فهرس الكتاب

الصفحة 592 من 2431

البراء

أولًا: المعنى اللغوي:

برأ: الباء، والراء، والهمزة: يدل على أصلين في اللغة إليهما ترجع فروع الباب>

أحدهما: الخلق، يقال: برأ الله الخلق يبرؤهم براءً، والبارئ: الله جل ثناؤه، ومنه قوله تعالى: {فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ} [البقرة: 54] .

والأصل الآخر: التباعد عن الشيء، يدل على التبرؤ، والتخلص، والتنزه، والتباعد، والتنصل والتزايل، وغير ذلك.

والبراء: مصدر برئت 1؛ ولأنه مصدر فلا يجمع ولا يثنى ولا يؤنث، فتقول: رجلٌ براء، ورجلان براء، ورجالٌ براء، وامرأة براء 2، وقوله تعالى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [التوبة: 1] . أي: إعذار وإنذار وتنزه 3، وليلة البراء: ليلة يتبرأ القمر من الشمس، وهي أول ليلة من الشهر 4.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لقد عرف العلماء البراء اصطلاحًا بتعريفات عديدة منها:

«هو البعد، والخلاص، والعداوة بعد الإعذار والإنذار» 5.

«بغض أعداء الله من المنافقين وعموم الكفار، وعداوتهم، والبعد عنهم، وجهاد الحربيين منهم بحسب القدرة» 6.

«بغض الطواغيت التي تعبد من دون الله تعالى (من الأصنام المادية والمعنوية: كالأهواء والآراء) ، وبغض الكفر (بجميع ملله) وأتباعه الكافرين، ومعاداة ذلك كله» 7.

وردت مادة (برأ) في القرآن الكريم (31) مرة، وما يخص منها موضوعنا (23) مرة 8.

والصيغ التي وردت هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

الفعل الماضي ... 5 ... {وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا} [البقرة:167]

الفعل المضارع ... 2 ... {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} [يوسف:53]

الاسم ... 12 ... {إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ} [الممتحنة:4]

المصدر ... 3 ... {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (1) } [التوبة:1]

اسم المفعول ... 1 ... {أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ} [النور:26]

وجاء البراء في الاستعمال القرآني بمعناه اللغوي، وهو المفارقة والتباعد من الشيء ومزايلته 9.

البراءة:

البراءة لغةً:

مصدر (بريء) إذا تنزه وتباعد، وبريء إذا أعذر وأنذر، ومنه قوله تعالى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} قال ابن الأعرابي: بريء إذا تخلص من عهدة الرد به 10.

البراءة اصطلاحًا:

لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي، بل ينحدر منه.

الصلة بين البراء وبراءة:

لا يوجد فرق فهما بنفس المعنى، بل إن لفظة البراءة من اشتقاقات لفظة (برأ) ، ويتضح ذلك من خلال تعريف البراء.

الترك:

الترك لغةً:

بمعنى التخلية عن الشيء، أي: البعد عنه، وترك الأمر، أي: طرحه وأهمله 11، وهذا المعنى مشابه لمعنى البراء إلى حد كبير.

الترك اصطلاحًا:

لا يختلف المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي.

الصلة بين الترك والبراء:

هناك تشابهٌ إلى حد كبير مع مصطلح البراء، فالبراء يشتمل على معنى المفارقة والتجنب والإهلاك والامتحان.

الولاء:

الولاء لغةً:

القرب والدنو والمحبة والنصرة 12، قال الراغب الأصفهاني: «ولي: الولاء والتوالي: أن يحصل شيئان فصاعدًا حصولًا ليس بينهما ما ليس منهما، ويستعار ذلك للقرب من حيث المكان، ومن حيث النسبة، ومن حيث الدين، ومن حيث الصداقة والنصرة والاعتقاد، والولاية: النصرة» 13.

الولاء اصطلاحًا:

التقرب إلى الله عز وجل والنبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنين بالمحبة والنصرة والطاعة، وغير ذلك من مظاهر الولاء 14.

الصلة بين الولاء والبراء:

معنى الولاء يأتي على النقيض تمامًا من معنى البراء، فالبراء يعني البعد والطرح والبغض، أما الولاء فيعني القرب والحب والنصرة

أولًا: براءة الله عز وجل من المشركين:

قال تعالى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [التوبة: 1] .

والمعنى: إلى الذين عاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من المشركين؛ لأن العهود بين المسلمين والمشركين عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يكن يتولى عقدها إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من يعقدها بأمره، ولكنه خاطب المؤمنين بذلك لعلمهم بمعناه، وأن عقود النبي صلى الله عليه وسلم على أمته كانت عقودهم؛ لأنهم كانوا لكل أفعاله فيهم راضين، ولعقوده عليهم مسلمين، فصار عقده عليهم كعقودهم على أنفسهم، فلذلك قال: {إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} ، لما كان من عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعهده 15.

وقد جاء قوله تعالى: {وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} [التوبة: 3] .

معطوفًا على قوله تعالى: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ}

وموقع لفظ (أذان) كموقع لفظ (براءة) في التقدير، وهذا إعلام المشركين الذين لهم عهد بأن عهدهم انتقض 16، وكما أن هذه الآية تقرر حكمًا شرعيًا، والمشرع هو الله أضيف صدور البراءة إليه سبحانه، وعطف عليه الرسول صلى الله عليه وسلم في هذا المقام؛ لأنه هو المبلغ عنه، والمنفذ لما يبلغه 17.

قال الامام الرازي: «لقائل أن يقول: لا فرق بين قوله: {بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} وبين قوله: {أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ} فما الفائدة في هذا التكرير؟

والجواب عنه من وجوه:

الوجه الأول: أن المقصود من الكلام الأول الإخبار بثبوت البراءة، والمقصود من هذا الكلام إعلام جميع الناس بما حصل وثبت.

والوجه الثاني: أن المراد من الكلام الأول البراءة من العهد، ومن الكلام الثاني البراءة التي هي نقيض الموالاة الجارية مجرى الزجر والوعيد، والذي يدل على حصول هذا الفرق أن في البراءة الأولى بريء إليهم، وفي الثانية: بريء منهم، والمقصود أنه تعالى أمر في آخر سورة الأنفال المسلمين بأن يوالي بعضهم بعضًا، ونبه به على أنه يجب عليهم أن لا يوالوا الكفار وأن يتبرءوا منهم، فههنا بين أنه تعالى كما يتولى المؤمنين فهو يتبرأ عن المشركين ويذمهم ويلعنهم، وكذلك الرسول؛ ولذلك أتبعه بذكر التوبة المزيلة للبراءة.

والوجه الثالث: في الفرق أنه تعالى في الكلام الأول، أظهر البراءة عن المشركين الذين عاهدوا ونقضوا العهد، وفي هذه الآية أظهر البراءة عن المشركين من غير أن وصفهم بوصف معين؛ تنبيهًا على أن الموجب لهذه البراءة كفرهم وشركهم» 18.

ثانيًا: تبرأة الله لموسى عليه السلام:

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} [الأحزاب: 69]

لقد حكى القرآن الكريم ألوانًا من إيذاء بني إسرائيل لموسى عليه السلام، ومن ذلك قولهم له: {لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً} [البقرة: 55] .

وقولهم: {قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ} [الأعراف: 138] .

ومن إيذائهم له عليه السلام ما رواه الإمام البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن موسى كان رجلًا حييًا ستيرًا، لا يرى من جلده شيء استحياء منه، فآذاه من آذاه من بني إسرائيل فقالوا: ما يستتر هذا التستر، إلا من عيب بجلده: إما برص وإما أدرة 19: وإما آفة، وإن الله أراد أن يبرئه مما قالوا لموسى، فخلا يومًا وحده، فوضع ثيابه على الحجر، ثم اغتسل، فلما فرغ أقبل إلى ثيابه ليأخذها، وإن الحجر عدا بثوبه، فأخذ موسى عصاه وطلب الحجر، فجعل يقول: ثوبي حجر، ثوبي حجر، حتى انتهى إلى ملأ من بني إسرائيل، فرأوه عريانًا أحسن ما خلق الله، وأبرأه مما يقولون، وقام الحجر، فأخذ ثوبه فلبسه، وطفق بالحجر ضربًا بعصاه، فوالله إن بالحجر لندبًا من أثر ضربه، ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا، فذلك قوله: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} [الأحزاب: 69] ) 20.

