنهما من سكانه حينئذٍ 75.

4.اجتماع الأصحاب على الخير والطاعة وبذل النفس في سبيل الله.

وهذا نراه واضحًا في أروع مثال ضربه فريق من الأصحاب (أهل الكهف) من البذل والتحمل في سبيل الله، والاتفاق على نصرة دينه، والصدع بالحق أمام الظالم، فنالوا من الأذى ما نالوا، وفروا بدينهم، فكرمهم الله تعالى بمعجزة باهرة وآية عظيمة.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? [الكهف:9 - 10] .

ثم تلا ذلك بضعة عشر آية تذكر قصتهم العجيبة، فانظر كيف اجتمعت صحبتهم على الطاعة واشتروا دينهم بدنياهم فكرّمهم الله تعالى في الدنيا والآخرة، ولله درها من صحبة، اجتمعت فيها القلوب على هدف واحد بالرغم من اختلافهم طبقاتهم ودرجاتهم، كما هو معلوم في القصة من وجود الغني والفقير فيهم، والراعي وأحد مستشاري الملك.

5.تقديم النصيحة للصاحب إذا كان على غير رشد.

وهذا ما نراه واضحًا في قصة صاحب الجنتين في سورة الكهف (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک کک گ گ گ گ ? ? ?) [الكهف:37 - 39] .

قلت: ليس في الآيات ما يدل على نوع هذه الصحبة، فقد ذهب المفسرون إلى أقوال في ذلك: منها أنهما شريكان، ومنها أنهما كانا أخوين ورثا مالا عن أبيهما 76.

سادسًا: حقوق العلماء:

العلماء ورثة الأنبياء، وهم أهل الفضل والمنة على كثير من الناس، وهم منارات في الأرض يهتدي بها الناس، يفقهون الناس في دينهم، ويشرحون لهم ما أشكل عليهم، ويبينون لهم الحلال والحرام.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت