فهرس الكتاب

الصفحة 2234 من 2431

النصارى

أولًا: المعنى اللغوي:

مفردها نصراني، يقال: نصرته على عدوه ونصرته منه نصرًا: أعنته وقويته، والفاعل ناصر ونصير وجمعه أنصار، والنصرة بالضم اسم منه، وتناصر القوم مناصرة: نصر بعضهم بعضًا، وانتصرت من زيد انتقمت منه، واستنصرته طلبت نصرته، ونصارى: هم من يتبع دين المسيح، فيقال: رجلٌ نصراني، ثم أطلق النصراني على كل من تعبد بهذا الدين، وربما قيل: نصران ونصرانة، ونصرى وناصرة ونصورية: قرية بالشام، والنصارى منسوبون إليها، والتنصر: الدخول في النصرانية، ونصره: جعله نصرانيًا 1.

ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:

لا يخرج معناه الاصطلاحي عن معناه اللغوي، فالمقصود بالنصارى اصطلاحًا: هم أمة المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته عليه الصلاة والسلام 2.

قال الراغب الأصفهاني رحمه الله: «والنصارى قيل: سموا بذلك لقوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} [الصف:14] . وقيل: سموا بذلك انتسابًا إلى قرية يقال لها: نصرانة، فيقال: نصرانيٌ، وجمعه نصارى.

قال تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى} [البقرة:113] » 3.

وردت مادة (نصر) في القرآن الكريم (158) مرة 4، يخص موضوع البحث منها (15) مرة.

والصيغ التي وردت، هي:

الصيغة ... عدد المرات ... المثال

مفرد ... 1 ... {مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا} [آل عمران:67]

جمع ... 14 ... {وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ} [التوبة:30]

النصارى هم أتباع عيسى عليه السلام، قيل: سموا بذلك لنصرتهم له وتناصرهم فيما بينهم، كما ورد في قوله تعالى: {قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ} [الصف:14] .

وهذا يخص المؤمنين منهم في أول الأمر، ثم أطلق عليهم كلهم على وجه التغليب 5.

أهل الكتاب:

أهل الكتاب لغة:

أهل الرجل عشيرته وذوو قرباه، وأهل المذهب: من يدين به، وأهل الإسلام: من يدين به، وأهل الأمر: ولاته، وأهل البيت: سكانه، وأهل الرجل: زوجه وأخص الناس به، وأهل بيت النبي صلى الله عليه وسلم: أزواجه وبناته وصهره 6.

والكتاب: كتبه كتبًا وكتابًا أي: خطه، وهو ما يكتب فيه، والدواة والتوراة والصحيفة والفرض والحكم والقدر 7.

ويراد به أيضًا الكتب السماوية، وحيثما ذكر في القرآن الكريم التركيب الإضافي {أَهْلِ الْكِتَابِ} فإنما أريد بالكتاب التوراة والإنجيل، وكذلك إذا ذكر التركيب الإسنادي {أُوتُوا الْكِتَابَ} أو (آتيناه الكتاب) 8.

وأهل الكتاب: «من يجتمعون حوله، والمراد اليهود والنصارى» 9.

أهل الكتاب اصطلاحًا:

هم اليهود والنصارى، ومن دان دينهم بفرقهم المختلفة، ومن عدا هؤلاء من الكفار فليس من أهل الكتاب؛ بدليل قول الله تعالى: {أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ} [الأنعام:156] 10.

قال الشهرستاني: «الخارجون عن الملة الحنيفية والشريعة الإسلامية، ممن يقول بشريعة وأحكام وحدود وأعلام، وهم قد انقسموا إلى من له كتاب محقق مثل التوراة والإنجيل، وعن هذا يخاطبهم التنزيل بأهل الكتاب، وإلى من له شبهة كتاب، مثل: المجوس» 11.

الصلة بين أهل الكتاب والنصارى:

ومن معاني اللغة والاصطلاح يمكن تعريف أهل الكتاب: بأنهم أهل الديانات التي لها كتاب سماوي من يهود وهم أهل التوراة، ونصارى وهم أهل الإنجيل، فإذًا النصارى بعض أهل الكتاب.

الحواريون:

الحواريون لغة:

جمع حواري: أي صاحب وناصر ومؤيد، وحواري الرجل: خاصته، ومنه الزبير حواري النبي صلى الله عليه وسلم وقال الزجاج الحواريون: «خلصان الأنبياء-عليهم السلام-» 12، أي: المخلصون، وشاع استعماله في المخلصين للأنبياء عليهم الصلاة والسلام 13.

وقيل: سمي الحواريون: «لبياض ثيابهم، ويطلق الحواري على الخالص، والخليل، والمخلص، والناصح، والخصيص والمجاهد، والمفضل، ومن يصحب الكبير، ومن يصلح لخلافة كبيرة» 14.

الحواريون اصطلاحًا:

«هم صفوة الأنبياء الذي خلصوا وأخلصوا في التصديق بهم وفي نصرتهم» 15.

قال الراغب الأصفهاني «الحواريون أنصار عيسى عليه السلام» 16.

الصلة بين الحواريون والنصارى:

الحواريون هم أصحاب عيسى ابن مريم-عليهما السلام-وأنصاره، كما جاءت تسميتهم في قوله تعالى: {كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ} [الصف:14] .

بنو إسرائيل:

إسرائيل اصطلاحًا:

لقب أطلق على يعقوب بن إسحاق عليهما السلام.

قال تعالى: {كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ} [آل عمران:93] .

وبنو إسرائيل: ذرية يعقوب عليه السلام وكانوا اثني عشر سبطًا.

قال تعالى: {سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ} [البقرة:211] 17.

قال ابن عباس رضي الله عنهما في كلمة إسرائيل: معناه: (عبدالله) ، لأن إسرا بمعنى: عبد، وإيل: اسم الله، أي: أنه مركب من كلمتين: إسرا، وإيل، كما يقولون: بيت إيل 18.

الصلة بين بني إسرائيل والنصارى:

أن النصارى هم من بني إسرائيل ذرية يعقوب عليه السلام.

تحدث القرآن الكريم عن اليهود والنصارى في آيات عديدة، ومعظمها يقرن فيها اليهود مع النصارى على سبيل الخبر أو الذم أو الثناء أو غير ذلك، ويبدو أن هذا الاقتران له حكمة أو أسباب كثيرة، منها:

1.أنهما أهل كتاب كما سماهم الله تعالى، وكتابهم الذي يجمعهم هو الكتاب المقدس التوراة الذي أنزل على موسى عليه السلام، وجميع بني إسرائيل مكلفون بأحكامه وشريعته، ثم الإنجيل الذي نزل على عيسى عليه السلام مكملًا للتوراة.

2.أنهم من بني إسرائيل ذرية يعقوب عليه السلام وبنيه، ومن المعلوم أن موسى عليه السلام ومريم عليها السلام هما من أبناء إسرائيل وهو يعقوب عليه السلام، وكانت رسالة موسى وعيسى عليهما السلام إلى بني إسرائيل خاصة. قال تعالى في شأن موسى عليه السلام: (ٹ ٹ وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا ?2?) [الإسراء:2] . وقال تعالى عن عيسى عليه السلام: (رَسُولًا إِلَى? بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ ? أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ) [آل عمران:49] .

3.اشتراكهم في بعض المعتقدات المنحرفة كنسبة الولد لله تعالى في قوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ?) [التوبة:30] . واتخاذ أحبارهم ورهبانهم أربابًا من دون الله كما قال تعالى: (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَ?هًا وَاحِدًا ? لَا إِلَ?هَ إِلَّا هُوَ ? سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) [التوبة:31] .

4.اشتراك طائفة منهم في صفاتٍ ذكرها القرآن الكريم، منها:

والمتأمل في القرآن الكريم يجد كثيرًا من الصفات المشتركة بين اليهود والنصارى.

أولًا: إلوهية عيسى ابن مريم وأمه عليهما السلام:

لا شك أن وحدانية الله تعالى هي أصل ديانة أهل الكتاب، وما من نبي أو رسول إلا كانت دعوته الأولى لقومه هي وحدانية الله تعالى وإفراده بالعبادة، إلا أن النصارى زعموا مع الله تعالى الشريك، حيث جعلوا من المسيح وأمه عليهما السلام آلهة تعبد من دون الله تعالى، ورغم أن هذه العقيدة لا أصل لها إلا في الديانات الوثنية السابقة لدين النصارى إلا أنهم ساروا على ما سار عليه أصحاب تلك الأديان الوثنية من قبلهم حين حرفوا وبدلوا وضيعوا أصول دينهم الصحيح واعتقدوا بألوهية المسيح وأمه عليهما السلام الذي جاء يدعوهم إلى وحدانية الله تعالى شأنه شأن الأنبياء والرسل عليهم السلام الذين من قبله وبعده.

وكان منشأ هذه العقيدة في أول مجمع للنصارى سمي مجمع نيقية سنة 325،19 الذي أقر بألوهية المسيح عليه السلام وفرضت هذه العقيدة على الناس بقوة السيف والسلطان فأصبحت مسألة ألوهية المسيح عليه السلام بعد ذلك عقيدة مترسخة عند النصارى إلى وقتنا الحاضر، واحتجوا بشبهات ونصوص من كتبهم المحرفة مثل صفات المسيح عليه السلام ومعجزاته وغير ذلك.

إلا أن القرآن الكريم رد على كل دعوة باطلة ادعتها النصارى في ألوهية المسيح وأمه عليهما السلام في أكثر من آية.

قال تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ? قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ? وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ? يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ? وَاللَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ?17?) [المائدة:17] .

قال ابن كثير رحمه الله: «يقول تعالى مخبرًا وحاكمًا بكفر النصارى في ادعائهم في المسيح ابن مريم، وهو عبدٌ من عباد الله، وخلق من خلقه أنه هو الله، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا، ثم قال مخبرًا عن قدرته على الأشياء وكونها تحت قهره وسلطانه: (قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا) أي: لو أراد ذلك فمن ذا الذي كان يمنعه؟ أو من ذا الذي يقدر على صرفه عن ذلك؟، ثم قال: (وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا ? يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ ? وَاللَّهُ عَلَى? كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: جميع الموجودات ملكه وخلقه، وهو القادر على ما يشاء، لا يسأل عما يفعل، لقدرته وسلطانه، وعدله وعظمته، وهذا رد على النصارى عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة» 20.

فالآية الكريمة تدل على بشرية المسيح وأمه عليهما السلام وتبين عجز المسيح ابن مريم وعدم قدرته دفع الهلاك عن نفسه ولا عن أمه عليهما السلام، والعجز ضد القدرة وهو ليس من صفات الإله.

وقال تعالى: لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ? وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ? إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ? وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ ?72?) [المائدة:72] .

فهذا نص صريح يبين أن عيسى عليه السلام ما دعا إلا إلى الوحدانية ومبينًا لهم عاقبة الشرك بالله تعالى.

يقول ابن كثير رحمة الله: «يقول تعالى حاكما بتكفير فرق النصارى، من الملكية 21 واليعقوبية 22 والنسطورية 23، ممن قال منهم بأن المسيح هو الله، تعالى الله عن قولهم وتنزه وتقدس علوا كبيرا، هذا وقد تقدم إليهم المسيح بأنه عبد الله ورسوله، وكان أول كلمة نطق بها وهو صغير في المهد أن قال: (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا) [مريم:30] .

ولم يقل: أنا الله، ولا ابن الله إلى أن قال: (وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ? هَ?ذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ ?36?) [مريم:36] » 24.

قال الزمخشري رحمه الله: لم يفرق عيسى عليه الصلاة والسلام بينه وبينهم في أنه عبد مربوب كمثلهم، وهو احتجاج على النصارى إنه من يشرك بالله في عبادته، أو فيما هو مختص به من صفاته أو أفعاله فقد حرم الله عليه الجنة التي هي دار الموحدين، أي حرمه دخولها ومنعه منه، كما يمنع المحرم من المحرم عليه، (وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) من كلام الله، على أنهم ظلموا وعدلوا عن سبيل الحق فيما يقولون على عيسى عليه السلام، فلذلك لم يساعدهم عليه ولم ينصر قولهم هذا بل رده وأنكره، وإن كانوا معظمين له بذلك ورافعين من مقداره 25.

وقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَ?هَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ ? قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ ? إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ? تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ ? إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ ?116?) [المائدة:116] .

قال الإمام الرازي رحمه الله: «أن الله تعالى لما سأل عيسى: أنك هل قلت كذا؟ لم يقل عيسى بأني قلت أو ما قلت، بل قال: ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق، وهذا ليس بحق ينتج أنه ما يكون لي أن أقول هذا الكلام، ولما بين أنه ليس له أن يقول هذا الكلام شرع في بيان أنه هل وقع هذا القول منه أم لا، فلم يقل بأني ما قلت هذا الكلام لأن هذا يجري مجرى دعوى الطهارة والنزاهة، والمقام مقام الخضوع والتواضع، ولم يقل بأني قلته بل، فوض ذلك إلى علمه المحيط بالكل، فقال: (إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ) وهذا مبالغة في الأدب وفي إظهار الذل والمسكنة في حضرة الجلال وتفويض الأمور بالكلية إلى الحق سبحانه» 26.

ويقول ابن كثير رحمه الله: «وهذا تهديد للنصارى وتوبيخ وتقريع على رؤوس الأشهاد، هكذا قاله قتادة وغيره، واستدل قتادة على ذلك بقوله تعالى: (قَالَ اللَّهُ هَ?ذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ?) [المائدة:119] » 27.

قال ابن عباس رضي الله عنه: «هذا القول يكون من الله يوم القيامة على رؤوس الخلائق، ليرى الكفار تبرئة عيسى مما نسبوه إليه، ويعلمون أنهم كانوا على باطل» 28.

قال القشيري رحمه الله: «المراد من هذا السؤال إظهار براءة ساحته عما نسب إليه من الدعاء إلى القول بالتثليث، فهذا ليس خطاب تعنيف بل هو سؤال تشريف» 29.

ومن خلال الآيات السابقة وأقوال بعض أهل التفسير فيها يتبين أن القرآن الكريم أثبت كفر من اعتقد بألوهية المسيح وأمه عليهما السلام، وبين براءتهما مما نسب إليهما زورًا وكذبًا وافتراءً، وبين أن دعوة عيسى عليه السلام لقومه كانت دعوة خالصة إلى عبادة الله تعالى ونبذ الشركاء وأنه حذر قومه من الوقوع بالشرك مع تأكيد بشريته وبشرية أمه عليهما السلام في العجز عن دفع الهلاك عن أنفسهما.

ويذكر ابن هشام في سيرته عن وفد نجران الذين جاؤوا يجادلون النبي صلى الله عليه وسلم في شأن عيسى عليه السلام ما خلاصته: (فكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبو حارثة بن علقمة أسقفهم، وعبد المسيح أميرهم، والسيد الأيهم عالمهم، وكانوا على دين ملك الروم مع اختلاف أمرهم، يقولون عن عيسى: هو الله، ويقولون: هو ولد الله، ويقولون: هو ثالث ثلاثة، فلما كلمه الحبران، قال لهما رسول الله: أسلما، قالا: قد أسلمنا قبلك، قال: كذبتما، يمنعكم من الإسلام ادعاؤكما لله ولدًا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير) 30.

وهذا يدل على أن هؤلاء النصارى من نجران كانوا يعتقدون بألوهية عيسى عليه السلام، وأن النبي صلى الله عليه وسلم دعاهم إلى الإسلام ونبذ تلك الضلالات التي يعتقدوها في عيسى عليه السلام، ومع ذلك فقد كذبوا وكفروا بما جاءهم من الحق.

ثانيًا: بنوة المسيح عليه السلام:

أشارت بعض الآيات الكريمة إلى دعوى القائلين من النصارى ببنوة عيسى عليه السلام.

ومن هذه الآيات قوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ? ذَ?لِكَ قَوْلُهُم بِأَفْوَاهِهِمْ ? يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ ? قَاتَلَهُمُ اللَّهُ ? أَنَّى? يُؤْفَكُونَ(30 ) ) [التوبة:30] .

قال الإمام الرازي رحمه الله: «وأما حكاية الله عن النصارى أنهم يقولون: المسيح ابن الله، فهي ظاهرة لكن فيها إشكال قوي، وهي أنا نقطع أن المسيح صلوات الله عليه وأصحابه كانوا مبرئين من دعوة الناس إلى الأبوة والبنوة، فإن هذا أفحش أنواع الكفر، فكيف يليق بأكابر الأنبياء عليهم السلام؟!

وإذا كان الأمر كذلك فكيف يعقل إطباق جملة محبي عيسى من النصارى على هذا الكفر، ومن الذي وضع هذا المذهب الفاسد، وكيف قدر على نسبته إلى المسيح عليه السلام؟ فقال المفسرون في الجواب على هذا السؤال: إن أتباع عيسى عليه الصلاة والسلام كانوا على الحق بعد رفع عيسى حتى وقعت حرب بينهم وبين اليهود، وكان في اليهود رجل شجاع يقال له بولس قتل جمعا من أصحاب عيسى.

ثم قال لليهود: إن كان الحق مع عيسى فقد كفرنا والنار مصيرنا ونحن مغبونون إن دخلوا الجنة ودخلنا النار، وإني أحتال فأضلهم، فعوقب فرسه وأظهر الندامة مما كان يصنع ووضع على رأسه التراب وقال: نوديت من السماء ليس لك توبة إلا أن تتنصر، وقد تبت فأدخله النصارى الكنيسة ومكث سنة لا يخرج وتعلم الإنجيل فصدقوه وأحبوه.

ثم مضى إلى بيت المقدس واستخلف عليهم رجلا اسمه نسطور، وعلمه أن عيسى ومريم والإله كانوا ثلاثة، وتوجه إلى الروم وعلمهم اللاهوت والناسوت، وقال: ما كان عيسى إنسانا ولا جسما ولكنه الله، وعلم رجلا آخر يقال له يعقوب ذلك، ثم دعا رجلا يقال له ملكا فقال له: إن الإله لم يزل ولا يزال عيسى.

ثم دعا لهؤلاء الثلاثة وقال لكل واحد منهم أنت خليفتي فادع الناس إلى إنجيلك، ولقد رأيت عيسى في المنام ورضي عني، وإني غدا أذبح نفسا لمرضاة عيسى، ثم دخل المذبح فذبح نفسه، ثم دعا كل واحد من هؤلاء الثلاثة الناس إلى قوله ومذهبه، فهذا هو السبب في وقوع هذا الكفر في طوائف النصارى 31.

واختلف في سبب قولهم: (ابن الله) لذلك على قولين: أحدهما: أنه لما خلق من غير ذكر من البشر قالوا: إنه ابن الله، تعالى الله عن ذلك، الثاني: أنهم قالوا ذلك لأجل من أحياه من الموتى وأبرأه من المرضى 32.

قال السمرقندي: «لأن المسيح كان يبرئ الأكمه والأبرص، ويحيي الموتى بإذن الله تعالى، فقالوا: لم يكن يفعل هذا إلا وهو ابن الله» 33.

والمتأمل في هذه الدعوى الباطلة يرى بوضوح إن ادعاء بنوة عيسى عليه السلام بسبب طبيعة خلقه المخالفة للعادة من غير أب ليس بأعجب من خلق آدم عليه السلام من غير أب ولا أم، وأما معجزات عيسى عليه السلام فهي من جنس المعجزات التي أجراها الله على أيدي الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام من قبله، ولم تدل عند تلك الأمم على ألوهية أولئك الأنبياء والرسل الذين ظهرت على أيديهم المعجزات، فكذلك عيسى ابن مريم عليه السلام.

وعلى أية حال فإن الآية الكريمة أشارت إلى القائلين من النصارى بأن الله تعالى اتخذ عيسى عليه السلام ابنًا، إلا أن آياتٍ كثيرةً نقضت دعواهم وأبطلتها وردتها وبينت استحالة اتخاذ الله تعالى الولد سواء أكان عيسى عليه السلام أم غيره.

قال تعالى: (. بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ? أَنَّى? يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ ? وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ ? وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) [الأنعام:101] .

وقال تعالى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَ?هٍ ? إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَ?هٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى? بَعْضٍ ? سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ) [المؤمنون:91] .

وقال تعالى: (مَا كَانَ لِلَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ ? سُبْحَانَهُ ? إِذَا قَضَى? أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) [مريم:35] .

ودلالة الآيات واضحة في استحالة أن يكون لله تعالى ولدٌ، فالكون كله خاضع إليه وعابد له جل وعلا.

قال تعالى: (إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَ?نِ عَبْدًا) [مريم:93] .

وهو المنفرد بخلق السموات والأرض وما بينهما، إذا أراد أمرًا يقول له كن فيكون، فليس له حاجة إلى الولد.

لذلك ينذر الله تعالى الذين يدعون لله تعالى الولد بقوله: (وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا) [الكهف:4] .

ووردت أيضًا عدة نصوص من السنة النبوية المطهرة تنفي دعوى النصارى في اتخاذ الله تعالى الولد، منها ما صح عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: (كذبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني، ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي، فقوله لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولدا) 34، وعلى هذا يتبين بطلان ادعائهم الولد لله تعالى.

ثالثًا: التثليث عند النصارى:

من المعلوم أن عقيدة التثليث هي أصل من أصول عقائد النصارى المنحرفة التي لا أصل لها إلا في الديانات الوثنية القديمة، ومع ذلك فالنصارى بفرقهم مجمعون على التثليث ويقولون: «إن الله جوهر واحد وله ثلاثة أقانيم، فيجعلون كل أقنوم إلها ويعنون بالأقانيم الوجود والحياة والعلم، وربما يعبرون عن الأقانيم بالأب والابن وروح القدس، فيعنون بالأب الوجود، وبالروح الحياة، وبالابن المسيح» 35.

ولا تختلف عقيدة النصارى في التثليث عن عقيدة ألوهية المسيح وأمه عليهما السلام فكلاهما عقيدتان باطلتان فالأدلة التي أبطلت ألوهية المسيح وأمه عليهما السلام في القرآن الكريم هي نفسها التي تبطل دعواهم في التثليث، لأنهما جوهران من الأقانيم الثلاثة كما يزعمون، ومع ذلك فقد وردت آيتان كريمتان تنصان على بطلان عقيدة التثليث عند النصارى.

قال تعالى: (يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ? إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى? مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ? فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ? وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ? انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ ? إِنَّمَا اللَّهُ إِلَ?هٌ وَاحِدٌ ? سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ? لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ? وَكَفَى? بِاللَّهِ وَكِيلًا ?171?) [النساء:171] .

والخطاب في الآية الكريمة وإن كان يشمل أهل الكتاب جميعا من يهود ونصارى، إلا أن النصارى هم المقصودون هنا قصدا أوليا، بدليل سياق الآية الكريمة، فقد ذكرت حججا تبطل ما زعمه النصارى في شأن عيسى عليه السلام 36.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت