وذهب الكفوي إلى أن التولي: مطلقًا، ولا يلزمه الإدبار والتولي بالإدبار، وعلل بذلك أن تولي الرسول صلى الله عليه وسلم عن ابن أم مكتوم رضي الله عنه لم يكن بالإدبار، وعنده كذلك قد يكون على حقيقة بالإدبار؛ كما في قوله تعالى {وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (57) } [الأنبياء:57] .
وقد يكون كناية عن الانهزام، كما في قوله تعالى: {ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25] . وعنده كذلك التولي قد يكون لحاجة تدعو إلى الانصراف مع ثبوت النية 15.
الصلة بين التولي والإعراض:
نجد أن أهل العلم قد اختلفوا في التفريق بين والتولي:
فذهب جماعة من أهل التفسير إلى أن كلًا من والتولي بمعنى واحد، وإن اختلفت الألفاظ.
قال القرطبي: «و والتولي بمعنًى واحدٍ، مخالفٌ بينهما في اللفظ» 16.
وهناك من فرق فقال: إن التولي يكون بالجسم، و يكون بالقلب.
فعلى هذا التفريق يكون كل من المعرض والمتولي يشتركان في ترك السلوك، إلا أن المعرض أسوأ حالًا؛ لأن المتولي متى ندم سهل عليه الرجوع، والمعرض يحتاج إلى طلب جديد وغاية الذم الجمع بينهما 17.
الصد:
الصد لغة:
الصد في اللغة يدور على معانٍ، وهي: الصرف والامتناع، وشدة الضحك والجلبة، وكذلك والعدول.
قال ابن منظور في لسان العرب: «الصد والصدوف ويقال صده عن الأمر يصده صدًا منعه وصرفه عنه قال الله عز وجل: {وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (43) } [النمل:43] » 18.
الصد اصطلاحًا:
عرفه المناوي فقال: الصد المنع بالأعز الصارف عن الأمر ذكره بعضهم. وقال الحرالي: الصد صرف إلى ناحية بإعراض وتكره 19.
وعرفه أبوالبقاء الكفوي فقال: «والصد هو العدول عن الشيء عن قلىً يستعمل لازمًا بمعنى الانصراف والامتناع {يَصُدُّونَ عَنْكَ} [النساء:61] . {الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ} [النحل:88] . ومتعديًا بمعنى الصرف والمنع .... » 20.
الصلة بين الصد والإعراض:
يتبين لنا وجه العلاقة بين والصد، فكل من والصد يوجد فيه معنى العدول عن الشيء من قبل الشخص ذاته، ويفترقان في أن الصد قد يصدر من الشخص تجاه الآخرين بحملهم على العدول والامتناع، وهي صفة مذمومة؛ لأنها غالبا لم تستعمل إلا في الصد عن سبيل الله، وأما فمنه ما هو إعراض محمود، وإعراض مذموم على حسب السياق والمعنى.
1.إن من رحمة الله تعالى بعباده المؤمنين أنه قد بيَن لهم طريقة التعامل مع المعرضين؛ لئلا يجرف المعرضون غيرهم إلى إعراضهم، فيصدوهم عن الحق، ويزينوا لهم الباطل، ورأس الأمر الرباني في التعامل مع المعرضين هو عنهم.
وأمر الله تعالى بعض رسله وأهل الإيمان ب عن أهل الشرك والكفر والضلال، وكان هذا الأمر من الله تعالى لرسله عليهم السلام وعباده المؤمنين؛ من باب الجزاء من جنس العمل، فهم أعرضوا عن شرع الله واتباع طريقه المستقيم، فكان الجزاء لهم من جنس عملهم وهو أن يعرض عنهم رسل الله وعباد الله المؤمنين.