فهرس الكتاب

الصفحة 989 من 2431

كما يدرك المؤمنون قيمة هذه الحياة الدنيا من التشبيه النبوي الرائع لها (عن جابر بن عبد اللّه، أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم مرّ بالسّوق، داخلًا من بعض العالية، والنّاس كنفته 30، فمرّ بجديٍ أسكّ 31 ميّتٍ. فتناوله فأخذ بأذنه. ثمّ قال:(أيّكم يحبّ أنّ هذا له بدرهمٍ) ، قالوا: ما نحبّ أنّه لنا بشئٍ. وما نصنع به؟ قال: (أتحبّون أنّه لكم) ، قالوا: واللّه! لو كان حيًّا، كان عيبًا فيه، لأنّه أسكّ، فكيف وهو ميّتٌ؟ فقال: (فواللّه! للدّنيا أهون على اللّه، من هذا عليكم) 32.

وهكذا .. عندما تكون الحياة الدنيا في حس المؤمن دار ممر إلى الحياة الحقيقية في الآخرة، عندها لاينخدع بزينتها وزخارفها، بل يجعلها وسيلة لعمارة هذه الأرض وفق المنهج الرباني، ويصبح شاغله الشاغل فيها هو استعمال ما وهبه الله فيها من نعم وقدرات فيما يقربه من مولاه، وفيما ينفعه في الآخرة، فكل ما يغرسه من أعمال صالحة في الدنيا يجد ثمراته في الآخرة، الحياة الحقيقية اللائقة بهذا المخلوق المكرم.

ثانيًا: نظرة الكافرين:

أما نظرة الكافرين إلى الحياة الدنيا فهي نظرة المخدوع بزينتها، العاشق لشهواتها، الغارق في أهوائها، فهم لا يمدون أبصارهم إلى أبعد من مواقع أقدامهم، يرونها الفرصة الوحيدة لإشباع ملذاتهم وشهواتهم .. أما الآخرة فلا تخطر على بالهم ولا تشغل همهم، فعشق الدنيا أعمى أبصارهم وطبع على قلوبهم، تمامًا كما وصفهم الله عز وجل في كتابه الكريم: {يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (7) } [الروم:7] .

«أي: مبلغ علمهم لا يتعدى مابه معاشهم في الحياة الدنيا، بصيرين بسبل رخائهم المادي في الدنيا، عمين عن طريق سعادتهم في الدنيا والآخرة، فهي حياة الحواس واللذة. والحضارة المتنكرة للدين وخالق الكون، الفاقدة لكل إشارة إلى معنى وجود الإنسان ووظيفته وغايته ومصيره بعد الموت، فلا تجد في سلم قيمها إلا مصطلحات من قبيل: اختراع، واقتصاد، وتنمية، وتمويل، ومواد أولية، وسوق، واستهلاك، ودخل فردي، ومستوى معيشة، إلى آخر القاموس» 33.

وهذه النظرة المنحرفة للحياة الدنيا -والتي تصدر عن عقيدة فاسدة- تدفعهم لاتباع الباطل والدفاع عنه، وسلوك سبيل الضلال، وإيثار الفساد على الإصلاح، والطغيان على العدل والإنصاف ..

فعندما يتصور الإنسان أن هذه الحياة الدنيا هي نهاية المطاف وأنه لا حياة خالدة بعدها، عندها يندفع كالوحش المفترس نحو شهوات الدنيا وزينتها يغترف منها بلا ضابط أو رادع، ويتقاتل من أجل متاعها ويتصارع في سبيل الاستئثار بملذاتها، حتى أنه يرتكب في سبيل تحصيل لذاتها ومشتهياتها أبشع الجرائم وأخس الأفعال، ولم لا يفعل ذلك، وهي في حسه الفرصة الوحيدة المتاحة لإرواء شهواته وإشباع نهمه، وعندها تختفي كل معاني الإنسانية وتغيب القيم العليا والعواطف النبيلة لتتحول الأرض إلى غابة يفترس فيها القوي الضعيف، ويبغى الغني على الفقير، وهذا الأمر ظاهر للعيان -خاصة- في العالم الغربي الذي لايؤمن إلا بهذه الحياة الدنيوية.

لذا توعد الله عزوجل أولئك الذين يؤثرون الحياة الدنيا على الآخرة، كما قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8) } [يونس:7 - 8] .

مما سبق يتضح لنا الفرق بين نظرة المؤمنين ونظرة الكافرين إلى الحياة الدنيا، فشتان شتان بين نظرة تقود صاحبها إلى الحياة الطيبة والسكينة النفسية في الحياة الدنيا، والنعيم الخالد في الآخرة، وبين نظرة تلقي صاحبها في أتون الهم والشقاء، والقلق والحيرة والاضطراب في الحياة الدنيا، والعذاب والخسران والهوان في الآخرة ..

شتان شتان بين مصير المؤمنين ومصير غير المؤمنين في الدنيا والآخرة، قال الله تعالى واصفًا أحوال المؤمنين: {مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (97) } [النحل:97] .

وقال سبحانه واصفًا أحوال غير المؤمنين: {وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) } [طه:124] .

فما أبعد الشقة بين الفريقين!

أولًا: وصف الحياة الدنيا:

عرضت الآيات القرآنية صفات الحياة الدنيا بما يجلي حقيقتها، ويكشف عن قيمتها في ميزان الله عز وجل حتى لا ينخدع الناس بها أو يغفلون بسببها عن الحياة الحقيقية في الآخرة.

وفيما يلي نعرض بعض أوصاف الحياة الدنيا كما جاءت في القرآن:

1.متاع.

وردت لفظة متاع مضافة إلى (الحياة) في كتاب الله (7) مرات: آل عمران 14، التوبة 38، يونس 23، القصص 60، 61، الشورى 36، الزخرف 35.

ووردت مرة مضافة إلى (الدنيا) في النساء 77.

ووردت مضافة إلى (الغرور) في موضعين: آل عمران 185، الحديد 20.

ونستنتج من ذلك أن لفظ (المتاع) لم يضف إلا للدنيا وغرورها، ولم يوصف نعيم الآخرة بأنه متاع؛ لأنه نعيم كامل باق لا يفنى ولا يزول.

قال ابن منظور في اللسان: «قال الأزهري: فأما المتاع في الأصل فكل شيء ينتفع به ويتبلّغ به ويتزود، والفناء يأتي عليه في الدنيا» 34.

وفي الاصطلاح العام هو كل ما أوتي الإنسان في الحياة الدنيا من نساء وبنين ومساكن وأموال، كما قال الله عز وجل {زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (14) } [آل عمران:14]

وقد جعل هذا المتاع فتنة وإمتحانًا.

قال تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) } [طه:131] .

ونقطة الابتلاء في حياة الإنسان هي هذا المتاع الذي وهبه ربه، هل يتناول منه القدر الذي أباحه الله وأحله، أم ينتهب ما حرم الله ولا يلتزم بطاعته؟

كما بينت الآيات أن هذا المتاع قليل وزائل لزوال الحياة الدنيا نفسها وانقضائها، قال عز وجل: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ (60) } [القصص:60] .

كما أنه متاع يخدع الغافلين ويغر المغرورين، قال الله عز وجل: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (185) } [آل عمران:185]

«وما الحياة الدنيا التي نعيشها ونستمتع بها باللذات الجسدية من طعام وشراب والمعنوية من جاه ومنصب وسمو إلا كالمتاع المشترى بخداع وتغرير، ثم يتبين فساده ورداءته؛ لأن صاحبها دائمًا مغرور مخدوع بها، أو لأنها حقيرة متروكة فانية زائلة، كما قال تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (16) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (17) } [الأعلى:16 - 17] ، وفي الحديث: (واللّه ما الدنيا في الآخرة إلا كما يغمس أحدكم أصبعه في اليم، فلينظر بم يرجع) 35» 36.

وتهوين شأن الدنيا على هذا النحو لمن آثرها على الآخرة، قال سعيد بن جبير: «إنما هذا لمن آثرها على الآخرة، فأما من طلب الآخرة بها فإنها متاع بلاغ» 37.

فهل ينخدع العاقل بهذا المتاع ويضحي من أجله بنعيم خالد وسعادة سرمدية؟، ألا إنها الحماقة التي لا يرتكبها إنسان يسمع ويرى!

2.لعب ولهو.

ورد اللعب واللهو صفة للدنيا في أربعة مواضع: الأنعام 32، العنكبوت 64، محمد 36، الحديد 20.

و «اللعب واللهو هما الاشتغال بما لايعني العاقل من لهو وطرب، سواء كان ذلك محرمًا أم غير محرم، بيان ذلك: أن هناك أمورًا ثبت تحريمها بالشرع، كالزنا واغتصاب الأموال، والاشتغال ببعض الآلات التي تشغل الإنسان عن القيام بواجبه، وهناك أمور أخرى لم يرد نص في تحريمها، وذلك كالألعاب التي ليس فيها نفع، كما هو شأن كثير من الألعاب المنتشرة في عصرنا، فهذا كله يصدق عليه أنه لهو ولعب، لأنه لا نفع فيه، أما إذا كانت هذه الألعاب تحقق غرضًا ومصلحة كأعمال الفروسية والرماية، فإن هذا مما أباحه الشرع ولا حرج فيه» 38.

فاللهو واللعب بينهما عموم وخصوص؛ وذكر العسكري بينهما فرقًا، فقال: «لا لهو إلا لعب، وقد يكون لعب ليس بلهو؛ لأن اللعب يكون للتأديب وغيره، ولا يقال لذلك: لهو، وإنما اللهو لعب لا يعقب ... نفعًا، وسمي لهوًا؛ لأنه يشغل عما يعني، من قولهم: ألهاني الشيء، أي: شغلني، ومنه قوله تعالى: {أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ (1) } [التكاثر:1] » 39.

ومن أمثلة اللهو ما يفعله الذين ينفقون أعمارهم وطاقاتهم في العبث بلعبة النرد، أو بألعاب الورق ذات الأرقام والصور، ونحو ذلك من وسائل لهو وعبث.

قال الله عز وجل: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (32) } [الأنعام:32] .

وقال سبحانه: {وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (64) } [العنكبوت:64] .

وقوله تعالى: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) } [الحديد:20] .

فما أشد بؤس المرء الذي تخلو حياته من الجد والعمل، وتقتصر على اللهو واللعب، فلا غرس عملًا صالحًا ولا حصّل خلقًا فاضلًا، والاستغراق في ممارسة اللهو واللعب يؤدي إلى الإنزلاق في مستنقع الغفلة، فينطلق المرء نحو زينة الحياة الدنيا في سعار محموم لا يتوقف ولا ينتهي، فينسى الآخرة، ويتشاغل عنها حتى إذا جاء وقت الحصاد في الآخرة لم يحصد إلا الخيبة والندم، ولم يجن سوى الهوان والخسران، فالجزاء من جنس العمل!

3.زينة.

وصفت الحياة الدنيا بالزينة في القرآن الكريم في موضع واحد، في قول الله عز وجل: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) } [الحديد:20] .

ووردت مضافة للحياة الدنيا مرتين في سورة الكهف 28 - 46، وثلاث مرات مضافة للضمير العائد على الحياة الدنيا في سور: هود 15، والقصص 60، والأحزاب 28.

«الزينة هي في الأصل اسم جامع لكل ما يتزين به، والتزيين هو تحسين المظهر وتجميله حتى تميل إليه الحواس، وترتاح إليه النفوس، ولا يشترط فيما هو حسن المظهر أن يكون في حقيقته جوهرًا نافعًا، وذا قيمة حقيقية باقية، بل ربما يكون ضارًّا وجالبًا لشر وعذاب.

وقد أبان الله عز وجل أنه جعل ما على الأرض زينة لها ليبلوا الناس أيهم أحسن عملًا، فقال عز وجل: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (7) } [الكهف:7] » 40.

«فكلّ ما عليها من قصور وأنهار، ومدائن وديار، وزروع وثمار، وبحيرات وغابات، وكنوز وثروات، وضيعاتٍ وروضات، ومراكب فارهة، وأسواقٍ عامرة، ومراتب عالية، كلّ ذلك من أعراض زينتها الفانية؛ امتحانٌ لأهلها {لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا} ، وفي هذا: بيانٌ لحقيقة الدنيا وزينتها، ودعوةٌ إلى الاجتهاد في هذه الدار، فهي دار عملٍ وسعيٍ، ووعيدٌ لمن ركن إليها وافتتن بسرابها، وركن إلى متاعها بأن عمرها قصير وإلى الفناء تصير» 41.

وقد سمى الله تعالى المال والبنين زينة من زينة الحياة الدنيا، قال الله عز وجل: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا (46) } [الكهف:46] .

«وفي الآية دليل على أن المال والبنين زينة وليسا قيمة، فلا يجوز وزن الناس بهما، قيمة الناس بالباقيات الصالحات لا بالفانيات الزائلات، وسبيل النجاة من فتنة الأموال والأولاد إنزالهما سلوكًا وعملًا في منزلهما الذي وضعهما الله فيه، فهما زينة لا قيمة، والإسلام لم يحرم الزينة ما دامت في حدود ما أحل الله.

قال تعالى: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) } [الأعراف:32] » 42.

4.تفاخر وتكاثر في الأموال والأولاد.

وصفت الحياة الدنيا ب (التفاخر والتكاثر) في القرآن الكريم في موضع واحد، في قول الله عز وجل: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ (20) } [الحديد:20] .

قال ابن فارس: «الفاء والخاء والرّاء أصلٌ صحيحٌ، وهو يدلّ على عظمٍ وقدمٍ. من ذلك الفخر» 43.

«قرأ الجمهور بتنوين «تفاخر» والظرف صفة له، وقرأ السّلميّ بالإضافة، أي: يفتخر به بعضكم على بعضٍ، وقيل: يتفاخرون بالخلقة والقوّة، وقيل: بالأنساب والأحساب كما كانت عليه العرب» 44.

التكاثر:

قال ابن فارس: «الكاف والثاء والراء أصلٌ صحيح، يدل خلاف القلّة، من ذلك الشّيء الكثير، وقد كثر» 45. «والمكاثرة والتكاثر: التباري في كثرة المال والعز، ثم شاع إطلاق صيغة التكاثر، فصارت تستعمل في الحرص على تحميل الكثير، من غير مراعاة مغالبة الغير ممن حصل عليه» 46.

وفى قوله تعالى: {وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ} «إشارة إلى ما يجرى بين الناس من تنافس في الاستكثار من متاع الحياة الدنيا، وزينتها من أموال وأولاد، لا لسدّ الحاجة، وإنما لإشباع رغبة التعالي والتفاخر، تلك الرغبة التي كلما ألقى إليها ما تشتهيه، اشتد جوعها، وازداد نهمها، فلا تشبع أبدًا، إن من شأن التعالى والتفاخر أن يجور على حياة الإنسان نفسه، كما أن من شأن هذا أن يحمله على الجور على حقوق الناس، ابتغاء الوصول إلى الغاية التي يبلغ فيها حدّ التعالى الذي يملؤه فخرًا وتيهًا» 47.

5.عرض.

ورد لفظ (عرض) مضافة إلى (الحياة الدنيا) في سورتي النساء 94، والنور 33، كما ورت مضافة إلى (الدنيا) في سورة الأنفال 67، ووردت دون إضافة في الأعراف 169.

قال الله عز وجل: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (94) } [النساء:94] .

وقال تعالى: {وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (33) } [النور:33] .

«العرض: ما لا يكون له ثباتٌ، ومنه استعار المتكلّمون العرض لما لا ثبات له إلّا بالجوهر كاللّون والطّعم، وقيل: الدّنيا عرضٌ حاضرٌ، تنبيهًا أن لا ثبات لها» 48.

وفي تسمية متاع الدنيا عرضًا ما يدل على كونه سريع الفناء، قريب الانقضاء، فهو عارض زائل غير باق.

وفي الحديث الذي رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: (ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكنّ الغنى غنى النّفس) 49.

«قال ابن بطال: معنى الحديث ليس حقيقة الغنى كثرة المال، لأن كثيرًا ممن وسع الله عليه في المال لا يقنع بما أوتي، فهو يجتهد في الازدياد ولا يبالي من أين يأتيه، فكأنه فقير لشدة حرصه، وإنما حقيقة الغنى غنى النفس، وهو من استغنى بما أوتي، وقنع به ورضي ولم يحرص على الازدياد ولا ألح في الطلب، فكأنه غني. وقال القرطبي: معنى الحديث أن الغنى النافع أو العظيم أو الممدوح هو غنى النفس، وبيانه أنه إذا استغنت نفسه كفت عن المطامع فعزت وعظمت، وحصل لها من الحظوة والنزاهة والشرف والمدح أكثر من الغنى الذي يناله من يكون فقير النفس لحرصه فإنه يورطه في رذائل الأمور وخسائس الأفعال لدناءة همته وبخله، ويكثر من يذمه من الناس، ويصغر قدره عندهم فيكون أحقر من كل حقير وأذل من كل ذليل» 50.

6.زهرة.

وردت بصيغة (زهرة الحياة الدنيا) مرة واحدة في سورة طه، قال الله عز وجل {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (131) } [طه:131] .

وزهرة الحياة الدنيا أي: حسنها ونضارتها، وفي ذلك إشارة إلى أن الحياة الدنيا قصيرة وسريعة الزوال، كالزهرة تذبل بمرور الوقت.

ثانيًا: ضرب الأمثال للحياة الدنيا:

مثلت الحياة الدنيا في القرآن الكريم بثلاثة أمثال في سور يونس، الكهف، الحديد. وقد ذهب أكثر المتحدثين عن هذه الأمثال -من مفسرين وغيرهم- إلى أن الحياة، أو متعها كانت قد شبهت - لسرعة زوالها، وفنائها -بماءٍ أنبت نباتًا، أو بنباتٍ كسا الأرض بهجة ونضارة، ثم ما لبث أن ذبل وجف وتهشم، وتبدد هباءً منثورًا، فعادت الأرض وكأنها لم تكن قد اكتست به في يوم من الأيام.

وسنقف بإيجاز مع كل مثل من هذه الأمثال:

المثل الأول: قوله تعالى: {إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) } [يونس:24] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت