أولًا: المعنى اللغوي:
الطّاء والياء والرّاء أصلٌ واحدٌ يدلّ على خفّة الشّيء في الهواء، ثمّ يستعار ذلك في غيره وفي كلّ سرعةٍ، ومن ذلك الطّير: جمع طائرٍ، ثمّ يقال لكلّ من خفّ: قد طار 1، والطيران: حركة ذي الجناح في الهواء بجناحه 2، والطير: اسمٌ لجماعة ما يطير، مؤنّثٌ، والواحد طائرٌ، والأنثى طائرةٌ، وهي قليلةٌ، وقلّما يقولون طائرةً للأنثى 3، وطائر الإنسان: عمله الذّي قلّده كما في قوله تعالى: {وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ} [الإسراء:13] .
والطّائر: من الزّجر في التّشَؤُّم والتَّسَعُّد، وزجر فلانٌ الطّير فقال: كذا وكذا، أو صنع كذا وكذا، جامع لكلّ ما يسنح لك من الطّير وغيره 4، وجمع الطير طيور وأطيار، مثل فرخ وفروخ وأفراخ 5.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
ذكرنا في المعنى اللغوي أن الطير جمع طائر، والمعنى الاصطلاحي ليس ببعيد عن المعنى اللغوي، قال الراغب: «والطائر كل ذي جناح يسبح في الهواء» 6، وعرفه ابن عاشور بأنه: «الحيوان الذي يرتفع في الجو بعمل جناحيه» 7.
والخلاصة في القول: أن الطير اسم لكل ذي جناح يسبح في الهواء.
وورد الجذر (ط ي ر) في القرآن (29) مرة، والذي يخص منها الطير (21) مرة 8.
والصيغ التي وردت عليها هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل المضارع ... 1 ... {وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ} [الأنعام:38]
اسم ... 20 ... {قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ} [البقرة:260]
وجاء الطير في القرآن بمعناه في اللغة وهو: كل ذي جناح يسبح في الهواء 9.
الدابة:
الدابة لغة:
كل ما دب على وجه الأرض، وقد غلب على ما يركب من الحيوان، وفي العرف يطلق على الخيل والحمار والبغل 10.
الدابة اصطلاحًا:
الحي الذي من شأنه الدبيب، وقيل: كل حيوان في الأرض، وإخراج البعض الطير من الدواب رد بالسماع، ولا يخرج المعنى اللغوي عن المعنى الاصطلاحي له 11.
الصلة بين لفظ الدابة والطير:
الغالب في الطير أنه يسبح في الهواء، والدابة تمشي على الأرض، فتشمل الطير؛ لأن الطير يمشي إذا نزل 12، وهناك طيور لا تسبح في الهواء.
الحيوان:
الحيوان لغة:
اسم يقع على كل شيء حي، ووصف الله عز وجل الدار الآخرة بأنها الحيوان، فقال تعالى: {وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت:64] ؛ أي: هي الحياة، والمعنى: أن من صار إلى الآخرة لم يمت ودام حيا فيها لا يموت، فمن أدخل الجنة حيي فيها حياة طيبة، ومن دخل النار فإنه لا يموت فيها ولا يحيى 13.
الحيوان اصطلاحًا:
كل ذي روح من المخلوقات غير العاقلة 14.
الصلة بين الحيوان والطير:
الحيوان: كلّ ذي روح ناطقًا كان، أو غير ناطق مأخوذ من الحياة، والطير له روح، فيكون الطير صنفًا من أصناف الحيوان، ولما سئل النبي صلى الله عليه وسلم: (وإنّ لنا في البهائم لأجرًا؟ فقال: في كلّ ذات كبدٍ رطبةٍ أجرٌ) 15، فالطير من البهائم التي فيها الأجر، وتشمل كل حي من الحيوان، والطير.
الحشرات:
الحشرات لغةً:
الحَشَرة واحدة الحشرات، وهي صغار دوّاب الأرض 16.
الحشرات اصطلاحًا:
صغار دواب الأرض وهوامها، ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي له 17.
وعند علماء الحيوان: هي كل كائن يقطع في خلقه ثلاثة أطوار، يكون بيضة فدودة ففراشة، وهي الهامة من هوام الأرض؛ كالخنافس، والعقارب، وتطلق أيضًا على الدابة الصغيرة من دواب الأرض كالفئران والضباب 18.
الصلة بين الحشرات، والطير:
أن الحشرات منها ما تطير كالذباب والجراد، ومنها ما لا تطير كالفأر والعقرب.
أرشد الله تعالى عباده إلى الاعتبار بما في الآفاق من الآيات المشاهدة الدالة على قدرته وعجائب صنعته من المخلوقات، حيث قال جل وعلا: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (53) } [فصلت:53] .
ومن هذه المخلوقات: الطير ذلك المخلوق الضعيف، فخلق هذا الطير، وتسخيره في جو السماء، وتسبيحه - وإن كنا لا نفقه ذلك - لدلالة واضحة على كمال قدرته، وآية من آياته جل وعلا على بديع صنعه تبارك وتعالى، بل أن هذا المخلوق قد يكون جندًا من جنوده يرسله الله لإهلاك الظالمين، كما حصل لأصحاب الفيل، وسوف نتحدث عن ذلك بشيء من التفصيل في النقاط الآتية:
أولًا: الإبداع الإلهي في خلق الطير:
لفت الله تعالى نظر العباد، وخاصة المعرضين المكذبين بآياته إلى خلقه، وكمال قدرته في الطير وتحليقه في جو السماء.
قال جل وعلا: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19) } [الملك:19] .
قال السمرقندي في هذه الآية: « {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ} ؟ يعني: أولم يعتبروا في خلق الله تعالى كيف خلق الطيور؟ {فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ} يعني: باسطات أجنحتها في الهواء، {وَيَقْبِضْنَ} يعني: ويضممن أجنحتهن ويضربن بها، {مَا يُمْسِكُهُنَّ} يعني: ما يحفظهن في الهواء عند القبض والبسط، {إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ} يعني: عالمًا بصلاح كل شيء» 19.
وفي هذا أكبر آية على قدرة الله تعالى، إذ أمسكها في الهواء على ثقلها وضخامة أبدانها 20.
قال أهل المعاني: وإنما قيل {وَيَقْبِضْنَ} دون «قابضات» على نحو «صافات» ؛ لأن الطيران في الهواء كالسباحة في الماء، والأصل في كل منهما مد الأطراف وبسطها، والقبض طارئ على البسط لأجل الإعانة، فالمعنى أنهن صافات، ويكون منهن القبض في بعض الأوقات، كما يكون من السابح 21، ولذلك قالوا: إن الهواء للطير بمنزلة الماء للسابح، فهو يسبح في الهواء بجناحيه، كما يسبح الإنسان في الماء بأطرافه 22.
فمن نظر في حالة الطير واعتبر فيها، دلته على قدرة الباري، وعنايته الربانية، وأنه الواحد الأحد، الذي لا تنبغي العبادة إلا له، فهو المدبر لعباده بما يليق بهم، وتقتضيه حكمته 23.
وقد أكد الله تعالى على قدرته وعلمه، وسعة إحاطته بمخلوقاته، وإبداعه في الخلق.
قال جل ثناؤه: {وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) } [الأنعام:38] .
قال السعدي في تفسير هذه الآية: «أي: جميع الحيوانات، الأرضية والهوائية، من البهائم والوحوش والطيور، كلها أمم أمثالكم خلقناها، كما خلقناكم، ورزقناها كما رزقناكم، ونفذت فيها مشيئتنا وقدرتنا، كما كانت نافذة فيكم» 24.
والمعنى: إنه لا يوجد نوع من أنواع الأحياء التي تدب على الأرض، ولا من أنواع الطير التي تسبح في الهواء إلا وهي أمم مماثلة لكم في أن الله خلقهم وتكفل بأرزاقهم.
والغرض من ذكر ذلك، كما قال الزمخشري: «للدلالة على عظم قدرته، ولطف علمه، وسعة سلطانه وتدبيره تلك الخلائق المتفاوتة الأجناس، المتكاثرة الأصناف، وهو حافظ لما لها وما عليها، مهيمن على أحوالها، لا يشغله شأن عن شأن، وأنّ المكلفين ليسوا بمخصوصين بذلك دون من عداهم من سائر الحيوان» 25.
وإنما خص ما في الأرض بذكر دون ما في السماء، وإن كان ما في السماء مخلوقًا؛ لأن الاحتجاج بالشاهد أظهر وأولى مما لا يشهد، وإنما ذكر الجناح في قوله تعالى: {بِجَنَاحَيْهِ} ؛ للتوكيد» 26.
ولتوجيه الأنظار إلى الإبداع في الخلق مع جمال التكوين والقدرة، وفي ذلك بيان لقدرة الله تعالى 27، وقيل: إن اعتدال جسد الطائر بين الجناحين يعينه على الطيران، ولو كان غير معتدل لكان يميل، فأعلمنا أن الطيران بالجناحين 28.
ثانيًا: تسخير الطير:
حث الله جل وعلا عباده إلى النظر في حالة الطير التي سخرها الله، وسخر لها الجو والهواء، وجعل أجسادهن وخلقتهن في حالة مستعدة للطيران، وهذا يدل على كمال قدرته وعظمته.
قال تعالى: {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (79) } [النحل:79] .
قال ابن كثير: «نبه تعالى عباده إلى النظر إلى الطير المسخر بين السماء والأرض، كيف جعله يطير بجناحيه بين السماء والأرض، في جو السماء ما يمسكه هناك إلا الله بقدرته تعالى، الذي جعل فيها قوى تفعل ذلك، وسخر الهواء يحملها ويسر الطير لذلك، كما قال تعالى في سورة الملك: {أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (19) } [الملك:19] .
وقال هاهنا: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} » 29، وجمع الآيات؛ لأن في الطير دلائل مختلفة: من خلقة الهواء، وخلقة أجساد الطير مناسبة للطيران في الهواء، وخلق الإلهام للطير بأن يسبح في الجو، وبأن لا يسقط إلى الأرض إلا بإرادته، وخصت الآيات بالمؤمنين؛ لأنهم بالإيمان قد ألفوا إعمال تفكيرهم في الاستدلال على حقائق الأشياء، بخلاف أهل الكفر، فإن الكفر مطبوع على النفرة من الاقتداء بالناصحين، وعلى مكابرة الحق 30.
ففي الآية دلالة واضحة ومظهر من مظاهر قدرة الله ووحدانيته، حيث جعل الطير قادرًا على التحليق والطيران في الجو - ما بين السماء والأرض- وهي مذللة لأمر الله تعالى، ما يمسكها إلا الله تعالى، وتلك علامات وعبر ودلالات على القدرة الإلهية، فلولا خلق الطير على وضع يمكنه الطيران، وخلق الجو على حالة يمكن الطيران فيه، لما أمكن ذلك 31.
وقال تعالى في هذه الآية: {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ} [النحل:79] .
وقال في موضع آخر: {مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ} [الملك:19] .
والحكمة في ذلك؛ لأن التسخير في جو السماء محض الإلهية، وأما صافات وقابضات فكان إلهامها كيفية البسط والقبض على الوجه المطابق للمنفعة من رحمة الرحمن 32.
ثالثًا: تسبيح الطير:
ذكر الله جل وعلا تسبيح الطير في أكثر من موضع في محكم كتابه، ومن ذلك ما أنعم الله تعالى به على داوود عليه السلام، حيث قال تعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ} [الأنبياء:79] .
قال الطبري: «يسبحن معه إذا سبح» 33، وقدمت الجبال على الطير؛ لأن تسخيرها وتسبيحها أعجب وأدل على القدرة، وأدخل في الإعجاز؛ لأنها جماد، والطير حيوان ناطق 34.
وقال الشنقيطي: ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه سخر الجبال، أي: ذللها، وسخر الطير تسبح مع داود، وما ذكره جل وعلا من تسخيره الطير والجبال تسبح مع نبيه داود بينه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: {إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (18) وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (19) } [ص:18 - 19] .
وتسبيح الجبال والطير مع داود تسبيح حقيقي؛ لأن الله جل وعلا يجعل لها إدراكات تسبح بها، يعلمها هو جل وعلا ونحن لا نعلمها، كما قال: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44] .
والتسبيح: هو تنزيه الله جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، وفي قوله تعالى: {وَكُنَّا فَاعِلِينَ} مؤكد لقوله تعالى: {وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ} والموجب لهذا التأكيد: أن تسخير الجبال وتسبيحها أمر عجب خارق للعادة، مظنة لأن يكذّب به الكفرة الجهلة 35.
وقال تعالى في موضع آخر: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41) } [النور:41] .
قال ابن كثير في هذه الآية: «يخبر تعالى أنه يسبحه من في السموات والأرض، حتى الجماد، كما قال تعالى: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ} [الإسراء:44] .
وقوله: {وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ} أي: في حال طيرانها تسبح ربها وتعبده بتسبيح ألهمها وأرشدها إليه، وهو يعلم ما هي فاعلة؛ ولهذا قال: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} أي: كل قد أرشده إلى طريقته ومسلكه في عبادة الله عز وجل، ثم أخبر أنه عالم بجميع ذلك، لا يخفى عليه من ذلك شيء؛ ولهذا قال: {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ} » 36، أي: علم جميع أفعالها، فلم يخف عليه منها شيء، وسيجازيهم بذلك، فيكون على هذا قد جمع بين علمه بأعمالها، وذلك بتعليمه، وبين علمه بأعمالهم المتضمن للجزاء 37.
وخص الطير بالذكر مع دخولها تحت من في السموات والأرض؛ لعدم استمرار استقرارها في الأرض، وكثرة لبثها في الهواء، وهو ليس من السماء ولا من الأرض، ولما فيها من الصنعة البديعة التي تقدر بها تارة على الطيران، وتارة على المشي بخلاف غيرها من الحيوانات، وذكر حالة من حالات الطير، وهي كون صدور التسبيح منها حال كونها صافات لأجنحتها، أن هذه الحالة هي أغرب أحوالها، فإن استقرارها في الهواء مسبحة من دون تحريك لأجنحتها، ولا استقرار على الأرض من أعظم صنع الله الذي أتقن كل شيء 38.
وفي قوله تعالى: {كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} يقول أبو الطيب: «وفائدة الإخبار بأن كل واحد قد علم ذلك أن صدور هذا التسبيح هو عن علم قد علّمها الله ذلك؛ وألهمها إليه لا أن صدوره منها على طريقة الاتفاق بلا روية، وفي ذلك زيادة دلالة على بديع صنع الله سبحانه؛ وعظم شأنه من كونه جعلها مسبحة له، عالمة بما يصدر منها، غير جاهلة له» 39.
رابعًا: الطير من جنود الله تعالى:
أخبر الله جل وعلا نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ما جرى لأصحاب الفيل الذين قدموا من اليمن يريدون هدم الكعبة، ومحو أثرها من الوجود، وكان رئيسهم أبرهة الحبشي الأشرم، فأرسل الله عليهم جندًا من جنوده، فأبادهم، وأرغم آنافهم، وخيب سعيهم، وأضل عملهم 40.
قال تعالى: {وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبَابِيلَ (3) } [الفيل:3] .
قال الطبري: «وأرسل عليهم ربك طيرًا متفرقة، يتبع بعضها بعضًا من نواح شتَّى، وهي جماع لا واحد لها -أي: الأبابيل- مثل الشماطيط والعباديد ونحو ذلك» 41.
وقال الزجاج في معنى الآية: «جماعات من هاهنا وجماعات من هاهنا، والمعنى: أرسل اللّه عليهم هذا الطير بهذه الحجارة من كل جانب» 42.
وقد ورد تفسير كلمة الأبابيل بعبارات متعددة عن السلف منها ما ذكرناه آنفًا، وهذه الأقوال كما قال النحاس متفقة، وحقيقة المعنى: أنها جماعات عظام، يقال: فلان يؤبل على فلان، أي يعظم عليه ويكثر، وهو مشتق من الإبل، وهو من الجمع الذي لا واحد له 43.
فإن قيل: لم قال تعالى: {طَيْرًا} على التنكير؟
والجواب كما قال الرازي: «إما للتحقير، فإنه مهما كان أحقر كان صنع الله أعجب وأكبر، أو للتفخيم كأنه يقول: طيرًا وأي طير ترمي بحجارة صغيرة فلا تخطئ المقتل» 44.
وقال أبو حيان: والظاهر أن الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، يذكر نعمته عليه، إذ كان صرف ذلك العدو العظيم عام مولده السعيد عليه السلام، وإرهاصًا بنبوته، إذ مجيء تلك الطيور على الوصف المنقول، من خوارق العادات والمعجزات المتقدمة بين أيدي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فكأن الله تعالى يقول له قد علمت ما فعل ربك بهؤلاء الذين قصدوا حرمه، ضلل كيدهم وأهلكهم بأضعف جنوده، وهي الطير التي ليست من عادتها أنها تقتل 45، وهذه آيةٌ باهرةٌ دالةٌ على شرف الكعبة 46.
وفي الآية رد على الملحدين الذين ذكروا في العذاب الذي أهلك الله به الأمم؛ كالزّلازل، والرياح، والصواعق، والخسف، أعذارًا ضعيفة، أما هذه الواقعة، فلا يجري فيها تلك الأعذار، وليس في شيء من الطّبائع والحيل أن يعهد طير معها حجارة، فيقصد قومًا دون قوم فيقتلهم، ولا يمكن أن يقال: إنه كسائر الأحاديث الضعيفة؛ لأنه لم يكن بين عام الفيل، ومبعث الرسول إلا نيفًا وأربعين سنة، ويوم تلا رسول الله صلّى اللّه عليه وسلّم هذه الآية، كان قد بقي جمع شاهدوا تلك الواقعة، فلا يجري فيها تلك الأعذار، ولو كان النقل ضعيفًا لكذبوه، فعلمنا أنه لا سبيل للطّعن فيها 47.
القصص في القرآن الكريم من أصدق القصص؛ لقوله تعالى: {وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا} [النساء:87] .
وذلك لتمام مطابقتها على الواقع، وأحسن القصص؛ لقوله تعالى: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ} [يوسف:3] .
وذلك لاشتمالها على أعلى درجات الكمال في البلاغة وجلال المعنى، وأنفع القصص؛ لقوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} [يوسف:111] .
وذلك لقوة تأثيرها في إصلاح القلوب والأعمال والأخلاق، وقد ذكر الله جل وعلا من القصص في كتابه الكريم قصص الطير سواء مع بعض أنبيائه عليهم السلام، أو مع ابني آدم عليه السلام، وسوف نتحدث عن ذلك بشيء من التفصيل، مع بيان أهم الدروس والعبر من هذه القصص.
أولًا: قصة ابني آدم مع الغراب:
أخبر الله جل وعلا في محكم كتابه ما جرى بين ابني آدم لصلبه، وهما هابيل وقابيل، وهو قول جمهور العلماء 48، وكيف عدا أحدهما على الآخر، فقتله بغيًا عليه وحسدًا له، فيما وهبه الله من النعمة، وتقبل القربان الذي أخلص فيه لله عز وجل، ففاز المقتول بوضع الآثام، وخاب القاتل ورجع بالصفقة الخاسرة في الدنيا والآخرة 49، فقيض الله جل وعلا غرابًا لتعليم القاتل كيف يدفن أخاه.
قال تعالى: {فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ (31) } [المائدة:31] .
قال القاسمي في تفسير هذه الآية: « {فَبَعَثَ} أي: أرسل {اللَّهُ غُرَابًا} فجاء {يَبْحَثُ} أي: يحفر بمنقاره ورجله متعمقًا في الأرض، قال القتيبيّ: هذا من الاختصار، ومعناه: بعث غرابًا يبحث التراب على غراب ميت {لِيُرِيَهُ} الضمير إمّا لله تعالى أو للغراب، والظاهر للقاتل أخاه {كَيْفَ يُوَارِي} أي: يستر في التراب {سَوْءَةَ أَخِيهِ} أي: جسده الميت، وسمّي سوأة؛ لأنه مما يسوء ناظره، {قَالَ يَاوَيْلَتَا} كلمة جزع وتحسّر، والويل الهلكة، {أَعَجَزْتُ} أي: أضعفت عن الحيلة {أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ} أي: الذي هو من أخسّ الحيوانات، والاستفهام للتعجب من عدم اهتدائه إلى ما اهتدى إليه الغراب {فَأُوَارِيَ} أي: أغطي {سَوْءَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ} أي: صار {مِنَ النَّادِمِينَ} أي: على حيرته في مواراته حيث لم يدفنه حين قتله، فصار أجهل من الحيوانات العجم وأضلّ منها وأدنى» 50، قيل: لم يكن ندمه ندم توبة، بل ندم لفقده لا على قتله، وقيل غير ذلك 51.
وقال الألوسي: «والغراب: طائر معروف، قيل: والحكمة في كونه المبعوث دون غيره من الحيوان: كونه يتشاءم به في الفراق والاغتراب، وذلك مناسب لهذه القصة» 52.
وروى السدي بإسناده المتقدم إلى الصحابة: أن الله تعالى بعث غرابين أخوين، فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه، فحفر له ثم حثى عليه، فلما رآه قال: {قَالَ يَاوَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءَةَ أَخِي} 53، وهو قول أكثر المفسرين 54.