فهرس الكتاب

الصفحة 890 من 2431

وقوله: {وَلَا جِدَالَ} الجدال: مصدر جادله إذا خاصمه خصامًا شديدًا، والجدل: هو المماراة والمنازعة والمخاصمة، وحرّمت هذه لكونها تثير الشر، وتوقع العداوة، والمقصود من الحج الذل والانكسار لله، والتقرب إليه بما أمكن من القربات، والتنزه عن مقارفة السيئات، فإنه بذلك يكون مبرورًا، والمبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وهذه الأشياء وإن كانت ممنوعة في كل مكان وزمان، فإنها يتغلظ المنع عنها في الحج 154.

واختلف في المراد بالجدال هنا: فقيل: السباب والمغاضبة، والمقصود هنا: الجدال المنهي عنه، وهو الذي يخاف معه الخروج إلى السباب والتكذيب والتجهيل 155.

واتفق العلماء على أن مدارسة العلم والمناظرة فيه ليست من الجدال المنهي عنه، واتفقوا على أن المجادلة في إنكار المنكر، وإقامة حدود الدين ليست من المنهي عنه، فالمنهي عنه هو ما يجر إلى المغاضبة والمشاتمة، وينافي حرمة الحج 156.

قال الشيخ ابن عثيمين: «والجدال إن كان لإثبات الحق، أو لإبطال الباطل، فإنه واجب، وعلى هذا فيكون مستثنى من هذا العموم؛ لقوله تعالى: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125] » 157.

وخص الفسوق والجدال بالذكر في الحج تعظيمًا لحرمة الحج، ولأن التلبس بالمعاصي في مثل هذه الحال من التشهير لفعل هذه العبادة أفحش وأعظم منه في غيرها، ألا ترى إلى قوله صلى الله عليه وسلم في حق الصائم: (فلا يرفث ولا يجهل، فإن جهل عليه فليقل: إني صائم؟) 158 ... ومعلوم خطر ذلك في غير ذلك اليوم، ولكنه خصه بالذكر تعظيمًا لحرمته.

قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} [المائدة: 95] .

ونظيره: {وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] .

ونظيره: {غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} [المائدة: 1] .

ونظيره: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا} [المائدة: 2] .

والمعنى الإجمالي للآية الكريمة: يأيها الذين آمنوا بالله إيمانًا حقًّا لا تقتلوا الصيد وأنتم محرمون، ومن قتل منكم الصيد وهو بهذه الصفة فعلية جزاء من النعم مماثل الصيد المقتول، ومقارب له في الخلقة والمنظر، أو في القيمة، وهذا الجزاء المماثل للصيد المقتول يحكم به رجلان منكم، تتوافر فيهما العدالة والخبرة، حتى يكون حكمهما أقرب إلى الحق والصواب، ويكون هذا الجزاء الواجب على قاتل الصيد: {هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ} أي: يصل إلى الحرم، فيذبح فيه، ويتصدق به على مساكينه، أو يكون على قاتل الصيد: {كَفَّارَةٌ} هي {طَعَامُ مَسَاكِينَ} بأن يطعمهم من غالب قوت البلد، ما يساوي قيمة هذا الجزاء المماثل للصيد المقتول، بحيث يعطي لكل مسكين نصف صاغ من بر، أو صاعًا من غيره، أو يكون عليه ما يعادل هذا الطعام صيامًا، بأن يصوم عن طعام كل مسكين يومًا، وما قل عن طعام المسكين يصوم عنه يومًا كاملًا 159.

وفي قوله: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ} يتناول القتل عن طريق المباشرة أو التسبب، كما يتناول أي عمل يؤدي إلى صيد الحيوان، وإنما كان النهي في الآية منصبًّا على القتل؛ لأنه هو المقصود الأعظم من وراء مباشرة عملية الصيد؛ إذ الصائد يريد قتل المصيد؛ لكي يأكله في الغالب 160. قال السعدي: «والنهي عن قتله يشمل النهي عن مقدمات القتل، وعن المشاركة في القتل، والدلالة عليه، والإعانة على قتله، حتى إن من تمام ذلك أنه ينهى المحرم عن أكل ما قتل، أو صيد لأجله، وهذا كله تعظيم لهذا النسك العظيم، أنه يحرم على المحرم قتل وصيد ما كان حلالًا له قبل الإحرام» 161.

وقال في اللباب: «واتفق المسلمون على تحريم الصيد على المحرم ... ، أما إذا صيد للمحرم بغير إعانته وإشارته حل له؛ لأن أبا قتادة اصطاد حمارًا وحشيًّا وهو حلال في أصحاب محرمين، فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: (فيكم أحد أمر أن يحمل عليها أو أشار إليها؟) قالوا: لا، قال: (فكلوا ما بقي من لحمها) 162 وفي رواية: (هل بقي معكم منه شيء؟) قالوا: نعم، فناولته العضد فأكلها 163. قال: وهذا يدل على تخصيص القرآن بخبر الواحد» 164.

وفي قوله: {الصَّيْدَ} : قال ابن كثير في تفسيره لهذه الآية: «هذا تحريم منه تعالى لقتل الصيد في حال الإحرام، ونهي عن تعاطيه فيه، وهذا إنما يتناول من حيث المعنى المأكول ولو ما تولد منه ومن غيره» 165.

وقال ابن عاشور: «والصيد عام في كل ما شأنه أن يصاد ويقتل، من الدواب والطير لأكله، أو الانتفاع ببعضه، ويلحق بالصيد الوحوش كلها، قال ابن الفرس: والوحوش تسمى صيدًا وإن لم تصد بعد، كما يقال: بئس الرمية الأرنب، وإن لم ترم بعد، وخص من عمومه ما هو مضر، وهي السباع المؤذية، وذوات السموم، والفأر وسباع الطير، ودليل التخصيص السنة» 166.

وقوله: {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} حرم: جمع حرام، بمعنى محرم، والمحرم أصله: المتلبس بالإحرام بحج أو عمرة، ويطلق المحرم على الكائن في الحرم، قال الراعي:

قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا

أي: كائنًا في حرم المدينة، فأما الإحرام بالحج والعمرة فهو معلوم، وأما الحصول في الحرم فهو الحلول في مكان الحرم من مكة أو المدينة، وزاد الشافعي: الطائف في حرمة صيده، لا في وجوب الجزاء على صائده، فأما حرم مكة فيحرم صيده بالاتفاق، وفي صيده الجزاء، وأما حرم المدينة فيحرم صيده، ولا جزاء فيه، ومثله الطائف عند الشافعي 167.

والمعنيان مرادان بالآية، فلا يجوز قتل الصيد للمحرم، ولا في الحرم، فقد نزلت هذه الآية في أبي اليسر حين شدّ على حمار وحش فقتله، وهو محرم 168 ثم صار هذا الحكم عامًّا، فلا يجوز قتل الصيد ولا التعرض له ما دام محرمًا، ولا في الحرم. قال الماوردي: «اسم المحرم يتناول الأمرين معًا على وجه الحقيقة دون المجاز، من أحرم بحج أو عمرة، أو دخل الحرم، وحكم قتل الصيد فيهما على السواء بظاهر الآية» 169.

والحكمة من تحريم الصيد في الحرم أن الله تعالى عظّم شأن الكعبة من عهد إبراهيم عليه السلام، وأمره بأن يتخذ لها حرمًا كما كان الملوك يتخذون الحمى، فكانت بيت الله وحماه، وهو حرم البيت محترمًا بأقصى ما يعدّ حرمة وتعظيمًا؛ فلذلك شرع الله حرمًا للبيت واسعًا، وجعل الله البيت أمنًا للناس، ووسّع ذلك الأمن حتى شمل الحيوان العائش في حرمه، بحيث لا يرى الناس للبيت إلا أمنًا للعائذ به وبحرمه، قال النابغة:

والمؤمن العائذات الطير يمسحها

ركبان مكة بين الغيل فالسند 170.

