فهرس الكتاب

الصفحة 758 من 2431

قال تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الروم: 21] .

فالسكينة والمودة والرحمة أسس بناء الأسرة السعيدة، وأركانها القويمة التي تقف بها سدًا منيعًا في وجه المشكلات التي تعصف بها، فوجود هذه الأسس لا يعني انعدام المشاكل الزوجية؛ لأن الاختلاف حاصل بين البشر خاصة بين الزوجين من جهة التركيب والوظيفة والتفكير.

«واختلفت أقوال العلماء في المراد بالمودة والرحمة، فعن ابن عباس ومجاهد المودة: الجماع، والرحمة: الولد؛ وقاله الحسن. وقيل: المودة والرحمة عطف قلوبهم بعضهم على بعض، وقال السدي: المودة: المحبة، والرحمة: الشفقة؛ وروي معناه عن ابن عباس قال: المودة حب الرجل امرأته، والرحمة رحمته إياها أن يصيبها بسوء» 87.

وكلها حالات يتجسد فيها معنى المودة والرحمة وليس بينها تعارض، «فتفسير المودة بالجماع هو بداية ومؤشر على السكن القلبي، والجماع غالبًا لا يحدث إلا بعد وجود طمأنينة وسكينة بين الزوجين، فهذا هو الاستقرار الجسدي المؤقت يتبعه استقرار دائم، هو وجود التراحم والرحمة بين الزوجين، فهذه المودة والرحمة مدعاة لحصول التناسل وإيجاد الولد» 88.

ونلاحظ أن هذه الأسس المتينة هي في حقيقتها أسس عاطفية لبناء اللبنة الأساسية في المجتمع والحضارة وهي الأسرة.

فقد روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لم ير للمتحابين مثل النكاح) 89.

وهذا يدل على أن الإسلام لم يهمل هذا الجانب المتأصل في الإنسان، وراعى فيه تكوينه النفسي والروحي، وجعلها آيات يتعمق فيها العقل بالتفكر؛ ليكتشف مدى دلالتها على مبدع هذه النفس البشرية.

فالمودة بين الزوجين تمحو آثار الأخطاء والزلات الواقعة في الحياة، وتنمي روح المشاركة بينهما في مصاعب الحياة بالتعاون والتكافل في الأفراح والأتراح، والرحمة بينهما تجعلهما يغضان الطرف عن التقصير الوارد منهما، وتحمل بعضهما في حال المرض أو الكبر.

يقول الإمام ابن القيم رحمه الله: «وأما الود فهو خالص الحب وألطفه، وأرقه وأصفاه، وهو من الحب بمنزلة الرأفة من الرحمة» 90.

والمقصود من السكينة السكن القلبي؛ لأنها ارتبطت بحرف الجر (إلى) ، والتي تأتي بمعنى الغاية، في حين تأتي (عند) بمعنى المكان؛ لأنه «يقال: سكن (إليه) للسكون القلبي، ويقال: سكن (عنده) للسكون الجسماني» 91.

وهي من السكون، والذي يكون بعد الحركة والنشاط.

وتعلقت السكينة بالمرأة لحاجة الرجل لها وطلبه لها حتى إذا وجدها هدأت نفسه واستقرت حياته، واستطاع أن يحقق النجاح في حياته، وهذه السكينة هي خصيصة في المرأة ووظيفتها الأساسية، بما ركب الله فيها من العاطفة والحنان؛ لتكون ملاذ الرجل الآمن، ومحضن الأولاد الحصين، وفق فطرة الله التي فطرها عليها، وبالمقابل يعمل الرجل على مبادلة المرأة مشاعر المودة والرحمة؛ وذلك لحاجة المرأة لهما، فطبيعة المرأة العاطفية تجعلها تنظر للأمور بمقياس العواطف، ونقصها في العقل والدين يجعلها تحتاج دائمًا إلى الرحمة، وبمعنى أشمل، فالسكينة والمودة والرحمة مطلوبة في كل طرف.

ثم تأتي الرحمة في آخر هذه الأسس «لأن البشر عامة أبناء أغيار، وكثيرًا ما تتغير أحوالهم، فالقوي قد يصير إلى الضعف، والغني قد يصير إلى فقر، والمرأة الجميلة تغيرها الأيام أو يهدها المرض» 92.

وبهذا الرباط المتين تتوثق عرى البيت النموذجي، ويلاحظ في الآية أن الله سبحانه وتعالى جعل السكينة هدفًا للتزاوج، ومقصدًا له، فهي هبة ربانية، في حين أن المودة والرحمة ربطهما بفعل الجعل، والذي يقتضي إحداث الشيء بعد تكوينه فهما أمران يعمل الإنسان على إحداثهما؛ ذلك أن الرجل لا تربطه بالمرأة أية معرفة أو رابطة، لكن بفطرته يميل إليها ويسكن لها، حتى إذا تم الزواج يحدث الله بينهما المودة والرحمة بعد أن لم تكن.

من أجل هذه المعاني استدعي التفكر في آية الزوجية؛ لاحتوائها على عدة آيات، يفصلها الطاهر بن عاشور بقوله: «منها أن جعل للإنسان ناموس التناسل، وأن جعل تناسله بالتزاوج، ولم يجعله كتناسل النبات من نفسه، وأن جعل أزواج الإنسان من صنفه، ولم يجعلها من صنف آخر؛ لأن التأنس لا يحصل بصنف مخالف، وأن جعل في ذلك التزاوج أنسًا بين الزوجين ولم يجعله تزاوجًا عنيفًا أو مهلكًا كتزاوج الضفادع، وأن جعل بين كل زوجين مودة ومحبة، فالزوجان يكونان من قبل التزاوج متجاهلين فيصبحان بعد التزاوج متحابين، وأن جعل بينهما رحمة، فهما قبل التزاوج لا عاطفة بينهما فيصبحان بعده متراحمين كرحمة الأبوة والأمومة» 93.

فالذكورة والأنوثة ضرورتان متكاملتان كتكامل الليل والنهار ... ، لذلك تأمل دقة البيان القرآني حين جمع بين الليل والنهار، وبين الذكر والأنثى، وتدبر هذا المعنى الدقيق في قوله تعالى: {وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (1) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (2) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (3) إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى} [الليل: 1 - 4] .

فهذا الاختلاف ناتج؛ لأن لكلٍ منهما مهمته، كما أن الليل للراحة، والسكون والنهار للسعي والعمل، وبتكاملهما تمضي الأيام، وفي هذا إشارة إلى التكامل بين الرجل والمرأة، فكما أن الليل لا يساوي النهار في العمل المؤدى في كل منهما، فلا مجال لمساواة وظيفة الرجل بوظيفة المرأة في الحياة، فلكل منهما خصائصه الجسدية والعقلية والنفسية التي تمنحه القدرة على أداء مهمته، ومن أجل ذلك كان المناسب لآية الزوجية لما تحتويه من آيات عدة وأسرار في خلق الله تعالى وحكمه أن يربط تحصيلها بالتفكر.

رابعًا: التفكر في آلاء الله ونعمه:

يعتبر عرض آلاء الله ونعمه المتفضل بها على البشر من أكثر الأساليب انتشارًا في القرآن الكريم، وذلك بهدف تنبيه الناس على آيات الله وبيان قدرته وعظمته وحكمته في الخلق، ودعوة لهم للتفكر فيها قصد زيادة الإيمان وشكرًا لخالقها، وإيقاظ الهمم النائمة للاستفادة مما مكن الله الإنسان منه، كما أن فيها لمسة من الجمال تريح الإنسان، هذا ما يؤثر على نفسية الناظر والمتفكر فيها بما يكسبه الراحة والتركيز، ويحدث تغييرًا في معتقداته وأفكاره. وهذه الآلاء تملأ السماء وتفيض بها الأرض، لكن قلوب الناس غافلة عنها، فتكريرها وإعادة التذكير بها يبعثها من جديد ويستثير العقل فيها.

ويهدف القرآن من عرض الآيات الكونية والمخلوقات وربطها بالعمليات العقلية تنبيه الإنسان إلى دور العقل في اكتشاف نعم الله عليه، وتسخيرها لإقامة الخلافة الخاضعة لله وإحداث التكامل والتوازن الكوني، وكل آلاء الله المرتبطة بموضوع التفكر تعتبر من أساسيات الوجود.

ويعرضها القرآن الكريم كنموذج يحتذى به، ولعقل الإنسان الحرية في استكشاف باقي الآيات بواسطة المنهج الذي علمه الله له في القرآن.

ونعم الله تعالى على الإنسان كثيرة، يقول تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} [النحل: 18] .

وهي دعوة لذوي العقول النيرة أن ينهضوا بأعباء النظر الدقيق في آلاء الله ونعمه، التي لا يحصيها حاصٍ، ولا يعدها عاد، ولو اجتمع كل البشر وأعملوا عقولهم لن ينتهوا أبدًا من القراءة، ولن يطووا هذه الصحف؛ إذ كلما نظروا إلى آيات الله جاءهم منها جديد، كما نبه سبحانه وتعالى إلى أن هذه النعم تحتاج إلى إعمال الملكات العقلية التي أمد الله بها الإنسان، وعلى رأسها التفكر؛ للقيام بأداء حق هذه النعم في الشكر.

ومن أعظم هذه النعم نعمة الهداية الربانية، فما كان إنزال القرآن عبثًا بل هو الحق، به تستبين حياة الناس، فلولا القرآن ما كان العقل وحده قادرًا على كشف نظم الحياة، وإدراك مغزاها، ولما كان القرآن معجزة تعجز عن فهم بعض آياته العقول، أرسل الله الرسل؛ لتبين للناس معاني الذكر الحكيم، وليكونوا قدوة لهم في التطبيق، وأيدهم بالمعجزات؛ لإقامة الدليل القاطع على منكري الرسالة.

كما ذكرهم تعالى بنعمة الماء التي بها يحيا من على الأرض، فهو شرابهم، وهو سقي زروعهم التي منها غذاؤهم وحيواناتهم، ونسب الإنزال إليه؛ لأنه لو تركه في أيدي البشر لاستقوى به القوي، وضاع حق الضعيف فيه؛ لذلك جعله آية يستحق الشكر عليها، وهذه النعمة في حد ذاتها قد تصبح نقمة إذا ابتعد الإنسان عن المنهج القويم، فتكون مطرًا شديدًا يدك عرش الظالمين.

والتذكير بالنعم يكون في جو مليء بصفات الرحمة والكرم والفضل، تجعل قلب الإنسان يستحي من خالقه وتستنهضه للتأمل فيها وفي غيرها، وترغبه في البحث والاستكشاف؛ لأن هذه النعم من الممكن التفكر فيها وإعمال العقل من غير أدوات علمية أو أجهزة مخبرية أو وسائل تكنولوجية دقيقة، فمجرد النظر الدقيق والبحث في دلالتها وغايتها يجعلها موضوعًا قابلًا للتفكر .. إضافة إلى أنها موجودة على مر الزمن، ظاهرة للعيان ليلًا ونهارًا، تعاقب عليها جميع البشر، ثابتة لمن أراد تجديد النظر فيها.

وهي متعددة الأشكال، فمن السماء إلى الأرض، وما بينهما من كائنات، هذا التنوع يضفي عليها طابع التعدد والتجدد، فأين حلقت ببصرك تجد آية من آيات الله تأخذ بألباب العقول في حسنها وجمال إبداعها، ما ينفي عنها رتابة السأم والملل.

وما يميز هذه الآلاء أن كلها هدفها واحد، فهي لم ترد عبثًا في القرآن، بل هي دلائل لقضايا أكبر منها تتعلق بأصول الإيمان (الألوهية، النبوة والوحي، البعث) ، تعتمد على مرتكزات مشتركة، وإن اختلفت مواضيعها، وتنوعت، فهي ليست غاية في نفسها، بقدر ما هي دليل للوصول إلى اليقين، وهو ضابط ينبغي التنبه له، والتقيد به لكي لا يجنح التفكر فيها إلى مجال التفلسف، ويخرج عن دائرة الإيمان؛ لذلك استعمل القرآن أسلوب التعميم والإجمال في عرض هذه النعم، حتى لا يبتعد عن الغاية الأصيلة من عرضها، مع دعوته إلى البحث في أعماقها، واستثارة الفكر والوجدان؛ لاستلهام الحكم والعبر منها.

وهو منهج قرآني فريد، يخرج القرآن من دائرة الكتب العلمية التفصيلية، ويبقي له دور الدافع المثير للعقل لكي يقوم بدوره المنوط به، وهو دور قد لا يبين للمستشرقين الذين ينفون عن القرآن دوره في الاهتمام بالعقل والعلم، ويطمسون أعينهم عن حقيقة موقع العقل كأداة ووسيلة كشف لنواميس الكون، لا كما يقدسونه هم ويجعلونه مصدر المعرفة الأساسي.

خامسًا: التفكر في المآل والمصير:

وهذا المجال هو أحد مجالات التفكر التي أمر الله عز وجل بها، فالدنيا دار ابتلاء وعمل، والآخرة دار راحة وقرار، وكان التفكر في الدنيا والآخرة أول دعوة قرآنية للتفكر، قال تعالى: {كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (219) فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ} [البقرة: 219 - 220] ؛ لأنها وردت في سورة البقرة، وفيها دعوة؛ لتحصيل الخير الكثير، وتحقيق لمصالح الدارين، ومعرفة فضل الآخرة على الدنيا، وجاءت هذه الآية بعد بيان حكم الشرع في أمور شديدة تميل إليها النفس هي الخمر والميسر والإنفاق. وختمت الآية بالتفكر؛ تحريضًا على استحضار العقل دائمًا، في كل ما يخص أحكام الحياة، ومعرفة الغاية منها.

وبيان حقيقة الدنيا وسرعة زوالها جاء في عدد كثير من الآيات والأحاديث، وكان هديه صلى الله عليه وسلم أن يحث الصحابة والمؤمنين على الزهد في الدنيا والعمل للآخرة، فقد أورد مسلم عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها، فينظر كيف تعملون، فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء) 94.

وعند البخاري عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم جلس ذات يوم على المنبر وجلسنا حوله، فقال: (إني مما أخاف عليكم من بعدي ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها) 95.

ومن الآيات التي دعت للتفكر في الدنيا قوله تعالى في سورة يونس: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [يونس: 24] .

ففي هذه الآية يضرب تعالى مثلًا للحياة الدنيا التي يتنافس عليها الجاهلون، ويتكالب عليها الغافلون، حتى ينسون العمل للآخرة، وهي في حقيقتها كأرض أنبتت نباتًا فنما وازدهر وافتتن به الناس، وظنوا أنهم أحاطوا بثمره وجنيه، حتى جاء أمر الله بالإهلاك، وغدت الجنة حصيدًا خامدًا، وهذا لاغترار أهلها بها، ونسيانهم فضل الله عليهم.

وجاء تشبيه الحياة الدنيا بالنبات لعدة وجوه 96 ملخصها:

«أحدها: أن عاقبة هذه الحياة التي ينفقها المرء في هذه الدنيا، كعاقبة هذا النبات، الذي حين عظم الرجاء في الانتفاع به وقع اليأس منه؛ لأن المتمسك بالدنيا إذا عظمت رغبته فيها يأتيه الموت.

وثانيها: أنه تعالى بين أنه كما لم يحصل لذلك الزرع عاقبة تحمد، فكذلك المغتر بالدنيا المحب لها، لا يحصل له عاقبة تحمد.

وثالثها: لما صار سعي هذا الزرع باطلًا بسبب حدوث المهلك، فكذلك سعي المغتر بالدنيا.

ورابعها: أن مالك هذا البستان لما أتعب نفسه في عمارته، وعلق قلبه بالانتفاع به، فإذا حدث السبب المهلك صار العناء الشديد سببًا لحصول الشقاء الشديد له في المستقبل، فكذلك حال من أحب الدنيا وأتعب نفسه في تحصيلها، فإذا مات صار العناء الذي تحمله في تحصيل الدنيا سببًا لحصول الشقاء العظيم له في الآخرة.

وخامسها: لعله تعالى إنما ضرب هذا المثل لمن لا يؤمن بالمعاد؛ لأنا نرى الزرع الذي انتهى إلى الغاية في الحسن، ثم إن ذلك الحسن يزول بالكلية، ثم تصير تلك الأرض موصوفة بتلك الزينة مرة أخرى، فذكر تعالى هذا المثال؛ ليدل على أن من قدر على ذلك كان قادرًا على إعادة الأحياء في الآخرة؛ ليجازيهم على أعمالهم».

والتعبير بالأكل عن التمتع بالحياة تعبير حسي غاية في البلاغة، فهو يوحي بالحركية في الوصف، كصورة الناس وهم يتهافتون في يومهم، وهمهم كسب القوت، وتحصيل لقمة العيش، كل ذلك والغفلة تغمرهم، والشهوات محيطة بهم يتسابقون نحوها، وعند تأمل المثل يلاحظ «أن المثل يحكي قصة مضت وانتهت، ويتحدث عن حياة قامت ثم بادت، ولكن هذه اللقطة {فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ} [يونس: 24] .

تظل تنبض بالحركة ترى فيها الناس والأنعام لا يزالون يأكلون».

وفي تصوير زينة الأرض وزخرفتها كالعروس إبراز لحقيقة الدنيا في عيون الغافلين والمفتتنين بها، وفي ظن أهلها تصوير لجهالة الإنسان بتمكنه من نعيمها، لظنه أنه أصبح أقوى وأقدر، وأنه وصل إلى كل ما يتمنى من الدنيا، فكلما رأى لذة أو زينة أو منصبًا أو مالًا سعى ليكون صاحبها، لهذا ارتبط التفكر بحقيقة الدنيا؛ لينبئ على أن معرفة حقيقتها من الأمور العظيمة التي لا يجب أن يذهل العقل عنها، فهي دار بناء ومزرعة للآخرة، وعدم إدراك هذه الحقيقة يعني الخسران في الدارين.

ولكون هذه الحقيقة قد تغيب في لحظات النشوة الدنيوية، فينسى الإنسان حقيقة الموت ويغره أمل الحياة، فلا دوام لحال ولا لبشر أو لذة فيها؛ لهذا لا بد من تعميق الفكر فيها، والتبصر بأحوالها والاعتبار بأحوال السابقين فيها؛ ليزيد الإيمان، ويتنور القلب ويزهد فيها؛ لذا خص أهل التفكر بالنظر فيها، لأنهم «أهل التمييز بين الأمور، والفحص عن حقائق ما يعرض من الشبه في الصدور» 97.

وفي المقابل من بسط الأمثال للتزهيد في حال هذه الدنيا، جاء التفكر في موضوع عظيم فيه من الدلائل على قدرة الله وتفرده بالملك والحكمة، وهو الموت هذه الحقيقة الربانية التي وضعها الله سبحانه وتعالى فيصلًا بين الدنيا والآخرة؛ لتنتهي دار الفناء، وتبدأ دار البقاء، وتجازى كل نفس بما كسبت.

والموت هو أعظم المصائب في الدنيا، قال تعالى: {فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ} [المائدة: 106] ؛ لأنه انقطاع عن الدنيا ونفاذ لأجل الإنسان المكتوب فيها، وأعظم منه الغفلة التي تنسي صاحبها فيه، كما أنه من أقوى الدلائل التي ضربها الله دعوة للناس للإيمان بيوم البعث، هذا اليوم الذي كفر به الناس منذ القدم، ما جعل الله يقيم عليهم الحجج والبراهين، كآية لهم لعلها تثير الإيمان فيهم، فجعله معجزة من معجزات الأنبياء؛ فقد ذكره إبراهيم عليه السلام دليلًا على وحدانية الخالق حين حاج به الملك الظالم {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [البقرة: 258] .

وموافقة الحاكم له، وعدم منازعته أو اعتراضه دليل على أن الإنسان حتى الكافر منه يؤمن بأن الحياة والموت من خصائص قدرة الإله؛ ولذلك طلب سيدنا إبراهيم عليه السلام من ربه أن يريه كيفية إحياء الموتى لا عن شك، بل لينتقل من مرحلة علم اليقين التي حاج بها الملك، إلى مرحلة عين اليقين التي يرى بها صورة البعث ماثلة أمام ناظريه من خلال إحياء الطير بعد موتها.

وجاءت معجزة إحياء الموتى بين يدي سيدنا عيسى عليه السلام: {وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [آل عمران: 49] .

ودلل الله على إحياء الموتى في عدة قصص قرآنية منها: قصة أهل الكهف، وقصة الذي أماته الله مائة عام ثم أحياه، والقوم الذي خرجوا من بيوتهم خائفين من الموت حتى أماتهم الله ثم أحياهم، ومع بني إسرائيل حين أرادوا رؤية الله فأخذتهم الصاعقة، ثم بعثهم الله من بعد موتهم، فيلاحظ أنه في كل عصر يجعل الله سبحانه وتعالى الموت والإحياء دليلًا يسوقه للمكذبين من بني البشر بيوم البعث والحساب لعلهم يستفيقون من غفلتهم.

كما أن تذكير الله للناس بهذه الحقيقة التي هم عنها غافلون جاء بطريق التمثيل بظاهرة متكررة في حياة الناس يمرون عليها كل يوم وهم عنها ساهون، ألا وهي النوم، قال تعالى: {اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} [الزمر: 42] .

ففي هذه الظاهرة يقبض الله الأنفس كلها، فيتوفى التي انتهى أجلها، ويرسل الأخرى حتى يحين أجلها، وفي قبض الأرواح عند النوم منع للنفس عن التصرف أو الإدراك مع بقاء الجسد حيًا تسير عملياته البيولوجية بصفة عادية، ومن كان قادرًا على قبضها وإمساكها كل يوم ثم بعثها للحياة من جديد هو أقدر على قبضها إلى يوم القيامة، ومن ثم بعثها لتحاسب على أعمالها.

فقد جاء عن حذيفة بن اليمان رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أوى إلى فراشه قال: (باسمك اللهم أموت وأحيا) ، وإذا قام قال: (الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور) 98.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت