فهرس الكتاب

الصفحة 1023 من 2431

«قال المفسرون: نزلت في المنافقين، ثم لهم في ذلك قولان: أحدهما: أن اليهود والنصارى كانوا يميرون المنافقين ويقرضونهم فيوادونهم، فلما نزلت: {لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ} قال المنافقون: كيف نقطع مودة قوم إن أصابتنا سنة وسعوا علينا، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس. وممن قال: نزلت في المنافقين، ولم يعين: مجاهد، وقتادة» 84.

ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز أصناف الذين يخشونه وأوصافهم، منهم: الملائكة والأنبياء والعلماء والصالحون، حتى الجمادات تخشى الله عز وجل، فكل شيء يسبح بحمد الله عز وجل، كما ذكر بعد ذلك الذين لا يخشون الله، وهم: المنافقون والمشركون والكفار.

أولًا: الملائكة:

قال تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (28) } [الأنبياء:26 - 28] .

{وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا} قال ابن عباس: يريد من الملائكة، {وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ} أي: من خشيتهم منه {مُشْفِقُونَ} خائفون لا يأمنون مكره 85. والمراد بالولد: الملائكة، وكذلك المراد بقوله: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} ، والمعنى: بل عباد أكرمهم الله واصطفاهم، {وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ} أي: من خشيتهم منه، فأضيف المصدر إلى المفعول، {مُشْفِقُونَ} أي: خائفون 86.

ثانيًا: الرسل والأنبياء:

قال تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39) } [الأحزاب:39] .

لقد وصف الله عز وجل الأنبياء بأنهم لا يخشون إلا الله 87. «فقال: إنّ {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ} كانوا أيضًا رسلًا مثلك، ثم ذكر حالهم بأنهم جرّبوا الخشية ووجدوها، فيخشون الله ولا يخشون أحدًا سواه» 88. «ونبينا صلى الله عليه وسلم من جملتهم ومن أشرفهم، {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} للمخاوف، أو: محاسبًا، فينبغي ألا يخشى إلا منه تعالى» 89.

ثالثًا: العلماء:

قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ (28) } [فاطر:28] .

«قال مجاهد: إنما العالم من خشي الله عز وجل.

وقال مسروق: كفى بخشية الله علمًا وكفى بالاغترار جهلًا، فمن كان أعلم بالله كان أخشاهم له.

قال الربيع بن أنس: من لم يخش الله فليس بعالم» 90.

«قيل: عظموه وقدروا قدره وخشوه حق خشيته ومن ازداد به علما ازداد به خشية» 91.

وقال ابن عباس: العلماء بالله الذين يخافونه.

وعن ابن مسعود قال: ليس العلم من كثرة الحديث، لكن العلم من الخشية.

وعن حذيفة: بحسب المؤمن من العلم أن يخشى الله 92.

قال تعالى: {إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (44) } [المائدة:44] .

«وأما أهل العلم فكما أنهم مطالبون بالقيام بما عليهم، فإنهم مطالبون أن يعلموا الناس وينبهوهم على ما يحتاجون إليه من أمور دينهم، خصوصًا الأمور الأصولية والتي يكثر وقوعها وأن لا يخشوا الناس بل يخشون ربهم» 93.

«قال ابن زيد: الربانيون: الولاة، والأحبار: العلماء. وقوله: {فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ} هذا خطاب للربانيين والأحبار، أمرهم ألا يخشوا الناس في تنفيذ حكمه وإمضائه على ما في كتابه، وأن يخشوه في ذلك، قاله السدي وغيره» 94.

رابعًا: الصالحون:

قال تعالى: {وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الْحِسَابِ (21) } [الرعد:21] .

«إن أولي الألباب هم الذين يخافون ربّهم فيما يأتون، وفيما يتركون من أعمال، ويراقبون الله في السّر والعلن، يخلصون النّية والقصد لوجه الله، ويحذرون من شدّة العذاب، وسوء الحساب في الآخرة؛ لأن عاقبة ذلك وخيمة، وهي الزّج في نيران جهنم» 95. والعياذ بالله.

قال تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (48) الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (49) } [الأنبياء:48 - 49] .

«أما أوصاف المتقين فهي واحدة قديمًا وحديثًا، ذكر تعالى منها هنا وصفين: خشية الله تعالى في السر وفي العلن، والخوف من يوم القيامة وأهوالها، وما يجري فيها من الحساب والسؤال قبل التوبة» 96.

الصفة الأولى للمتقين: يخشون الله في حال الغيب والخلوة، حيث لا يطلع عليهم أحد، ويخافون عذاب ربهم، وخشية الله في السر كخشيته في العلن من أصول الإيمان وثوابته، والصفة الثانية للمتقين: الخوف الشديد من الساعة، أي: القيامة، والإشفاق على النفس من أهوالها، وسائر ما يحدث فيها من الحساب والسؤال، والإشفاق: أشد الخشية 97.

خامسًا: الجمادات:

قال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (74) } [البقرة:74] .

القساوة عبارة عن الغلظ مع الصلابة، كما في الحجر، وأن الحجارة تتأثر وتنفعل؛ فإن منها ما يتشقق فينبع منه الماء، وتنفجر منه الأنهار، ومنها ما يتردى من أعلى الجبل انقيادًا لما أراد الله تعالى به، وقلوب هؤلاء لا تتأثر ولا تنفعل عن أمره تعالى، والتفجر التّفتح بسعة وكثرة، والخشية مجاز عن الانقياد 98.

«وقيل: المراد به حقيقة الخشية على معنى أنه يخلق فيها الحياة والتمييز، وليس شرط خلق الحياة والتمييز في الجسم أن يكون على بنية مخصوصة عند أهل السنة» 99.

وقال الخازن: « {وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ} أي: ينزل من أعلى الجبل إلى أسفله، وخشيتها عبارة عن انقيادها لأمر الله، وأنها لا تمتنع عما يريد منها، وقلوبكم يا معشر اليهود لا تلين ولا تخشع. فإن قلت: الحجر جماد لا يعقل ولا يفهم فكيف يخشى؟ قلت: إن الله تعالى قادر على إفهام الحجر والجمادات فتعقل وتخشى بإلهامه لها، ومذهب أهل السنة إن الله تعالى أودع في الجمادات والحيوانات، علمًا وحكمة لا يقف عليهما غيره فلها صلاة وتسبيح وخشية يدل عليه قوله: {وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ} [الإسراء:44] .

وقال تعالى: {وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ} [النور:41] .

فيجب على المرء الإيمان به، ويكل علمه إلى الله تعالى» 100.

قال تعالى: {لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (21) } [الحشر:21] .

«من شأن القرآن وعظمته أنه لو جعل في الجبل تمييز، وأنزل عليه القرآن، لخشع، أي: لخضع وتطأطأ وتصدع، أي: تشقق من خشية الله» 101.

«ولو كان المخاطب بالقرآن جبلًا، وكان الجبل يفهم الخطاب لتأثر بخطاب القرآن تأثرًا ناشئًا من خشية لله خشية تؤثرها فيه معاني القرآن» 102.

و «للقرآن عظمته البالغة ومواعظه المؤثرة، فلو أنزلنا هذا القرآن على جبل من الجبال، لرأيته مع كونه بالغ الصلابة، في غاية الخشوع والخضوع والانقياد لأمر الله، يكاد يتشقّق من خوف الله وخشية عذابه» 103.

وقد جعل الله عز وجل القرآن مرشدًا عظيمًا وإمامًا هاديًا، يجب أن تخشع لهيبته القلوب، وتتصدع لدى سماع عظاته الأفئدة؛ لما فيه من وعد ووعيد، وبشارة وإنذار، وحِكَم وأحكام، فلو كان للجبل عقلٌ، وفهم القرآن وتدبر ما فيه لخشع وتصدع من خوف الله عز وجل، فكيف بكم أيها البشر لا تلين قلوبكم، ولا تخشع وتتصدع من خشيته؟ وقد فهمتم عن الله أمره، وتدبرتم كتابه 104.

للخشية المحمودة آثار كثيرة، منها: الانتفاع بالدعوة، البعد عن الغفلة، حيث نجد المسلم الحق يستغل كل دقيقة في طاعة الله ويحرص على عدم إضاعة وقته دون الانتفاع به، تاليًا لكتاب الله تعالى، منتفعًا بآياته مطبقًا لها، يحل حلاله ويحرم حرامه، واصلًا لرحمه، مبادرًا للجهاد، باذلًا نفسه وماله في سبيل الله، ويقوم بالدعوة إلى الحق لا يخشى في الله لومة لائم، بينما الخشية المذمومة من آثارها: موالاة الأعداء، والإمساك عن الإنفاق، والفرار من الزحف، وقتل الذرية، والحكم بغير الحق.

أولا: ًآثار الخشية الممدوحة:

1.الانتفاع بالدعوة.

قال تعالى: {طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) } [طه:1 - 3] .

{إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى} أي: أنزلنا عظة لمن يخشى، وخص من يخشى بالتذكرة؛ لأنهم هم المنتفعون بها 105. «وفيه وجهان: أحدهما: إلا إنذارًا لمن يخشى الله. والثاني: إلا زجرًا لمن يتقي الذنوب» 106.

قال تعالى: {فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (9) سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى (10) } [الأعلى:9 - 10] .

« {سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى} يعني: يتعظ بالقرآن من يخشى الله تعالى ويسلم، ويقال: معناه سيتعظ ويؤمن ويعمل صالحًا من يخشى قلبه من عذاب الله تعالى» 107. و «يخشى الله، وقد يتذكر من يرجوه، إلا أن تذكرة الخاشي أبلغ من تذكرة الراجي» 108.

2.خشية الله وحده في تبليغ الحق.

فهؤلاء يقولون الحق، ولا تمنعهم سطوة أحد عن تبليغ أمر الله، وكفى بالله ناصرًا ومعينًا.

قال تعالى: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39) } [الأحزاب:39] .

تحول خشيتهم من الله بينهم وبين المعصية، لا يخشون قالة الناس ولائمتهم فيما أحل الله لهم 109. وقد وصف الأنبياء بأنهم لا يخشون إلا الله.

كما «أثنى الله على الأنبياء بقوله: {الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ} يعني: فرائض الله وسننه وأوامره ونواهيه إلى من أرسلوا إليهم {وَيَخْشَوْنَهُ} يعني: يخافونه {وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ} يعني: لا يخافون قالة الناس ولائمتهم فيما أحل الله لهم وفرض عليهم {وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} أي: حافظًا لأعمال خلقه ومحاسبهم» 110.

3.المبادرة إلى الطاعات.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (57) وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (58) وَالَّذِينَ هُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ (59) وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (61) } [المؤمنون:57 - 61] .

«يرغبون في الطاعات فيبادرونها» 111.

{أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ} فيه معنيان: أحدهما: أنهم يبادرون إلى فعل الطاعات، والآخر: أنهم يتعجلون ثواب الخيرات 112.

إنّ المؤمنين بما هم عليه من خشية الله خائفون من عقابه، يعملون ما عملوا من أعمال البر، قال الحسن: عملوا والله بالطاعات واجتهدوا فيها وخافوا أن ترد عليهم 113.

«وهم مع إحسانهم وإيمانهم وعملهم الصالح، مشفقون من الله خائفون منه، وجلون من مكره بهم» 114.

4.التأثر بالقرآن.

قال الله تعالى: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (23) } [الزمر:23] .

«هذا نعت أولياء الله، نعتهم الله بأن تقشعر جلودهم، وتبكي أعينهم، وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله» 115.

«والمستحب من التالي للقرآن أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات، فيكون له بحسب كل فهم حال يتصف به قلبه من الحزن والخوف والرجاء وغير ذلك، ومهما تمت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه» 116.

و «هذا نعت أولياء الله نعتهم الله تعالى، قال: تقشعر جلودهم وتبكي أعينهم وتطمئن قلوبهم إلى ذكر الله تعالى» 117.

والمعني أنهم إذا سمعوا القرآن وقوارع آيات وعيده أصابتهم هيبة وخشية تقشعر منها جلودهم وإذا ذكروا رحمة الله تعالى تبدلت خشيتهم رجاء ورهبتهم رغبة، ثم تصبح ساكنة مطمئنة إلى ذكر رحمته 118.

5.المبادرة إلى الجهاد.

إذا وجدت أسباب القتال فلا خوف ولا خشية من العدو؛ لأن الخشية لا تكون إلا من الله وحده، ولكن ضعاف الإيمان يخشون الناس.

قال تعالى: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) } [آل عمران:173] .

يقول الحق جل جلاله: الذين قال لهم الناس وهم ركب عبد قيس حيث قالوا للمسلمين: إن الناس، يعني: أبا سفيان ومن معه، قد جمعوا لكم ليرجعوا ليستأصلوكم فاخشوهم، وارجعوا إلى دياركم؛ فزادهم ذلك إيمانًا ويقينًا وتثبيتًا في الدين، ولما قال لهم الركب ذلك ليخوفهم، قالوا: حسبنا الله، أي: كافينا الله وحده، فلا نخاف غيره، ونعم الوكيل، أي: نعم من يتوكل عليه العبد، وهي كلمة يدفع بها ما يخاف ويكره، فانقلبوا راجعين من حمراء الأسد، متلبسين بنعمة من الله وهي العافية والسلامة، وفضل، وهي: زيادة الإيمان وشدة الإيقان، لم يمسسهم سوء من جراحة وكيد عدو، واتبعوا رضوان الله، الذي هو مناط الفوز بخير الدارين، والله ذو فضل عظيم؛ فقد تفضل عليهم بالتثبيت وزيادة الإيمان، والتوفيق إلى المبادرة إلى الجهاد مع الرسول صلى الله عليه وسلم، الذي هو موجب الرضوان 119.

«لما رجع النبي صلى الله عليه وسلم من أحد إلى المدينة، وسمع أن أبا سفيان ومن معه من المشركين قد هموا بالرجوع إلى المدينة، ندب أصحابه إلى الخروج، فخرجوا، على ما بهم من الجراح، استجابة لله ولرسوله، وطاعة لله ولرسوله، فوصلوا إلى حمراء الأسد، وجاءهم من جاءهم وقال لهم: {إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ} وهموا باستئصالكم؛ تخويفًا لهم وترهيبًا، فلم يزدهم ذلك إلا إيمانًا بالله واتكالًا عليه، {وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ} أي: كافينا كل ما أهمنا {وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} المفوض إليه تدبير عباده، والقائم بمصالحهم» 120.

قال تعالى: {أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (13) } [التوبة:13] .

حرضهم الله تعالى أبلغ تحريض، فقال: {أَتَخْشَوْنَهُمْ} أي: أيمنعكم من قتالهم أنكم تخشونهم؟ أي: تخافونهم فزعين من قتالهم. والله أحق أن تخافوه وتفزعوا من غضبه، فإن المؤمن لا يخشى إلا الله، ولا يبتغي في أموره كلها إلا رضا الله والخوف من غضبه وعذابه 121.

6.البعد عن الفواحش.

الخشية هي التي تحول بين الإنسان وبين معصية الله، ونجد صاحبها دائم الدعاء: اللهم ارزقنا من خشيتك ما يجنبنا معصيتك.

قال تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18) } [فاطر:18] .

«إنما تنذر يا رسولنا ويقبل إنذارك وينتفع به من يخشون ربهم ويخافون عذابه بالغيب وأقاموا الصلاة، أما غيرهم من أهل الكفر والعناد والجحود فإنهم لا يقبلون إنذارك ولا ينتفعون به لظلمة جهلهم وكفرهم وقساوة قلوبهم، ومع هذا فأنذر ولا عليك في ذلك شيء، فإن من تزكى بالإيمان والعمل الصالح مع ترك الشرك والمعاصي فإنما يتزكى لنفسه لا لك ولا لنا، ومن أبى فعليه إباؤه، وإلينا مصير الكل وسنجزي كلًّا بما كسب من خير وشر» 122.

«إنما يهتدي بك ويسمع لك الذين يخشون ربهم بالغيب، وهم الذين يؤمنون بالغيب» 123.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (12) } [الملك:12] .

أي: يخافونه وهم لا يرونه، وكذا وهم في غيبة عن الناس فيطيعونه ولا يعصونه، هؤلاء لهم مغفرة لما فرط من ذنوبهم وأجر كبير عند ربهم، أي: الجنة» 124.

إن الذين يخشون ربهم فيخافون عذابه، ويعبدونه كأنهم يرونه، مع أنهم لا يرونه بأعينهم، وهذه الصفات تدل على قوة الإيمان، وعلى طهارة القلب، وصفاء النفس 125.

7.الفوز في الدنيا والآخرة.

الفوز برضا الله سبحانه وتعالى ومحبته، والفوز بالجنة ثمرة من ثمار الخشية.

يقول تعالى: {وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ (31) هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ (32) مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (33) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ (34) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (35) } [ق:31 - 35] .

هذا هو الثواب الذي وعدتم به على ألسنة الرسل، لكل من خشي وخاف عقاب ربه، مخلص مقبل على طاعة الله، وهذا الثواب هو الجنة للمتقين التائبين من ذنوبهم ويلقون الله بقلوب منيبة إليه، خاضعة له 126.

قال أبو السعود: إشارة إلى أنهم مع خشيتهم عقابه راجون رحمته تعالى، ووصف القلب بالإنابة لما أن العبرة برجوعه إلى الله تعالى، ثم يقال لهم: ادخلوها ملتبسين بسلامة من العذاب وزوال النعم، أو بسلام من جهة الله تعالى وملائكته 127.

قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ هُمْ خَيْرُ الْبَرِيَّةِ (7) جَزَاؤُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (8) } [البينة:7 - 8] .

«فإن الخشية التي هي من خصائص العلماء بشؤون الله عز وجل مناط لجميع الكمالات العلمية والعملية المستتبعة للسعادة الدينية والدنيوية» 128.

فنجد أن رضا الله عن العبد يكون مقرونًا بهذه الخشية، التي تكون سببًا في التوفيق في الدنيا والآخرة والنصر على الأعداء، والنجاة من النار، والفوز برضا الله والجنة.

ثانيًا: آثار الخشية المذمومة:

1.موالاة الأعداء.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (51) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (52) } [المائدة:51 - 52] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت