فهرس الكتاب

الصفحة 919 من 2431

وقال بعض العلماء: {أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ} هي من كلام الله يوبخ بها الكفار، أو من كلام بعض الملائكة أمره بذلك، وأن قوله: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ} راجعة إلى أصحاب الأعراف، أن أصحاب الأعراف بعد أن وبّخوا أهل النار وهم بين الجنة والنار يطمعون أنه بعد ذلك يرحمهم الله فيتفضل عليهم، ويقول لأصحاب الأعراف: {ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} وهذا الوجه الأخير ذكره جماعة كثيرة من المفسرين، والأول أظهر، وإن كان القائل بهذا الأخير كثيرًا جدًّا من علماء التفسير» 154.

فتحصل من أقوال المفسرين أن من دخل الجنة يقال له: {لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ} ، فالحزن منفي عن عباد الله الذين يدخلهم سبحانه دار كرامته ويسكن في جنته.

ومن الآيات الدالة على نفي الحزن عن أصحاب الجنة ما ذكره سبحانه وتعالى عن الشهداء فقال: {فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (170) } [آل عمران:170] .

قال الإمام الطبري: «يعني بذلك تعالى ذكره: ويفرحون بمن لم يلحق بهم من إخوانهم الذين فارقوهم وهم أحياء في الدنيا على مناهجهم من جهاد أعداء الله مع رسوله، لعلمهم بأنهم إن استشهدوا فلحقوا بهم صاروا من كرامة الله إلى مثل الذي صاروا هم إليه، فهم لذلك مستبشرون بهم، فرحون أنهم إذا صاروا كذلك {أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} ، يعني بذلك: {أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ} ، لأنهم قد أمنوا عقاب الله، وأيقنوا برضاه عنهم، فقد أمنوا الخوف الذي كانوا يخافونه من ذلك في الدنيا، {وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} على ما خلّفوا وراءهم من أسباب الدنيا ونكد عيشها، للخفض الذي صاروا إليه والدعة والزّلفة» 155.

فهؤلاء الشهداء يستبشرون بمن لم يلحق بهم من إخوانهم بأن لهم من الكرامة والزلفى في الجنة وأنهم لا خوف عليهم ولاهم يحزنون وذلك لما رأوه من كرامة حصلت لهم.

قال المراغي: « {أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} أي: هم يستبشرون بما تبين لهم من حسن حال إخوانهم الذين تركوهم أحياء، وهي أنهم عند قتلهم يفوزون بحياة أبدية، لا يكدرها خوف من وقوع مكروه من أهوالها، ولا حزن من فوات محبوب من نعيمها» 156.

وقال صاحب تفسير المنار: «وقوله: {أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} بدل اشتمال من الذين لم يلحقوا بهم، أي: يستبشرون بهم من حيث إنه لا خوف عليهم، فالخوف والحزن على هذا منفيان عن الذين لم يلحقوا بهم. أو الباء للسببية والمعنى بسبب أنه لا خوف عليهم إلخ. وحينئذ يحتمل أن يكونا منفيين عنهم أنفسهم، أي: إن الفرح والاستبشار يكونان شاملين لهم بحالهم وبحال من خلفهم من إخوانهم بسبب انتفاء الخوف والحزن عنهم وهم حيث هم. كما يحتمل أن يكون المراد نفيهما عن الذين لم يلحقوا بهم أيضًا، والمختار عندي أن المراد بنفي الخوف والحزن نفيهما عن الذين لم يلحقوا بهم ممن قاتل معهم ولم يقتل، وأن الآية الآتية مفسرة لذلك. والخوف: تألم من مكروه يتوقع، والحزن: تألم من مكروه وقع، وقد قيل إن المراد بالخوف والحزن: ما يكون في الدنيا، وقيل: بل المراد ما يكون في الآخرة. ويجوز أن يكون المعنى أنه لا خوف عليهم في الدنيا من استئصال المشركين لهم أو ظفرهم بهم ثانية، ولا هم يحزنون في المستقبل البعيد عندما يقدمون على ربهم في الآخرة» 157.

فتحصل من أقوال المفسرين أن الحزن منفي عن الشهداء ومن سيلحق بهم عندما يقدمون على ربهم سبحانه وتعالى، ويدخلهم جنته ودار كرامته.