والتحريم لصيد حيوان البر ولم يحرّم صيد البحر؛ إذ ليس في شيء من مساحة الحرم بحر ولا نهر، ثم حرّم الصيد على المحرم بحج أو عمرة؛ لأن الصيد إثارة لبعض الموجودات الآمنة، وقد كان الإحرام يمنع المحرمين القتال، ومنعوا التقاتل في الأشهر الحرم؛ لأنها زمن الحج والعمرة، فألحق مثل الحيوان في الحرمة بقتل الإنسان، أو لأن الغالب أن المحرم لا ينوي الإحرام إلا عند الوصول إلى الحرم، فالغالب أنه لا يصيد إلا حيوان الحرم 171.

ويؤخذ من قوله: {وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} ونظيره: {مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} بيان أن مدة التحريم مدة كونهم حرمًا، أي: محرمين، أو مارين بحرم مكة، وهذا إيماء لتقليل مدة التحريم استئناسًا للمكلفين بتخفيف، وإيماء إلى نعمة اقتصار تحريمه على تلك المدة، ولو شاء الله لحرّمه أبدًا. وفي الموطأ: «أن عائشة قالت لعروة بن الزبير: يا ابن أختي إنما هي عشر ليال -أي مدة الإحرام- فإن تخلج في نفسك شيء فدعه، تعني: أكل لحم الصيد» 172.

وأيضًا من الحكم في تحريم الصيد على المحرم: الاختبار والابتلاء، وليعلم الله من يخافه بالغيب، كما قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ} [المائدة: 94] .

يقول الشيخ العثيمين: «وفي صدر هذه الأمة حرّم الله على المحرمين الصيد: {لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ} فبعث الله الصيد عليهم وهم محرمون، تناله أيديهم ورماحهم، يعني: أن الذي يمشي على الأرض يمسكونه باليد، مثل: الأرنب والغزال يمسكه الواحد باليد، والطائر الذي كان لا ينال إلا بالسهم لأنه بعيد، صار يطير وكأنه على الأرض، الرمح يدركه فتنة، فهنا يسّر الله لهم أسباب المعصية، لكن الصحابة -رضي الله عنهم-، وهم خير الناس لم يأخذ أحد منهم صيدة واحدة، بينما بنو إسرائيل تحيلوا وخادعوا الله، أما سلف هذه الأمة -وفقنا الله لموافقتهم في الدنيا في أعمالهم، وفي الآخرة في مساكنهم- فإنهم لم يأخذوا» 173.

وتعليق حكم الجزاء على وقوع القتل يدل على أن الجزاء لا يجب إلا إذا قتل الصيد، فأما لو جرحه، أو قطع منه عضوًا ولم يقتله، فليس فيه جزاء، ويدل على أن الحكم سواء أكل القاتل الصيد أو لم يأكله؛ لأن مناط الحكم هو القتل 174.

وقوله: {مُتَعَمِّدًا} يحتمل أمرين: أحدهما: متعمدًا لقتله، ناسيًا لإحرامه، والثاني: متعمدًا لقتله، ذاكرًا لإحرامه 175.

و {مُتَعَمِّدًا} قيد أخرج المخطئ، أي: في صيده، ولم تبين له الآية حكمًا، لكنها تدل على أن حكمه لا يكون أشد من المتعمد، فيحتمل أن يكون فيه جزاء آخر أخف، ويحتمل أن يكون لا جزاء عليه، وقد بيّنته السنة، قال الزهري: نزل القرآن بالعمد، وجرت السنة في الناسي والمخطئ أنهما يكفّران، ولعله أراد بالسنة العمل من عهد النبوة والخلفاء، ومضى عليه عمل الصحابة، وليس في ذلك أثر عن النبي صلى الله عليه وسلم.

إلا أن جمهور فقهاء الأمصار قالوا: إن العمد والخطأ في ذلك سواء 176. واختلف الجمهور القائلون بأن المتعمد والمخطئ في ذلك سواء في حكمة ذكر المتعمد في الآية، قال البيضاوي: «والأكثر على أن ذكره ليس لتقييد وجوب الجزاء، فإن إتلاف العامد والمخطئ واحد في إيجاب الضمان، بل لقوله: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} ولأن الآية نزلت فيمن تعمد» 177. وقد جمع صاحب التفسير الوسيط الكلام في هذه المسألة أحسن جمع، حيث قال: «وذكر سبحانه المتعمد ولم يذكر المخطئ ولا الناسي، والمتعمد هنا هو القاصد للشيء مع العلم بالإحرام، والمخطئ هو الذي يقصد شيئًا فيصيب صيدًا، والناسي هو الذي يتعمد الصيد، ولا يذكر إحرامه، واختلف العلماء في ذلك على خمسة أقوال:

الأول: ما أسنده الدارقطني عن ابن عباس قال: إنما التكفير في العمد، وإنما غلظوا في الخطأ؛ لئلا يعودوا.

الثاني: أن قوله: {مُتَعَمِّدًا} خرج على الغالب، فألحق به النادر كأصول الشريعة.

الثالث: أنه لا شيء على المخطئ والناسي.

الرابع: أنه يحكم عليه في العمد والخطأ والنسيان.

الخامس: أن يقتله متعمدًا لقتله ناسيًا لإحرامه؛ لقوله تعالى بعد ذلك: {وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ} قال: ولو كان ذاكرًا لإحرامه لوجبت عليه العقوبة من أول مرة، قال: فدل على أنه أراد متعمدًا لقتله، ناسيًا لإحرامه.

قال: ويبدو لنا أن القول الرابع الذي قال به الأئمة، أقرب إلى الصواب؛ لأن تخصيص العمد بالذكر في الآية؛ لأجل أن يرتب عليه الانتقام عند العود؛ لأن العمد هو الذي يترتب عليه ذلك دون الخطأ؛ ولأن جزاء الخطأ معروف من الأدلة التي قررت التسوية في ضمان المتلفات؛ إذ من المعروف أن من قتل صيد إنسان عمدًا أو خطأ في غير الحرم فعليه جزاؤه، فهذا حكم عام في جميع المتلفات، وما دام الأمر كذلك كان الجزاء ثابتًا على المحرم متى قتل الصيد سواء أكان قتله له عمدًا أم خطأ» 178.

والراجح -والله أعلم-: أن قيد: {مُتَعَمِّدًا} قيد معتبر، وإلا لما ذكره الله.

قال ابن عاشور: «وقصد القتل تبع لتذكر الصائد أنه في حال إحرام، وهذا مورد الآية، فلو نسي أنه محرم فهو غير متعمد، ولو لم يقصد قتله فأصابه فهو غير متعمد، ولا وجه ولا دليل لمن تأول التعمد في الآية بأنه تعمد القتل مع نسيان أنه محرم» 179.

وقال أبو حيان في البحر: «الظاهر تقييد القتل بالعمد، فمن لم يتعمد فقتل خطأ بأن كان ناسيًا لإحرامه، أو رماه ظانًّا أنه ليس بصيد فإذا هو صيد، أو عدل سهمه الذي رماه لغير صيد فأصاب صيدًا، فلا جزاء عليه» 180.

قوله: {فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ} أي: فالمجزي به المقتول مثل ما قتله الصائد 181.

والجزاء: العوض عن عمل، فسمى الله ذلك جزاء؛ لأنه تأديب وعقوبة، إلا أنه شرع على صفة الكفارات مثل كفارة القتل وكفارة الظهار، وليس القصد منه الغرم؛ إذ ليس الصيد بمنتفع به أحد من الناس حتى يغرم قاتله ليجبر ما أفاته عليه، وإنما الصيد ملك الله تعالى أباحه في الحل، ولم يبحه للناس في حال الإحرام، فمن تعدى عليه في تلك الحالة فقد فرض الله على المتعدي جزاء، وجعله جزاء ينتفع به ضعاف عبيده.

وقد دلنا على أن مقصد التشريع في ذلك هو العقوبة قوله عقبه: {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} وإنما سمي جزاء ولم يسمّ بكفارة لأنه روعي فيه المماثلة، فهو مقدّر بمثل العمل، فسمي جزاء، والجزاء مأخوذ فيه المماثلة والموافقة، قال تعالى: {جَزَاءً وِفَاقًا} [النبأ: 26] 182.

واختلفوا في هذه المماثلة أهي بالخلقة أم بالقيمة؟ والذي عليه جمهور العلماء من الصحابة فمن بعدهم أن المماثلة في الخلقة معتبرة -في الصورة والخلقة والصغر والعظم-؛ لأن ظاهر الآية يدل على ذلك، وما لا مثل له فالقيمة 183.

وقوله: {مِنَ النَّعَمِ} النعم لفظ يقع على الإبل والبقر والغنم إذا اجتمعت هذه الأصناف، فإن انفرد كل صنف لم يقل: نعم إلا للإبل وحدها 184.

وقد أخبر أن الجزاء مثل ما قتل الصائد، وذلك المثل من النعم، وذلك أن الصيد إما من الدواب، وإما من الطير، وأكثر صيد العرب من الدواب، وهي الحمر الوحشية، وبقر الوحش والأروى والظباء، ومن ذوات الجناح النعام والإوز، وأما الطير الذي يطير في الجو فنادر صيده؛ لأنه لا يصاد إلا بالمعراض، وقلما أصابه المعراض سوى الحمام الذي بمكة وما يقرب منها، فمماثلة الدواب للأنعام هينة، وأما مماثلة الطير للأنعام فهي مقاربة، وليست مماثلة؛ فالنعامة تقارب البقرة أو البدنة، والإوز يقارب السخلة وهكذا 185.

وقوله: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} أي: يحكم بالجزاء أي بتعيينه، والمقصد من ذلك أنه لا يبلغ كل أحد معرفة صفة المماثلة بين الصيد والنعم، فوكل الله أمر ذلك إلى الحكمين، وعلى الصائد أن يبحث عمن تحققت فيه صفة العدالة والمعرفة، فيرفع الأمر إليهما، ويتعين عليهما أن يجيباه إلى ما سأل منهما، وهما يعينان المثل ويخيرانه بين أن يعطي المثل أو الطعام أو الصيام، ويقدران له ما هو قدر الطعام إن اختاره 186.

قال ابن جزى: «وهذه الآية تقتضي أن التحكيم شرط في إخراج الجزاء، ولا خلاف في ذلك، فإن أخرج أحد الجزاء قبل الحكم عليه فعليه إعادته بالحكم، إلا حمام مكة، فإنه لا يحتاج إلى حكمين، قاله مالك، ويجب عند مالك التحكيم فيما حكمت فيه الصحابة، وفيما لم يحكموا فيه؛ لعموم الآية، وقال الشافعي: يكتفى في ذلك بما حكمت به الصحابة» 187.

ووصف {ذَوَا عَدْلٍ} بقوله: {مِنْكُمْ} أي: من المسلمين للتحذير من متابعة ما كان لأهل الجاهلية من عمل في صيد الحرم، فلعلهم يدعون معرفة خاصة بالجزاء 188. والمعنى: يعني: يحكم بالجزاء في قتل الصيد رجلان صالحان عدلان، من أهل ملتكم ودينكم، وينبغي أن يكونا فقيهين، فينظران إلى أشبه الأشياء به من النعم فيحكمان به.

قال ميمون بن مهران: «جاء أعرابي إلى أبي بكر الصديق، فقال: إني أصبت من الصيد كذا وكذا، فسأل أبو بكر أبي بن كعب، فقال الأعرابي: إني أتيتك أسألك وأنت تسأل غيرك! فقال أبو بكر: وما أنكرت من ذلك؟ قال الله تعالى: {يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ} فشاورت صاحبي، فإذا اتفقنا على شيء أمرناك به» 189.

وقوله: {هَدْيًا} حال من جزاء، أو منصوب على المصدرية، أي: يهديه هديًا، والهدي: اسم لما يذبح في الحج لإهدائه إلى فقراء مكة. قال ابن جزى: «ويقتضي ظاهره أن ما يخرج من النعم جزاء عن الصيد يجب أن يكون مما يجوز أن يهدى، وهو الجذع من الضأن، والثني مما سواه» ، وقال الشافعي: «يخرج المثل في اللحم، ولا يشترط السن» 190.

قال ابن عاشور: «والهدي ما يذبح أو ينحر في منحر مكة، والمنحر: منى والمروة؛ ولما سماه الله تعالى: {هَدْيًا} فله سائر أحكام الهدي المعروفة» 191.

وقوله: {بَالِغَ الْكَعْبَةِ} : قال ابن عاشور: «ومعنى: {بَالِغَ الْكَعْبَةِ} أنه يذبح أو ينحر في حرم الكعبة، وليس المراد أنه ينحر أو يذبح حول الكعبة» 192. وإنما أريد الكعبة كل الحرم؛ لأن الذبح لا يقع في الكعبة وعندها ملاقيًا لها، إنما يقع في الحرم، وهو المراد بالبلوغ، فيذبح الهدي بمكة، ويتصدق به على مساكين الحرم، هذا مذهب الشافعي، وقال أبو حنيفة: له أن يتصدق به حيث شاء، إذا وصل الهدي إلى الكعبة 193.

وقوله: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} يعدّد الله تعالى هنا ما يجب في قتل المحرم للصيد، فذكر أولًا الجزاء من النعم، ثم الطعام، ثم الصيام، ومذهب الجمهور: أنها على التخيير، وهو الذي يقتضيه العطف بـ (أو) وقيل: إنها على الترتيب. قال ابن عاشور: «و (أو) في قوله: {أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ} وقوله: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ} تقتضي تخيير قاتل الصيد في أحد الثلاثة المذكورة، وكذلك كل أمر وقع بـ (أو) في القرآن فهو من الواجب المخير، والقول بالتخيير هو قول الجمهور، ثم قيل: الخيار للمحكوم عليه لا للحكمين، وهو قول الجمهور من القائلين بالتخيير، وقيل: الخيار للحكمين، وقال به الثوري وابن أبي ليلى والحسن.

ومن العلماء من قال: إنه لا ينتقل من الجزاء إلى كفارة الطعام إلا عند العجز عن الجزاء، ولا ينتقل عن الكفارة إلى الصوم إلا عند العجز عن الإطعام، فهي عندهم على الترتيب، ونسب لابن عباس» 194.

فعلى قول الجمهور: فالمحرم إذا قتل صيدًا كان مخيرًّا: إن شاء جزاه بمثله من النعم، وإن شاء قوّم المثل دراهم، ثم الدراهم طعامًا، ثم يتصدق به، وإن شاء صام عن كل مدّ يومًا 195. قال في الوسيط: «ولا شك أن التخيير هنا ليس على حقيقته، إنما هو ترتيب مراتب على حسب القدرة على كل رتبة، فالأصل بلا ريب شراء هدي وذبحه في الحرام، فإن تعذر ذلك كان الطعام، فإن تعذر كان الصيام 196. قال: وعندي أن الترتيب حسب القدرة أوضح» 197.

قوله: {أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا} العدل -بالفتح- ما عادل الشيء من غير جنسه، وأما بالكسر فما عادله من جنسه، وقيل: هما سيان، ومعناهما: المثل مطلقًا 198. وتحتمل الإشارة بذلك أن تكون إلى الطعام وهو أحسن؛ لأنه أقرب، أو إلى الصيد، واختلف في تعديل الصيام بالطعام، فقيل: يكون مكان كل مدٍّ يومًا، وقيل: مكان كل مدّين يوم، وقيل: مكان كل صاع يومًا، ولا يحب الجزاء ولا الإطعام ولا الصيام إلا بقتل الصيد، لا بأخذه دون قتل؛ لقوله: {وَمَنْ قَتَلَهُ} وفي كل وجه يشترط حكم الحكمين، وإنما لم يذكر الله في الصيام والطعام استغناء بذكره في الجزاء 199.

قوله: {لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ} أي: جزاء ما صنع، فهو تعليل لإيجاب الجزاء السابق على المحرم القاتل للصيد عن تعمد. والذوق هنا مستعار؛ لأن حقيقته بحاسة اللسان، والوبال: سوء العاقبة، وهو هنا ما لزمه من التكفير 200.

فيحرم حلق الرأس على المحرم؛ لقوله تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ} [البقرة: 196] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت