فهرس الكتاب

الصفحة 960 من 2431

المال وسيلةٌ من الوسائل الضرورية، فهو قوام الحياة وروحها التي تسري في كيان المجتمعات والأمم، وهو نعمةٌ من نعم الله تعالى على العباد، بيد أنّه مع ذلك فتنةٌ وابتلاءٌ لمن ناله، بل فتنةٌ كذلك لمن حرم منه، ولنا في هذا الفصل وقفةٌ مع نظرة القرآن للمال، نتدبّر ما تيسّر من الآيات البينات التي تحدثت في هذا الشأن:

1.المال نعمة من الله.

نعم الله تعالى لا تعدّ ولا تحصى، فمنها الظاهر ومنها الباطن: {أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً} [لقمان: 20] .

ومنها العاجل والآجل، ومنها النعم العامة والنعم التي يختصّ الله بها من يشاء، ومن هذه النعم نعمة المال، قال تعالى في سورة إبراهيم: {وَآتَاكُمْ مِنْ كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34) } ، وقال تعالى في سورة نوح: {فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (12) } ، وتمام هذه النعمة أن يصير المال الصالح في يد العبد الصالح الذي اكتسبه من حلّه وينفقه في حقه، من هذا المنطلق قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمرو بن العاص رضي الله عنه: (يا عمرو نعم المال الصّالح مع الرّجل الصّالح) 40.

2.المال خيرٌ.

وجاء التعبير عن المال في القرآن بكلمة (خيرًا) كما في قوله تعالى: {كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 180] .

فالمال خير؛ لأنه يقضي الحاجات، ويغني عن السؤال، والمال خيرٌ إذا جاء من حلّه وأنفق في حقّه.

قال تعالى: {وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَلِأَنْفُسِكُمْ وَمَا تُنْفِقُونَ إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ اللَّهِ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ} [البقرة: 272] .

فنظرة الإسلام للمال نظرةٌ إيجابيةٌ واقعيةٌ متوازنة.

3.المال مال الله.

المال هبةٌ ومنحةٌ من الله، فهو من الله تعالى، وعلى العبد أن يضع نصب عينيه دائمًا أن المال مال الله تعالى، فلا يضنّ به على محتاجٍ، بل يحسن كما أحسن الله إليه، ويوسّع كما وسّع الله عليه.

قال تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33] .

4.الإنسان مستخلف في ماله.

وليدرك الإنسان أنه مستخلفٌ في هذا المال، وأنه لو دام لغيره لما وصل إليه، فليتق الله فيه، ولينفقه في حقه.

قال تعالى: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} [الحديد: 7] .

قال الإمام الشوكاني: «فإن المال مال الله، والعباد خلفاء الله في أمواله، فعليهم أن يصرفوها فيما يرضيه، وقيل: جعلكم خلفاء من كان قبلكم ممن ترثونه وسينتقل إلى غيركم ممن يرثكم؛ فلا تبخلوا به، كذا قال الحسن وغيره، وفيه الترغيب إلى الإنفاق في سبيل الخير قبل أن ينتقل عنهم ويصير إلى غيرهم» 41.

5.المال قوام الحياة:

جبلت النفوس على حبّ المال، فالمال بالنسبة للحياة كالدم الذي يضخّه القلب فيسري في سائر الأعضاء، فالمال قوام الحياة ونبضها.

قال تعالى: {وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا} [النساء: 5] .

قال البغوي: «هو ملاك الأمر وما يقوم به الأمر، وأراد هاهنا قوام عيشكم الذي تعيشون به، قال الضحاك: به يقام الحج والجهاد وأعمال البّر، وبه فكاك الرقاب من النار» 42.

وقال الزمخشري: « {جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا} أي: تقومون بها وتنتعشون، ولو ضيعتموها لضعتم ... » 43.

6.المال وسيلةٌ وليس غاية.

المال في الإسلام وسيلةٌ لا غاية، وسيلة إلى تحقيق بعض الحاجات وتحصيل المنافع التي لا غنى للإنسان عنها، لكن إذا صار المال غاية للإنسان فإنه ينقلب آفةً؛ إذ يحمله على الجشع والطمع، وارتكاب المحرمات وانتهاك المحظورات، والشحّ والأنانية، والتقتير والحرمان حتى يصير عبدًا للمال وخادمًا له وخازنًا عليه، ويضنّ بحق الفقراء والمساكين بل يحرم أعزّ الناس عليه من حقهم في الإنفاق، ولقد نهى الإسلام عن ذلك.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} [التوبة: 34] .

7.المنهج القويم في كسب المال.

دعا الإسلام إلى كسب المال الحلال الطيّب، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ} [الملك: 15] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ} [البقرة: 267] .

ونهى القرآن عن الكسب الحرام بشتى صوره ووسائله قال تعالى: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 188] .

وقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) } [النساء: 29] .

فتأمل كيف قرن بين أكل المال بوجه الحرام، وبين قتل النفس؛ لتشنيع أكل الحرام والمبالغة في تأثيمه، فهو قرينٌ لسفك الدماء وسلب الأرواح، وكم أفضى إلى ذلك، فحرَّم القرآن الكسب الحرام، وحرّم الوسائل المفضية إليه من كذب واحتيال وغشٍّ وتدليس وغبن واستغلال، وغير ذلك من الوسائل المحرمة للكسب. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هذا في الرجل يكون عليه مال وليس عليه فيه بينة، فيجحد المال، ويخاصم إلى الحكّام وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم آكلٌ الحرام 44.

8.المنهج القويم في إنفاق المال.

قال تعالى في أوصاف عباد الرحمن: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} [الفرقان: 67] .

أي: ليسوا مبذرين في إنفاقهم ولا بخلاء على أهليهم، بل معتدلون في الإنفاق، وخير الأمور أوسطها، وقد سأل عبد الملك بن مروان ابن أخيه عمر بن عبد العزيز ما نفقتك؟ فقال: الحسنة بين السيئتين، ثم تلا هذه الآية: {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا} .

قال ابن كثير رحمه الله {وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا} الآية «أي: ليسوا مبذّرين في إنفاقهم، فيصرفوا فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم، فيقصّروا في حقهم فلا يكفوهم بل عدلًا خيارًا، وخير الأمور أوسطها» 45.

سادسًا: اغتنام الوقت:

للوقت ذكره في القرآن وأهميته، فلقد بيّن القرآن الكريم قيمة الوقت، وأنه أمانة ومسئولية، وأنه نعمة جليلة، وعبرة عظيمة، وأن من شأن المؤمن أن يعمّر أوقاته بكل عمل صالح يعود نفعه عليه وعلى من حوله، وأن المحافظة على الوقت وحسن استثماره من أسباب التقدّم والنهوض، ومن مظاهر التحضّر والرقي، وهو من شأن العلماء والمصلحين والمجددين والقادة والحكام.

والعقلاء وحدهم هم الذين يدركون هذه النعمة ويجدّون في القيام بحق شكر المنعم عز وجل، الذي رحم بنا وأنعم علينا بنعمة الليل ونعمة النهار، فلا تستقيم الحياة بدون هاتين النعمتين، فلا غنى بالليل عن النهار، كما أنه لا غنى بالنهار عن الليل.

قال تعالى في سورة القصص: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (71) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (72) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [القصص:71 - 73] .

من هنا تتجلى لنا تلك النعمة الإلهية التي غفل عن شكرها الغافلون، وتنافس في تبديدها وإهدارها البطّالون المبطلون، وفرّط فيها المغبونون.

عن ابن عبّاسٍ رضي الله عنهما قال: قال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (نعمتان مغبونٌ فيهما كثيرٌ من النّاس الصّحّة والفراغ) 46.

فعلى المؤمن العاقل أن يجدّ في شكر المنعم على نعمة الوقت، وأن يوظّفه في كل مفيد نافع. ولسوف يسأل الكفار وهم يقلّبون في النار عن الأعمار التي أفنوها.

قال تعالى: {وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ} [فاطر: 37] .

من هول النيران يجأرون ويستغيثون فيها ألمًا وحسرة، سائلين ربهم أن يخرجهم منها؛ ليستدركوا ما فاتهم، ويصلحوا ما أفسدوه في حياتهم الأولى، وأنّى لهم ذلك وقد أمهلهم الله تعالى وأمدّ لهم في العمر، فما استكانوا لربهم ولا رجعوا إليه، بل كذّبوا بالنذر وأعرضوا عنها!! فيقال لهم: ذوقوا العذاب الذي كنتم تستعجلونه؛ استبعادًا وتحدّيًا، فلا ناصر لكم لظلمكم.

الوقت عظة واعتبار: ويتجلّى ذلك في تعاقب الجديدين وتقلّبهما، أعني: الليل والنهار، وفي ذلك من الاتعاظ والاعتبار ما يدل على أهمية الوقت. قال تعالى في سورة النور: {يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (44) } [النور: 44] .

قال ابن القيم في كتابه الجواب الكافي: «أعلى الفكر وأجلّها وأنفعها ما كان لله والدار الآخرة، فما كان لله فهو أنواع ... ، وذكر منها: الفكرة في واجب الوقت ووظيفته وجمع الهمّ كله عليه، فالعارف ابن وقته، فإن أضاعه ضاعت عليه مصالحه كلّها، فجميع المصالح إنما تنشأ من الوقت، فمتى أضاع الوقت لم يستدركه أبدًا» 47.

وبحرص سلفنا الصالح على أوقاتهم علا قدرهم وسما شأنهم، وخلد ذكرهم، أما في زماننا هذا فإن من أبرز أسباب تخلف كثيرٍ من المسلمين تفننهم وتفانيهم وتهافتهم وتنافسهم على تدمير وإهدار أوقاتهم؛ في المقاهي والملاهي والمطاعم والطرقات، وأمام التلفاز والتسجيلات الصوتية والمرئية، وغرف المحادثات والمنتديات التي إثمها أكبر من نفعها، وربما خلت من كلّ فضيلةٍ وأجدبت من كلّ منفعة، وأقفرت من كلّ خيرٍ، وفي غير ذلك من المجالات التي لا فائدة منها ولا ثمرة من ورائها، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

سابعًا: رعاية الحقوق وأداء الواجبات:

من أسباب التقدم والنهوض معرفة الحقوق والواجبات، وأداء الحقوق والقيام بالواجبات، ولقد ميّز القرآن الكريم في آياتٍ كثيرة بين الحقّ والواجب، وقدّم الواجب على الحقّ حتى يشتغل به المرء أولًا ففيه صلاحه وفلاحه وسعادته في الدارين، ولو أدى كلّ واحد ما عليه من واجبات لاستوفى أصحاب الحقوق حقوقهم، فإن أداء واجبٍ يعني الوفاء بحقٍّ.

قال تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [الفاتحة: 5] .

وفي تقديم العبادة -وهي حق الله على العباد- على طلب العون -وهو مطلب العباد من ربهم- بيان لوجوب تقديم الواجبات على المطالب.

وقال تعالى: {وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} [البقرة: 228] .

ونهى الله تعالى عن بخس الحقوق أو الانتقاص منها، فقال: {وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [الأعراف: 85] .

وقال تعالى: {وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (1) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (2) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ} [المطففين: 1 - 3] .

فإن التطفيف في الكيل والميزان كالتطفيف في الحقوق والواجبات، بعض الناس يقصّر في واجباته ويفرّط فيها بينما يصرّ على استيفاء حقوقه والزيادة عليها، وهذا من التطفيف في الحقوق والواجبات.