-في القرآن الكريم والسنة النبوية العلاج الكافي والبلسم الشافي لحالات الحزن، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى بعباده؛ إذ أنه سبحانه وتعالى جعل القرآن الكريم شفاءً ورحمة للمؤمنين، وما عليهم سوى العودة إلى كتاب ربهم، وسنة نبيهم صلى الله عليه وسلم ليفوزوا بالسعادة والطمأنينة والراحة في الدارين، ومن هذه العلاجات الربانية التي ذكرت في القرآن الكريم ما سيكون بيانه في النقاط الآتية:

أولًا: الإيمان والعمل الصالح:

أنجع الأدوية، وأفضل العلاجات، وأشفى العقاقير للهم والحزن؛ الإيمان والإكثار من الأعمال الصالحة، حيث إن المؤمن بربه يرضى بالقضاء والقدر، ويعلم أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، ويعلم أن في هذا الابتلاء والامتحان خيرًا كثيرًا وأجرًا كبيرًا، وأن المصائب والنكبات التي تنزل به يخفف الله بها عليه من الخطايا والسيئات، ويستحضر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (ما يصيب المسلم، من نصبٍ ولا وصبٍ، ولا همٍّ ولا حزنٍ ولا أذًى ولا غمٍّ، حتّى الشّوكة يشاكها، إلّا كفّر اللّه بها من خطاياه) 158.

ثم إن المؤمن المحتسب واثق بوعد الله سبحانه وتعالى له بقوله عز وجل: (ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گگ ? ? ? ? ? ? ?) [النحل:97] .

فالحياة الطيبة يزول معها الهم والحزن. ولعل السبب في ذلك أن المؤمنين بالله سبحانه وتعالى الإيمان الحقيقي الذي من ثمرته وتمامه العمل الصالح معهم أصول وأسس يتلقون فيها جميع ما يرد عليهم من المحبات والمسرات بقبول وشكر لله عليها، كما يتلقون المكاره والهم والغم والحزن بالمقاومة لما يمكنهم مقاومته، والصبر الجميل لما لا بد من وقوعه.

كما أن الإيمان باليوم الآخر وتصوره عند المؤمن يجعله يعلم أن الدنيا لا تساوي شيئًا؛ فهي قصيرة جدًّا، ومتاعها زائل وكل ما عليها سيفنى. . فعندما يفقد عزيزًا يعرف أنه سيلتقي به في الآخرة - إن شاء الله-، وما عند الله خير وأبقى، وأنه إذا صبر وجد الأجر العظيم في ذلك اليوم، فهذا الإيمان يهون المصيبة ويخفف الحزن، ويجعل المؤمن مقبلًا على الله راجيًا ثوابه، محتسبًا كل ما أصابه.

وعند الرجوع إلى كتاب الله سبحانه وتعالى نجد أن هذا العلاج قد ذكر في أكثر من آية وهذه هي النصوص الدالة على ذلك:

قال الله سبحانه وتعالى: (? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة:38] .

أي: انزلوا من الجنة إلى الأرض لتعيشوا فيها 159، وهذا الأمر لبيان أن طور النعيم والراحة قد انتهى وجاء طور العمل، وفيه طريقان: هدى وإيمان، وكفر وخسران 160، (پ پ پ پ) الخطاب لآدم وزوجه وإبليس، والمراد ذريته، (? ? ?) أي: فمن استمسكوا بالشرائع التي أتى بها الرسل، وراعوا ما يحكم العقل بصحته بعد النظر في الأدلة التي في الآفاق والأنفس 161.

وقوله: (? ? ? ? ? ?) ، جواب شرط فمن اتبع هداي، ومعناه: اتباع الهدى يفضي بالعبد إلى أن لا يخاف ولا يحزن لا في الدنيا ولا في الآخرة 162.

فالمهتدون بهدى الله لا يخافون مما هو آت، ولا يحزنون على ما فات، فإن من سلك سبيل الهدى سهل عليه كل ما أصابه أو فقده، لأنه موقن بأن الصبر والتسليم مما يرضي ربه، ويوجب مثوبته، فيكون له من ذلك خير عوض عما فاته، وأحسن عزاء عما فقده، فمثله مثل التاجر الذي يكدّ ويسعى وتنسيه لذة الربح آلام التعب 163.

قال السعدي: « (پ پ پ پ) أي: أيّ وقت وزمان جاءكم مني -يا معشر الثقلين- هدى، أي: رسول وكتاب يهديكم لما يقربكم مني، ويدنيكم مني، ويدنيكم من رضائي، (? ? ?) منكم، بأن آمن برسلي وكتبي، واهتدى بهم، وذلك بتصديق جميع أخبار الرسل والكتب، والامتثال للأمر والاجتناب للنهي، (? ? ? ? ? ?) .

وفي الآية الأخرى: (? ? ? ? ? ? ? ?) [طه:123] .

فرتب على اتباع هداه أربعة أشياء؛ نفي الخوف والحزن، والفرق بينهما أن المكروه إن كان قد مضى أحدث الحزن، وإن كان منتظرًا أحدث الخوف، فنفاهما عمن اتبع هداه، وإذا انتفيا حصل ضدهما، وهو الأمن التام، وكذلك نفي الضلال والشقاء عمن اتبع هداه، وإذا انتفيا ثبت ضدهما، وهو الهدى والسعادة، فمن اتبع هداه حصل له الأمن والسعادة الدنيوية والأخروية والهدى، وانتفى عنه كل مكروه، من الخوف، والحزن، والضلال، والشقاء، فحصل له المرغوب، واندفع عنه المرهوب، وهذا عكس من لم يتبع هداه، فكفر به، وكذب بآياته» 164.

ومن الآيات الدالة على أن الإيمان والعمل الصالح علاج للحزن قوله سبحانه: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ) [البقرة:62] .

وقوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة:69] .

والمعنى، أي: (? ? ?) يعني أمة محمد صلى الله عليه وسلم؛ لأنهم هم الذين يستحقون الوصف بالإيمان المطلق، حيث آمنوا بجميع الكتب، والرسل. (? ?) أي: الذين انتسبوا إلى دين اليهود. وهي شريعة موسى، (پ) أي: الذين انتسبوا إلى دين عيسى. (پ) : اختلف فيهم على عدة أقوال؛ فمن العلماء من يقول: إن الصابئين فرقة من النصارى؛ ومنهم من يقول: إنهم فرقة من اليهود؛ ومنهم من يقول: إنهم فرقة من المجوس؛ ومنهم من يقول: إنهم أمة مستقلة تدين بدين خاص بها؛ ومنهم من يقول: إنهم من لا دين لهم: من كانوا على الفطرة؛ ولا يتدينون بدين. فإذا أرسل إليهم الرسل فآمنوا بالله واليوم الآخر ثبت لهم انتفاء الخوف، والحزن، كغيرهم من الطوائف الذين ذكروا معهم 165.

وقوله تعالى: (پ پ ? ? ?) هذا بدل ممن قبله عائد إلى الذين هادوا، والنصارى، والصابئين. (? ?) أي: ثوابهم؛ وسمى الله تعالى «الثواب» أجرًا؛ لأنه سبحانه وتعالى التزم على نفسه أن يجزي به كالتزام المستأجر بدفع الأجرة للأجير.

(? ?) أضاف ربوبيته إليهم على سبيل الخصوص تشريفًا، وتكريمًا، وإظهارًا للعناية بهم؛ فهذه كفالة من الله عز وجل، وضمان، والتزام بهذا الأجر؛ فهو أجر غير ضائع.

(? ? ?) أي: من كل مما يخاف في المستقبل: من عذاب القبر، وعذاب النار، وغير ذلك.

(ٹ ٹ ٹ) أي: على ما مضى من الدنيا؛ لأنهم انتقلوا إلى خير منها 166.

يقول ابن كثير: «نبه تعالى على أن من أحسن من الأمم السالفة وأطاع فإن له جزاء الحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة، كل من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه ولا هم يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه» 167.

وقال القشيري: «اختلاف الطريق مع اتحاد الأصل لا يمنع من حسن القبول، فمن صدّق الحق سبحانه في آياته، وآمن بما أخبر من حقه وصفاته، فتباين الشرع واختلاف وقوع الاسم غير قادح في استحقاق الرضوان، لذلك قال: (? ? ? ? ?) ثم قال: (? ? ?) ، أي: إذا اتفقوا في المعارف فالكلّ لهم حسن المآب، وجزيل الثواب. والمؤمن من كان في أمان الحق سبحانه، ومن كان في أمانه سبحانه وتعالى فبالأحرى ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون» 168.

فثمرة الإيمان بالله، واليوم الآخر، والعمل الصالح، هو حصول الأجر، وانتفاء الخوف مما يستقبل، والحزن على ما مضى 169.

ومن الآيات الدالة على أن الإيمان علاج للحزن قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة:112] .

والمعنى، أي: بلى إنه يدخلها من لم يكن هودًا ولا نصارى، إذ رحمة الله لا تختصّ بشعب دون شعب، بل كل من عمل لها وأخلص في عمله، فهو من أهلها.

(? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) أي: كل من انقاد لله وأخلص في عمله، فله الجزاء على ذلك عند ربه الذي لا يضيع أجر من أحسن عملًا.

والآية ترشد إلى أن الإيمان الخالص لا يكفي وحده للنجاة، بل لا بد أن يقرن بإحسان العمل، وقد جرت سنة القرآن إذا ذكر الإيمان أردفه عمل الصالحات كقوله: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک) [النساء:124] .

ثم قال: (? ? ? ٹ ٹ ٹ) أي: إن الذين أسلموا وجوههم لله وأحسنوا العمل لا تساور نفوسهم مخاوف ولا أحزان، كما تختلج صدور الذين أشرب قلوبهم حبّ الوثنية، وأعرضوا عن الهداية، إذ من طبيعة المؤمن أنه إذا أصابه مكروه بحث عن سببه واجتهد في تلافيه، فإن لم يمكنه دفعه فوّض أمره إلى ربه، ولم يضطرب ولم تهن له عزيمة، علمًا منه بأنه قد ركن إلى القوة القادرة على دفع كل مكروه، وتوكل على من بيده دفع كل محظور.

أما عابدو الأوثان والأصنام فهم في خوف مما يستقبلهم، وحزن مما ينزل بهم، فإذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم داخلهم الهلع ولم يستطيعوا صبرًا على البأساء، وهم يستخذون للدجّالين والمشعوذين، ويعتقدون بسلطة غيبية لكل من يعمل عملًا لا يهتدون إلى معرفة سببه 170.

وخص الوجه، لأنه إذا جاد بوجهه في السجود لم يبخل بسائر جوارحه 171.

ويفهم من الآية، أن من ليس كذلك، فهو من أهل النار الهالكين، فلا نجاة إلا لأهل الإخلاص للمعبود، والمتابعة للرسول 172.

ومن الآيات التي دلت على أن الإيمان والعمل الصالح علاج للأحزان قوله تعالى: (ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ?) [البقرة:277] .

فالآية ذكرت أن الذين آمنوا، وعملوا الصالحات، وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة، وهاتان من الأعمال الصالحة، فإنهم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.

ومعنى الآية: (ک گ گ) أي: آمنوا بقلوبهم بما يجب الإيمان به؛ (گ گ) أي: عملوا الأعمال الصالحات؛ وهي المبنية على الإخلاص لله، والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.

(? ?) أي: أتوا بها قويمة بشروطها، وأركانها، وواجباتها، ومكملاتها؛ وعطفها على العمل الصالح من باب عطف الخاص على العام؛ لأن إقامة الصلاة من الأعمال الصالحة، ونص عليها لأهميتها.

(? ?) أي: أعطوا الزكاة مستحقها؛ والزكاة: هي النصيب الذي أوجبه الله عز وجل في الأموال الزكوية.

(? ? ? ?) أي: لهم ثوابهم عند الله.

(ں ں ?) أي: فيما يستقبل من أمرهم.

(? ? ?) أي: فيما مضى من أمرهم 173.

وهذه الآية لها مناسبة بالآيات التي قبلها والتي تحدثت عن الربا ونهت عنه.

يقول أبو حيان الأندلسي: «مناسبة هذه الآية لما قبلها واضحة، وذلك أنه لما ذكر حال آكل الربا، وحال من عاد بعد مجيء الموعظة، وأنه كافر أثيم، ذكر ضد هؤلاء ليبين فرق ما بين الحالين» 174.

ونجد أن الإمام الطبري عندما فسرها ربطها بما قبلها فقال: «هذا خبر من الله عز وجل بأن الذين آمنوا، يعني الذين صدقوا بالله وبرسوله، وبما جاء به من عند ربهم، من تحريم الربا وأكله، وغير ذلك من سائر شرائع دينه.

(گ گ) التي أمرهم الله عز وجل بها، والتي ندبهم إليها.

(? ?) المفروضة بحدودها، وأدّوها بسننها.

(? ?) المفروضة عليهم في أموالهم، بعد الذي سلف منهم من أكل الرّبا، قبل مجيء الموعظة فيه من عند ربهم.

(? ?) يعني: ثواب ذلك من أعمالهم وإيمانهم وصدقتهم.

(? ?) يوم حاجتهم إليه في معادهم.

(ں ں ?) يومئذ من عقابه على ما كان سلف منهم في جاهليتهم وكفرهم قبل مجيئهم موعظة من ربهم، من أكل ما كانوا أكلوا من الربا، بما كان من إنابتهم، وتوبتهم إلى الله عز وجل من ذلك عند مجيئهم الموعظة من ربهم، وتصديقهم بوعد الله ووعيده.

(? ? ?) على تركهم ما كانوا تركوا في الدنيا من أكل الربا والعمل به، إذا عاينوا جزيل ثواب الله تبارك وتعالى، وهم على تركهم ما تركوا من ذلك في الدنيا ابتغاء رضوانه في الآخرة، فوصلوا إلى ما وعدوا على تركه» 175.

فهؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات الأربع: الإيمان، والعمل الصالح، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ليس عليهم خوف من مستقبل أمرهم؛ ولا حزن فيما مضى من أمرهم؛ لأنهم فعلوا ما به الأمن التام، كما قال الله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ?) [الأنعام:82] 176.

كذلك ذكر الله سبحانه وتعالى أنه من آمن وأصلح فإنه لا خوف عليه ولا حزن، وهذا يدل على أن هاتين الصفتين علاج للحزن، يقول الله سبحانه وتعالى: (? ? ? ? ژ ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ) [الأنعام:48] .

أي: وما نرسل رسلنا إلا ببشارة أهل الطاعة لنا بالجنة والفوز المبين يوم القيامة، جزاءً منّا لهم على طاعتنا، وبإنذار من عصانا وخالف أمرنا، عقوبتنا إياه على معصيتنا يوم القيامة، جزاءً منا على معصيتنا، لنعذر إليه فيهلك إن هلك عن بينة.

(ژ ڑ ڑ) ، أي: فمن صدّق من أرسلنا إليه من رسلنا إنذارهم إياه، وقبل منهم ما جاؤوه به من عند الله، وعمل صالحًا في الدنيا (ک ک ک) ، عند قدومهم على ربهم، من عقابه وعذابه الذي أعدّه الله لأعدائه وأهل معاصيه (ک گ گ) ، عند ذلك على ما خلّفوا وراءهم في الدنيا 177.

قال أبو زهرة عند قوله تعالى: (ژ ڑ ڑ ک ک ک ک گ گ) : «أي: فمن أذعن للحق، وآمن بما جئت به، وجعل هواه تبعًا لما تدعو إليه فله الجزاء الأوفى، ودعم الإذعان الحق بالعمل الصالح، فالإيمان من غير عمل أجوف أجرد لا ينتج بذاته، ومن آمن وعمل صالحًا فإنه لا يحزن على ما فاته في الماضي، بل يطمئن بذكر الله، ولا يخاف من المستقبل لأنه يرجو ما عند الله تعالى» 178.

وقال وهبة الزحيلي: «فمن آمن وأصلح عمله بامتثال الطاعات، واتّباع الرّسل، فلا خوف عليهم من مخاطر المستقبل، ولا هم يحزنون على ما فاتهم في الدنيا ولا على شيء يصادفهم يوم لقاء الله. وهذا وعد ثابت محقق» 179.

وفي الآية لطيفة ذكرها الشنقيطي، حول إلى ماذا ينصرف الإيمان والإصلاح، فقال: «وقوله هنا: (ژ ڑ ڑ) انصرف الإيمان إلى ركنه الأكبر، وهو الاعتقاد القلبيّ، وصار الإصلاح بعده يراد به الأعمال، كما قال تعالى هنا: (ژ ڑ ڑ) آمن قلبه وأذعن واعتقد ما يجب اعتقاده إثباتًا ونفيًا، وأصلح-مع ذلك الإيمان القلبيّ عمله-بجوارحه (ژ ڑ ڑ) آمن قلبه، وأصلح عمل جوارحه، بأن امتثل الأوامر، واجتنب النواهي، هذا القسم من الناس هم المبشّرون الذين فيهم: (? ? ? ?) وقال اللّه فيهم: (ک ک ک) يعني يوم القيامة: (ک گ گ) 180.

وثمرة هذا الإيمان ندركه في إيمان زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، بما قدره الله لهن، فهن رضي الله عنهن مسلّمات لأمر الله راضيات به، ونعرف ذلك من خلال قوله تعالى: (? ? ? ? ? پ پ پ پ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأحزاب:51] .

والمعنى: (? ? ? ? پ پ پ پ) أي: تؤخر مضاجعة من تشاء من نسائك، وتضاجع من تشاء، ولا يجب عليك قسم بينهن، بل الأمر في ذلك إليك، على أنه كان يقسم بينهن.

(? ? ? ? ? ?) أي: ومن دعوت إلى فراشك، وطلبت صحبتها ممن عزلت عن نفسك بالطلاق، فلا ضيق عليك في ذلك.

ثم بين السبب في الإيواء والإرجاء، وأنه كان ذلك في مصلحتهن، فقال: (? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ?) أي: إنهن إذا علمن أن الله قد وضع عنك الحرج في القسم، فإن شئت قسمت، وإن شئت لم تقسم لا جناح عليك في أي ذلك فعلت، وأنت مع هذا تقسم لهن اختيارًا منك لا وجوبًا عليك، فرحن بذلك، واستبشرن به، واعترفن بمنتك عليهن في قسمك لهن، وتسويتك بينهن، وإنصافك لهن، وعدلك بينهن.

(? ? ? ? ?) من الميل إلى بعضهن دون بعض مما لا يمكن دفعه، ومن الرضا بما دبر له في حقهن من تفويض الأمر إليه صلى الله عليه وسلم.

وفي هذا حث على تحسين ما في القلوب، ووعيد لمن لم يرض منهن بما دبر الله له من ذلك، وفوضه إلى مشيئته، وبعث على تواطؤ قلوبهن، والتصافي بينهن، والتوافق على رضا رسول الله صلى الله عليه وسلم.

(? ? ? ?) أي: وكان الله عليمًا بالسرائر، حليمًا فلا يعاجل أهل الذنوب بالعقوبة، ليتوب منهم من شاء له أن يتوب، وينيب من ذنوبه من ينيب 181.

يقول الألوسي: « (? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ?) أي: تفويض الأمر إلى مشيئتك أقرب إلى قرة عيونهن وسرورهن ورضاهن جميعًا؛ لأنه حكم كلهن فيه سواء، ثم إن سويت بينهن وجدن ذلك تفضلًا منك، وإن رجحت بعضهن علمن أنه بحكم الله تعالى فتطمئن به نفوسهن» 182.

ويقول طنطاوي: «والمعنى، ذلك الذي شرعناه لك من تفويض الأمر إليك في شأن أزواجك، أقرب إلى رضا نفوسهن لما تصنعه معهن، وأقرب إلى عدم حزنهن وإلى قبولهن لما تفعله معهن؛ لأنهن يعلمن أن ما تفعله معهن إنما هو بوحي من الله تعالى وليس باجتهاد منك، ومتى علمن ذلك طابت نفوسهن سواء سويت بينهن في القسم والبيتوتة والمجامعة، أم لم تسو ...

وكان عليه الصلاة والسلام مع هذا يشدد على نفسه في رعاية التسوية بينهن، تطييبًا لقلوبهن، ويقول: (اللهم هذه قدرتي فيما أملك، فلا تلمني فيما تملك ولا أملك) 183» 184.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت