أولًا: المعنى اللغوي:
الاستغفار مصدر قولهم: استغفر يستغفر، وهو مأخوذ من مادة (غ ف ر) التي تدل على الستر في الغالب، فالغفر: الستر 1، يقال: غفره يغفره غفرًا: ستره، وغفر المتاع في الوعاء غفرًا: أدخله وستره 2، وتأتي كلمة (غفر) بمعنى ترك المؤاخذة بالذنب 3.
قال ابن منظور: أصل الغفر التغطية والستر.
و (استغفر) : أي طلب المغفرة، واستغفر الله ذنبه: طلب منه غفره 4.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
المعنى الاصطلاحي للاستغفار هو ذات المعنى اللغوي؛ إذ إن الاستغفار بالمعنى الاصطلاحي: هو الطلب من الله سبحانه أن يستر الذنوب، وأن لا يعاقب عليها 5.
وبهذا فإن الاستغفار في معناه الاصطلاحي يتمثل في طلب أمرين في آنٍ واحد، هما: ستر الذنوب، وعدم العقوبة عليها.
قال ابن تيمية: «المغفرة شيء زائد عن الستر؛ لأن المغفرة معناها: وقاية شر الذنب؛ بحيث لا يعاقب عليه العبد، وأما مجرد ستر الذنوب فهذا لا يستلزم إسقاط العقوبة، فالله سبحانه قد يستر على من يعاقب ومن لا يعاقب» 6.
وردت مادة (غفر) في القرآن الكريم (234) مرة 7.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 9 ... {وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا (64) } [النساء:64]
الفعل المضارع ... 60 ... {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (33) } [الأنفال:33]
الفعل الأمر ... 36 ... {قَالُوا يَاأَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ (97) } [يوسف:97]
اسم الفاعل ... 3 ... {وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ (17) } [آل عمران:17]
صيغة المبالغة ... 96 ... {إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (173) } [البقرة:173]
مصدر سماعي ... 1 ... {غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285) } [البقرة:285]
مصدر ميمي ... 28 ... {وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا} [البقرة:268]
مصدر ... 1 ... {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ} [التوبة:114]
وجاء الاستغفار في القرآن بمعناه في اللغة وهو طلب المغفرة، وأصل الغفر: التغطية والستر، وغفر الله ذنوبه أي: سترها 8.
التوبة:
التوبة لغةً:
مأخوذة من (توب) ، التاء والواو والباء: كلمة واحدة تدل على الرجوع، وتاب إلى الله سبحانه من كذا وعن كذا يتوب توبًا وتوبة ومتابًا: أناب ورجع عن المعصية إلى الطاعة، فهو تائب وتواب 9.
التوبة اصطلاحًا:
التوبة في الشرع: ترك الذنب لقبحه، والندم على ما فرط منه، والعزيمة على ترك المعاودة، وتدارك ما أمكنه أن يتدارك من الأعمال بالأعمال بالإعادة، فمتى اجتمعت هذه الأربع فقد كملت شرائط التوبة 10.
الصلة بين التوبة والاستغفار:
هما بنفس المعنى؛ فإذا ذكر أحدهما عني به الآخر، فالاستغفار إذا أطلق وحده أريد به التوبة، والتوبة إذا أطلقت وحدها أريد بها الاستغفار.
أما إذا قرن بينهما في الكلام فإن لكل منهما معنىً مختلفًا.
قال ابن القيم: «فالاستغفار يتضمن التوبة، والتوبة تتضمن الاستغفار، وكل منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق، وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى، فالاستغفار: طلب وقاية شر ما مضى، والتوبة: الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله» 11.
العفو:
العفو لغةً:
العفو مصدر عفا يعفو عفوًا، والعفو يطلق على معنيين أصليين: أحدهما: ترك الشيء، والآخر: طلبه 12.
العفو اصطلاحًا:
هو التجافي عن الذنب، ومن ذلك قولهم في الدعاء: أسألك العفو والعافية. أي: أسألك ترك العقوبة، وأسألك السلامة 13.
وقيل: كف الضرر مع القدرة عليه، وكل من استحق عقوبة فتركها، فقد عفا 14.
الصلة بين طلب العفو والاستغفار:
الاستغفار أعم وأشمل من طلب العفو؛ إذ أن طلب العفو هو طلب ترك العقوبة فقط، أما الاستغفار فهو يشمل مع طلب ترك العقوبة طلب الستر على الذنب.
وقد بين المفسرون أن من الفروق بين العفو والمغفرة في الآية أن العفو أن يسقط الله سبحانه عن العبد العقاب، أما المغفرة فهي أن يستر عليه جرمه صونًا له من عذاب التخجيل والفضيحة، كأن العبد يقول: أطلب منك العفو، وإذا عفوت عني فاستره علي، فإن الخلاص من العذاب إنما يطيب إذا حصل عقبه الخلاص من عذاب الفضيحة 15.
الرحمة:
الرحمة لغةً:
قال ابن فارس: الراء والحاء والميم أصلٌ واحدٌ يدل على الرقة والعطف والرأفة. يقال من ذلك: رحمه يرحمه، إذا رق له وتعطف عليه 16.
«ورحمة الله: عطفه وإحسانه ورزقه» 17.
الرحمة اصطلاحًا:
صفة تقتضي إيصال المنافع والمصالح إلى العبد، وإن كرهتها نفسه، وشقت عليها، فهذه هي الرحمة الحقيقية، فأرحم الناس بك من شق عليك في إيصال مصالحك ودفع المضار عنك 18.
والرحمة هي السبب الذي بين الله وبين عباده؛ بها أرسل إليهم رسله، وأنزل عليهم كتبه، وبها هداهم، وبها أسكنهم دار ثوابه، وبها رزقهم وعافاهم، وبها أنعم عليهم 19.
الصلة بين طلب الرحمة والاستغفار:
مما سبق يتبين أن طلب الرحمة يشمل معانٍ أوسع وأعم من الاستغفار، إذ من مقتضيات رحمة الله سبحانه للعبد أن يغفر له ذنبه؛ فالرحمة أوسع من المغفرة.
وقد ذكر بعض المفسرين فرقًا آخر بين الرحمة والمغفرة، وهو: أن المغفرة ترك العقوبة على ما مضى من الذنب، والرحمة أن يعصمه من الوقوع في الذنب في المستقبل.
قال ابن كثير: «الغفر: هو الستر وترك المؤاخذة بالذنب، والرحمة إذا قرنت مع الغفر يراد بها أن لا يوقعه في مثله في المستقبل» 20.
التكفير:
التكفير لغةً:
مشتق من (كفر) بمعنى ستر وغطى، والكفر في اللغة: التغطية، والكافر ذو كفر: أي ذو تغطية لقلبه بكفره، ومن ذلك: الكافر بمعنى الزراع؛ لستره البذر بالتراب، والكفار الزراع، وسميت الكفارات بذلك لأنها تكفر الذنوب: أي تسترها، مثل كفارة الأيمان، وكفارة الظهار والقتل الخطإ 21.
التكفير اصطلاحًا:
تكفير الله سبحانه لذنوب العباد معناه سترها ومحو أثرها، وعدم مؤاخذتهم عليها 22.
الصلة بين الاستغفار وطلب التكفير:
ذهب بعض المفسرين إلى أن تكفير السيئات هو نفسه مغفرة الذنوب، وأن العطف في الآية للمبالغة والتأكيد. قال القرطبي: «تأكيد ومبالغة في الدعاء. ومعنى اللفظين واحد؛ فإن الغفر والكفر: الستر» 23.
وذهب بعض العلماء إلى أن لفظ المغفرة يتضمن الوقاية والحفظ، ولفظ التكفير يتضمن الستر والإزالة، وعند الإفراد: يدخل كل منهما في الآخر 24.
بين الوحي الإلهي أهمية الاستغفار ومنزلته، وسوف نتناول ذلك بالبيان في النقاط الآتية:
أولًا: أهمية الاستغفار ومنزلته في ضوء القرآن الكريم:
تنوعت دلالات نصوص القرآن المبينة لأهمية الاستغفار؛ فجاء في بعضها الاقتران بالتوحيد وشعائر الدين العظام، وفي بعضها الأمر به، والحث عليه، وفي بعضها الثناء على أهله ومدحهم، وفي بعضها الآخر بين الله مدى ضرورته للعبد وعدم استغنائه عنه، وإليك تفصيل ذلك:
-اقترانه بالتوحيد.
مما يبين عظم شأن الاستغفار ورفعة مكانته أنه كثيرًا ما يأتي في النصوص مقرونًا بكلمة التوحيد (لا إله إلا الله) التي هي خير الكلمات وأفضلها وأجلها على الإطلاق، فالتوحيد هو أساس العبادات كلها، وقاعدتها الصلبة التي يقوم عليها؛ فلا تستقيم عبادة العبد واستغفاره حتى يصلح توحيده 25.
قال تعالى: (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ? وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ ?19?) [محمد: 19] .
وقال تعالى: (أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ ? إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُم مَّتَاعًا حَسَنًا إِلَى? أَجَلٍ مُّسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ? وَإِن تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) [هود: 2 - 3] .
فأول ما أمر الله به في هاتين الآيتين هو توحيده، وإفراده بالعبادة دون سواه، والاستقامة على ذلك، ثم التوجه إليه بالاستغفار.
فالتوحيد هو أصل الدين، والاستغفار كماله؛ ولهذا نجد أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع بين التوحيد والاستغفار في كثير من أدعيته؛ منها: قوله صلى الله عليه وسلم: (سيد الاستغفار أن يقول العبد: اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت، خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي؛ فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت) 26.
فهذا الحديث لما كان جامعًا بين التوحيد بأنواعه الثلاثة، والاستغفار؛ فاق سائر صيغ الاستغفار في الفضيلة وارتفع عليها.
قال ابن تيمية: «فالتوحيد يذهب أصل الشرك، والاستغفار يمحو فروعه، فأبلغ الثناء لا إله إلا الله، وأبلغ الدعاء قول: أستغفر الله» 27.
-اقترانه بشعائر الدين العظام.
مما يدل على عظم شأن الاستغفار وأهميته في كمال عبادة المسلم: أن الله سبحانه قرنه بكثير من العبادات؛ كالصلاة وقيام الليل والحج، حيث أمر عباده أن يختموا تلك العبادات بالاستغفار؛ لجبر ما يحصل من النقص، ولصون النفس عن اعتقاد الكمال، ورؤية الأعمال، والإعجاب بها، واعتقاد قبولها ضرورة، والدل بها على الله.
قال تعالى: {ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 199] .
أمر الله عباده في هذه الآية بالاستغفار بعد الإفاضة من عرفات جبرًا لما يحصل من التقصير منهم، ومنعًا من إعجابهم بأنفسهم، فإن هم امتثلوا ما أمروا به كان ذلك أحرى بقبول عبادتهم، وحصول المغفرة لهم، وتوفيقهم لأعمال أخرى 28.
وكذلك كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا، ثم قال: (اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام) 29.
وأثنى الله سبحانه على عباده المستغفرين بالأسحار؛ حيث قال تعالى: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} [آل عمران: 17] .
أي: يطلبون المغفرة وقت السحر، فهؤلاء المتقون أحيوا ليلهم بالقيام، فلما كان وقت السحر ختموه بالاستغفار 30.
وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم أن يختم عمله بالتسبيح والاستغفار 31.
قال تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (1) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (2) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (3) } [النصر: 1 - 3] .
قالت عائشة رضي الله عنها: (ما صلى النبي صلى الله عليه وسلم صلاة بعد أن نزلت عليه: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} إلا يقول فيها: سبحانك ربنا وبحمدك، اللهم اغفر لي) 32.
مما يدل على أهمية الاستغفار: الأمر الصريح للنبي صلى الله عليه وسلم بالاستغفار، ومن ذلك قوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا} [النساء: 106] .
وقوله تعالى: {وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ} [المؤمنون: 118] .
وفي هذا الأمر لنبيه صلى الله عليه وسلم بالاستغفار أمر لأمته بالتبع 33.
وكذلك أمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالاستغفار لأصحابه؛ وذلك في قوله تعالى: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران: 159] .
وقوله تعالى: {وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 62] .
وأثنى الله سبحانه على الأنبياء من قبله في مسارعتهم إلى الاستغفار في أحوالهم كلها، وشؤونهم جميعها، وذكر الله جملة من استغفاراتهم في أحوال متعددة، ومناسبات متنوعة؛ ومن ذلك:
1.ما ذكره الله سبحانه عن آدم وزوجه عليهما السلام بعد وقوعهما في المعصية ومسارعتهما بطلب المغفرة والرحمة. قال تعالى: (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ?23?) [الأعراف: 23] .
2.ذكر سبحانه تضرع نبيه نوح عليه السلام مستغفرًا بقوله: (رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًاك) [نوح: 28] .
3.أخبر الله سبحانه عن استغفار إبراهيم عليه السلام. وهكذا من يتأمل القرآن الكريم يجد فيه من استغفار الأنبياء ومسارعتهم إلى طلب المغفرة في جميع أحوالهم -عليهم صلوات الله وسلامه- شيئًا كثيرًا.
ورد ثناء الله على عباده المتقين به في عدة مواضع من كتابه الكريم، وفي ضمن ثنائه عليهم بالاستغفار تلويح بالأمر به؛ كما قيل: إن كل شيء أثنى الله على فاعله فهو آمر به، وكل شيء ذم فاعله فهو ناهٍ عنه 34؛ ومن ذلك:
1.قال تعالى: (الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) [آل عمران: 17] .
2.قال تعالى: (كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ ?17?) [الذاريات: 17 - 18] .
فأثنى الله سبحانه في هاتين الآيتين على عباده المتقين الذين من أجل صفاتهم وأرفعها: طلبهم لمغفرة الله؛ وخاصة وقت السحر، مما يدلنا على أهمية الاستغفار، ومزيد فضله في هذا الوقت؛ حيث يكون التنزل الإلهي، وإجابة السائلين، وحصول المغفرة للمستغفرين، كما قال صلى الله عليه وسلم: (ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلةٍ إلى السماء الدنيا، حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له، ومن يسألني فأعطيه، ومن يستغفرني فأغفر له) 35.
إن العبد دائمًا دائر بين نعمة من الله سبحانه يحتاج معها إلى شكر، وذنب منه يحتاج فيه إلى الاستغفار، وكل من هذين الأمرين من الأمور اللازمة للعبد 36.
قال بعض العلماء: العبد بين ذنب ونعمة؛ لا يصلحها إلا الحمد والاستغفار 37.
قال ابن تيمية: «والعارف بالله في كل يوم؛ بل في كل ساعة؛ بل في كل لحظة يزداد علمًا بالله وبصيرة في دينه وعبوديته؛ بحيث يجد ذلك في طعامه وشرابه ونومه ويقظته وقوله وفعله، ويرى تقصيره في حق ربه سبحانه؛ سواء في القيام بعبادته حق القيام، أم في شكر نعمته؛ ولهذا كان محتاجًا إلى الاستغفار آناء الليل وأطراف النهار؛ بل هو مضطر إليه دائمًا في الأقوال والأفعال وسائر الأحوال؛ لما فيه من المصالح، وجلب الخيرات، ودفع المضرات» 38.
وليس لأحد أن يظن استغناءه عن التوبة إلى الله والاستغفار من الذنوب؛ بل كل أحد محتاج إلى ذلك دائمًا.
فالإنسان ظالم جاهل، وغاية المؤمنين والمؤمنات التوبة والاستغفار، فهي من أسباب حصول المغفرة من العزيز الغفار 39.
وقد أمر الله في كتابه بالمسارعة إليها.
قال عز من قائل: (وَسَارِعُوا إِلَى? مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) [آل عمران: 133] .
والمسارعة إليها تكون بالإتيان بأسبابها، ومن أعظم أسبابها التوبة والاستغفار.
فهؤلاء الملائكة عليهم السلام الذين يحملون عرش الرحمن عز وجل كان من بين مهامهم التي لا يغفلون عنها: استغفارهم للمؤمنين، وهذا أمر له دلالته وأبعاده التي تدل على أن خير ما يعطاه المؤمن المغفرة من ربه؛ لأنها سبيل إلى كل نجاة، وإذا صحت المغفرة للعبد فما بعدها أيسر منها.
فحري بالمسلم إذا عرف أهمية الاستغفار وعظيم مكانته عند الله أن يكثر منه، وألا يقنط من رحمة ربه؛ وإن عظمت ذنوبه وكثرت وتنوعت؛ فإن باب التوبة والمغفرة والرحمة واسع.
ثانيًا: حكم الاستغفار:
الاستغفار نوع من أنواع الدعاء؛ إذ هو طلب العبد من ربه غفران ذنوبه؛ وذلك بسترها والتجاوز عنها، والأصل في حكم الاستغفار أنه مطلوب على سبيل الاستحباب في أحوال وأوقات كثيرة، منها: وقت السحر.
قال القرطبي: «الاستغفار مندوب إليه» 40.
وقال النووي رحمه الله: «واعلم أن المذهب المختار، الذي عليه الفقهاء والمحدثون، وجماهير العلماء من الطوائف كلها من السلف والخلف، أن الدعاء مستحب» 41.
ويمكن أن يقسم الاستغفار إلى:
1.استغفار واجب.
اتفق العلماء على أن الاستغفار واجب بعد الذنب، سواء كان بترك واجب أو فعل محرم.
قال تعالى: (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى? أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ ? وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ كَبِيرٍ) [هود: 3] .
والأمر هنا للوجوب؛ إذ لا صارف له 42.
وجاء في قصة الإفك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لعائشة: (وإن كنت ألممت 43 بذنب فاستغفري الله، وتوبي إليه؛ فإن العبد إذا اعترف بذنبه، ثم تاب تاب الله عليه) 44.
قال ابن القيم: «فإن من الدعاء ما هو واجب؛ وهو الدعاء بالتوبة والاستغفار من الذنوب والهداية والعفو وغيرها» 45.
2.استغفار مستحب.
يشرع ويستحب للمسلم طلب المغفرة من ربه في أوقات وأماكن وأحوال كثيرة حث الله سبحانه رسوله على طلب المغفرة فيها.
3.استغفار محرم.
ذلك التحريم تارة يتعلق بالاستغفار نفسه، وتارة يتعلق بالمستغفر له:
وذلك بالشرك في الاستغفار؛ كالتوجه بطلب المغفرة من غير الله، من بشر أو حجر أو شجر، أو الابتداع فيه.
كالاستغفار للكفار بعد موتهم 46، وهذا منهي عنه.
وقد نهى الله سبحانه في كتابه الكريم نبيه صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن الاستغفار للمشركين، نهيًا تتجلى فيه صورة البراءة من الشرك والمشركين؛ مهما كانت صلتهم بالمؤمن، وحبهم له، وحرصهم على سلامته، والدفاع عنه.
قال تعالى: (مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى? مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ) [التوبة: 113] .
ونهى الله عز وجل عن الاستغفار للمنافقين.
وقد كان فريقٌ من المنافقين يطمعون في استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم؛ مع علمهم بكفر بواطنهم، ليموهوا على المسلمين أنهم مسلمون مؤمنون، فأعلن الله سبحانه أن هؤلاء المنافقين ليسوا أهلًا للاستغفار، وأنه صلى الله عليه وسلم لو استغفر لهم سبعين مرة فلن يغفر الله لهم.
قال تعالى: (اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ? ذَ?لِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ? وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) [التوبة:80] .
4.الاستغفار المكروه.
يكره الاستغفار لأسباب عديدة؛ منها:
ثالثًا: صيغ الاستغفار:
ورد الاستغفار في القرآن الكريم بصيغ عديدة جاءت على ألسنة الملائكة والأنبياء والمؤمنين، وهي تندرج تحت ثلاث صيغ عامة؛ وهي:
1.الصيغة الأولى: الطلب الصريح المجرد.
نحو: (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ ?) [البقرة: 199] .
(رَبِّ اغْفِرْ لِي) [الأعراف: 151] .
وهذه الصيغة أظهر الصيغ من جهة القصد والإرادة 49.
وقد وردت في خمسة مواضع أخرى من القرآن الكريم؛ في آل عمران، وإبراهيم، والشعراء، وص، ونوح.
2.الصيغة الثانية: الخبر المتضمن للطلب.
نحو قوله تعالى عن آدم وحواء أنهما (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [الأعراف: 23] .
ونحو قوله تعالى: (وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ? غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [النمل: 44] .
وقد ورد في تسعة مواضع من القرآن الكريم؛ في: الأعراف في موضعين، وهود، ويوسف، والأنبياء، والشعراء في موضعين، والنمل، والقلم.
3.الصيغة الثالثة: الخبر المقترن بالطلب الصريح.
ولهذه الصيغة ثلاث صور:
الصورة الأولى: أن يكون الخبر المقترن بالطلب خبرًا عن السائل.
نحو قوله تعالى: (وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ? غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ) [البقرة: 285] .