فهرس الكتاب

الصفحة 1703 من 2431

غزوة تبوك

أولًا: أسماؤها:

ورد في كتب السيرة أكثر من تسمية لهذه الغزوة المباركة، وسوف أذكر هذه الأسماء وحكمة التسمية فيما يأتي:

1.غزوة تبوك.

وقد ورد هذا الاسم في أحاديث صحيحة، ففي صحيح مسلم عن معاذ بن جبل قال: (خرجنا مع رسول الله عام غزوة تبوك، فكان يجمع الصلاة، ثم قال:(إنكم ستأتون غدًا إن شاء الله عين تبوك وإنكم لن تأتوها حتى يضحى النهار) 1.

وتسمية الغزوة بهذا الاسم واضح، فإنه المكان الذي انتهى إليه مسير المسلمين، وتبوك مدينة من مدن شمال الحجاز الرئيسية، بها إمارة الآن تعرف بإمارة تبوك، وهي تبعد عن المدينة 778 كيلو مترًا على طريق معبدة تمر بخيبر وتيماء، وقد كانت وقتئذ من ديار قضاعة تحت سلطة الروم 2.

2.غزوة العسرة.

والعسرة: الشدة وضيق الحال والعدم، ومنه قوله تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} [البقرة:280] .

وقد وردت هذه التسمية في سورة التوبة، قال تعالى: {لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ} [التوبة: 117] وساعة العسرة أي: وقت العسرة، والمراد جميع أوقات تلك الغزاة ولم يرد ساعة بعينها 3.

ووردت التسمية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث قال: (من جهز جيش العسرة فله الجنة) 4.

ووردت التسمية عن جمع من الصحابة الكرام، منهم: أبو موسى الأشعري رضي الله عنه حيث قال: (أرسلني أصحابي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله الحملان لهم، إذ هم معه في جيش العسرة، وهي غزوة تبوك) 5.

ومنهم: يعلى بن أمية رضي الله عنه حيث قال: (غزوت مع النبي صلى الله عليه وسلم جيش العسرة، فكان من أوثق أعمالي في نفسي) 6.

ومما سبق يتضح أن التسمية كانت مشهورة بين الصحابة الكرام؛ لورودها في القرآن الكريم وعن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ولأنهم كانوا يرون العسرة أمام أعينهم وليس بعد العيان بيان. ومن الشواهد الواردة على العسرة في الغزوة ما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا أصابنا فيه عطش شديد؛ حتى ظننا أن رقابنا ستقطع؛ حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه) 7.

ونحوه عن محمد بن عبد الله بن عقيل، وفيه تفصيل للعسرة حيث قال: «خرجوا في غزوة تبوك الرجلان والثلاثة على بعير، وخرجوا في حر شديد فأصابهم يومًا عطش؛ حتى جعلوا ينحرون إبلهم فيعتصرون أكراشها ويشربون ماءها، فكان ذلك عسرة من الماء، وعسرة من النفقة، وعسرة من الظهر» 8.

3.الفاضحة.

قال الزرقاني: «وتعرف بالفاضحة لافتضاح المنافقين فيها» 9. ومن المعلوم أن عبد الله ابن عباس رضي الله عنهما كان يسمي سورة التوبة بالفاضحة، قال: «التوبة هي الفاضحة، ما زالت تنزل: ومنهم ومنهم حتى ظنوا أنها لن تبقي أحدًا منهم إلا ذكر فيها» 10.

وقد نزلت سورة التوبة وفيها التعقيب على غزوة تبوك ففضحت سرائر المنافقين في الغزوة، وأظهرت ما كان خفيًّا من سوء باطنهم.

ثانيًا: زمان الغزوة:

اتفق أرباب السير على أن غزوة تبوك كانت في رجب من العام التاسع للهجرة 11.

قال ابن عباس: «لبث رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد خروجه من الطائف ستة أشهر، ثم أمره الله بغزوة تبوك، وهي التي ذكر الله ساعة العسرة» 12.

قال ابن حجر: «وليس مخالفًا لقول من قال: في رجب، إذا حذفنا الكسور؛ لأنه صلى الله عليه وسلم قد دخل المدينة من رجوعه من الطائف في ذي الحجة» 13.

وقد ذكروا أن خروجه صلى الله عليه وسلم إلى تبوك كان يوم الخميس، عن كعب بن مالك قال: «إن ا لنبي صلى الله عليه وسلم خرج يوم الخميس في غزوة تبوك، وكان يحب أن يخرج يوم الخميس» 14.

قال العامري: «لخمس خلون من رجب» 15.وأقام رسول الله في تبوك عشرين ليلة 16.

أما تحديد زمنها بالتقويم الشمسي فلا شك أنه كان في وقت اشتداد الحر في موسم الصيف، وهذا ما يظهر بوضوح في قوله تعالى مخبرًا عن المنافقين: {وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ} [التوبة:81] .

وقد ذهب بعض المصنفين في السيرة إلى أنها كانت في نوفمبر، والأقرب ما ذكره بعضهم من أنها كانت في شهر إبريل والله أعلم» 17.

وكان عدد المسلمين ثلاثين ألفًا منهم عشرة آلاف فارس 18، واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، وعهد إلى علي بن أبي طالب القيام على أمور أهل بيته.

ثالثًا: حكمة ذكر غزوة تبوك في سورة التوبة:

سورة التوبة من السور المدنية التي تأخر نزولها، بل ورد عن البراء رضي الله عنه أنه قال: «آخر آية نزلت {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ} وآخر سورة نزلت براءة» 19.

وفيها كثير من الأمور المحكمة التي لم تنسخ ومنها أحكام الجهاد، فمن خلال تتبع أحكام القتال ومراحل تشريعه وجدنا أن سورة التوبة قد ذكرت الموقف النهائي من كل الطوائف، قال ابن القيم: «ثم كان الكفار معه بعد الأمر بالجهاد ثلاثة أقسام: أهل صلح وهدنة، وأهل حرب، وأهل ذمة، فأمر بأن يتم لأهل العهد والصلح عهدهم وأن يوفي لهم به ما استقاموا على العهد، فإن خاف منهم خيانة نبذ إليهم عهدهم ولم يقاتلهم حتى يعلمهم بنقض العهد، وأمر أن يقاتل من نقض عهده. ولما نزلت سورة (براءة) نزلت ببيان حكم هذه الأقسام كلها، فأمره فيها أن يقاتل عدوه من أهل الكتاب حتى يعطوا الجزية أو يدخلوا في الإسلام، وأمره فيها بجهاد الكفار والمنافقين والغلظة عليهم فجاهد الكفار بالسيف والسنان، والمنافقين بالحجة واللسان» 20.

ففي السورة الأحكام النهائية للجهاد، وفيها المثال العملي بتفاصيل آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبيان ما حدث فيها من المؤمنين والمنافقين. وما استحقوه من جزاء رباني.

ومقصود السورة يشير إلى هذا، فقد ذكر البقاعي أن مقصود السورة: «معاداة من أعرض عما دعت إليه السور الماضية، من اتباع الداعي إلى الله في توحيده، واتباع ما يرضيه، وموالاة من أقبل عليه» 21.

ولما كانت سورة التوبة من آخر السور نزولا فقد جاءت بالقول الفصل في كثير من الأحكام المتعلقة بالآخر، فقد ورد فيها تفصيل القول في عهود المشركين وأقسامهم، وورد فيها تفصيل الموقف من أهل الكتاب ومن المنافقين. وكلا الموضوعين مرتبط بغزوة تبوك.

لقد كانت غزوة تبوك مع نصارى الروم، وقد تعرضت السورة للكلام عن أهل الكتاب وموقفهم من الدعوة الإسلامية وذلك من الآية (29) إلى الآية (34) وكان هذا الحديث تمهيدا للحديث عن غزوة تبوك من أول الآية (38) إلى الآية (127) وفيها حديث مطول عن المنافقين ومواقفهم قبل الغزوة وأثناءها وبعدها، وإذا كان الحديث عن المنافقين قد ورد في كثيرمن السور المدنية إلا أن أطول حديث وأشده كان في سورة التوبة، إن الغزوة كانت الفرصة الأخيرة والامتحان النهائي للصف المسلم قبل أن يلحق الرسول صلى الله عليه وسلم بالرفيق الأعلى، فكان لابد أن تتمايز الصفوف ويعرف كل فرد مكانه، ويميز الله الخبيث من الطيب وينكشف أمر النفاق انكشافًا تامًّا.

وأسلوب السورة فيه القوة والشدة معهم، فلم يعد هناك مجال أو وقت للملاينة بعد أن ظهر نفاقهم سافرًا في تبوك؛ ولذلك جاءت أسماء السورة تحمل هذه المعاني، فهي براءة من الكفار ومن على شاكلتهم، وهي الفاضحة التي نزلت بفضيحة المنافقين، وهي سورة العذاب التي نزلت بالعذاب على المنافقين، وهي المقشقشة التي تشفي قلب المؤمن من النفاق، وهي المثيرة والحافرة التي تكشف خبيئات المنافقين، وهي المبعثرة المخزية، المنكلة، المشردة، المدمدمة، الكاشفة، العاصفة، الفارقة، المحرضة 22.

ومع هذه الشدة والغلظة في جهاد المنافقين الذي يعتمد على الكلمة لا على القوة وعلى اللسان لا على اليد، نجد مع هذا أن السورة هي سورة التوبة وأنها أكثر سورة في القرآن ورد فيها لفظ التوبة بمشتقاته المتعددة: (تاب، تابوا، تبتم، يتوب، التواب، يتوبوا، ليتوبوا، يتوبون، التوبة، التائبون) ولم يتكرر لفظ التوبة في أي سورة من القرآن كما تكرر في هذه السورة. وذلك حتى يظل باب المغفرة مفتوحًا لمن ندم وأناب {فَإِنْ يَتُوبُوا يَكُ خَيْرًا لَهُمْ} [التوبة:74] .

وقد تحدثت السورة عن جهاد المال، وقرنت بين الجهاد بالمال والنفس في خمس آيات، وبينت فضيلة الإنفاق وثواب المنفقين وعقوبة الكانزين، وفصلت مصارف الزكاة، وهذا الحديث مرتبط أيضا بغزوة تبوك، غزوة العسرة والشدة التي وعدت بالخيرات من جاهد بماله ونفسه، وكما كشفت السورة المنافقين فإنها كذلك نوَّهت بقدر المؤمنين وبإنفاقهم أموالهم في سبيل الله.

رابعًا: أسباب تصريح الرسول صلى الله عليه وسلم بالخروج لغزوة تبوك:

كانت عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يستعمل التورية إذا أراد الخروج في غزوة؛ وذلك لكي يبغت العدو ويفجأهم فلا يأخذوا أهبتهم للقتال؛ وكان هذا الأمر مطَّردًا في كل الغزوات إلا غزوة تبوك، وهذا ما صرح به كعب بن مالك رضي الله عنه، حيث قال: (كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلَّما يريد غزوة يغزوها إلا ورَّى بغيرها، حتى كانت غزوة تبوك، فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا، واستقبل غزو عدوكثير، فجلَّى للمسلمين أمرهم، ليتأهَّبوا أهبة عدوهم، وأخبرهم بوجهه الذي يريد) 23.

فالإسرار من قبيل الخداع المحمود في الحرب، أما خصوصية تبوك في عدم التورية وفي صريح الإعلان عنها فإن ذلك راجع لعدة أساب؛ منها ما ذكره المهلب بقوله: «وأخبرهم صلى الله عليه وسلم بغزوة تبوك لطول المدة؛ ليتأهبوا -كما ذكر في الحديث- ولأنه آمن ألا يسبقه إليها الخبر لبعد الشقة التي بينه وبينها وقفرها» 24.

ومنها ما ذكره اللواء محمود خطاب، حيث قال في تعليل التصريح: «لأن المسافة طويلة يجب قطعها صيفا، فلا بد من إكمال المؤنة والنقلية للمجاهدين قبل الحركة، حتى لايؤدي نقص القضايا الإدارية إلى إخفاق المسلمين في تحقيق هدفهم المنشود. وليس من السهل تجهيز قوات المسلمين الكبيرة بما تحتاجه من مؤنة ونقلية وأسلحة، مالم يشارك أغنياء المسلمين في تجهيز هذا الجيش مشاركة فعالة، فأقبل هؤلاء الأغنياء على بذل أموالهم بسخاء وعن طيبة خاطر» 25.

ونستخلص من هذا أن للتصريح بالغزوة أسبابا عديدة نجملها فيما يأتي:

1.ما صرح به كعب بن مالك رضي الله عنه في الحديث من أن ذلك التصريح كي يأخذ المسلمون أهبتهم ويستعدوا نظرا لبعد الطريق وقلة المؤنة.

2.ولكي يستعد أهل الغنى من المؤمنين فيكثروا من النفقة؛ لتدبير احتياجات الجيش المسلم، وقد أنفق الكثيرون من ذوي اليسار لتجهيز المعسرين، ومر بنا حديث عثمان ووعده بالجنة لتجهيزه جيش العسرة.

3.أن هذه الغزوة تعتبر اختبارًا نهائيًّا -إن صح التعبير- فهي آخر غزوة غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان من حكم الله تعالى أن تكون هذه الغزوة كاشفة لأحوال الصادقين من المؤمنين وأحوال المنافقين، فهي آخر غزوة، ولن يجدي الآن سوى أسلوب التصريح الكامل، والطلب المباشر من الجميع أن ينفر على كل حال من الخفة أو الثقل؛ ولهذا كان التصريح الواضح بالوجهة، ومما يقوي وجهة النظر في أن الغزوة كان من جملة أهدافها الاختبار أنه لم يحدث فيها أي قتال، بل ذهب المؤمنون الصادقون وعادوا ولم يتتبعوا عدوًّا أو يقاتلوا أحدًا، وإنما اتبعوا رضوان الله فعادوا بتوبة ورضوان ورب غير غضبان.

لقد ذكر كُتَّاب السِّير عدَّة أسباب لغزوة تبوك، منها:

قال ابن سعد: «بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم أن الروم قد جمعت جموعًا كثيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة وأجلبت معه لخم وجذام وعاملة وغسان وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء، فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس إلى الخروج» 26.

ولم يأت هذا القول مسندًا، لكن ورد في السنة الصحيحة أن الصحابة كانوا يترقبون مجيء قبائل الروم إلى المدينة، فقد ورد عن عمر رضي الله عنه قال: «وكان لي صاحب من الأنصار إذا غبت أتاني بالخبر، وإذا غاب كنت أنا آتيه بالخبر، ونحن نتخوف ملكًا من ملوك غسان، ذكر لنا أنه يريد أن يسير إلينا، فقد امتلأت صدورنا منه، فإذا صاحبي الأنصاري يدق الباب، فقال: افتح افتح. فقلت: جاء الغساني؟ فقال: بل أشد من ذلك، اعتزل رسول الله صلى الله عليه وسلم أزواجه» 27.

وقال اليعقوبي: «وغزاة تبوك غزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في جمع كثير من أرض الشام، يطلب بدم جعفر بن أبي طالب» 28.

ويرى آخرون أن السبب المباشر مقتل فروة بن عمرو الجذامي الذي كان قائدًا من قوَّاد الروم، وواليا لهم على من يليهم من العرب، وكان منزله معان وما حولها من أرض الشام. فلما بلغ الروم ذلك من إسلامه طلبوه حتى أخذوه فحبسوه وقتلوه 29.

ومن الثابت أن مقتل جعفر رضي الله عنه كان في غزوة مؤتة سنة ثمان من الهجرة، وقد يكون هذا من جملة الأسباب الداعية إلى غزوة تبوك، ولكنه لا يرقى بمفرده أن يكون سببًا للغزوة. ويقال هذا في مقتل فروة أيضًا، والله أعلم.

وروي عند ابن عساكر عن عبد الرحمن ابن غنم رضي الله عنه أن اليهود أتوا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا فقالوا: يا أبا القاسم، إن كنت صادقًا أنك نبي فالحق بالشام؛ فإن الشام أرض المحشر وأرض الأنبياء. فصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم فغزا غزوة تبوك لا يريد إلا الشام. فلما بلغ تبوك أنزل الله عليه آيات من سورة بني إسرائيل (وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا ? وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا ?76?سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا ? وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا ?77?) [الإسراء:76: 77] 30.

وفي الإسناد ضعف، والظاهر أن هذا ليس بصحيح، فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يخرج للغزوة بسبب قول اليهود، بالإضافة إلى أن الآية مكية 31.

وروى الطبري عن مجاهد قال: «قال المؤمنون: كنا نصيب من متاجر المشركين. فوعدهم الله أن يغنيهم من فضله عوضًا لهم بأن لا يقربوهم المسجد الحرام. فهذه الآية من أول براءة في القراءة، ومن آخرها في التأويل: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) [التوبة: 29] إلى قوله: (عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة: 29] . حين أمرمحمد وأصحابه بغزوة تبوك» 32.

ومع أن النصوص النبوية تشير إلى أن الجهاد باب من أبواب الرزق كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (وجعل رزقي تحت ظل رمحي) 33.

إلا أن حمل الآية على العموم أولى، فقد فتح الله أبواب الرزق للمسلمين من أكثر من وجه، وليس فقط من وجه الغنائم بدليل أنهم لم يغنموا شيئًا كثيرًا من تبوك، ولم يكن هدف المؤمنين من الغزو التربح فقط، بل هدفهم الأساس تعبيد الناس لربهم.

والظاهر أن الغزوة كانت امتثالًا نبويًّا لأمر الله بقتالهم؛ قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً ? وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) [التوبة:123] .

قال الطبري: «يقول لهم ابدؤوا بقتال الأقرب فالأقرب إليكم دارًا دون الأبعد فالأبعد، وكان الذين يلون المخاطبين بهذه الآية يومئذ الروم؛ لأنهم كانوا سكان الشام يومئذ» 34.

وحكمة قتال الروم تتضح من الآية، وهي أن يجدوا في المؤمنين غلظة، فيرهبوهم ويقيموا لهم شأنًا، وهذا ما حدث في الغزوة، فلم يخرج الروم لقتال المسلمين ولم يواجهوهم، ولم يكن قصد إرهاب الكفار قاصرًا على الروم وحسب؛ بل امتد ليشمل القبائل المتنصرة المتحالفة معهم.

والملاحظ أن هذه الغزوة مع سابقتها (مؤتة) كانت متوجهة لقتال الروم بعد إخضاع الجزيرة العربية لسلطان الإسلام وفتح مكة ودخول كثير من العرب في الإسلام، وكذلك بعد انتهاء خطر اليهود من الجزيرة وإخلاء آخر معاقلهم في خيبر بعد الفتح، فجاءت هذه المرحلة الجديدة تمهيدًا لفتوح إسلامية تدك معاقل الرومان في شبه الجزيرة العربية وما حولها، واستجابة للأمر الإلهي في قوله تعالى: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى? يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) [التوبة:29] .

قال الطبري: «وذكر أن هذه الآية نزلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمره بحرب الروم، فغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد نزولها غزوة تبوك» 35.

ومن أسباب الغزوة أيضًا: إدخال الرعب في قلوب القبائل العربية التي لم تدخل في الإسلام في جزيرة العرب، والقبائل العربية المتنصرة الخاضعة لنفوذ الإمبراطورية الرومانية، والتابعة لها، وإتاحة الفرصة لها للتفكير في أهمية الدين الإسلامي جديًّا، وأنه ليس من الأمور التي تعلو سطح الماء ثم تغيب، وأن له مستقبلًا زاهرًا، لعل ذلك يفتح لها الطريق في الدخول في الإسلام، الذي ظهر في أرضهم وبلادهم 36.

كانت غزوة تبوك ميدانا للمنافسة واختبارًا شاقًا يتمحص به إيمان المؤمنين ويظهر صدقهم، وقد تعددت المواقف الإيمانية العظيمة في هذه الغزوة والتي نجملها فيما يأتي:

أولًا: الاستجابة للأمر بالنفير:

لقد تفاوتت درجات الناس في هذه الغزوة، فكان منهم السابق بالخيرات بإذن الله، وهم المؤمنون الصادقون الذين خرجوا استجابةً للأمر الإلهي بالنفير.

قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ ? أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ ? فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ ?38?) [التوبة:38] .

وفي الآية الكريمة ترغيب للمؤمنين وحث لهم على الخروج للقتال، وفي (مَا لَكُمْ) استفهام يفيد معنى التوبيخ والعتاب واللوم لمن تثاقل عن الجهاد، واللفظة «تمثل الجسم المسترخي وما لها من جاذبية تشد إلى أسفل» 37.

والاستفهام في: (مَا لَكُمْ) للإنكار والتوبيخ، وكيف يرضى بالدنيا من رضي بالله ربا؟ وما متاع الدنيا بجوار الآخرة إلا كغمسة الأصبع في البحر المتلاطم الأمواج فماذا تأخذ وبم ترجع؟!

وقوله: (إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيْئًا ? وَاللَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) [التوبة:39] .

يقول تعالى ذكره للمؤمنين من أصحاب رسوله متوعدًا لهم على ترك النفير إلى عدوهم من الروم: إن لم تنفروا أيها المؤمنون إلى ما دعاكم إليه نبيه صلى الله عليه وسلم يعذبكم الله عذابًا موجعًا، ويستبدل الله بكم نبيه قومًا غيركم ينفرون إذا استنفروا ويجيبونه إذا دعوا، ولا تضروا الله بترككم النصر شيئًا؛ لأنه لا حاجة إليكم، بل أنتم أهل الحاجة إليه، والله على إهلاككم واستبدال قوم غيركم بكم وعلى كل ما يشاء من الأشياء قدير 38.

ثم تذكرهم الآية بموقف مر على حصوله تسع سنين، لم يذكره القرآن ولم يعقب عليه من قبل طيلة هذه المدة، على خلاف العادة القرآنية في التعقيب المباشر على الحدث، يدخر القرآن التعقيب على هجرة الرسول وصاحبه وإخراجهما من مكة إلى أن يأتي الأوان؛ لتذكر هذا الحدث العظيم، وذلك لتشابه المقدمات والأسباب، فالأسباب البشرية ضعيفة والظروف عصيبة وشديدة، ولكن متى كانت هذه الملابسات تفت في عضد المؤمنين؟!

إن التأييد الإلهي الذي حدث عند إخراج الرسول صلى الله عليه وسلم وصاحبه من مكة وهما اثنان لا ثالث لهما إلا الله لهو قابل للتكرار في غزوة تبوك، فتذكروا -إن تراخيتم وتكاسلتم- فقد نصره الله وقت أن أخرجه الكفار هو صاحبه وهما في الغار ويطمئن النبي قلب أبي بكر بقوله: (لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا) فأنزل الله السكينة والأمن والاطمئنان وأيدهم بالثقة واليقين وجعل كلمة الذين كفروا السفلى. ودومًا كلمة الله هي العليا وهو سبحانه الغالب الذي يدبر الأمور بحكمته سبحانه.

ثم تأمر الآيات المؤمنين أن ينفروا إلى غزاة تبوك على كل حال من الخفة والثقل «ومعنى الخفة والثقل هنا مستعار لمن يمكنه السفر بسهولة ومن يمكنه بصعوبة» 39، فيشمل الغني والفقير والشيخ والصغير ونحو ذلك.

وتأمرهم الآيات بالجهاد وإنفاق الأموال والأنفس رخيصة في سبيل الله، وقدم الأموال إذ هي أول ما يحتاجه المجاهد وقت التجهيز والإعداد للغزو، ثم شوقهم إلى ثواب ذلك وعظيم فضله فقال: ذلكم خير عظيم لكم إن كنتم تعلمون أنه خير.

وفي موضع آخر من السورة جاء الثناء على المؤمنين في استجابتهم لأمر رسول الله وذلك في قوله تعالى: (لَ?كِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ ? وَأُولَ?ئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ ? وَأُولَ?ئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ(88) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ? ذَ?لِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) [التوبة: 88 - 89] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت