أولًا: المعنى اللغوي:
الملائكة في اللغة: جمع ملكٍ، والملك أصله مشتق من الفعل (ألك) أي: حمل الرسالة، قال ابن فارس: «الهمزة واللام والكاف أصل واحد، وهو تحمل الرسالة» 1، ومنه الألوكة والمألكة والألوك 2، قال الخليل: الألوك: الرسالة، وإنما سميت الرسالة ألوكًا؛ لأنها تؤلك في الفم، مشتق من قول العرب، الفرس يألك باللجام ويعلكه 3،وسميت الملائكة ملائكةً، لتبليغها رسائل الله عز وجل إلى أنبيائه صلوات الله عليهم، ومن أرسلت إليه من عباده 4، وهو قول الجمهور 5، وقيل: إن أصله من (ملك) الدال على قوة في الشيء وصحة، يقال: أملك عجينه: قَوَّى ع! جْنَهُ وشَدَّهُ، وملكت الشيء: قويته 6.
و (الملك) من (الملائكة) واحدٌ وجمعٌ، ويقال: ملائكةٌ وملائك 7.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرفها ابن عاشور بأنها: «أجسام لطيفة نورانية أخيار ذوو قوة عظيمة، ومن خصائصهم القدرة على التشكل بأشكال مختلفة، والعلم بما تتوقف عليه أعمالهم، ومقرهم السماوات ما لم يرسلوا إلى جهة من الأرض» 8.
وأما الفوزان فعرفها قائلًا: «الملائكة خلق من خلق الله في عالم الغيب، خلقهم الله لعبادته، ولتنفيذ أوامره سبحانه وتعالى في ملكه، وهم أصناف، كل صنف له عمل موكل به ويقوم به، لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون 9.
وردت (الملائكة) في القرآن الكريم (88) مرة 10.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
اسم ... 88 ... {وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ} [الأنعام:8] .
{وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ} [البقرة:102] .
{وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ} [البقرة:31]
وجاءت الملائكة في القرآن بمعناها في اللغة وهي: جمع مَلَك بفتح اللام، والملك أصله: ألك، والمألكة، والمألك: الرسالة. ومنه اشتق الملائك؛ لأنهم رسل الله 11.
الجن:
الجن لغة:
قال الجوهري: الجن: خلاف الإنس، والواحد جنيٌ. يقال: سميت بذلك؛ لأنها تتقى ولا ترى. وجن الرجل جنونًا، وأجنه الله، فهو مجنونٌ 12.
الجن اصطلاحًا:
نوع من الأرواح العاقلة المكلفة على نحو ما عليه الإنسان، مجردون عن المادة، مستترون عن الحواس، لا يرون على طبيعتهم، ولا بصورتهم الحقيقية، ولهم قدرة على التشكل 13.
الصلة بين الجن والملائكة:
الملائكة معصومون عن الزلل، والجن كالإنس غير معصومين، والملائكة وإن كانت مثل الجن من حيث الخفاء، إلا أنهم أرقى المخلوقات، من حيث فضلهم وطاعتهم.
الإنس:
الإنس لغةً:
مادة (أ ن س) تدور في اللغة حول معنيين رئيسين هما: الظهور والنسيان 14.
الإنس اصطلاحًا:
هم كل حيوان ناطق يرى شكله، ولا يستطيع أن يرى الجن ولا الملائكة.
وقال الجرجاني: الإنسان هو الحيوان الناطق 15.
الصلة بين الإنس والملائكة:
الإنس والملائكة من مخلوقات الله، إلا أن الإنس خلقوا من طين، وخلقت الملائكة من نور. والملائكة معصومون عن الزلل، والإنس كالجن من حيث الشهوة وأصنافهم، والملائكة غير مكلفين ولا يتناكحون ولا يأكلون ولا يشربون، بخلاف الإنس.
