قال ابن عاشور: «وهذا من كرامتهم والتنويه بهم، فإن تردد رسل الله عليهم مظهر من مظاهر إكرامه، وذكر {مِنْ كُلِّ بَابٍ} كنايةً عن كثرة غشيان الملائكة إياهم بحيث لا يخلو باب من أبواب بيوتهم لاتدخل منه الملائكة. ذلك أن هذا الدخول لما كان مجلبة مسره كان كثيرًا في الأمكنة، ويفهم منه أن ذلك كثير في الأمكنة فهو متكرر، لأنهم ما دخلوا من كل باب إلا لأن كل باب مشغول بطائفة منهم، فكأنه قيل: من كل باب في كل آن» 79.
ومن الأحاديث الواردة في تحية الملائكة لهؤلاء المؤمنين الصالحين ما ورد عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: (هل تدرون أول من يدخل الجنة من خلق الله؟) قالو: الله ورسوله أعلم، قال: (أول من يدخل الجنة من خلق الله الفقراء المهاجرون، الذين تسد بهم الثغور ويتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم وحاجته في صدره، لا يستطيع لها قضاء فيقول الله عز وجل لمن يشاء من ملائكته: ائتوهم فحيوهم، فتقول الملائكة: نحن سكان سمائك، وخيرتك من خلقك، أفتأمرنا أن نأتي هؤلاء فنسلم عليهم؟ قال: إنهم كانوا عبادًا يعبدوني، لا يشركون بي شيئًا، وتسد بهم الثغور، ويتقى بهم المكاره، ويموت أحدهم، وحاجته في صدره، لا يستطيع لها قضاء قال: فتأتيهم الملائكة عند ذلك، فيدخلون عليهم من كل باب) : {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} [الرعد: 24] ) 80.
ومن تحية الملائكة للعباد المتقين قوله تعالى: {وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ} [الزمر: 73] .
وهذا تكريم مضاعف؛ فالملائكة تتلقى أولئك المتقين وهم يدخلون الجنة أفواجًا وجماعات، حتى إذا جاءوها والأبواب معدة مفتوحة لهم قبل وصولهم، عندئد قال لهم خزنتها من الملائك: سلام عليكم تطهرتم من دنس المعاصي ومن كل خبث، والسلام يحتمل التحية ويحتمل السلامة والأمان، والآية جمعت بين وصفهم بأنهم طيبون وبين حلول السلام عليهم. وبهما معا تكمل الفرحة والنعيم، فالملائكة تتوفاهم طيبين بالسلام ويدخلون الجنة طيبين بالسلام.
إن السلام شعار المؤمن في كل حياته، فهو تحيته التي اختارها الله له، ولذلك فإن من صفات غير المسلمين أنهم لا يحيون بهذه التحية.
قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ} [المجادلة: 8] .
وقد حملها جمع من المفسرين على اليهود 81.
عن عبد الله بن عمرو أن اليهود كانوا يقولون لرسول الله صلى الله عليه وسلم: سام عليكم، ثم يقولون في أنفسهم: {لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ} [المجادلة: 8] فنزلت هذه الآية 82.
وذهب كثير من المفسرين إلى أنها تشمل اليهود والمنافقين 83، وهذا هو الأقرب.
وآيات السورة تتحدث عن الطائفتين وتبين موالاة المنافقين لليهود {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ} [المجادلة: 14] .
وقد كان المنافقون إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم يخفتون لفظ (السلام عليكم) لأنه شعار الإسلام ولما فيه من جمع معنى السلامة، يعدلون عن ذلك، ويقولون: أنعم صباحًا، وهي تحية العرب في الجاهلية لأنهم لا يحبون أن يتركوا عوائد الجاهلية 84.
بل جعل الله هذه التحية أمارةً على الإسلام، وذلك في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} [النساء: 94] .
وورد في سبب نزولها عن عبد الله ابن عباس قال: كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون، فقال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} 85.
والمفسرون يحملون اللفظ هنا على ظاهره فيقولون: السلام بمعنى التسليم 86.
«أي: من خاطبكم بتحية الإسلام علامة على أنه مسلم» 87.
وحملها جماعة على معنى الاستسلام والانقياد، والجمع بينهما ممكن.
قال ابن عطية: «لأن سلامه بتحية الإسلام مؤذن بطاعته وانقياده» 88.
وهذا دليل واضح على أن السلام شعار يتميز به المؤمن عن غيره، بل يعصم دمه وماله، وما ذاك إلا لأنه دليل على المسالمة الذي هي الإسلام.
والتسليم لأمر الله وحكمه علامة الانقياد والاستسلام.
قال تعالى: {فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء: 65] .
قال الزجاج: «أي يسلّمون فيما يأتي من حكمك، لا يعارضونه بشيء، و {تَسْلِيمًا} مصدر مؤكد، والمصادر المؤكدة بمنزلة ذكر الفعل ثانيًا، كأنك إذا قلت: سلّمت تسليمًا فقد قلت: سلّمت سلّمت» 89.
ومن الرسول للمؤمنين سلام، ومنهم له في كل عصر ومصر سلام، أما سلامه على المؤمنين ففي قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ} [الأنعام: 54] .
والآية حملها قوم على من جاء النهي عن طردهم من ضعفاء المؤمنين قبل هذه الآية 90.
وحملها آخرون على المذنبين من المؤمنين؛ لأن الكلام انتهى عن القوم السابقين 91.
والراجح أن لفظ الآية عام يشمل كل مؤمن.
قال الرازي: «والأقرب من هذه الأقاويل أن تحمل هذه الآية على عمومها، فكل من آمن بالله دخل تحت هذا التشريف» 92.
وفي الآية أمر من الله لرسوله أن يبتدأهم بالسلام أو يبلغهم سلام ربهم، وفيه التحية، وفيه السلامة من أثر الذنوب؛ فمن أسرف على نفسه وجهل قدر ربه ووقع في الذنب ثم تاب وأصلح فهو في دائرة السلامة والعفو من رب عفو رحيم.
ومن المؤمنين لرسولهم في كل وقت سلام؛ قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [الأحزاب:56] .
لقد بدأ الله بالصلاة على رسوله، وثنّت الملائكة، ثم بعد ذلك جاء الأمر للمؤمنين بالصلاة والتسليم على النبي الكريم، وقد علّم النبي أصحابه كيف يصلون عليه، وفي الصلاة والسلام على سيد الأنام فضل عظيم وخير عميم، فبها تفرج الهموم وتغفر الذنوب، وترفع الدرجات وتزيد الحسنات، ويصلي الرب الجليل عشرًا على من صلى على نبيه صلاةً واحدةً. ومن ترك الصلاة على النبي فهو من أبخل البخلاء.
والسلام شعار المسلم في كل وقت، يحيى به أهل بيته ويحيى به إخوته، قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا} [النور:27] .
والمعنى: يا من تحليتم بحلية الإيمان، ليس لكم أن تدخلوا بيوتًا غير بيوتكم التي تسكنوها حتى تستأنسوا من الاستئناس، بمعنى: الأنس، أي الاطمئنان، فلا بد لصاحب المنزل أن يأنس بدخولكم عليه احترامًا لخصوصيته، ولكي يتهيأ للقاء زائريه، والسلام أفضل مدخل يدخل به الإنسان إلى قلوب الناس وإلى بيوتهم.
وقال تعالى {فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتًا فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ تَحِيَّةً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُبَارَكَةً طَيِّبَةً} [النور:61] .
والمقصود بأنفسكم هنا أهل هذه البيوت كما ورد المعنى بذلك عن عبد الله بن عباس 93.
والتعبير بالأنفس عن أصحاب البيوت تنزيل لهم منزلة النفس، وهذا يبين شدة الاتصال وقوة الارتباط بين المسلمين وبعضهم البعض، فالمسلّم على أخيه إنما يسلم على نفسه بتحية من عند الله مباركةً طيبةً ويالها من منزلة عظيمة للسلام في دين السلام.
ويحتمل أن يكون المعنى إذا دخلتم بيوتًا ليس فيها غيركم فسلموا على أنفسكم. استجلابًا للسلامة والبركة واستشعارًا للأنس. وهذا الشعار الإيماني العظيم لا يكون من طرف واحد، بل يشترك فيه البادئ بالسلام ومن توجه إليه السلام، فإنه ينبغي عليه أن يرد بخير من التحية أو مثلها اتباعًا للأمر القرآني {وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا} [النساء: 86] .
قال القرطبي: «والصحيح أن التحية ها هنا السلام» 94.