والحقوق في الإسلام منحة ربانية، ليست من وضع بشر ولا تفضلًا من أحد، والناس في المجتمع المسلم ليسوا في حاجة للكفاح والثورات من أجل البحث عن حقوقهم، بل إنها حقوق دعت إليها الشريعة وقررتها، حقوق تتناسب مع الفطرة، حقوق متوازنة تحقق العدالة والخير للجميع؛ الحاكم والمحكوم الغني والفقير، المرأة والرجل الصغير والكبير، حقوق ثابتة وشاملة تتواكب مع شتى العصور وتتناسب مع كل الأجيال، وهي ليست حكرًا على طبقة معينة أو على طائفة معينة منهن، فهي للجميع على السواء، مهما اختلفت الألوان وتناءت الأوطان وتباينت الظروف والبيئات، بل إن لغير المسلم حقوقه الشرعية التي يجب على المجتمع المسلم الذي يعيش في كنفه الوفاء بها، وهي واقعية تراعي طبيعة الإنسان وطاقاته واحتياجاته ودوره في هذا الوجود، فضلًا عن مراعاة طبيعة من يجب عليه الوفاء بتلك الحقوق، حقوق معلومة: معرفة تلك الحقوق مطلب ضروري ومقصد شرعي فيجب على الجميع معرفة ما له وما عليه، خذ على سبيل المثال حق الفقير على الغني قال تعالى: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ (24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 24 - 25] .

ولقد حرص سلفنا الصالح على معرفة ما عليهم من واجبات وما لهم من حقوق، فعن حكيم بن معاوية القشيريّ عن أبيه رضي الله عنه قال: (قلت: يا رسول الله ما حقّ زوجة أحدنا عليه؟ قال:(أن تطعمها إذا طعمت، وتكسوها إذا اكتسيت أو اكتسبت، ولا تضرب الوجه، ولا تقبّح، ولا تهجر إلاّ في البيت) 48.

-أولًا: صور ومشاهد لحضارات رائدة:

نظرة القرآن للحضارات البائدة على أنها تاريخ الإنسانية وتراثها نلمس فيها الإيجابيات والسلبيات، ونستخلص فيها عوامل البناء ومعاول الهدم، أما حضارتنا الإسلامية الرائدة في عصور ازدهارها وزمان نهوضها ورقيّها فلا ينبغي أن نقنع بالوقوف عند آثارها ونكتفي ببكاء أطلالها والتفاخر بأمجاد أسلافنا، بل نجعلها صهوة انطلاقنا ونستلهم منها العزم، والله تعالى بعد أن تحدث عن أسلاف بني إسرائيل وأصولهم الطيّبة؛ إبراهيم وإسحاق ويعقوب والأسباط.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 141] .

وفي هذا درسٌ لبني إسرائيل حين كانوا يتفاخرون بأسلافهم مع انحرافهم عن مسارهم ونكوبهم عن هديهم.

1.من قصة ذي القرنين.

قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ کک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?پ پ پ پ ? ? ? ? ? ?) [الكهف: 83 - 98] .

رجل صالح مكّن الله له، وهيأ له الأسباب فأخذ بها، واجتهد في استثمارها وتطويرها، فطوّف في الأرض، وجال في أقطارها، قائدًا ظافرًا، وحكمًا عادلًا، وسلطانًا قويًّا، وعبدًا شكورًا، فملأ الدنيا عدلًا ونورًا.

طاف موسى عليه السلام طلبًا للعلم النافع، وطاف الخضر بأمر الله تعالى حاملًا راية الإصلاح والتغيير، كذلك طاف ذو القرنين بجنده وعتاده؛ لينشر العدالة في ربوع الكون، ويبلّغ دعوة الحق، ويصحح المفاهيم، ويقيم الموازين القسط، ويرسّخ القيم الأصيلة، والأخلاق الفاضلة، ويحمل رسالة إصلاح، ويمثّل هيئة إنقاذ عالمي للإنسانية الحائرة.

جاءت القصة جوابًا عن سؤالهم عن شأن هذا الرجل الصالح الذي مكّن الله تعالى له في الأرض، وأعطاه العلم والحكمة، وألبسه ثياب العزّ وتاج الوقار والهيبة.

أما اسمه فقد اختلف المفسرون فيه على أقوال كثيرة؛ منهم من قال: هو الإسكندر المقدوني، ومنهم من زعم أنه: قورش الفارسي أو دارا الفارسي أو أفريقس أو ملك من ملوك اليمن أو ابن فرعون مصر، والمتأمل في هذه الأقوال وما استندت إليه يجدها لا أصل لها في الكتاب أو السنة، كما أنها مبنية على الظن والاحتمال، فضلًا عن أن ذا القرنين كان مؤمنًا موحدًا.

والذي يتجلى لنا من خلال حديث القرآن عنه أنه ملك مؤمن على علمٍ وصلاحٍ مكّن الله له، فسعى جاهدًا ومتجرِّدًا؛ لنشر الحق والعدل، ويعنينا أن نتدبر قصته، ونستخلص منها الدروس والعبر في الدعوة والإصلاح والقيادة والإدارة والسياسة والقضاء.

ثم إن السؤال ليس عن شخص ذي القرنين، وإنما عن حياته وجهاده وصلاحه وأمجاده.

(? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ?) : مكّن الله له في الأرض ووهبه أسباب النصر والتمكين وأصول السياسة وفنون التدبير، فأحسن استغلال هذه المنح والمواهب على أتمّ وجهٍ، بل جعلها ركيزةً ومنطلقًا إلى ريادة الكون بالعلم والإيمان، والعدل والإحسان.

مكّن له صاحب العظمة والسلطان تمكينًا عظيمًا في أنحاء المعمورة، وآتاه من الأسباب ما يحتاج إليه في توطيد ملكه وبسط سلطانه وكبت أعدائه وتحقيق مراده.

والسبب: هو الوسيلة التي يتوصّل بها إلى المطلوب.

قال ابن عباس: « (پ پ پ پ ?) : علمًا يتسبب به إلى ما يريد» ، وقيل: «هو العلم بالطّرق والمسالك» 49. (? ?) أي: سلك وسار طريقًا يوصله إلى المقصود، وأخذ بكلّ ما أمكنه تحصيله من علومٍ، وتتبع السبل والوسائل التي تعينه على تحقيق أهدافه وطموحاته في الدعوة والإصلاح ونشر العدالة والرحمة في شتى الأرجاء، فلم يكن ما قام به ذو القرنين من خوارق العادات، بل كان تمكينه من منطلق الأخذ بالأسباب، وفق نواميس الكون، حيث هداه الله للأسباب ووفقه إليها.

معالم حضارية من قصة ذي القرنين:

-الأخذ بالأسباب المعينة على النهوض والرقيّ. ومن تلك الأسباب: الإيمان الخالص، والعلم النافع، والعمل الصالح، مع الإخلاص والتجرد والتوكل واليقين وعلو الهمة، ويحضرني في هذا المقام قول إقبال:

لو يمسّ التوحيد فكرًا نقيًّا

وضميرًا حيًّا وقلبًا أبيًّا

لأحال الخمول والضعف إيمانًا

وعزمًا يغزو نجوم الثّريّا

-قيام الحضارات لا يتأتى بين عشية وضحاها. بل يأتي بعد جهدٍ جهيدٍ وصبرٍ جميلٍ وإعدادٍ جيّدٍ وتخطيطٍ محكمٍ.

-الحضارة الإسلامية تبعث في النفس روح النهوض والأمل وتنمي ملكة الابتكار.

-ضرورة التخطيط الواعي المقترن بالتنفيذ المحكم لإصلاح البلاد والنهوض بها.

-لابد أن نكون أمة متحضرة متقدمة حتى يسمع العالم لنا. فهذا ذو القرنين يستمع العالم له، ويشيد بعدله ويحتمي بسلطانه.

-نشر روح الحضارة والرقي في كافة بقاع الأرض؛ ليعم الخير الجميع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت