فهرس الكتاب

الصفحة 816 من 2431

ثمود

أولًا: التسمية:

اسم ثمود عَلَمٌ على قبيلة ثمود قوم سيدنا صالح عليه السلام.

وقد ذكر ابن فارس أن الثاء والميم والدال تدل على القليل من الشيء 1.

والثَّمَد: موضع يلزم ماء السماء، وله مسايل، وتحفر في نواحيه ركايا تُمْلأ من مائه، فيشرب الناس الماء الظاهر حتى يجف، فتبقى تلك الركايا بعده فهي الثماد 2، ولهذا سموا ثمود على تلك الأثماد التي جعلوها لريهم وشربهم، وذلك أشبه أن تكون التسمية في أصلها منسوبة لهذه الأثماد، التي ربما يكون أثمدها جدهم ثمود، فنسبوا إليه، وأصبح الاسم عَلَمًا على أبناء ثمود.

وقيل: سميت ثمود لقلة مائها، ولأن الثمد هو: الماء القليل 3.

ثانيًا: موقع ثمود:

يعد المؤرخون ثمود من قبائل العرب العاربة البائدة 4، وكان مسكنهم الحجر في وادي القرى بين بلاد الشام والحجاز، ولهذا عرفوا بأصحاب الحجر 5.

قال سبحانه تعالى: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) } [الحجر:80] . وقد مر النبي صلى الله عليه وسلم مع أصحابه بالحجر في طريقهم إلى تبوك 6، والحجر، مدينة من مدن النبط للقديمة المهمة تقع على شريان التجارة في العالم القديم 7.

وقد ذهب بعض الباحثين إلى أنهم سكنوا منطقة الحجر التي تسمى (مدائن صالح) 8.

وقد جاء ذكر الموضع في القرآن: {وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (80) } [الحجر:80] 9.

ثالثًا: زمن ثمود:

ظهرت ثمود بعد عاد، وقبل قوم لوط وقوم شعيب.

وعلى هذا فإن أقل تقدير لفترة ظهورهم هو ما يزيد عن أربعة آلاف سنة من الآن، حيث أن لوطًا عليه السلام هو ابن أخ إبراهيم عليه السلام، وقد عاشا قبل أربعة آلاف سنة.

وهذا الترتيب لهؤلاء الأقوام قد ورد في قوله تعالى {وَيَاقَوْمِ لَا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (89) } [هود:89] .

وجاء في الموسوعة البريطانية: أن منشأ ثمود هو جنوب الجزيرة العربية، إلا أن مجموعة كبيرة منها انتقلت إلى الشمال في تاريخ مبكر واستقرت على منحدرات جبل أثلب، وقد كشفت الحفريات الأثرية عن كتابات حجرية وصور ثمودية ضخمة عبر وسط الجزيرة العربية أيضًا. واليوم وبالرغم من كل ما كانوا عليه لم يبق لهم من أثر سوى هذه البقايا التي تخبرنا عن الفن الذي كان يطبع عصرهم {وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (149) } [الشعراء:149] .

ورد ذكر (ثمود) في القرآن الكريم (26) مرة في (22) سورة.

وقد وردت قصة ثمود في القرآن في السور الآتية:

السورة ... الآيات

الأعراف ... 73 - 79

هود ... 61 - 68

الشعراء ... 141 - 159

النمل ... 45 - 53

فصلت ... 17/ 18

الذاريات ... 43 - 45

القمر ... 23 - 31

الحاقة ... 4 - 5

الشمس ... 11 - 15

أرسل الله تعالى إلى ثمود أخاهم صالحًا رسولًا يدعوهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له.

قال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) } [الأعراف:73] .

وأمرهم بإخلاص العبادة لله سبحانه وتعالى، وقد جاءهم بالبرهان على صدق دعوته، فأخرج لهم من الصخرة ناقة عظيمة، وأمرهم ألا يتعرضوا لها بأي أذى، فيصيبهم عذاب موجع.

[انظر: صالح عليه السلام: التعريف بصالح عليه السلام]

رسالة سيدنا صالح عليه السلام إلى ثمود:

أولًا: رسالته دعوة للتوحيد:

فقد ورد في القرآن الكريم الخطاب ببعث الرسل وإرسالهم إلى أقوامهم بدعوة التوحيد.

قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل:36] .

وقوله: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (25) } [الأنبياء:25] .

وهذا على وجه الإجمال وفصل لبعضهم فقال عن نوح: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [المؤمنون:23] .

{وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:73] .

{وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [هود:50] .

{وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [هود:84] .

وهذا خطاب واحد لهم جميعًا، وأرسل الله سبحانه وتعالى سيدنا صالحًا عليه السلام إلى قومه، وكان أوسطهم وأفضلهم أسرة وعشيرة، وموضع مشورتهم ويصدرون عن رأيه ويرجون له ومنه الخير، فلما دعاهم لتوحيد الله وحده وترك الأوثان، والتوجه بالعبادة لله وحده، وألح عليهم وأنذرهم بالوعيد والعذاب الشديد طلبوا منه أن يخرج لهم آية في عيدهم، دالة على صدقه عنادًا ونفاقًا، فآتاهم الله الناقة آية بينة، فأصروا على عنادهم، بل استمروا في غيهم حتى ينمنوا به ويصدقون رسالته، فدعا الله فأخرج لهم الناقة مع فصيلها بالأوصاف التي طلبوها من صخرة، وكانت مميزة بكثرة لبنها وشكلها رغم أنها آية من الله وحجة ظاهرة، أصروا على عنادهم، وعتوا من أمر ربهم وتجرأوا على انتهاك حرمة الله فعقروا الناقة، فحق عليهم الهلاك، وكلمة العذاب. ولما عقروا الناقة وعدهم سيدنا صالح بالهلاك بعد ثلاث أيام.

قال تعالى: {فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (65) } [هود:65] .

و قد ذاقوا مرارة الترقب والانتظار خلال تلك الأيام، فلما اكتملت الأيام الموعودة آتاهم العذاب صبيحة يوم نحس، فأخذتهم رجفة شديدة زلزلت بهم الأرض، وصاعقة محرقة من فوقهم، وصيحة واحدة مفزعة قطعت نياط قلوبهم وتركتهم أجسادًا بلا أرواح، وبقيت ديارهم عبرة على من الأيام والعصور 10.

ثانيًا: سيدنا صالح عليه السلام يدعو قومه بالحكمة والموعظة الحسنة:

كان صالح عليه السلام يخاطب قومه بأخلاق الداعي الكريمة، وآدابه الرفيعة ويدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة تارة، ويجادلهم تارة بالتي هي أحسن في موضع الجدال، مؤكدًا على أن عبادة الله هي الحق، والطريق المستقيم. ولكن قومه تمادوا في كفرهم، وأخذوا يدبرون له المكائد والحيل حتى لا يؤمن به أكثر الناس، وذات يوم كان صالح عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله، ويبين لهم نعم الله الكثيرة، وأنه يجب شكره وحمده عليها، فقالوا له: يا صالح ما أنت إلا بشر مثلنا، بل وذلك خطاب كل الأمم المكذبة لرسلهم الذين بعثوا إليهم: {مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} [يس:15] .

أي: كان هذا احتجاجهم في رد الرسالات يحتجون على الرسل فيقولون -واللّه أعلم-: إن الرسل إنما يجيئون من عند المرسل، وأنتم نشأتم بين أظهرنا لم تأتونا من عند أحد في الظاهر، ولا نرى لك خصوصية لا في الخلقة ولا في القدرة والمال وغيره وإذا كنت تدعي أنك رسول الله، فلابد أن تأتينا بمعجزة وآية.

قال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ} [الأعراف:73] .

وكان رد الرسل عليهم صلوات الله وسلامه: {إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ} [إبراهيم:11] .

ثالثًا: منهج سيدنا صالح عليه السلام في الدعوة:

أمّا منهج النبي صالح عليه السلام فإنّه لا يختلف عن منهج أخويه نوح وهود عليهما السلام؛ في الدعوة إلى الله تعالى في عدم الشرك به وإفراده بالعبادة، لكن الكثير منهم رفض هذه الدعوة فآذوا نبي الله صالحًا وهمّوا بقتله وعقروا الناقة الّتي جعلها الله آية على صدقه، وقد كان حذّرهم من قتلها فأخذهم الله أخذ عزيز مقتدر.

قال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} [هود:61] - {فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ} - أي: فاسألوه أن يغفر لكم ما أشركتم وما أجرمتم، ثم توبوا وارجعوا إليه كلما وقع منكم ذنبا أو خطأ 11.

{قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) } [هود:61 - 62] .

أي: قد كنا نرجو أن يكون عقلك كاملًا قبل هذه المقالة، وهي دعاؤك إيانا إلى إفراد العبادة لله، وترك ما كنا نعبده من الأنداد، والعدول عن دين الآباء والأجداد.

ولهذا قالوا: {أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيْتُهُ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيْرَ تَخْسِيرٍ (63) } [هود:62 - 63] .

وهذا تلطف منه لهم في العبارة، وحسن تأت في الدعوة لهم إلى الخير، أي: فما ظنكم إن كان الأمر كما أقول لكم، وأدعوكم إليه، ما عذركم عند الله، وماذا يخلصكم من بين يديه، وأنتم تطلبون مني أن أترك دعائكم إلى طاعته. وأنا لا يمكنني هذا لأنه واجب علي، ولو تركته لما قدر أحد منكم، ولا من غيركم، أن يجيرني منه ولا ينصرني، فأنا لا أزال أدعوكم إلى الله وحده لا شريك له، حتى يحكم الله بيني وبينكم. أو أي: غير أن تجعلوني خاسرًا بإبطال أعمالي وتعريضي لسخط الله تعالى أو فما تزيدونني بما تقولون غير أن أنسبكم إلى الخسران وأقول لكم: إنكم الخاسرون، فالزيادة على معناه، والفاء لترتيب عدم الزيادة على انتفاء الناصر المفهوم من إنكاره على تقدير العصيان مع تحقق ما ينفيه من كونه عليه الصلاة السلام على بينة من ربه وإيتائه النبوة 12.

وقالوا له أيضًا: {قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (153) } [الشعراء:153] .

أي: من المسحورين، يعنون مسحورًا لا تدري ما تقول في دعائك إيانا إلى إفراد العبادة لله وحده، وخلع ما سواه من الأنداد. والمراد بالمسحرين: المسحورين المخدوعين 13.

ما من دعوة جاء بها رسول إلى قومه وإلا انقسم القوم إلى مستجيبين وغير مستجيبين، وسوف نتناول ذلك بالبيان فيما يأتي:

أولًا: موقف ثمود من رسولهم عليه السلام:

أولًا: قوم ثمود لا يستجيبون لنبيهم عليه السلام:

كانت ثمود أمة مشركة تعبد الأصنام وتجحد تفرد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، شأنها في ذلك شأن من كان قبلها من الأمم كقوم نوح وقوم هود، فكان مستهل دعوة صالح عليه السلام دعوتهم إلى عبادة الله وحده، وقد ورد ذلك في عدة مواضع في القرآن الكريم، ولكن الحديث عن شركهم وعبادتهم الأصنام لم يرد إلا في آية واحدة هي قوله تعالى: {قَالُوا يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (62) } [هود:62] .

وكان هذا جوابًا لدعوة صالح إياهم إلى التوحيد في قوله تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ (61) } [هود:61] .

فالقوم جعلوا الدعوة إلى عبادة الله وحده سببًا لحط الدرجات والقدح في المروآت، فقالوا لصالح مظهرين التحسر وخيبة الرجاء: {قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا} أي: كنا نرجو أن تكون فينا سيدًا 14؛ لما كنا نرى منك من دلائل السداد ومخايل الرشاد 15 قبل هذا القول العجيب الذي جئت به؛ أفأنت تدعونا إلى ترك عبادة هذه الأصنام التي توارثنا عبادتها أبًا عن جدّ؟

ثم بينوا موقفهم من الدعوة إلى التوحيد بأسلوب المتهكم في صورة المنصف للحق، المشفق على صالح، فقالوا: {وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ} قال الفخر الرازي: والشك هو أن يبقى الإنسان متوقفًا بين النفي والإثبات، والمريب: هو الذي يظن به السوء، فقوله: {وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ} يعني: أنه لم يترجح في اعتقادهم صحة قوله {مُرِيبٍ} يعني: أنه ترجح في اعتقاداتهم فساد قوله، وهذا مبالغة في تزييف كلامه 16.

ثانيًا: تطير قوم ثمود:

التطير لون من ألوان الشرك ورد ذكره عن قوم ثمود، وأصله مأخوذ من التطير بالسوانح والبوارح 17 من الطير والظباء وغيرهما 18، ثم يستعمل في كل ما يتفاءل به ويتشاءم 19.

وقد دل على كونه شركًا حديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعًا: (الطيرة شرك، الطيرة شرك، ثلاثًا) 20.

قال ابن الأثير: «وإنما جعل الطيرة من الشرك لأنهم كانوا يعتقدون أن التطير يجلب لهم نفعًا أو يدفع ضرًّا إذا علموا بموجبه، فكأنهم أشركوه مع الله في ذلك» 21.

وحديث القرآن عن تطير قوم صالح ورد في قوله تعالى: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) } [النمل:47] .

قال الطبري في تفسير الآية: «أي: تشاءمنا بك وبمن معك من أتباعنا، وزجرنا الطير بأنا سيصيبنا بك وبهم المكاره» 22.

والقوم لشقاوتهم وخبثهم نسبوا ما يصيبهم من المكاره والمساوئ إلى صالح وأصحابه وهو أبعد الناس عنها، فهم أهل الصلاح، ودينهم سبب لجلب الخيرات لا المصائب، وقد نسوا أنهم إنما يؤخذون بجرائرهم وسوء أعمالهم.

وقد أجابهم صالح عليه السلام كما في قوله تعالى: {قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (47) } [النمل:47] .

قال عبدالله بن عباس: « {طَائِرُكُمْ} : مصائبكم» 23.

والمعنى: عند الله علم بما يصيبكم من المكاره والمصائب، فكل ذلك بقضائه وقدره لا حسب تطيركم وتشاؤمكم 24.

وقوله: {بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ} أي: تبتلون وتختبرون، أتطيعون فتجدون الجزيل من الثواب، أم تعصون فيحل عليكم العقاب 25.

ثالثًا: ثمود لا تعتبر بما حاق بسلفها قوم عاد:

و ما كان من أمر قوم صالح عليه السلام، إلا الصد والتكذيب، وكيف نجاه الله تعالى مع من آمن به، وكيف قطع دابر القوم الذين ظلموا بكفرهم، وعتوهم ومخالفتهم رسولهم عليه السلام. ومع إنهم شهدوا آثار هلاك قوم عاد وتسامعوا به إلا أنهم لم يعتبروا بما كان من أمر سلفهم.

ولهذا قال لهم نبيهم عليه السلام: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74) } [الأعراف:73 - 74] .

وفي هذه الآيات يذكرهم نبيهم بما كان من أمر سلفهم، إذ كنتم خلفاء من قوم عاد، لتعتبروا بما كان من أمرهم، وتعملوا بخلاف عملهم، وأباح لكم هذه الأرض تبنون في سهولها القصور، وتنحتون من الجبال بيوتًا فارهين، أي: حاذقين في صنعتها وإتقانها وإحكامها، فقابلوا نعمة الله بالشكر والعمل الصالح، والعبادة له وحده لا شريك له، وإياكم ومخالفته، والعدول عن طاعته، فإن عاقبة ذلك وخيمة 26.

وذكر الله سبحانه وتعالى بأن صالحًا أخاهم يقول تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف:73] ؛ لأن ثمود قبيلة. و {أَخَاهُمْ صَالِحًا} يعني: في النسب لا في الدين {قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} وهذا قول نبيهم صالح عليه السلام حين أرسله الله تعالى إليهم: يا قوم وحدوا الله تعالى ولا تشركوا به شيئا فما لكم من إله يستحق أن يعبد سواه {قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ} يعني: جاءتكم حجة من ربكم وبرهان على صدق ما أقول وأدعو إليه من عبادة الله تعالى ولا تشركوا به شيئًا وعلى التصديق بأني رسول الله إليكم، ثم فسر تلك البينة فقال: {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً} يعني: علامة على صدقي.

ووجه نسبة هذه الناقة لله سبحانه وتعالى، وكون الناقة آية على صدق سيدنا صالح عليه السلام ومعجزة له، خارقة للعادة؛ لأنها خرجت من صخرة في الجبل، لا من ذكر ولا من أنثى، مع كمال خلقها.

وقيل: لأنها كان لها شرب يوم، ولجميع قبيلة ثمود شرب يوم.

وهذا من المعجزات أيضًا؛ لأن ناقة تشرب ما تشربه قبيلة معجزة، وكانوا يحلبونها في يوم شربها قدر ما يكفيهم جميعهم ويقوم لهم مقام الماء، وهذا أيضًا معجزة.

وقيل: إن سائر الوحوش والحيوانات كانت تمتنع من شرب الماء في يوم شرب الناقة، وتشرب الحيوانات الماء في غير يوم الناقة.

وهذا أيضًا معجزة، وإنما أضافها إلى الله تعالى في قوله {هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ} على سبيل التفضيل والتشريف، كما يقال: بيت الله.

وقيل: لأن الله تعالى خلقها بغير واسطة ذكر وأنثى.

وقيل: لأنه لم يملكها أحد إلا الله تعالى.

وقيل: لأنها كانت حجة الله على قوم صالح.

{فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ} يعني: فذروا الناقة تأكل العشب من أرض الله، فإن الأرض لله والناقة أيضًا لله وليس لكم في أرض الله شيء، لأنه هو الذي أنبت العشب فيها {وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ} يعني: ولا تطردوها ولا تقربوها بشيء من أنواع الأذى ولا تعقروها {فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} يعني: بسبب عقرها وأذاها 27.

ثانيًا: من صفات قوم ثمود:

1.الشك المريب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت