فهرس الكتاب

الصفحة 462 من 2431

قال تعالى: {وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا} [فاطر: 45] .

بعد أن هدد المشركين بجريان سنته فيهم، بإهلاكهم كما أهلك المكذبين من قبلهم، ذكر حلمه بعباده وأنه لو آخذهم بما كسبوا من الذنوب وعملوا من الخطايا، ما ترك على ظهر الأرض من دابة من الدواب التي تدب كائنة ما كانت، أما بنو آدم فلذنوبهم، وأما غيرهم فلشؤم معاصي بني آدم، قال ابن مسعود: «كاد الجُعَل أَن يعذب في جحره بذنب ابن آدم» ، ولكن يؤجل عقابهم إلى وقت محدد، وهو يوم القيامة، فإذا جاء أجلهم فإن الله يحاسبهم ويوفي كل عامل جزاء عمله إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فهو البصير بحال عباده لا يخفى عليه شيء من أمرهم، دق أو جل، ظهر أو بطن، وفي هذا تسلية للمؤمنين ووعيد للكافرين، وتذكير لهم عن أن يغرهم تأخير المؤاخذة فيحسبوه عجزًا أو رضًا من الله بما هم فيه، اللهم أحسن أعمالنا ظواهرها وبواطنها، وتقبل منا ما نعمل مما يرضيك إنك أنت الخبير البصير 55.

قال تعالى: {وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا} [الكهف: 58] .

والمعنى: وربك يا محمد الساتر على ذنوب عباده بعفوه إذا تابوا منها ذو الرحمة بهم، ولو آخذ هؤلاء المعرضين عن آياته بما اكتسبوا من الذنوب والآثام بالعذاب في الدنيا لعجل لهم ذلك، لكنه برحمته وعفوه لم يعجل لهم ذلك، بل لهم موعد، يجازون فيه بأعمالهم، لا بد لهم منه، وهذه سنته في الأولين والآخرين، أن لا يعاجلهم بالعقاب، بل يستدعيهم إلى التوبة والإنابة، فإن تابوا وأنابوا، غفر لهم ورحمهم، وأزال عنهم العقاب، وإلا فإن استمروا على ظلمهم وعنادهم، وجاء الوقت الذي جعله موعدا لهم، أنزل بهم بأسه 56.

ثانيًا: موانع المؤاخذة:

1.لا يؤاخذ باللغو في الأيمان.

قال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 225] .

اللغو من اليمين: هو الساقط الذي لا يعتد به، وما تعوده الناس في الكلام «لا والله» و «بلى والله» ، فأما إذا حلف على شيء أنه كان حاصلًا جدًا ثم ظهر أنه لم يكن فقد قصد الإنسان بذلك اليمين المتصل تصديق قوله وربط قلبه بذلك فلم يكن لغوًا البتة، وقد ذكر سبحانه وتعالى قبل هذه الآية النهي عن كثرة الحلف فذكر عقيب ذلك حال هؤلاء الذين يكثرون الحلف على سبيل الاعتياد في الكلام على سبيل القصد إلى الحلف، وبين أنه لا مؤاخذة عليهم ولا كفارة؛ لأن إيجاب الكفارة والمؤاخذة عليهم يفضي إما إلى أن يمنعوا عن الكلام أو يلزمهم في كل لحظة كفارة وكلاهما حرج في الدين، ويؤيد هذا المعنى ما روته عَائِشَةُ رَضِيَ اللَهُ عَنْهَا: أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [البقرة: 225] .

فِي قَوْلِ الرَجُلِ: لاَ وَاللَهِ وَبَلَى وَاللَهِ 57، فهذه الآية تبين أن الله لا يؤاخذ بما يجري على الألسنة من الأيمان اللاغية، التي يتكلم بها العبد، من غير قصد منه ولا كسب قلب، ولكنها جرت على لسانه 58.

قال تعالى: {لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ} [المائدة:89] .

تؤكد هذه الآية أن الله عز وجل لا يؤاخذنا على أيمان اللغو أيضًا، فاللغو ما لَا يقصد به اليمين، وما لَا تكسبه القلوب، ولا يوثَق به الكلام بالامتناع عن الفعل، أو توكيد إيقاع الفعل في المستقبل، لَا مؤاخذة عليه، فهو يجري على الألسنة من غير قصد الحلف 59.

2.لا يؤاخذ بالنسيان غير المتعمد الخطأ.

قال تعالى: {لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} [البقرة: 286] .

توضح الآية الكريمة أن الله عز وجل لا يكلف نفسًا إلا ما يسعها فلا يجهدها، ولا يضيق عليها في أمر دينها، فيؤاخذها بهمة إن همت، ولا يؤاخذها بوسوسة إن عرضت لها، ولا بخطرة إن خطرت بقلبها 60.

عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَهُ عَنْهُ، عَنِ النَبِيِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (إِنَ اللَهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَتِي مَا حَدَثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَمْ) 61.

وقوله: {رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا} المراد هنا أي: لا تعاقبنا بما أدى بنا إلى النسيان أو الخطأ من تفريط وقلة مبالاة؛ لأن المؤاخذة إنما هي بالمقدور، والنسيان والخطأ ليس بمقدورين، ويجوز أن يراد النسيان نفسه والخطأ، أي: لا تؤاخذنا بهما كما آخذت به من قبلنا 62.

وأما الأحكام الدنيوية المتعلقة بهما فالصحيح أنها تختلف بحسب الوقائع، فقسم لا يسقط باتفاق؛ كالغرامات والديات والصلوات المفروضات، وقسم يسقط باتفاق؛ كالقصاص والنطق بكلمة الكفر، وقسم ثالث مختلف فيه؛ كمن أكل ناسيًا في رمضان أو حنث ساهيًا، وهذا يدل على أن أحكام العباد وحقوق الناس ثابتة 63، وعلى ذلك فإن الخطأ والنسيان والإكراه معفو عنها بأمر الله تعالى، لكن ينبغي معرفة أن ما نسي من الواجبات فإنه يقضى إذا لم يفت سببه، فإذا نسي الإنسان أن يصلي فإنه يصلي إذا ذكر لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك) 64.

يتناول هذا المبحث نماذج من أخذ الظالمين والمترفين؛ كفرعون وقومه، وعاد وثمود، وأقوام لوط، ونوح، وشعيب، وموسى، وتوضيح وسائل أخذهم وإهلاكهم الذي حل بهم لكفرهم وطغيانهم وتكذيبهم لآيات الله ورسله؛ كالغرق، والصيحة، والصاعقة، والريح الصرصر العاتية، وفي هذا كله عبرة وعظة وآيات للجاحدين والظالمين والعاصين الله ورسله.

أولًا: نماذج من أخذ الظالمين والمترفين:

1.أخذ فرعون وقومه وجنوده:

قال تعالى: {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [آل عمران:11] .

بين الله تعالى أن الكفار به وبرسله، الجاحدين بدينه وكتابه، قد استحقوا العقاب وشدة العذاب بكفرهم وذنوبهم، وأنه لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئًا عند حلول العقوبة بهم، كسُنَة آل فرعون وعادتهم، فقد كذبوا بآيات الله وجحدوا ما جاءت به الرسل، فأخذهم الله بذنوبهم عدلًا منه لا ظلمًا، والله شديد العقاب على من كفر وأتى الذنوب على اختلاف أنواعها وتعدد مراتبها، وهو أخذ الانتقام في الدنيا، وهذه سنته الجارية في الأمم السابقة، وقد ضرب الله هذا المثل عبرة وموعظة؛ لأنهم إذا استقروا الأمم التي أصابها العذاب، وجدوا جميعهم قد تماثلوا في الكفر، وكفى بهذا الاستقراء موعظة لأمثال مشركي العرب، وقد تعين أن يكون المشبه به هو وعيد الاستئصال والعذاب في الدنيا 65.

2.أخذ ثمود:

قال تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} [فصِلت:17] .

بيَن الله تعالى في هذه الآية مصير ثمود وهم قوم صالح عليه السلام، فقال: {وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ} أي: بينا لهم طريق الهدى، وأنا قادرون على البعث وعلى كل شيء فلا شريك لنا، وكان بيان ذلك بالناقة البيان فأبصروا ذلك بأبصارهم، فكرهوا ذلك لما يلزمه من ترك طريق آبائهم، {فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى} والضلال الناشئ عن عمى البصر أو البصيرة أو هما معًا {عَلَى الْهُدَى} أي: أوجدوا من الأفعال والأقوال ما يدل على حب ذلك وعلى طلب حبه فعموا فضلوا، {فَأَخَذَتْهُمْ} أي: بسبب ذلك داهيةُ العذابِ وقارعةُ {الْعَذَابِ الْهُونِ} أي: المهين والمخزي، {بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} من اختيار الضلالة 66.

3.أخذ عاد:

قال تعالى: {وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ * سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ * فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ} [الحاقَة:6 - 8] .

هذه الآيات بينت العذاب الذي وقع على عاد، وهم قوم هود، حيث أهلكهم الله تعالى هلاكًا ساحقًا بريح شديدة الصوت، شديدة البرد، قاسية شديدة الهبوب، ووصفها بالعاتية: التي عتت عن الطاعة فلم يقدروا على ردها لشدة هبوبها، بل أهلكتهم حيث سلطها عليهم سبع ليال وثمانية أيام لا تنقطع ولا تهدأ، وكانت تقتلهم بالحصباء، متتابعات، تحسمهم حسومًا وتفنيهم وتذهبهم موتى كأنهم أعجاز نخل خاوية ساقطة، فلم يبق لهم أثرًا، وذلك العقاب نتيجة تكذيبهم بيوم القيامة، وكفرهم بالله وبرسله وآياته، وفي هذا تخويف لأهل مكة وغيرهم، فهذا هو مصير كل من يسلك طريقهم 67.

4.أخذ قوم لوط:

قال تعالى: {قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ * إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ * ... فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ * فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} [الحجر:58 - 74] .

لما كثر فساد قوم لوط عليه السلام وعظم شرهم، أرسل الله الملائكة بالعذاب الذي كانوا يشكون فيه، ويكذبون لوط عليه السلام حين يعدهم به، ونجى الله لوط وأهله وأمرهم أن يخرجوا من المدينة والناس نيام، فامتثل أمر ربه وسرى بأهله ليلًا فنجو، أما قوم لوط فقد أقسم الله أنهم لفي سكرتهم يعمهون في ضلال وغفلة، وأوقع العذاب على قومه وامرأته، فأخذتهم صيحة العذاب وقت شروق الشمس حين كانت العقوبة عليهم أشد، فقلب عليهم مدينتهم وأمطر عليهم حجارة من سجيل تتبع فيها من شذ من البلد منهم، وفي هذا عبرة وعظة للمتأملين المتفكرين، الذين لهم فكر وروية وفراسة، يفهمون بها ما أريد بذلك، من أن من تجرأ على معاصي الله، خصوصًا هذه الفاحشة العظيمة، وأن الله سيعاقبهم بأشنع العقوبات، كما تجرأوا على أشنع السيئات 68.

5.أخذ قوم نوح:

قال تعالى: {كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِنْ بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ} [غافر:5] .

ذكر الله تعالى في الآيات السابقة لهذه الآية أن القرآن هداية الله للعالمين، ثم أعقبه بذكر المجادلين المعاندين، وبيَن أنه لا يجادل في هذا القرآن بعد وضوح آياته وظهور إعجازه إلا الجاحدون لآيات الله، المعاندون لرسله، فيجب على العاقل ألا يغتر بتصرفهم وتقلبهم في هذه الدنيا ونعيمها، فما هم عليه من النعيم متاع زائل، فالله يمهلهم ولا يهملهم، بل إن أخذه بعد ذلك النعيم أخذ عزيز مقتدر.

وفي الآية تسلية للنبي صلى الله عليه وسلم، ووعيد شديد للكفار، فإنما هم صائرون إلى ما صارت إليه أحزاب المكذبين قبلهم؛ كقوم نوح وقوم عاد وثمود وفرعون وأمثالهم، حيث همت كل أمة من الأمم المكذبين أن يقتلوا رسولهم ويبطشوا به وجادلوا رسلهم بالباطل ليزيلوا ويبطلوا به الحق.

فأخذهم الله وأهلكهم بعقاب يستحق العجب والإعجاب، ومع الأخذ في الدنيا فإن عذاب الآخرة ينتظرهم هناك 69، فهذا هو حال كل المكذبين بالرسل في كل زمان.

6.أخذ قوم شعيب:

قال تعالى: {وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ} [هود:94] .

في الآيات السابقة لهذه الآية ذكر لقصة شعيب عليه السلام مع قومه أهل مدين، كيف أنهم كانوا في ضلال وشرك، يتهالكون على كسب الحطام بأنواع الرذائل، فنهاهم عن ذلك، وأمرهم بعبادة الله وتوحيده، ونهاهم عن أن يبخسوا الناس أشياءهم في الكيل والميزان، فهم في نعمة كبيرة وسعة، فقد كان يخشى عليهم زوال هذه النعمة، فلم يستجيبوا له بل كانت ردودهم استهزاء به وبدعوته، فهو لا يريد إلا إصلاح نفوسهم، ولكنهم أصروا على ما هم عليه، فأخبرهم أن ينتظروا عذابًا من الله يهلكهم نتيجة كفرهم، ولما جاء أمر الله تعالى نجَى شعيبًا والذين آمنوا معه وذلك رحمة من الله، وأخذت الذين ظلموا الصيحة، فهلكوا وأصبحوا في ديارهم ميتين 70.