فأرشدت الآية أولًا إلى الأكمل وهو الرد بأحسن من السلام، فإن لم يكن فلا أقل من رد السلام بلا نقصان، وهذا تعليم وتوجيه رباني لحسن الأدب وحسن الرد.
وللسلام في الإسلام منزلة عظيمة، وقد رغبت فيه الآيات القرآنية، ووردت في شأنه الأحاديث النبوية، التي تبين فضله، حتى أفرد له المحدثون فصولًا وأبوابًا في كتبهم المسندة تجمع أحكامه وآدابه، وورد في فضله عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أنّ رجلًا سأل رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: أيّ الإسلام خير؟ قال: (تطعم الطّعام، وتقرأ السّلام على من عرفت ومن لم تعرف) 95.
والإسلام لا بطلب من أتباعه أن يسلم بعضهم على بعض وحسب، وإنما يطلب منهم في نصوص صريحة أن يفشوا السلام ويكثر حتى يصير سمةً بارزةً وشعارًا للمجتمع المسلم، ولا يقتصر على الأحياء وإنما يشمل السلام الأموات أيضًا فتعمهم السلامة وتغشاهم الرحمة، وقد علم النبي أصحابه ان يقولوا عند زيارة القبور: (السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون) 96. لتكون التحية والسلامة واصلةً للجميع فيسلموا ويغنموا.
إن السلام شعار المسلم، فهو في سلام مع نفسه، ومع كل من حوله، فهو في سلام مع الحيوانات لا يؤذيها ومع النباتات لا يقتلعها عبثًا، ومن أوجه السلام: السلام مع المخالفين، نتحدث عنها في النقاط الآتية:
أولًا: السلام مع المخالفين في الدين:
ورد في القرآن موقفان فيهما السلام على المشركين، وكلاهما من قصص الأنبياء السابقين، وورد أمر من الله لنبيه بقول السلام لغير المؤمنين؛ أما الموقف الأول فهو بين نبي الله إبراهيم وأبيه آزر 97.
وذلك في المحاورة التي انتهت بقول إبراهيم: {قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا} [مريم: 47] .
وقد جاء هذا السلام في نهاية حوار إبراهيم معه، فحملها جمع من المفسرين على أنها تحية مفارقة ومتاركة، وعلى هذا القول فإنه يجوز تحية الكافر بها، وهو مذهب سفيان بن عيينه.
قال القرطبي: الأظهر من الآية ما قاله سفيان بن عيينة 98.
وقال السيوطي: استدل بها من أجاز ابتداء الكافر بالسلام 99.
وذهب جماعة إلى أن لفظ السلام من إبراهيم عليه السلام بمعنى السلامة، قال الطبري: أمنة مني لك 100.
وقيل: على الإضمار والتقدير: سلام عليك إذا أسلمت 101.
والآية الثانية أمر من الله تعالى لنبيه موسى وهارون عليهما السلام بالذهاب إلى فرعون لدعوته بالقول اللين ويطلبوا منه أن يرسل معهما بني إسرائيل فقال سبحانه: {فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى} [طه: 47] .
والسلام هنا بمعنى المسالمة والأمن، قال الزجاج: «ليس يعني به التحية، وإنما معناه أن من اتبع الهدى سلم من عذاب الله وسخطه، والدليل على أنه ليس بسلام أنه ليس ابتداء لقاء وخطاب» 102.
ويحتمل أن يكون السلام هنا بمعنى التحية، قال أبو حيان: «فالسلام بمعنى التحية رغبًا به عنه، وجريًا على العادة في التسليم عند الفراغ من القول» 103.
وهذا الوجه يقويه أن النبي محمدًا صلى الله عليه وسلم كان يبدأ كتبه للملوك والأمراء بهذه الصيغة، فقد كتب هرقل عظيم الروم: (بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد بن عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، السلام على من اتبع الهدى أما بعد ... ) 104.
والآية الثالثة في السلام على المخالفين في الدين ما ورد خطابًا لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم في قوله تعالى: {وَقِيلِهِ يَارَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (88) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 88 - 89] .
المعنى أن الله تعالى عنده علم الساعة وعلم قوله صلى الله عليه وسلم شاكيًا قومه إن هؤلاء الذين أرسلت إليهم لا يؤمنون، ثم يلتفت الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم آمرًا إياه أن يصفح عنهم وأن يقول قولًا فيه المسالمة والمتاركة لهم.