قال ابن عاشور: «معنى {بَرَاءَةٌ} أظهر براءته عيانًا؛ لأن موسى كان بريئًا مما قالوه من قبل أن يؤذوه بأقوالهم، فليس وجود البراءة منه متفرعة على أقوالهم، ولكن الله أظهرها عقب أقوالهم، فإن الله أظهر براءته من التغرير بهم إذ أمرهم بدخول أريحا، فثبت قلوبهم وافتتحوها، وأظهر براءته من الاستهزاء بهم إذ أظهر معجزته حين ذبحوا البقرة التي أمرهم بذبحها فتبين من قتل النفس التي ادارأوا فيها، وأظهر سلامته من البرص والأدرة حين بدا لهم عريانًا لما انتقل الحجر الذي عليه ثيابه. ومعنى: {فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا} برأه من مضمون قولهم لا من نفس قولهم؛ لأن قولهم قد حصل وأوذي به، وهذا كما سموا السبة القالة» 21.

واختتام الآية بقوله تعالى: {وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا} توضح سبب عناية الله عز وجل بتبرئة نبيه موسى عليه السلام، والوجيه: هو صاحب الجاه والمكانة، فكانت لموسى عليه السلام مكانة عظيمة عند الله تعالى، وهذا تسفيه للذين آذوه بأنهم آذوه بما هو مبرأ منه، وتنويه وتوجيه لتنزيه الله إياه بأنه مستحق لتلك التبرئة؛ لأنه وجيه عند الله تعالى 22.

وأولى الأقوال وأصوبها في قضية تبرئة موسى عليه السلام ما قاله الإمام الطبري: «أن يقال: إن بني إسرائيل آذوا نبي الله ببعض ما كان يكره أن يؤذى به، فبرأه الله مما آذوه به، وجائز أن يكون ذلك كان قيلهم: إنه أبرص، وجائز أن يكون كان ادعاءهم عليه قتل أخيه هارون، وجائز أن يكون كل ذلك؛ لأنه قد ذكر كل ذلك أنهم قد آذوه به، ولا قول في ذلك أولى بالحق مما قال الله إنهم آذوا موسى، فبرأه الله مما قالوا» 23.

أولًا: براءة إبراهيم عليه السلام والمؤمنين معه:

قال تعالى: {قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ} [الممتحنة: 4] .

والمعنى: قد كان لكم- أيها المؤمنون- أسوة حسنة، وخصلة حميدة، ومنقبة كريمة، في قصة أبيكم إبراهيم عليه السلام، وفي قصة الذين آمنوا معه، وقت أن قالوا لقومهم الكافرين، بشجاعة وقوة: إنا برآء منكم، ومن آلهتكم التي تعبدونها من دون الله عز وجل، وإننا قد كفرنا بكم وبمعبوداتكم، وظهر بيننا وبينكم العداوة والبغض على سبيل التأبيد والاستمرار، ولن نتخلى عن ذلك معكم، حتى تؤمنوا بالله - تعالى وحده-، وتتركوا عبادتكم لغيره تعالى 24.

قال صاحب الكشاف: «لقد كان في إبراهيم ومن آمن معه مذهب حسن مرضي، جدير بأن يؤتسى به، ويتبع أثره، وهو قولهم لكفار قومهم ما قالوا، حيث كاشفوهم بالعداوة، وقشروا لهم العصا، وأظهروا لهم البغضاء والمقت، وصرحوا بأن سبب عداوتهم وبغضائهم، ليس إلا كفرهم بالله، وما دام هذا السبب قائمًا، كانت العداوة قائمة، حتى إن أزالوه وآمنوا بالله وحده، انقلبت العداوة موالاة، والبغضاء مودة، والمقت محبة، فأفصحوا عن محض الإخلاص» 25.

فيوضح القرآن الكريم كيف أعلن إبراهيم عليه السلام والمؤمنون معه بكل شجاعة وشدة، إيمانهم الكامل بالحق، وبراءتهم وكراهيتهم واحتقارهم، لكل من أشرك مع الله عز وجل في العبادة آلهة أخرى، وأنهم لم يكتفوا بالتغيير القلبي للمنكر، بل جاهروا بعداوتهم له، وبالتنزه عن اقترابهم منه 26.

وفي موضع آخر يعلن إبراهيم عليه السلام براءته من شرك قومه صراحة، قال تعالى: {فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 78] .

قال الإمام الطبري: «فلما رأى إبراهيم الشمس طالعةً، قال: هذا الطالع ربي، {هَذَا أَكْبَرُ} ، يعني: هذا أكبر من الكوكب والقمر {فَلَمَّا أَفَلَتْ} ، يقول: فلما غابت، قال إبراهيم عليه السلام لقومه: {يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} أي: من عبادة الآلهة والأصنام ودعائه إلهًا مع الله تعالى» 27.

ثانيًا: براءة نوح عليه السلام:

قال تعالى: {قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ قَالَ إِنَّمَا يَأْتِيكُمْ بِهِ اللَّهُ إِنْ شَاءَ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيْتُهُ فَعَلَيَّ إِجْرَامِي وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تُجْرِمُونَ} [هود: 32 - 35] .

والمعنى: قال قوم نوح له: قد طال منك هذا الجدال، وهو المراجعة في الحجة ومقابلة الأقوال ومناقشتها حتى تقع الغلبة، فأتنا بما تعدنا به من العذاب والهلاك المعجل في الدنيا، إن كنت صادقًا في ادعائك أن الله يعذبنا على عصيانه في الدنيا قبل الآخرة، أجاب نوح قومه عن اتهامه بكثرة الجدال قائلًا: ليس إنزال العذاب أو العقاب بيدي، وليس لي توقيته، وإنما ذلك بيد الله، وهو الآتي به إن شاء وإذا شاء، ولستم من المنعة بحال من يفلت أو يعتصم لتنجوا، وإنما أنتم في قبضة القدرة الإلهية، وتحت سلطان الملك الإلهي، وليس نصحي بنافع، ولا إرادتي الخير لكم مغنية إذا كان الله تعالى قد أراد بكم الإغواء والإضلال والإهلاك، الله ربكم، أي خالقكم والمتصرف في أموركم، وهو الحاكم العادل الذي لا يجور، وإليه ترجعون في الآخرة، فيجازيكم بما كنتم تعملون في هذا العالم من خير أو شر.

وقوله سبحانه: {أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ} اختلف المفسرون في هذه الآية.

فقال الطبري: «أن هذه الآية معترضة في قصة نوح، وهي في شأن محمد صلى الله عليه وسلم مع كفار قريش، ويحتمل كون الكلام في شأن نوح عليه السلام، فإن قومه زعموا أن العذاب الذي توعدهم به أمر مفترى بقصد إرهابهم.

والراجح أن هذه الآية من محاورة نوح لقومه، كما قال ابن عباس؛ لأنه ليس قبل هذا الكلام ولا بعده إلا ذكر نوح وقومه، والخطاب منهم ولهم، وهم يقولون: افترى ما أخبركم به من دين الله، وعقاب من أعرض عنه، ففي هذه الآية إعلان صريح من نوح أنه بريء من أعمال قومه وشركهم» 28.

وفي موضع آخر يتحدى نوح قومه بأنه لا يكترث بتهديد ووعيد قومه له.

قال تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 71 - 72] .

يقول نوح عليه السلام لقومه: إن كان قد شق عليكم وعظم قيامي معكم للدعوة إلى عبادة ربكم، وتذكيري ووعظي إياكم بآيات الله أي بحججه وبراهينه الدالة على وحدانيته وعبادته، فإني توكلت على الله وحده ووثقت به، فلا أبالي ولا أكف عن دعوتي ورسالتي، سواء عظم عليكم أو لا، فأجمعوا أمركم، أي اعزموا على ما تريدون من أمر تفعلونه بي، أنتم وشركاؤكم الذين تعبدونهم من دون الله من صنم ووثن، ولا تجعلوا أمركم الذي تعتزمونه خفيًا ملتبسًا عليكم، بل أظهروه لي، وتبصروا فيه، وافصلوا حالكم معي، فإن كنتم تزعمون أنكم محقون فاقضوا إلى ذلك الأمر ونفذوه بالفعل، ولا تؤخروني ساعة واحدة عن تنفيذ هذا القضاء، فمهما قدرتم فافعلوا، فإني لا أبالي بكم ولا أخاف منكم لأنكم لستم على شيء 29.

ثالثًا: براءة هود عليه السلام:

قال تعالى: {قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (54) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ} [هود: 53 - 55] .

بعد أن دعا نبي الله هود عليه السلام قومه لعبادة الله وحده، وحذرهم من الإعراض عنه سبحانه، وناداهم بلفظ: -يا قوم- ثلاث مرات، توددًا إليهم، وتذكيرًا لهم بآصرة القرابة التي تجمعهم وإياه؛ لعل ذلك يستثير مشاعرهم، ويحقق اطمئنانهم إليه، كان جوابهم: ما جئتنا بحجة وبرهان على ما تدعيه أنك رسول من عند الله، ولن نترك عبادة آلهتنا بمجرد قولك: اتركوهم، وما نحن لك بمصدقين، فكان جوابهم متضمنًا أربعة أشياء كلها عناد وحماقة واستكبار، وهي المطالبة بالبينة والإصرار على عبادة الآلهة.

قوله تعالى: {إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ} قال الامام الزمخشري فيها ما ملخصه «أي: مسك بجنون لسبك إياها، وصدك عنها، وعداوتك لها، مكافأة لك منها على سوء فعلك بسوء الجزاء، فمن ثم صرت تتكلم بكلام المجانين وتهذي بهذيان المبرسمين» 30.

ثم قال: «وقد دلت ردودهم المتقدمة على أن القوم كانوا جفاة غلاظ الأكباد، لا يبالون بالبهت، ولا يلتفتون إلى النصح، ولا تلين شكيمتهم للرشد، وهذا الأخير دال على جهل مفرط، وبلهٍ متناه، حيث اعتقدوا في حجارة أنها تنتصر وتنتقم ... » 31.

وبعد أن استمع هود عليه السلام إلى ردودهم القبيحة، فما كان منه إلا أن يقف منهم موقف المتبريء من شركهم، والمتحدي لطغيانهم، والمعتمد على الله- تعالى وحده- في الانتصار عليهم، ولقد حكى القرآن رده عليهم فقال: {قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} أي: أشهد الله على نفسي واشهدوا علي أني بريء من شرككم ومن عبادة الأصنام، ولا يعني هذا أنهم كانوا أهلًا للشهادة، ولكنه نهاية للتقرير، أي لتعرفوا، ولم يقل: (إني أشهد الله وأشهدكم) لئلا يفيد التشريك بين الشهادتين والتسوية بينهما؛ فإن إشهاد الله على البراءة من الشرك إشهاد صحيح ثابت في معنى تثبيت التوحيد، وأما إشهادهم فما هو إلا تهاون بدينهم، ودلالة على قلة المبالاة بهم، وإذا كنت بريئًا من جميع الأنداد والأصنام، أي مما تشركون من دون الله، فإني أعلن ذلك صراحة، فاجمعوا كل ما تستطيعون من أنواع الكيد لي، جميعًا أي أنتم وآلهتكم، ولا تمهلوني طرفة عين، إني فوضت أمري كله لله ربي وربكم، ووكلته في حفظي، فهو على كل شيء قدير 32.

ويمكننا أن نخلص إلى أن رد هود عليه السلام على قومه تضمن عدة أمور وهي: التحدي والمعجزة الباهرة، وقلة المبالاة بهم وبتهديدهم، والبراءة من شركهم، وإشهاد الله على ذلك، وإشهادهم على براءته من شركهم، وطلبه المكايدة له، وإظهار قلة المبالاة بهم، وعدم خوفه منهم ومن آلهتهم.

رابعًا: براءة رسول الله صلى الله عليه وسلم:

قال تعالى: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ} [الأنعام: 19] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت