-سبقت الإشارة إلى أنه جاء في سورة آل عمران الحديث عن مساومة مكريّةٍ عرضها يهود خيبر على يهود المدينة، بأن يظهروا الإيمان بالقرآن أول النهار، ويكفروا آخره، مع طمأنة يهود خيبر ليهود المدينة؛ بأنه لم يؤت أحد من الخلق جميعًا مثل ما أوتي اليهود، وبالتالي فإن يهود خيبر أحاطوا ذلك المكر بشتى مقومات السلامة على حسب ترتيبهم من أن يتأثر أحد من اليهود المطلوب منهم أن يخادعوا المؤمنين بالنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ودعوته الحقّ، فلم يكن الرد القرآني مداهنة، ولا تنازلًا، وفي المقابل لم يكن الرد قاصمًا لكل جوانب الدعوة لهم، وإنما عالج تلك المساومة من خلال أن هذا القرآن هو هدىً من الله تعالى، مبيّنًا زيف ما يقولون، ثم بيّن الله تعالى عبر خطابه لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم بأن فضل الله -الذي هو الإسلام- إنما هو بيد الله تعالى، يؤتيه من يشاء، والله واسع عليم 60، وبالتالي فإن وضوح الرؤية -بين حال المخادعين، وحال المؤمنين- لم يمنع من دعوتهم إلى الله تعالى، رغم ما يمكرون من جهة، ولم يجعل السماحة تنجرّ إلى مسامحة الباطل ومداهنته من جهة أخرى، فالميزان الإيماني حسّاس، لا يقدّره إلا من أنار الله تعالى قلبه بالإيمان.
-جاء في مطلع سورة القلم البيان الواضح للخلق العظيم الذي تمتع به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وقد استغلّت الكفار ذلك بمحاولات جعله يلين لهم، فعندها يلينون، كونهم حققوا ما يريدون، وذلك في الآيات التالية: (ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [القلم: 1 - 11] . حيث تبدأ السورة بذكر النون الذي قيل عنه: الحوت الأعظم الذي على ظهره الأرضون السبع، وقيل: إنه من الحروف المقطعة التي استأثر الله تعالى بعلمه. ويقسم تعالى بالقلم الذي تكتب به الملائكة كتب الأعمال وما يؤمرون به، أو بالقلم الذي يكتب به البشر ما نزل من الكتب السماوية، وما وصلوا إليه من علوم، ثم يأتي جواب القسم من الله تعالى بأن سيدنا محمدًا ليس بنعمة ربه، -وهي الهداية إلى الإسلام- بمجنون، وهو ردٌّ ضمنيٌّ على كفار قريش، حينما رموه بالجنون، وتستكمل الآيات التسلية للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك كونه له أجر غير منقطع، وأنه على خلق عظيم. ونلاحظ هنا أن أساليب التوكيد كثيرة؛ لزيادة طمأنة قلب النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ثم يبين الله تعالى للنبي محمد صلى الله عليه وسلم بأنه شتان بينك وبين أولئك الكفار البعداء، فستبصر يا محمد صلى الله عليه وسلم أنت وأمتك بأيكم الذي فتن؟، والجواب في الآية التي بعدها بأن ربك هو الأعلم بالذي ضل عن سبيله، وأن الله تعالى أعلم حيث يجعل رسالته، وما دام الأمر قد وضح لك يا محمد صلى الله عليه وسلم ولأمتك؛ فلا تطع أولئك المكذبين من كفار قريش وغيرها، فهم قد ودّوا لو يلاينهم أو يداريهم؛ فعندها يميلون أيضًا إلى قوله ودينه، ولكن الدين لا يقبل التفاوض، ولا المداراة، فلا مجال للتغيير، أو التنازل عن الحق، فلا تطع يا محمد صلى الله عليه وسلم - والخطاب منسحب إلى أمته- كثير الحلف، كثير الإهانة من غيره، بأن يسودّ وجهه؛ فتكون عاقبته الذل والإهانة، فهو كثير الهمز، يعيب في شخص النبي محمد صلى الله عليه وسلم في غيبته، وهو يمشي بين الناس بالنميمة 61.
وهذه الآيات -كما كثير من النماذج القرآنية المماثلة- توضح لنا الدقة القرآنية في التعبير بما لا ينقص من قدر السماحة، فهي منهج قرآني، لا انفكاك عنه، ومع ذلك فإن الولاء لله تعالى منضبط جدًّا، لا يستطيع أحدٌ أن يتقدم عليه إلا بما يرضي الله تعالى.
سبقت الإشارة إلى أن سماحة الإسلام استوفت شتى المناحي، من بينها الاجتماعية، من خلال الحديث عن طبيعة العلاقة مع الوالدين، أو الآداب المرجوة من الأسرة، أو المجتمع، بما يظهر جانب السماحة في الإسلام، وسيدور الكلام هنا حول سماحة الإسلام في هذين الجانبين.
أولًا: سماحة الإسلام مع الأسرة:
وردت سماحة الإسلام في القرآن الكريم مع الأسرة عمومًا، إلا أنها أعطت مساحة بالدرجة الأولى للوالدين، وذلك في السياقات التالية:
1.في سياق الاقتضاء الرباني بوجوب عبادة الله تعالى وحده، وبالوالدين إحسانًا.
فقد ورد ذلك في سورة الإسراء، في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ںں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الإسراء: 23 - 25] .
حيث تبين هذه الآيات الكريمة أروع جوانب السماحة، فقد قضى ربّنا جل جلاله وأمر وألزم وأوجب ألّا يعبد أحدٌ إلا الله تعالى، وقرن الوالدين -قبل الأمر بالإحسان إليهما- ملتصقًا بذات الله تعالى؛ لأن الله تعالى هو الذي أوجد الإنسان، وهيّأ له السبب في وجوده، وهو الوالدان، وقد خص البر بالكبر أحدهما أو كليهما؛ لأنهما في تلك المرحلة العمرية بأمس الحاجة إلى المساعدة؛ وبالتالي فإن التشديد في هذه الآية في التقدير والتكريم للوالدين دالٌّ على عظيم السماحة، مع أولى الخلق بالرعاية والبر والإحسان.
إذ إنه لا يحق لأحد أن يتلفظ بأصغر ألفاظ التضجر، وهي أفٍّ، وما فوقها أولى بالنهي، وبالتالي فإنه ينبغي القول الكريم الطيب، وأن يتذلل وينكسر لهما، ويخفض الجناح، كناية عن الذل والخنوع، وأن يترحّم عليهما، كما ربياه حال كونه صغيرًا.
ثم ذكر أن الربّ جل جلاله هو الأعلم بما في النفوس، من اعتقاد الرحمة بهما، والحنان عليهما، أو من غير ذلك من العقوق، فإن يكن هؤلاء الأولاد صادقين في نية البر للوالدين، فإن الله تعالى كان غفورًا للزلات، التي قد تصدر من الأولاد شرط الصلاح والتوبة 62.
ولفظة (قضى) بمعنى أمر، وبمعنى وصّى، كما ورد في القراءات التفسيرية لابن عباس، وابن مسعود، وأبي بن كعب رضي الله عنهم أجمعين، وكما ورد في آيات أخرى، مثل قوله تعالى: (? ? ? ? چ چ چ چ) [لقمان: 14] .
وقوله تعالى: (? ? ? ?) [العنكبوت: 8] .
وقوله تعالى: (? ? ? ?) [الأحقاف: 15] 63.
وتظهر روعة السماحة، في أهمية حفظ الفضل لمن كانا سبب وجود الإنسان، وهما الوالدان، اللذان أوضح القرآن الكريم كل جوانب البر لهما في كتابه، كما بينت هذه الآية والآيات الأخرى، التي ذكرنا شطرها في اللطيفة السابقة.
2.في سياق بنود الميثاق، الذي أخذ على بني إسرائيل.
قال تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [البقرة: 83] .
حيث تبين هذه الآية الكريمة أن البند الثاني من الميثاق هو الإحسان إلى الوالدين إحسانًا، وذلك بعد توحيد الله تعالى في ألوهيته، ومن الجميل في هذه الآية أن إعراب (إحسانًا) في هذه الآية أنها منصوبة على المصدرية، فهي مفعول مطلق للفعل المحذوف المقدّر بـ (تحسنوا) ، المعطوف على الجملة (لا تعبدون إلا الله) ، المضمر (أن) فيها، فيكون التقدير في الآية: (وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيل بألّا تعبدوا إلا الله، وبأن تحسنوا إلى الوالدين إحسانًا) .
وفي سياق الآية حذف؛ لحكمٍ يعلمها الله تعالى، وقد جاء في بيان سبب ذكر الله تعالى، بعدها مباشرة، بأن الله تعالى هو الذي هيّأ الأسباب، وهي الوالدان 64.
3.في سياق بيان المحرّمات.
جاء الأمر بالإحسان إلى الوالدين، كما في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 151] .
حيث جاء ذكر المحرمات التي حرّمها الله تعالى بصيغة النهي، في كل الجوانب المحرّمة المذكورة، إلا الوالدين، فإنها جاءت بالأمر بالإحسان إليهما، إذ لا يكفي أن يخبر به كعقوق محرّمة، بل ينبغي أن يبين حقهما بالكامل، عبر الإحسان إليهما، وليس مجرّد الأداء 65.
وأما باقي أفراد الأسرة، فقد ذكر القرآن الكريم الأمر بإعطائهم حقوقهم، ومن ذلك:
قوله تعالى في حق وأد البنات: (? ? ? ? ? ? ?) [التكوير: 8 - 9] .
حيث تذكر هاتان الآيتان الكريمتان خطر الوأد للبنات؛ فالموقف خاص بيوم القيامة، وبالتالي فإن التحذير من الوأد يأتي ببيان العاقبة الأخرويّة، ومن ثمّ يغلب على طابع السياق مخاطبة للضمير الإنساني.
وقد ذكر هذا التحذير في أكثر من موضع من القرآن الكريم، في سياقات متعددة، منها، قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ?) [الأنعام: 151] .
ولا تقتلوا أولادكم، سيما البنات بسبب الفقر؛ فإن الله تعالى تكفّل للآباء بالرزق في الكبر حالة الشيخوخة، وبالتالي للأولاد حالة الشباب؛ إذ إنه تكون البنت -بعد فضل الله تعالى سببًا لرزق الآباء 66، كما جاء في سورة الإسراء بيان الكفالة الثانية للأولاد حالة الطفولة، إذ يكون الآباء شبابًا، وذلك في قوله تعالى: (چ چ چ چ ? ? ? ? ? ?) [الإسراء: 31] .
فالنهي عن قتل الأولاد خشية الفاقة والفقر؛ فإن قتلهم كان إثمًا عظيمًا 67.
وجاء في حق الأقارب عمومًا، برفع الحرج عن إبداء زينة المرأة عند بعضهم: (ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ?ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [النور: 31] .
فإن هذه الآية تبين جوانب من السماحة في العلاقة بين الأرحام؛ لأجل ألّا تشيع الرذيلة، وبالتالي إذا أمنت -عبر المحارم، وضمن الضوابط التي ذكرتها الآية وشرحتها السنة-؛ فعندها ما جعل الله علينا في الدين من حرج، فإن هذه الآية الكريمة عالجت الأمراض القلبية، والفعلية، وكافة أشكال المتاعب التي تنجم عن تلك المحظورات، بما يعزز السماحة في شتى مناحيها 68.
ويمكن الوصول في خاتمة هذه الجزئية إلى نتيجة، وهي: أن القرآن الكريم عالج جانب السماحة مع الأسرة في شتى الجوانب، وترك للسنة النبوية شرح ما أجمل ذكره، ولأن دراستنا هذه تفسيرية قرآنية؛ فإننا اكتفينا بذكر ما أوضح القرآن ذكره، ومقاصده العامة، مع اليقين التام بأنه لم يخل جو السماحة في الأسرة، حتى في القسوة الظاهرة، فهي لأجل الرحمة.
ثانيًا: سماحة الإسلام مع المجتمع:
بيّن الله تعالى في كتابه أن المؤمنين الذين يحبّهم ويحبونه، من أخص خصوصياتهم أنهم أذلة على المؤمنين؛ لكنهم في نفس الوقت أعزة على الكافرين.
وذلك في قوله تعالى: (? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہ ہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [المائدة: 54] .
إن الله تعالى أنبأ في هذه الآية الكريمة عن قصة أبي بكر الصديق البطولية في حرب أهل الردة، فإن هذه الآية تفترض أنه إن ارتدّ أحدٌ عن الإسلام، -كالذين فرّقوا من المرتدين بين الصلاة والزكاة-؛ فإن الله تعالى سوف يأتي بقوم، أمثال أبي بكر الصديق، ومن تبعه بعد عزمه الأكيد، هؤلاء القوم يتمتعون بصفات، منها: أنهم أصفياء الصدور، ملتصقون بالله تعالى في شتى مناحي حياتهم.
وبالتالي فإن الله تعالى يحبهم، وتحصيل حاصل فإنهم يحبون الله عز وجل، وهم مع ذلك ليّنوا الجانب، في أقوالهم وهيئاتهم مع المؤمنين، وبالتالي يحافظون على سلامة المجتمع من التفكك، وتحصين الجبهة الداخلية للمؤمنين، وهم يتعالون عن الهفوات، التي قد تصدر من البعض.
وفي مقابل ذلك، فهم أشداء في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم على الكفار، فلا مداهنة ولا مجاملة لأولئك البعداء، ودليل ذلك أنهم يجاهدون في سبيل الله تعالى وحده، ولا يخافون لومة لائم من الناس عمومًا، وكل هذه الشمائل والصفات الخيّرة إنما هي بفضل من الله تعالى وحده، والله واسع عليم 69.
وهذه الآية لا تتكلم عن جانبٍ حدث، أو سيحدث في حياته، وإنما تتكلم عن جانبٍ سيحدث بعد وفاته صلى الله عليه وسلم، وبالتالي فإن هذه الآية مدحٌ ضمنيٌّ لسيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ومن ثم الصحابة الكرام رضي الله عنهم.
وجاء في لفظة (يرتدّ) قراءتان، هما (يرتدد) حيث قرأ بها ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي، و (يرتدّ) التي ذكرناها، حيث قرأ بها نافع وابن عامر وأبو جعفر 70.
وكلتاهما لغتان؛ حيث إنه من شدّد الدال وأدغمها؛ قرأ بها على لغة من لغات العرب، وكذلك من خفف الدال، ولم يدغمها، وحرّك الدّالين 71.
ويلاحظ أن هذه الآية فسّرت الرحمة المذكورة في آية الفتح بأنها الذلة، ففي قوله تعالى: (? ? ? پ پ پ پ ? ?) [الفتح: 29] .
دليلٌ عمليٌّ على ضرورة أن يغلب على المجتمع المؤمن الرحمة فيما بينهم، والتي تعني الذلة، بأن يعفو بعضهم عن زلات بعض، فهم فيما بينهم أولياء لبعضهم بعضًا.
وفي ذلك يقول تعالى: (ک گ گ گ گ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہہ ہ ہ ھ ھ) [التوبة: 71] .
وإن الرجولة الحقيقية كما تذكر الآية ليست في العزة على المؤمنين، بل في الذلة لهم، ومن ثمّ الشدة على الكفار، وعدم الخوف من لوم الناس لهم في جهادهم ضد الباطل، وبهذا تتجسّد السماحة بحقيقتها في المجتمع المسلم؛ إذ إن المؤمن يجتهد في أن تكون دعوته إلى ربه تعالى مشتملة على شتى معاني الحب والحنان والاحترام لكل أبناء المجتمع الإسلامي.
ويقول تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ژ) [الحجرات: 11 - 13] .
فالقرآن الكريم منع الاستهزاء من المؤمنين لبعضهم بعضًا، ولا التنابز بالألقاب؛ فقد يكون ذلك موصلًا إلى الفسوق، ومنع كذلك الظن السوء بالمجتمع المسلم، مع ما يجره من تجسس، وغيبة.
وبالتالي فإن هذا كله يودي بحياة مجتمع الفضيلة، ولذلك فإن القرآن يستدرك ببيان أن معيار الأكرم هو الأتقى، وبالتالي لابدّ من التوحد بين أوساط المجتمع، فإن تقسيم المجتمع إلى شعوب وقبائل، لا يجمعه إلا الإيمان.
وعلى ذلك فإن جانب السماحة لا بد أن يسود هذا المجتمع؛ حتى يسود النظام الإسلامي الذي يستوفي شتى متطلباته عن طيب نفس من الجميع 72، وهذا هو تحكيم الشريعة على حقيقتها.
لقد سطّر الإسلام أروع معاني إحسان الظن، والعفو عمّن أساء الظن، وليس أدلّ على ذلك من حادثة الإفك، وبالتالي فإن الله تعالى خلّد ذكر هذه القصة بتفصيلاتها في سورة النور، ومنها قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ) [النور: 12] .
أولًا: مقابلة الإساءة بالإحسان:
المجتمع المسلم متسامح فيما بينه بطبعه، ومن علامات السماحة، أنه يقابل الإساءة بالإحسان، وسيمثل هذا المطلب إن شاء الله نموذجًا قرآنيًّا يوضح معالم الإحسان في مقابل الإساءة، وذلك في قوله تعالى: (? ? ? ? ? چ چ) [الأعراف: 199] .
حيث تبين هذه الآية أنه في سياق بناء المجتمع الإسلامي على أروع معاني إرساء الفضيلة، تبين هذه الآية الكريمة خلقًا عظيمًا، وهو العفو، فكما بينت الآية السابقة أن الكفار إن يدعوا من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، لا يسمعوا، وهم ينظرون إليه صلى الله عليه وسلم، ولكنهم لا يبصرون الحق، وبالتالي عدم الالتزام في القلب، ولا في القول، ولا في العمل للنبي محمد صلى الله عليه وسلم ودعوته.
وتأتي هذه الآية الكريمة لتأمر النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم، على وجه الإلزام والإيجاب بالعفو، الذي هو من ألفاظ الأضداد، فهو محو سيئاتهم من ذاكرته صلى الله عليه وسلم، وفتح صفحة جديدة، وهو أيضًا العفو الذي هو بمعنى الفضل والزيادة، فالمقصود إذًا في هذه الآية الكريمة أن يأخذ الرسول صلى الله عليه وسلم الخير من حياة الناس في أخلاقهم وأعمالهم، في كافة أوساط المجتمع المسلم، وذلك بعد التصفية والتنقية، عليك أن تأمر بالمعروف كله، وحتى لا تتأثر نفسية الداعية سلبًا تجاه أهل السوء يجب الإعراض عن الجهلة، الذين يفسدون المجالس بسوء نية أو بسوء عملٍ، أو بكليهما 73.
ثانيًا: السماحة في الحقوق:
إن السماحة ما تركت مجالًا من المجالات إلا كانت الركن الأساس في روحه وجوهره، ومن ذلك الحقوق، وفيما يأتي ذكرٌ للسماحة في بعض الفروع الحقوقية:
من سماحة الإسلام أنه جعل القصاص حقًّا لمن وقع عليه الظلم بما يوجب حدًّا؛ لكنه ذكر ضابط القصاص، وهو ما يعني المماثلة في العقاب دون إسراف، كما في قوله تعالى: (گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہہ ہ ھ ھ) [الإسراء: 33] .
فقد بينت الآية أنه لا يجوز قتل النفس عمومًا، فكلها حرّم الله قتلها إلا بحقها، وحق النفس في قتلها لا يكون إلا بإحدى ثلاث.
وهو ما ذكر في الحديث المتفق عليه، عن عبد اللّه، قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: (لا يحلّ دم امرئٍ مسلمٍ، يشهد أن لا إله إلّا اللّه وأنّي رسول اللّه، إلّا بإحدى ثلاثٍ: النّفس بالنّفس، والثّيّب الزّاني، والمارق من الدّين التّارك للجماعة) 74.
وتبين الآية أيضًا أن الذي يقتل عمدًا من غير هذه المسوغات الثلاثة، فقد جعل الله تعالى له وليًّا، وهو ورثته مهما تعددت، وبالتالي يكون القاضي هو السلطان، يخير الأولياء بين القصاص من القاتل نفسه دون إسراف إلى غيره، أو الدية، وتسمى الدية في هذه الحالة عفوًا؛ لأنها محوٌ لحكم القتل الذي هو قصاص 75.
ويدل على ذلك قوله تعالى: (ژ ژڑ ڑ ک ک کک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ہ ہ ہ ہھ ھ ھ ھ ے ے ? ?) [البقرة: 178] .
فالعفو هنا ترك الدم، وبقاء الدية 76، فالأمر حينها لأهل القاتل العمد بالأداء الحسن لهذه الدية، واتباع المعروف، أي: المطالبة بالدية من أهل المقتول 77.
قصة بني أبيرق، التي تدلل على عظيم سماحة الإسلام، وبقيت الآيات الاثنتا عشرة شاهدًا حيًّا على تلك السماحة، في أروع قسطٍ عرفه التاريخ.
وذلك في قوله تعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ?چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ? ? ? ? ہ ہ ہہ ھ ھ ھ ھ ے ے ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? چ چ چ چ ? ? ? ? ? ? ? ? ژ ژڑ ڑ ک ک کک گ گ گ گ ? ? ?) [النساء: 105 - 116] .
عن قتادة بن النّعمان رضي الله عنه، أن بني أبيرقٍ بشرًا وبشيرًا ومبشّرًا، وكان أحدهم منافقًا يهجو بشعره أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ثمّ ينحله بعض العرب، ثمّ يقول: قال فلانٌ كذا وكذا، فإذا سمع أصحاب رسول اللّه صلى الله عليه وسلم ذلك الشّعر قالوا: واللّه ما يقول هذا الشّعر إلّا هذا الخبيث، أو كما قال الرّجل، وقالوا: ابن الأبيرق قالها، قال: وكانوا أهل بيت حاجةٍ وفاقةٍ، في الجاهليّة والإسلام، وقد ابتاع رفاعة بن زيدٍ بضاعةً، فلمّا أصبح أتى رفاعة إلى قتادة بن النعمان، فقال: يا ابن أخي إنّه قد اعتدي علينا في ليلتنا هذه، فنقبت مشربتنا فذهب بطعامنا وسلاحنا. قال: فتحسّسنا في الدّار وسألنا فقيل لنا: قد رأينا بني أبيرقٍ استوقدوا في هذه اللّيلة، ولا نرى فيما نرى إلّا على بعض طعامكم.
قال: وكان بنو أبيرقٍ قالوا ونحن نسأل في الدّار: واللّه ما نرى صاحبكم إلّا لبيد بن سهلٍ، رجلٌ منّا له صلاحٌ وإسلامٌ، فلمّا سمع لبيدٌ اخترط سيفه وقال: أنا أسرق؟
فواللّه ليخالطنّكم هذا السّيف أو لتبيّننّ هذه السّرقة، قالوا: إليك عنها أيّها الرّجل فما أنت بصاحبها، فسألنا في الدّار حتّى لم نشكّ أنّهم أصحابها، فقال لي عمّي: يا ابن أخي لو أتيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له.
قال قتادة: فأتيت رسول اللّه صلى الله عليه وسلم فقلت: إنّ أهل بيتٍ منّا أهل جفاءٍ، عمدوا إلى عمّي رفاعة بن زيدٍ فنقبوا مشربةً له، وأخذوا سلاحه وطعامه، فليردّوا علينا سلاحنا، فأمّا الطّعام فلا حاجة لنا فيه، فقال النّبيّ صلى الله عليه وسلم: (سآمر في ذلك) .