قال ابن كثير: « {وَقُلْ سَلَامٌ} أي: لا تجاوبهم بمثل ما يخاطبونك به من الكلام السيء، ولكن تألفهم واصفح عنهم فعلًا وقولًا» 105.
وحملها بعضهم على معنى التسليم، قال الرازي: «احتج قوم بهذه الآية على أنه يجوز السلام على الكافر» 106.
وفي المسألة خلاف بين أهل العلم؛ فجمهور الفقهاء على عدم الجواز لحديث أبي هريرة مرفوعًا: (لا تبدءو اليهود والنصارى بالسلام) 107.
وذهب آخرون إلى جواز ذلك ابتداءً، وروى ذلك عن ابن عباس وأبي أمامة وابن محيريز، وذهب آخرون إلى جوازه ابتدائه للضرورة أو لحاجة أو لحقٍّ وسبب، ويروي ذلك عن علقمة وإبراهيم، وقال الأوزاعي: إن سلمت فقد سلم الصالحون، وإن تركت فقد ترك الصالحون 108.
ثانيًا: السلام مع الجاهلين:
يأتي لفظ: (جهل) في القرآن ويراد السفاهة وسوء الخلق غالبًا، ومن الشواهد اللغوية على ذلك ما ذكره الزمخشري في مادة جهل: «فلان جهول، وقد جهل بالأمر، وجهل حق فلان، وهو يجهل على قومه يتسافه عليهم، قال 109:
ألا لا يجهلن أحد علينا
فنجهل فوق جهل الجاهلينا
ولو كان المقصود بالجهل في الاستعمال القرآني عدم العلم لأمرنا الله أن نعلمهم لا أن نعرض عنهم.
وفي القرآن الكريم آيتان كريمتان تذكران نماذج طيبة للمؤمنين الصادقين المتخلقين بأحسن الأخلاق الذين يواجهون الجهال السفهاء بالمسالمة والسلام.
قال تعالى: {وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص:55] .
تتحدث الآيات عند طائفة من أهل الكتاب آمنو بالإسلام وبما قرئ عليهم من القرآن فأيقنوا أنه الحق من عند ربهم، فكان جزاؤهم أن يؤتوا أجرهم مرتين بما صبروا، فإذا سمعوا كلاما يؤذيهم أعرضوا عن اللغو وقالوا لنا جزاء أعمالنا ولكم جزاء أعمالكم سلام عليكم، لا نريد محاورة أهل الجهل والسفاهة. قال مجاهد: «كان ناس من أهل الكتاب أسلموا، فكان المشركون يؤذونهم، فكانوا يصفحون عنهم، يقولون {سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ} [القصص: 55] 110.
ويقال: إنها نزلت في نصارى قدموا على رسول الله فآمنوا به وصدقوه، فلما قاموا من عنده اعترضهم أبو جهل في نفر من قريش فقالوا: سلام عليكم لا نجاهلكم 111.
وجمهور المفسرين على أن السلام هنا سلام مفارقة ومتاركة 112.
وهذا من حسن الأدب وترك الجدال.
قال السخاوي: «المراد بالجاهلين السفهاء، وهذه صفة محمودة باقية إلى يوم القيامة، وما زال الإغضاء عن السفهاء، والترفع عن مقابلة ما قالوه بمثله من أخلاق الفضلاء، وبذلك يقضي الورع والشرع، والأدب والمروءه» 113.
والآية الثانية وردت في مدح عباد الرحمن؛ قال تعالى: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63] .
تصف هذه الآية أقوامًا صالحين انتسبوا إلى ربهم بأعظم وأشرف نسبة، وهي نسبة العبادة، فهم أصحاب العبودية الخاصة للرحمن، وأول أوصافهم أن يمشون مشيةً هينةً سهلةً لا كبر فيها ولا خيلاء، فهم أهل تواضع، ثم ذكر صفةً مناسبةً للتواضع وهي الحلم، فهم لا يتسافهون مع السفهاء ولا يجهلون مع الجاهلين، فإذا ما تعرض لهم جاهل بالأذى خاطبوه بقول لا إثم فيه ولا رد للاعتداء بل يقولون قولًا سلامًا، فسلامًا هنا صفه لمصدر محذوف والمعنى: سدادًا من القول 114.
وهذا خلق الأتقياء الذين لا تزيدهم شدة الجهل إلا حلمًا، ولا يجزون السيئة بالسيئة، بل يحلمون إذا جهل عليهم، ويصبرون على ما يصيبهم من أذى السفهاء ويدرؤون بالحسنة سيئة الجهال فاستحقوا بذلك عقبى الدار؛ عن النعمان بن مقرن قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وسب رجل رجلًا عنده، فجعل الرجل المسبوب يقول: عليك السلام، قال: قال رسول صلى الله عليه وسلم (أما إن ملكًا بينكما يذب عنك كلما يشتمك هذا، قال له: بل أنت وأنت أحق به، وإذا قاله: عليك السلام قال: لا بل لك أنت، أنت أحق به) 115.
ليس السلام مجرد كلمة تنطق بها الألسنة فقط، بل هو منهج تعامل واستفتاح بالمسالمة وضمان حفظ الدم والمال والعرض، وفيه - مع هذا - الدعاء بالسلامة في كل أمور الدين والدنيا. وإن لإفشاء السلام آثارًا طيبةً على المجتمع كله نوجزها فيما يأتي:
1.أنه مدخل المحبة بين أفراد المجتمع المسلم.
فبالسلام تسود المحبة؛ وهذا نص حديث النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تدخلون الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا، أولًا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم؟ أفشوا السلام بينكم) 116.
قال ابن عبد البر: «وفي ذلك دليل على فضل السلام، لما فيه من رفع التباغض وتوريث الود، ولقد أحسن القائل: قد يمكث الناس دهرًا ليس بينهم ود فيزرعه التسليم واللطف» 117.
وقال النووي: «والسلام أول أسباب التآلف، ومفتاح استجلاب المودة، وفي إفشائه تمكن ألفة المسلمين بعضهم لبعض» 118.
2.أنه إشعار بالأمان في الأرض.
فالسلام مع كونه يورث المحبة، فإنه كذلك يضفي على المجتمع إحساسًا بالسلم والأمان، فالسلام يتضمن اسمًا من أسماء الجمال لله تعالى كما يتضمن الدعاء بالسلامة من كل ما يضر، مع زيادة حصول الخير بالرحمة وحصول دوامه وزيادته بالبركة، وهذا إشعار بالمسالمة ودوام الخيرية، ويصدق هذا قوله صلى الله عليه وسلم: (أفشوا السلام تسلموا) 119، فإفشاء السلام يورث المجتمع الأمن والسلام.
3.إفشاء السلام سبب للرفعة والعلو.
أكد القرآن الكريم أن التنازع سبب لذهاب قوة المجتمعات.
قال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} [الأنفال: 46] .
وفي المقابل فإن السلام باللسان مقدمة لتصافح القلوب ليكونوا عباد الله إخوانًا، فتقوى شوكتهم ويعلو أمرهم، عن أبي الدرداء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أفشوا السلام كي تعلوا) 120.
قال المناوي: «فإنكم إذا افشيتموه تحاببتم، فاجتمعت كلمتكم فقهرتم عدوكم وعلوتم عليه» 121.
4.في السلام قهر وإغاظة للعدو.
إذ هو مظهر من مظاهر تآلف وتراحم المجتمع، ويعكس قوة ترابطه وشيوع الرحمة بين أفراده وذلك مما يغيظ أعداء المسلمين الذين يسعون إلى أن نظل متفرقين متنافرين، لذا فهم يحسدون المسلمين على أي رابطة جامعة بينهم، وفي الحديث: (ما حسدكم اليهود على شيء ما حسدوكم على السلام والتأمين) 122.
5.إفشاء السلام دليل على الأخلاق الحسنة في المجتمع.
وإفشاء السلام يعكس وجود أخلاق طيبة بين أفراده؛ فالسلام يدل على وجود خلق الكرم النفسي، وفي الحديث: (أبخل الناس من بخل بالسلام) 123.
ويدل على خلق التواضع وخفض الجناح للمؤمنين، وفي الصحيح عن عمار ابن ياسر: (ثلاث من جمعهن فقد جمع الإيمان: الإنصاف من نفسك، وبذل السلام للعالم، والإنفاق من إقتار) 124.
والعالَم بفتح اللام 125. وهذا أمارة على تحقق خلق التواضع ولين الجانب لجميع المؤمنين.
قال أبو الزناد: «جمع عمار في هذه الألفاظ الثلاث الخير كله» 126.
6.إفشاء السلام دليل على وجود الخيرية في المجتمع.