7.أخذ قوم موسى:

قال تعالى: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِينًا} [النساء:153] .

تبيَن هذه الآية أن اليهود سألوا النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل عليهم كتابًا من السماء مكتوبًا؛ كما جاء موسى بني إسرائيل بالتوراة، قالوا له: إن موسى جاء بالألواح من عند الله، فأتنا بالألواح من عند الله حتى نصدقك، وهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإلحاد، فأعلمه الله عز وجل أنهم قد سألوا موسى عليه السلام أكبر من هذا {فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً} أي: رؤية منكشفة {فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ} أي: صعقوا بطغيانهم وبغيهم، وعتوهم وعنادهم، وعظيم ما سألوا موسى عليه السلام مما ليس لهم أن يسألوا مثله 71.

ثانيًا: وسائل أخذ الظالمين والمترفين:

1.أخذ المجرمين والمترفين في الدنيا.

-الأخذ بالجدب ونقص الثمار.

قال تعالى: (وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَ) [الأعراف:130] .

أراد بالسنين هنا القحط والجدب، أي: ولقد أخذنا آل فرعون بالجدب والقحط والجوع سنة بعد سنة ونقص من الثمرات يعني: وإتلاف الغلات بالآفات، لعلهم يتعظون وترق قلوبهم؛ فإن الشدة تجلب الإنابة والخشية ورقة القلب، وترغب فيما عند الله عز وجل من الخير 72.

-الأخذ بالغرق.

قال تعالى: (فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ ? فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ ?40?ھ) [القصص:40] .

بينت الآيات عاقبة فرعون وقومه، بعد أن استكبر هو وجنوده في الأرض بغير الحق وظنوا أنهم لا يرجعون إلى الله؛ فأخذ فرعون وجنوده فنبذناهم في اليم.

قال تعالى: (فَأَرَادَ أَن يَسْتَفِزَّهُم مِّنَ الْأَرْضِ فَأَغْرَقْنَاهُ وَمَن مَّعَهُ جَمِيعًا) [الإسراء:103] .

فكانت شر العواقب وأخسرها عاقبة أعقبتها العقوبة الدنيوية المستمرة، المتصلة بعقوبة الآخرة، فهذه هي دعوة للتأمل في حال وعاقبة الظالمين المتكبرين 73.

-الأخذ بالريح.

قال تعالى: (وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ ?6? سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ ?7? فَهَلْ تَرَى لَهُم مِّن بَاقِيَةٍ) [الحاقة:6 - 8] .

وأما عاد فأهلكوا بريح صرصر، أي: باردة تحرق ببردها كإحراق النار، قطعتهم وأذهبتهم، فهي القاطعة بعذاب الاستئصال، فلم تبق منهم أحدًا 74، كما قال تعالى في قوم عاد (إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ) [القمر:19] .

-الأخذ بالطوفان.

قال تعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى? قَوْمِهِ فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ ?14?) [العنكبوت:14] .

وهنا يحكي عاقبة قوم نوح، فبالرغم من طول مقامه فيهم إلا أن هذا المكوث ما زادهم إلا شكًا في أمره، وجهلًا بحاله، ومريةً في صدقه، واستمر نوح في نصحهم، فأمره الله باتخاذ السفينة، وأغرق الكفار ولم يغادر منهم أحدًا، وصدق وعده، ونصر عبده، سبحانه فلا تبديل لسنته في نصرة دينه 75.

-أخذ الظالمين بالرجفة.

قال تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) [الأعراف:78] .

توضح الآية ما حل بثمود قوم صالح عليه السلام بعد أن عقروا الناقة، واستعجلوا العذاب، «جاءتهم صيحة من السماء ورجفة شديدة من أسفل منهم، ففاضت الأرواح وزهقت النفوس في ساعة واحدة (فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) أي: صرعى لا أرواح فيهم، ولم يفلت منهم أحد» 76.

كما أخبر عن حال قوم شعيب في قوله تعالى: (فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ) [الأعراف:91] .

-أخذ المترفين بالعذاب.

قال تعالى: (حَتَّى? إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِم بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ) [المؤمنون:64] .

بيَنت الآية السابقة أن المشركين يحسبون أن إمداد الله لهم بالمال والبنين هو خير يسوقه إليهم ورضا منه عنهم، وبينت أن لهؤلاء الكفار أعمالًا لا يرضاها الله من المعاصي، فابتلاهم الله عز وجل بالقحط حتى أكلوا الكلاب والجيف، والمترفون أشد الناس استغراقًا في المتاع والانحراف والذهول عن المصير، وها هم يفاجؤون بالعذاب الذي يأخذهم أخذًا، فإذا هم يرفعون أصواتهم بالجؤار، مستغيثين مسترحمين، وذلك في مقابل الترف والغفلة والاستكبار والغرور، فبذلك يتضح للجميع مصير من يكفر بالله ويتكبر على رسله ويكذبهم إلى قيام الساعة، وهذا المصير واقع لا محال في يوم من الأيام 77.

-أخذ المجرمين بالصاعقة.

قال تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى? لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى? نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) [البقرة:55] .

تبيَن الآية جراءة قوم موسى على الله وعلى رسوله، حيث إنهم قالوا بأنهم لن يؤمنوا حتى يروا الله جهرة، فأخذتكم صاعقة الموت أو الغشية العظيمة، (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) وقوع ذلك، كلٌ ينظر إلى صاحبه 78.

ومن الآيات قوله تعالى: (فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ) [الذاريات:44] .

-أخذ الظالمين بالصيحة.

قال تعالى: (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) [هود:67] .

من الأقوام الذين أخذهم الله بالصيحة ثمود قوم صالح عليه السلام، وقوم شعيب عليه السلام، والصيحة: المرة من الصوت الشديد، والمراد بها هنا صيحة الصاعقة التي نزلت بقوم صالح عليه السلام فأحدثت رجفة في القلوب وزلزلة في الأرض، وصعق بها جميع القوم، فأصبحوا في ديارهم ساقطين على وجوههم مصعوقين لم ينج منهم أحد 79.

كما قال تعالى فيما أصاب مدين قوم شعيب: (وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) [هود:94] .

-الأخذ بالريح العقيم.

قال تعالى: {وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ} [الذاريات:41] .

يقول تعالى ذكره: وَفِي عَادٍ آية وعبرة، إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِيحَ العَقِيمَ يعني بالريح العقيم: التي لا تلقح الشجر 80، «ولا السحاب ولا رحمة فيها ولا بركة ولا منفعة، ثم قيل: هي الْجَنُوب، وقيل: هي الدَبُور» 81، كما في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم: (نُصِرْتُ بِالصَبَا وَأُهْلِكَتْ عَادٌ بِالدَبُورِ) 82.

فهذه هي قدرة الله تعالى وهذا هو عذابه الذي يوقعه على الأمم الظالمة والكافرة، فعلى أمثال هذه الأمم أن يأخذوا العبرة والعظة من الأمم السابقة.

ثالثا: أخذ المجرمين والمترفين في الآخرة.

توعد الله عز وجل المجرمين والمترفين بالعذاب الأليم في الآخرة؛ لكفرهم به وتكذيبهم أنبياءه، وفيما يلي توضيح لألوان من العذاب الذي ينتظرهم يوم القيامة.

1.أخذ المجرمين بالنواصي والأقدام:

بين الله تعالى أن الملائكة تعرف المجرمين يوم القيامة بعلامات تميزهم عن غيرهم، فتأخذهم الملائكة من شعورهم وأقدامهم وتلقي بهم في نار جهنم والعياذ بالله، وهذا هو مصيرهم لظلمهم أنفسهم بالكفر والتمادي في الظلم.

قال تعالى: {يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ} [الرَحمن:41] .

«يقول تعالى ذكره: تعرف الملائكة المجرمين بعلاماتهم وسيماهم التي يسومهم الله بها من اسوداد الوجوه، وازرقاق العيون» 83.

فتأخذ الملائكة بنواصيهم، أي: بشعور مقدم رؤوسهم وأقدامهم فيقذفونهم في النار، قيل: تسحبهم الملائكة إلى النار تارة تأخذ بناصيته وتجره على وجهه وتارة تأخذ بقدميه، وتسحبه على رأسه 84، وهو مشهد عنيف ومع العنف الهوان، حيث تجمع الأقدام إلى الجباه، ثم يقذف المجرمون على هذه الهيئة إلى النار، فهل حينذاك من تكذيب أو نكران 85، هذه هي نهاية المجرمين يوم القيامة والعياذ بالله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت