فأما قوله تعالى: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ} وقوله تعالى بعدها: {وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ} [المائدة: 45] .
{وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ} [المائدة: 47] .
فقد تباينت آراء العلماء فيمن نزلت على خمسة أقوال:
أحدها: أنها نزلت في اليهود خاصة.
والثاني: أنها نزلت في المسلمين.
والثالث: أنها عامة في اليهود، وفي هذه الأمة.
والرابع: أنها نزلت في اليهود والنصارى.
والخامس: أن الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى.
وخلاصة القول: إن من لم يحكم بما أنزل الله جاحدًا له، وهو يعلم أن الله أنزله، كما فعلت اليهود، فهو كافر، ومن لم يحكم به ميلًا إلى الهوى من غير جحود، فهو ظالم وفاسق 36.
وفي جميع هذه الحالات الحكم بغير ما أنزل الله هو إلحاد وانحراف وعوج عن دين الله تعالى وحكمه وشرعه.
وختامًا فالإلحاد في الألوهية عند أهل الكتاب والمشركين والفرق الضالة له صور كثيرة غير ما أسلفنا، ومنها صرف القلوب بالخشية والخوف والحب والرجاء والنذر والذبح والركوع والسجود وما شابه لغير الله.
قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165] .
أي: «ومن الناس من تبلغ بهم الجهالة أن يتخذ من غير الله أندادًا، أي: رؤساء وأصنامًا، يعظمونهم ويخضعون لهم» 37.
لقد سمى الله نفسه في القرآن الكريم بأسماء، ووصف نفسه بصفات لا تصح لغيره سبحانه تنزهت أسماؤه وعلت صفاته، فالأسماء الحسنى لا تكون إلا لله، والصفات العلى له، وهي محصورة ومقصورة على الله، ويجب أن تكون موصوفة بالحسن والكمال والجمال والجلال، وأي تعطيل أو تكييف أو تمثيل أو تشبيه فيها هو ضرب من ضروب الإلحاد.
وقد جعل الله «الإلحاد في أسمائه مظهرًا من مظاهر الكفر، وذلك بإنكار تسميته تعالى بالأسماء الدالة على صفات ثابتة له، وهو الأحق بكمال مدلولها» 38.
قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180) } [الأعراف: 180] .
«والمراد من الأسماء في الآية وأحاديث الرسول: التسميات بلا خلاف، وهي عبارات عن كون الله تعالى على أوصاف شتى، منها ما يستحقه لنفسه، ومنها ما يستحقه لصفة تتعلق به، ومنها صفات لذاته، ومنها صفات أفعال، وهذه الأسماء عند العلماء توقيفية، فلا يسمى باسم لم يرد في القرآن والسنة كالرفيق والسخي والعاقل» 39.
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة) 40.
ومعنى أحصاها: «عدها وحفظها وتفكر في مدلولها» 41.
وقد سمى الله نفسه ووصف ذاته قائلًا: {اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} [طه: 8] .
وقال: {لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ} [الأنعام: 103] .
وقال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} [الشورى: 11] .