اقتضت حكمة الله وإرادته أن يخلق آدم عليه السلام، وأن يجعله وذريته خلفاء في الأرض؛ ليقوموا بعمارتها وفق منهج الله تعالى وشريعته؛ فيحققوا بذلك غاية وجودهم، توحيدًا لله تعالى وعبادة له وطاعة، وعندما أراد الله سبحانه أن يخلق آدم أعلم ملائكته بمراده، فسألوه عن الحكمة من وراء ذلك، فأخبرهم سبحانه، أن من وراء خلقه لآدم حكمًا لا يعلمونها، وعندما خلقه وسواه ونفخ فيه الروح أمر ملائكته بالسجود له، فاستجابوا لأمره سبحانه وتعالى، وسوف نتحدث عن خلافة آدم والسجود له بشيء من التفصيل في النقاط الآتية:
أولًا: خلافة آدم:
أخبر الله تعالى ملائكته الكرام بأنه سيجعل في الأرض خليفة يسكنها.
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) } [البقرة:30] .
قال البغوي: «والمراد بالخليفة ها هنا آدم سماه خليفة؛ لأنه خلف الجن، أي: جاء بعدهم، وقيل: لأنه يخلفه غيره، والصحيح أنه خليفة الله في أرضه؛ لإقامة أحكامه وتنفيذ قضاياه» 16.
وذكر الشيخ الشنقيطي وجهين لأهل التفسير في قوله {خَلِيفَةً} :
أحدهما: أن المراد بالخليفة أبونا آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ لأنه خليفة الله في أرضه في تنفيذ أوامره.
والثاني: أن المراد بالخليفة: الخلائف من آدم وبنيه لا آدم نفسه وحده، وقد دلت آيات على ذلك مثل قوله تعالى: {قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ} [البقرة:30] .
وقوله تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ} [فاطر:39] .
ونحو ذلك من الآيات، ومعلوم أن آدم عليه السلام ليس ممن يفسد فيها ولا ممن يسفك الدماء، ويمكن الجواب على ذلك:
بأن المراد بالخليفة آدم، وأن الله أعلم ملائكته بأنه سيكون من ذريته من يفعل ذلك الفساد، وسفك الدماء، فقالوا ما قالوا، وأن المراد بخلافة آدم الخلافة الشرعية، وبخلافة ذريته أعم من ذلك، وهو أنهم يذهب منهم قرن ويخلفه قرن آخر 17.
وهذه الآية أصلٌ في نصب إمام وخليفة يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة، وتنفذ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة 18.
وأما عن سؤال الملائكة لربهم {أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ} فقال ابن كثير: «وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم، كما قد يتوهمه بعض المفسرين، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك» 19.
وإنما قالوا هذه المقالة؛ لعلمٍ قد علموه من الله سبحانه بوجه من الوجوه؛ لأنهم لا يعلمون الغيب، قال بهذا جماعة من المفسرين 20.
ويستفاد من قوله تعالى: {إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ} أن العبد إذا خفيت عليه حكمة الله في بعض المخلوقات والمأمورات، فالواجب عليه التسليم بها، واتهام عقله، والإقرار لله بالحكمة 21.
ثانيًا: السجود لآدم:
أمر الله تعالى ملائكته الكرام بالسجود لآدم، فاستجابوا طاعة له وامتثالًا لأمره جل وعلا.
قال تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) } [البقرة:34] .
اختلفوا في هذا الخطاب مع أي الملائكة كان؟ فقيل: إن هذا الخطاب كان مع الملائكة الذين كانوا سكان الأرض، والأصح أنه خطاب مع جميع الملائكة بدليل قوله تعالى: {فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) } [الحجر:30] 22.
وأصل السجود في اللغة: الخضوع والتذلل، وكل من ذل وخضع لما أمر به فقد سجد 23، وأجمع المسلمون على أن ذلك السجود ليس سجود عبادة؛ لأن سجود العبادة لغير الله كفر، والأمر لا يرد بالكفر 24، ولكن اختلفوا في كيفية السجود.
قال السمعاني: «وفي قوله تعالى: {اسْجُدُوا لِآدَمَ} قولان:
أحدهما: أن معناه اسجدوا إلى آدم، فيكون آدم كالقبلة، والسجود لله تعالى.
والأصح: أن السجود كان لآدم على الحقيقة.
وتضمن معنى الطاعة لله تعالى بامتثال أمره فيه، فعلى هذا يكون السجود لآدم على سبيل التحية له، وهو كسجود إخوة يوسف ليوسف بمعنى التحية له.
قال تعالى: {وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا} [يوسف:100] » 25.
وهذه كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم امتن بها على ذريته 26، ودليل على فضل آدم عليه السلام؛ إذ جعل موضع عبادة خيار خلق الله معه 27.
والخلاصة في القول: إن السجود كان تعظيمًا وتحيةً؛ تكريمًا لآدم وإظهارًا لفضله، وطاعة لله تعالى لا سجود عبادة.
إن العلم بالملائكة من الأمور الغيبية التي لا يصل إليها العقل المجرد، وإنما السبيل لمعرفتهم هو الخبر الصادق عن الله عز وجل، أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم، وقد جاءت الأخبار التي تفيد بوجود الملائكة، وتذكر بعض صفاتهم، فللملائكة صفات متعددة ومتنوعة، ومن هذه الصفات ما يأتي:
أولًا: أولو أجنحة:
ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم أنه اصطفى من الملائكة رسلًا.
قال تعالى: {اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (75) } [الحج:75] .
وذكر جل وعلا في موضع آخر أن أولئك الرسل من الملائكة لهم أجنحة وتلك الأجنحة متعددة.
قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (1) } [فاطر:1] .
قال البيضاوي: « {أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} أي: ذوي أجنحة متعددة متفاوتة بتفاوت ما لهم من المراتب ينزلون بها ويعرجون، أو يسرعون بها نحو ما وكلهم الله عليه فيتصرفون فيه على ما أمرهم به {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} استئناف للدلالة على أن تفاوتهم في ذلك بمقتضى مشيئته ومؤدى حكمته» 28.
وقال ابن كثير: «وقوله: {جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا} أي: بينه وبين أنبيائه {أُولِي أَجْنِحَةٍ} أي: يطيرون بها ليبلغوا ما أمروا به سريعًا {مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ} أي: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له أكثر من ذلك» 29.
كما جاء في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى جبريل له ستمائة جناح) 30.
ولهذا قال سبحانه: {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ} قال الشوكاني: «والمعنى: أنه يزيد في خلق الملائكة ما يشاء، وهو قول أكثر المفسرين» 31.
والخلاصة في القول: إن الملائكة يتفاوتون في الخلق والمقدار، وهذا يدل عظم خلقهم، فهم ليسوا على درجة واحدة، فمنهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة، ومنهم من له ستمائة جناح، وهذا دليل على كمال قدرته وسعه ملكه سبحانه وتعالى، وكثرة الأجنحة دليل القدرة على السرعة في تنفيذ أوامر الله وتبليغ رسالته.
ثانيًا: الطاعة المطلقة:
فالملائكة مطبوعون على طاعة الله، ليس لديهم القدرة على العصيان، فمن صفاتهم أنهم لا يعصون الله في شيء، ولا تصدر منهم الذنوب، بل طبعهم الله على طاعته، والقيام بأمره، كما قال تعالى في وصفهم: {لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} [التحريم:6] .
قال البيضاوي: «لا يعصون الله ما أمرهم فيما مضى، ويفعلون ما يؤمرون فيما يستقبل، أو لا يمتنعون عن قبول الأوامر والتزامها ويؤدون ما يؤمرون به» 32.
وأما ابن كثير فيقول في تفسير هذه الآية: «أي: مهما أمرهم به تعالى يبادروا إليه، لا يتأخرون عنه طرفة عين، وهم قادرون على فعله ليس بهم عجز عنه» 33، وفي الآية دليل على أن الملائكة لا يقدمون على عمل إلا بأمره تعالى وإذنه 34، وفيه أيضًا مدح للملائكة الكرام، لانقيادهم لأمر الله، وطاعتهم له في كل ما أمرهم به 35.
وقال تعالى في موضع آخر مبينًا الانقياد التام لطاعته حيث قال جل وعلا: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (27) } [الأنبياء:26 - 27] .
قال ابن كثير: «وقوله: {بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ} أي: الملائكة عباد الله مكرمون عنده، في منازل عالية ومقامات سامية، وهم له في غاية الطاعة قولًا وفعلًا {لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ} أي: لا يتقدمون بين يديه بأمر، ولا يخالفونه فيما أمر به بل يبادرون إلى فعله، وهو تعالى علمه محيط بهم، فلا يخفى عليه منهم خافية» 36، وفي الآية دليل على كمال طاعتهم وانقيادهم 37.
والخلاصة في القول: إن الملائكة لا يقدمون على عمل إلا بإذنه تعالى، ولا يخالفون فيما أمر به، وهم له في غاية الطاعة قولًا وفعلًا، وهذا دليل الانقياد التام لطاعته سبحانه وتعالى.
ثالثًا: لا يوصفون بالذكورة ولا بالأنوثة:
أخبر الله سبحانه وتعالى في كتابه العزيز عن سفاهة المشركين المكذبين لرسوله عليه الصلاة والسلام، حيث زعموا أن الله اتخذ ولدًا، فقالوا: الملائكة بنات الله، فرد الله عليهم تنزيهًا لملائكته الكرام بقوله تعالى: {وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (26) } [الأنبياء:26] .
حيث نزلت هذه الآية في خزاعة حيث قالوا: إن الملائكة بنات الله، فنزه الله تعالى نفسه عما قالوا 38.
وفي تفسير هذه الآية، يقول السعدي: «يخبر تعالى عن سفاهة المشركين المكذبين للرسول، وأنهم زعموا - قبحهم الله - أن الله اتخذ ولدًا فقالوا: الملائكة بنات الله، تعالى الله عن قولهم، وأخبر عن وصف الملائكة بأنهم عبيد مربوبون مدبرون، ليس لهم من الأمر شيء، وإنما هم مكرمون عند الله، قد أكرمهم الله، وصيرهم من عبيد كرامته ورحمته، وذلك لما خصهم به من الفضائل والتطهير عن الرذائل، وأنهم في غاية الأدب مع الله، والامتثال لأوامره» 39.
فالملائكة عبيده وملكه، والعبد لا يمكن أن يكون ولدًا لسيده 40.
وقد أنكر الله تعالى عليهم ما نسبوه إليه في موضع آخر، حيث قال جل علا: {وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (19) } [الزخرف:19] .
قال القاسمي في تفسير هذه الآية: «أي جعلوا ملائكة الله الذين هم عنده يسبحونه ويقدسونه إناثا، فقالوا: هم بنات الله جهلًا منهم بحق الله سبحانه، وجراءة منهم على قيل الكذب {أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ} أي: أحضروا خلق الله إياهم، فوصفوهم بذلك لعلمهم بهم وبرؤيتهم إياهم؟ وهو تجهيل لهم، وتهكم بهم {سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ} أي على الملائكة بما هم مبرءون عنه {وَيُسْأَلُونَ} أي: عنها يوم القيامة، بأن يأتوا ببرهان على حقيقتها، ولن يجدوا إلى ذلك سبيلًا، وفيه من الوعيد ما فيه؛ لأن كتابتها والسؤال عنها يقتضي العقاب والمجازاة عليها، وهو المراد» 41، وفى هذا دليل على أن القول بغير برهان منكر، وأن التقليد لا يغني من الحق شيئًا 42.
ومن خلال هذه الآيات وغيرها يتبين لنا أن الملائكة منزهون عما قاله المشركون فيهم، فقد رد الله عليهم في هذه الآيات وغيرها في كتابه الكريم ووبخهم وعاتبهم على ذلك، وأثنى على ملائكته الكرام ووصفهم بالعبودية وهذا تشريف لهم وتكريم من الله جل وعلا، فهم عبيده وملكه، والعبد لا يمكن أن يكون ولدًا لسيده.
رابعًا: عددهم كثير جدًا:
أخبر الله جل وعلا في كتابه الكريم أن النار عذابها شديد وهي إحدى الدواهي العظيمة، ثم ذكر عدد خزنة أهل النار من الملائكة حيث قال تعالى: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) } [المدثر:30] .
قال القرطبي: «والصحيح أن هؤلاء التسعة عشر، هم الرؤساء والنقباء، وأما جملتهم فالعبارة تعجز عنها، كما قال الله تعالى: {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ} [المدثر:31] » 43.
وهذا يدل على كثرة عددهم، يقول الطبري في تفسير هذه الآية: « {وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ} من كثرتهم {إِلَّا هُوَ} يعني: الله» 44.
ومما يؤكد كذلك على كثرة عددهم، ما جاء في الحديث الصحيح عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يؤتى بجهنم يومئذ لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها) 45.
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (البيت المعمور في السماء السابعة، يدخله كل يوم سبعون ألف ملك، ثم لا يعودون إليه) 46.
وقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن الحكمة التي جعل لأجلها عدة الملائكة الموكلين بالنار تسعة عشر، حيث قال تعالى: {وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} [المدثر:31] .
وسبب نزول هذه الآية أن أبا جهل لما سمع قول الله تعالى: {عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (30) } [المدثر:30] .
قال لقريش: ثكلتكم أمهاتكم! أسمع ابن أبي كبشة يخبركم أن خزنة النار تسعة عشر، وأنتم الدهم- أي: العدد-والشجعان أفيعجز كل عشرة منكم أن يبطشوا برجل من خزنة جهنم؟! 47 فأنزل الله هذه الآية.
قال المراغي في تفسير هذه الآية: «وما جعلنا المدبرين لأمر النار القائمين بعذاب من فيها إلا ملائكة، فمن يطيق الملائكة ومن يغلبهم؟ وإنما كانوا ملائكة؛ لأنهم أقوى الخلق وأشدهم بأسًا وأقومهم بحق الله والغضب له سبحانه؛ وليكونوا من غير جنس المعذبين حتى لا يرقوا لهم ويرحموهم، ثم ذكر الحكمة في اختيار هذا العدد القليل فقال: {وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا} أي: وما جعلنا هذا العدد إلا محنة وضلالة للكافرين، حتى قالوا ما قالوا؛ ليتضاعف عذابهم، ويكثر غضب الله عليهم، وفتنتهم به أنهم استقلوه واستهزءوا به واستبعدوه وقالوا: كيف يتولى هذا العدد القليل تعذيب الثقلين؟!» 48.
والخلاصة في القول: إن من الحكم في ذكر عدد خزنة أهل النار المحنة والابتلاء للكافرين، فيكون ذلك زيادة في كفرهم وضلالهم بسبب تكذيبهم واستهزائهم، وإن كانوا تسعة عشر، فلهم من الأعوان والجنود من الملائكة ما لا يعلمه إلا الله سبحانه، فلا يعلم عدد خلقه من الملائكة وكثرة عددهم إلا الله سبحانه وتعالى.
خامسًا: لا يأكلون ولا يشربون:
لقد دلت النصوص القرآنية على عدم حاجة الملائكة إلى الطعام أو الشراب، فقد أخبرنا الله أن الملائكة جاؤوا إبراهيم في صورة بشر، فقدم لهم الطعام، فلم تمتد أيديهم إليه، فأوجس منهم خيفة، فكشفوا له عن حقيقتهم، فزال خوفه واستغرابه {هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (24) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (25) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (26) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (27) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ} [الذاريات:24 - 28] .
وفي آية أخرى قال: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ} [هود:70] .
قال ابن كثير: وفي قوله: {فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ} تنكرهم {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} وذلك أن الملائكة لا همة لهم إلى الطعام ولا يشتهونه ولا يأكلونه؛ فلهذا رأى حالهم معرضين عما جاءهم به، فارغين عنه بالكلية فعند ذلك نكرهم {فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً} 49.
وقد حكى غير واحد من محققي العلم الاتفاق على أن الملائكة لا يأكلون ولا يشربون ولا ينكحون 50.
سادسًا: يعقلون ويتكلمون:
أما الأدلة على أن الملائكة متصفون بالكلام فقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى عن ذلك بقوله: {يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا} [النبأ:38] .
فهم موصوفون بالكلام بعد إذن الرحمن.
وفي المحاورة التي جرت بين الله عز وجل وبين ملائكته عليهم السلام دليل على ذلك.