فهرس الكتاب

الصفحة 1532 من 2431

الغيبة والنميمة والسباب والشتم والاحتقار والتنابز بالألقاب والاستهزاء والقذف ونحو ذلك مما تناولته سورة الحجرات.

وشهادة الزور، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر .. ألا وقول الزور) 34.

وقتل النفس بغير حق، كما قال تعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ} [الإسراء: 33] .

أخذ أرض الغير أو شيء منها بغير وجه حق، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من أخذ شبرًا من الأرض ظلمًا فإنه يطوقه يوم القيامة من سبع أرضين) 35.

وأكل أموال الناس بالباطل، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ} [النساء: 29] .

والتعامل بالربا، كما قال تعالى: {فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (160) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} [النساء: 160 - 161] .

والغش في المعاملات، كما قال صلى الله عليه وسلم: (من غشنا فليس منا) 36.

ومماطلة من له حق عليه، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (مطل الغنى ظلم) 3738.

2.الظلم الواقع بين الأرحام.

عقوق الوالدين: يعدّ عقوق الوالدين من صور الظلم الاجتماعي، وقد أمر الإسلام بالإحسان إلى الوالدين، فقال تعالى: {وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا} [الإسراء: 23] .

لكن هناك من يخالف شرع الله ويعقّ والديه، وقد ظهر العقوق بأشكال متنوعة، منها: أن يسبّ الرجل والديه، وقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم ذلك بقوله: (إن من أكبر الكبائر أن يلعن الرجل والديه) ، قيل: وكيف يلعن الرجل والديه؟ قال: (يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه) 39.

ومن صوره: منع النفقة عن الآباء، رغم حاجة الآباء إلى النفقة مع قدرة الأبناء، وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم قال، قال صلى الله عليه وسلم: (أنت ومالك لأبيك) 40.

ومنه: ميل الوالد لبعض أولاده، ويكون ذلك بعدم العدل بينهم في الهدية والعطية؛ وبالتالي فإن هذا يؤدي إلى العقوق، وكراهية بعضهم لبعض، ودافع للعداوة بين الإخوة.

وقد روي عن النعمان بن بشير رضي الله عنهما أن أمه بنت رواحة سألت أباه بعض الموهوبة من ماله لابنها، فالتوى بها سنة، ثم بدا له، فقالت: لا أرضى حتى تشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم على ما وهبت لابني، فأخذ أبي بيدي وأنا غلام فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله: إن أم هذا بنت رواحة أعجبها أن أشهدك على الذي وهبت لابنها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا بشير ألك ولد سوى هذا؟ قال: نعم، فقال: أكلهم وهبت له مثل هذا؟ قال: لا، قال: فلا تشهدني إذًا فإني لا أشهد على جور) 41.

وأكل حقوق النساء في الميراث، فقد جاء الإسلام ليبطل ما فيه ظلم وجور من توريث الأبناء دون البنات في الجاهلية، وحدد لكل مستحق من التركة حقه.

قال تعالى: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ} [النساء: 11] .

والمتأمل في الواقع يجد أن أكثر ذلك الظلم يقع على الأخوات من أقرب الناس إليهن، وهم إخوتهن، وكثيرًا ما نسمع ونرى من المشاكل التي أدت إلى قطع الأرحام والعداوات بين الأقارب، والتي كان سببها تعطيل قسمة الفرائض والجور فيها، وقسمتها على غير ما أمر الله سبحانه.

ومنه أيضًا قطيعة الرحم، وقد فشى في مجتمعات المسلمين، ومن أخطرها من لا يعرف الناس قرابته بصلة، ولا بمال ولا بأي شيء، تمضي الشهور وربما الأعوام وما قام بزيارتهم، ولا تودد إليهم بصلة أو هدية، ولا دفع عنهم حاجة أو أذية، بل ربما أساء إليهم بالقول أو الفعل أو بهما معًا، وقد قال تعالى: {فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ} [محمد: 22] .

وقال صلى الله عليه وسلم: (لا يدخل الجنة قاطع) 4243.

والحاصل أن الظلم الاجتماعي له صورٌ متعددة ذكرنا بعضًا منها، والواجب على المسلم أن يحاسب نفسه، ويتأمل تعاملاته مع أقربائه وجيرانه وزملائه، ويجب أن يعلم أن حبه لأحد لا يقتضي الغلو والمبالغة فيه وعدم نصحه، كما أن بغضه أو عدم ارتياحه لأحدٍ لا يسوّغ له ظلمه، أو التعدي عليه، أو ترك ما يجب له من التكريم والصلة، وهذا هو العدل الذي قامت به السماوات والأرض، وأمر به الشرع، قال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} [الأنعام: 152] ، وقال تعالى: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] .

للظلم أسباب كثيرة ومتعددة، تؤدي إليه، وتوقع الإنسان به، وبيان هذه الأسباب متمثلة في المطالب الآتية:

أولًا: الكفر:

إن الكفر بنعم الله سبحانه وجحودها من أبرز أسباب الظلم، وقد أكد ذلك القرآن الكريم.

قال تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 254] .

قال الطبري في تفسيرها: «فإنه يعني تعالى ذكره بذلك والجاحدون لله المكذبون به وبرسله هم الظالمون، يقول: هم الواضعون جحودهم في غير موضعه، والفاعلون غير ما لهم فعله، والقائلون ما ليس لهم قوله» 44.

وقد قال تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ} ولم يقل: والظالمون هم الكافرون؛ لأن معنى الآية أن كل كافر ظالم، وليس كل ظالم كافرًا.

ولو قال: (الظالمون هم الكافرون) لكان قد حكم على كل ظالم -وهو من يضع الشيء في غير موضعه- بالكفر 45.

ثانيًا: اتباع الهوى واتباع الظن:

الظلم ليس وليد نفسه، بل له منابع وأسباب، ومن هذه الأسباب: تسلّط الأهواء والغرائز على الظالمين حكامًا أو محكومين، قال تعالى: {بَلِ اتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الروم: 29] .

ومعنى الآية: أن أولئك الظالمين اتبعوا أهواءهم جهلًا منهم لحق الله عليهم، فأشركوا الآلهة والأوثان في عبادته، ولو قلّبوا وجوه الرأي، واستعملوا الفكر والتدبر لربما ردهم ذلك إلى معرفة الحق، ووصلوا إلى الرشد، ولكن أنى لهم ذلك 46.

ثالثًا: الاستكبار والترف:

من الناس من ينعم الله سبحانه عليه بالنعم الكثيرة، ولكنه لا يدرك قدرها، فيستخدمها في غير ما خلقت له، ومثال ذلك: نعمة الصحة والمال، فيتكبّر ويتجبّر، قال تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى} [العلق: 6 - 7] .

ومعنى ذلك: أن أمر هذا الإنسان عجيب، فإنه متى أحس من نفسه قدرة وثروة خرج من الحد الذي يجب أن يكون عليه، واستكبر عن الخشوع لربه، وتطاول بأذى الناس، وعدّ نفسه فوقهم جميعًا، وقد كان من حقه أن يكون وإياهم أعضاء أسرة واحدة، يتعاونون في السراء والضراء، ويحب الخير لهم كما يحبه لنفسه 47.

ومن الأمثلة التي ساقها القرآن الكريم عن أولئك الذين طغوا بسبب النعم: قصة النمرود بن كنعان، الذي أعطاه الله الملك ثم بعد ذلك ادعى الربوبية.

قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ} [البقرة: 258] .

وكذلك فرعون الذي آتاه الله الملك والسلطان فكان ذلك سببًا لادعاء الربوبية.

قال تعالى: {اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (17) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (18) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (19) فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (20) فَكَذَّبَ وَعَصَى (21) ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (22) فَحَشَرَ فَنَادَى (23) فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 17 - 24] .

رابعًا: الحسد:

إن الحسد من الأسباب المؤدية إلى الظلم، فهو الذي أخرج إبليس -لعنه الله- من رحمة ربه، حيث حسد آدم على مكانته عند ربه، فامتنع عن السجود تكبرًا وعصيانًا لأمر الله سبحانه عندما أمر الملائكة بالسجود لآدم، فسجدوا إلا إبليس استكبر.

وقال الله عنه: {قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ} [ص: 76] .

وبالحسد سفك أول دم حرام على وجه الأرض، حيث حسد ابن آدم قابيل أخاه هابيل؛ لأن الله سبحانه تقبّل قربان هابيل الذي قدمه؛ لأنه طيب، ومن نفس طيبة، أما قابيل فلم يقبل منه؛ لأنه أسوأ حالة، ولم يجد بها إلا مكرهًا، وكانت علامة القبول نزول نار فتحرق المقبول، وتترك الذي لم يقبل، فحسد قابيل أخاه فقتله، فأصبح من الخاسرين، وكان عليه وعلى الشيطان كفلٌ من يقتل ظلمًا إلى يوم القيامة 48.

خامسًا: الولاء للأعداء:

حذر القرآن الكريم من موالاة الظالمين ومساندتهم بأي صورة كانت.

فقال تعالى: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 113] .

ومعنى الآية: أنه يجب عليكم أيها المؤمنون ألا تستندوا إلى الذين ظلموا، وهم المشركون وغيرهم، فتجعلوهم ركنًا لكم تعتمدون عليه، فتقرونهم على ظلمهم، وتوالوهم في شئونكم الحربية وأعمالكم الدينية، فإن الظالمين بعضهم أولياء بعض، وخلاصة ذلك لا تستعينوا بالظلمة، فتكونوا كأنكم رضيتم على أعمالهم، فإن فعلتم ذلك أصابتكم النار التي هي جزاء الظالمين، بسبب ركونكم إليهم، والاغترار بهم، والاعتماد عليهم، والركون إلى الظلم وأهله ظلم 49.

كما أكد القرآن على عدم موالاة الكافرين، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [التوبة: 23] .

قال الطبري: «يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم بطانة وأصدقاء، تفشون إليهم أسراركم، وتطلعونهم على عورة الإسلام وأهله، وتؤثرون المكث بين أظهرهم على الهجرة إلى دار الإسلام {إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ} ، يقول: إن اختاروا الكفر بالله، على التصديق به والإقرار بتوحيده {وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ} يقول: ومن يتخذهم منكم بطانة من دون المؤمنين، ويؤثر المقام معهم على الهجرة إلى رسول الله ودار الإسلام {فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} يقول: فالذين يفعلون ذلك منكم، هم الذين خالفوا أمر الله، فوضعوا الولاية في غير موضعها، وعصوا الله في أمره» 50.

كما حذّر القرآن الكريم من موالاة اليهود والنصارى؛ لأن في موالاتهم نصرة لهم على الدين وأهله، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [المائدة: 51] .

سادسًا: ترك التوبة:

إن من يفعل المعاصي ويستمر في فعلها دون الرجوع إلى الله سبحانه والإنابة إليه، يستمرئ هذه المعاصي، ويزيد فيها حتى تصبح ديدنه، فلا زاجر له ولا رادع، ويكون قد ظلم نفسه وغيره؛ لأن التوبة تعتبر رادعًا للظالم عن ظلمه، وقد حذّر القرآن الكريم من عدم التوبة للعاصي، ووسم من يفعل ذلك بالظلم، فقال تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [الحجرات: 11] .

ومعنى ذلك: أن من لم يتب من شروره ومعاصيه فهو ظالم؛ لأنه ظلم الناس بالاعتداء عليهم، وظلم نفسه بأنه رضي لها عقوبة الآخرة مع التمكن من الإقلاع عن ذلك، فكان ظلمه شديدًا جدًّا؛ لذلك جيء له بصيغة قصر الظالمين عليهم، كأنه لا ظالم غيرهم، لعدم الاعتداد بالظالمين الآخرين في مقابلة هؤلاء على سبيل المبالغة ليزدجروا 51.

فالتوبة واجبة من كل ذنب، وكل من تاب من بعد ظلمه وأصلح فإن الله سبحانه يقبل توبته، قال تعالى: {فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [المائدة: 39] .

وقد وردت هذه الفاصلة القرآنية بعد الحديث عن عقوبة السارق، وبيّنت أن من تاب من بعد سرقته، وأناب إلى الله سبحانه، ورجع عن فعلته، ورد أموال الناس، وأصلح نفسه، وزكاها بأعمال التقوى والبر، وكانت توبته بنية صادقة، مع العزم على ترك العود، فإن الله يقبل توبته، فلا يعذبه في الآخرة 52.

سابعًا: اتباع الشهوات:

إن حرمات الله سبحانه هي جميع ما حرّم الله سبحانه من حقوق الخالق وحقوق المخلوقين من أشخاص وأزمان وأمكنة، وقد حذّرنا الله سبحانه في أكثر من آية من انتهاك حرماته والتعدي عليها، وجعل ذلك من أكبر الكبائر، واعتبر كل من ينتهك حرمات الله سبحانه ظالمًا، قال تعالى: {تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [البقرة: 229] .

قال الطبري في تفسيرها: «يعني تعالى ذكره تلك معالم فصوله بين ما أحل لكم وما حرم عليكم أيها الناس، فلا تعتدوا ما أحل لكم من الأمور التي بينها وفصّلها لكم من الحلال إلى ما حرم عليكم، فتتجاوزوا طاعته إلى معصيته» 53.

ومما يؤدي إلى انتهاك حرمات الله سبحانه اتباع الشهوات قال تعالى: {وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا} [النساء: 27] .

فمتّبعو الشهوات هم الفسقة الذين يدورون مع شهوات أنفسهم وينهمكون فيها، فكأنها أمرتهم باتباعها فامتثلوا أمرها، فلا يبالون بما قطعوا من وشائج الأرحام، ولا بما أزالوا من أواصر القرابة، فليس مقصدهم إلا التمتع باللذة، أما اللذين يفعلون ما يأمر به الدين فليس غرضهم إلا امتثال أوامره، لا اتباع شهواتهم، ولا الجري وراء لذاتهم 54، لذا لابد من تقوى الله سبحانه والابتعاد عن انتهاك حرماته؛ لأن ذلك من أسباب الظلم المؤدية إلى نار جهنم.

أولًا: سبل الوقاية من الظلم:

إن الوقاية من الظلم لها سبل متعددة، تؤدي إلى تحقق هذه الوقاية، فإن أخذنا بها اتقينا الظلم، ومن هذه السبل ما يأتي:

1.إشاعة العدل في كل شيء.

يعدّ العدل من العوامل الرئيسة والآداب السامية التي تؤدي إلى الوقاية من الظلم والطغيان، وذلك بنشر العدل بين الناس وعدم التفريق بينهم، فالمظلوم أو المقهور إن لم يستطع نيل حقه بالطرق المشروعة فقد يعلن عن غضبه بقيامه برد الظلم بمثله، ومن هنا ينتشر الظلم المضاد، لذلك كان أمر الله سبحانه بالعدل صريحًا.

قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90] .

وقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [المائدة: 8] .

قال ابن كثير: «فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغضة الناس إليكم على ترك العدل في أموركم وشؤونكم بل الزموا العدل على أي حال» 55.

2.صيانة الروابط الاجتماعية من عوامل البغضاء والشحناء.

تحتل الروابط الاجتماعية مكانة مهمة في الإسلام، ولهذا سعى الإسلام إلى العمل على صيانتها، ومعالجة العوامل التي تهدد تماسكها وترابطها، وتقود إلى الشقاق والمنازعات والعداوة والبغضاء، ومن أهم هذه العوامل التي تؤثر سلبًا في العلاقات الاجتماعية: الإشاعة، وهي بث الأخبار بقصد الإفساد بشكل مباشر أو غير مباشر، ولهذا وضع الإسلام منهاجًا خاصًّا لتلقي الأخبار، وذلك لأن الشائعات تفسد بين القلوب، وتحدث الفوضى، وقد تكون سببًا في حدوث كوارث ونكبات في المجتمع بين أفراده.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} [الحجرات: 6] .

قال الشوكاني: «والمراد من التبين التعرف والتفحص والتبصر في الأمر الواقع، والخبر الوارد حتى يتضح ويظهر» 56.

3.التحكم في الغضب الذي يدفع الناس إلى الظلم.

وجّه الإسلام إلى عدم الغضب، والبعد عن أسبابه، لما له من آثار سلبية على علاقة الناس بعضهم ببعض، ولما يسببه من شحناء وبغض قد يكون سببًا في انتشار الظلم في المجتمع، قال تعالى: {وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ} [آل عمران: 134] .

فمن أجاب داعي الغيظ وتوجه بعزيمة إلى الانتقام لا يقف عند حد الاعتدال، ولا يكتفي بالحق، بل يتجاوزه إلى البغي، ومن ثم كان من التقوى كظمه 57.

4.الإنكار على الظالم ومنعه من الظلم.

إذا كان الظلم سببًا في هلاك الأمة، فمن الواجب شرعًا الإنكار على الظالم، ومنعه من الظلم، وعدم السكوت عن ظلمه.

عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ} [المائدة: 105] ، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن الناس إذا رأوا ظالمًا فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) 58.

أي: إذا لم تمنعوه من ظلمه مع القدرة على منعه أوشك الله أن يعمهم بعقاب منه، ومن الواضح أن الظالم يجب منعه من الظلم والإنكار عليه، ويشمل ذلك الحاكم وغيره من الظلمة.

5.عدم الركون إلى الظالمين.

وهذا سبيل من سبل الوقاية من الوقوع في الظلم، أو شيوعه وانتشاره، وما يترتب على ذلك من العقاب أو الهلاك بالأمة، وهو عدم الركون إلى الذين ظلموا بأي نوع من أنواع الركون إليهم، حتى يعجزوا أو يضعفوا عن ارتكاب الظلم، لا سيما الحكام الظلمة؛ لأنهم لا يرتكبون المظالم إلا بأعوانهم، وبسكوت أهل الحق عنهم، أو بركونهم إليهم.

قال تعالى محذِّرًا من الركون إلى الذين ظلموا: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ} [هود: 113] .

ومعنى الآية: لا تميلوا إلى قول هؤلاء الذين كفروا بالله فتقبلوا منهم، وترضوا أعمالهم، فتمسكم النار بفعلكم ذلك 59.

وقال الزمخشري: «والنهي متناول للانحطاط في هواهم والانقطاع إليهم، ومصاحبتهم في مجالسهم، وزيارتهم ومهادنتهم والرضا بأعمالهم والتشبه بهم، والتزيي بزيهم، ومد العين إلى زهرتهم، وذكرهم بما فيه تعظيم لهم» 60.

6.عدم إعانة الظالم على ظلمه.

إن أعوان الظالم هم ظلمة مثله، فلا يجوز إعانة الظالم؛ لأنه إذا كان الركون بجميع أشكاله وأنواعه لا يجوز، فما يكون فيه إعانة للظالم أولى أن لا يجوز، والواقع أن الحاكم الظالم إنما يتمكن من ظلمه بمعاونة أعوانه وأتباعه، وليس بنفسه فقط، فالمعاونة له بأي شكل من أشكالها لا تجوز، لأنها تقوية له ومساعدة له لتنفيذ ظلمه، ولهذا إذا نزل العذاب بالحاكم الظالم نزل بأعوانه أيضًا، لأنهم مثله ظالمون، كما حصل لفرعون وأعوانه.

قال تعالى: {فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ} [القصص: 40] .

أي جمعنا فرعون وجنوده من القبط فألقيناهم جميعًا في البحر 61.

ثانيًا: طرق علاج الظلم:

إن علاج الظلم له طرق ووسائل متعددة، تؤدي إلى علاجه، فإن أخذنا بها فقد عالجنا هذا المرض العضال، ومن هذه الطرق والوسائل ما يأتي:

1.معايشة القرآن الكريم وسنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وذلك لأن القرآن أسهب في الحديث عن الظلم والظالمين، وبيّن جرائمهم وعواقب هذه الجرائم، وكذلك سنة رسولنا صلى الله عليه وسلم، وحسبنا أن الرسل والرسالات كانت من أجل رفع الظلم عن المظلومين، أو مداوة الظالمين أو تخويفهم عاقبة ظلمهم، وإقامة الحجة عليهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت