وقوله عز وجل: {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) } [غافر:64] .
فبناء السماء على الأرض كهيئة القبة وهي سقف على الأرض 48، أي: سقفًا للأرض 49.
وإنما ذكر الله عز وجل السماء والأرض فيما عدّد عليهم من نعمه التي أنعمها عليهم، لأن منهما أقواتهم وأرزاقهم ومعايشهم، وبهما قوام دنياهم، فأعلمهم أنه الذي خلقهما وخلق جميع ما فيهما وما هم فيه من النعم 50، فهي بناء محكم متقن، بني بقوة، ويمسكه الله سبحانه فهو القائم عليه ليعبد وحده.
فجعل لكم الأرض فراشًا تستقرون عليها، وتنتفعون بالأبنية، والزراعة، والحراثة، والسلوك من محل إلى محل، وغير ذلك من أنواع الانتفاع بها، وجعل السماء بناء لمسكنكم، وأودع فيها من المنافع ما هو من ضروراتكم وحاجاتكم، كالشمس، والقمر، والنجوم 51.
2.السماوات عددها سبع.
وقد ورد في القرآن الكريم ذكر هذا العدد في قوله عز وجل: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (29) } [البقرة:29] .
وقوله عز وجل: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ} [المؤمنون:17] .
وقوله عز وجل: {فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} [فصلت:12] .
وقوله عز وجل: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ} [الطلاق:12] .
وقوله عز وجل: {الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ} [الملك:3] .
وقوله عز وجل: {أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (15) } [نوح:15] .
وجاء في التفصيل بأنها سبع سماوات مع ذكر ما فيها في حديث أنس رضي الله عنه لقصة المعراج أن رسول الله قال: (ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب بي، ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية ... ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد صلى الله عليه وسلم، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم صلى الله عليه وسلم مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى السدرة المنتهى ... ) الحديث 52.
وقد اقتنع الناس منذ القدم بأنها سبع سماوات 53.
وجاءت مضافة في القرآن الكريم بأوصاف مختلفة وبيانها كالآتي:
-سبع طرائق.
والطريق: السبيل الذى يطرق بالأرجل أي يضرب، وأطباق السماء يقال لها طرائق، قال الله تعالى: (? ? ? ? ?) [المؤمنون:17] 54.
وقوله: (? ? ? ? ?) [المؤمنون:17] يعنى السموات كلّ سماء طريقة 55.
يقول تعالى ذكره: ولقد خلقنا فوقكم أيها الناس سبع سماوات بعضهن فوق بعض؛ والعرب تسمي كل شيء فوق شيء طريقة، وإنما قيل للسماوات السبع سبع طرائق، لأن بعضهن فوق بعض، فكل سماء منهن طريقة، وبنحو ذا قال أهل التأويل 56.
فهي السماوات السبع كل سماء فوق سماء، وقيل لها طريقة لذلك ولأنها طرق للملائكة.
والطرائق: السموات، لأنه طورق بعضها فوق بعض كمطارقة النعل، وكل شيء فوقه مثله فهو طريقة: أو لأنها طرق الملائكة ومتقلباتهم 57.
-سبع طباق.
وهذا في قوله عز وجل: (ٹ ٹ ? ? ? ? ? ? ? ? ?) [الملك:3] .
وقوله عز وجل: (? ? ? ? ? ? ? ? ?) [نوح:15] ، أي: بعضها فوق بعض، والطباق: مصدر من قولهم: طابقت مطابقة وطباقا. وإنما عني بذلك: كيف خلق الله سبع سموات، سماء فوق سماء مطابقة 58، أي: واحدة فوق واحدة ... أي: فاوت بينهما في الاستنارة فجعل كلًا منهما أنموذجًا على حدة 59.
وقد تضافرت الأدلة على أن السماوات بعضها فوق بعض بمسافات ولكل سعتها.
-سبع شداد.
كما في قوله عز وجل: {وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (12) } [النبأ:12] .
يعني السموات السبع في اتساعها وارتفاعها وإحكامها وإتقانها وتزيينها بالكواكب الثوابت والسيارات 60.
وإنما تشير هذه الآية إلى أن هذه السبع الشداد متينة التكوين، قوية البناء، مشدودة بقوة تمنعها من التفكك والانثناء، وهو ما نراه ونعلمه من طبيعة الأفلاك والأجرام فيما نطلق عليه لفظ السماء فيدركه كل إنسان ... كما تشير إلى أن بناء هذه السبع الشداد متناسق مع عالم الأرض والإنسان 61.
3.السماء سقف محفوظ.
وجاء ذلك في قوله عز وجل: {وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (32) } [الأنبياء:32] .
والسقف طول في انحناء تشبيهًا بالسقف 62، أي عاليًا محروسًا أن ينال، أو محفوظًا من التغير بالمؤثرات، مهما تطاول الزمان 63، فكان محفوظًا من أن يقع ويسقط على الأرض، دليله قوله تعالى: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [الحج:65] . وقيل: محفوظًا بالنجوم من الشياطين، دليله قوله تعالى: {وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) } [الحجر:17] وقيل: محفوظًا من الهدم والنقض، وعن أن يبلغه أحد بحيلة، وقيل: محفوظًا فلا يحتاج إلى عماد، وقال مجاهد: مرفوعًا، وقيل: محفوظًا من الشرك والمعاصي 64.
4.السماء واسعة.
وذلك في قوله عز وجل: {وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47) } [الذاريات:47] .
والسعة تقال في الأمكنة وفي الحال وفى الفعل كالقدرة والجود ونحو ذلك ... وقوله {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} فإشارة إلى نحو قوله {الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى} [طه:50] .
ووسع الشيء اتسع والوسع الجدة والطاقة، ويقال ينفق على قدر وسعه، وأوسع فلان إذا كان له الغنى، وصار ذا سعة، وفرس وساع الخطو شديد العدو 65، والوسع المراد سعة الباني سبحانه ووسع المبني.
لذو سعة بخلقها وخلق ما شئنا أن نخلقه وقدرة عليه ... فأوسعها جلّ جلاله 66، {وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ} لأرجائها وأنحائها، وإنا لموسعون أيضًا على عبادنا، بالرزق الذي ما ترك الله دابة في مهامه القفار، ولجج البحار، وأقطار العالم العلوي والسفلي، إلا وأوصل إليها من الرزق، ما يكفيها، وساق إليها من الإحسان ما يغنيها، فسبحان من عم بجوده جميع المخلوقات، وتبارك الذي وسعت رحمته جميع البريات 67.
5.السماء كانت دخانًا.
وورد ذلك في قوله عز وجل: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (11) } [فصلت:11] .
والدخان كالعثان المستصحب للهيب، قال: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} ، أي: هي مثل الدخان إشارة إلى أنه لا تماسك لها 68.
وكان ذلك الدخان من تنفس الماء حين تنفس، فجعلها سماء واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع سموات 69.
6.السماء مرفوعة بغير عمد.
وجاء هذا في قوله عز وجل: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (2) } [الرعد:2] .
وقوله عز وجل: {خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (10) } [لقمان:10] .
يقال عمدت الشيء إذا أسندته، وعمدت الحائط مثله، والعمود خشب تعتمد عليه الخيمة وجمعه عمد وعمد ... والعمدة كل ما يعتمد عليه من مال وغيره وجمعها عمد، وقرئ (في عمد) والعميد السيد الذى يعمده الناس 70.
فنفى عنها ما تعتمد عليه لكمال البناء، وحكمة من بناها وقدرته وقوته على ذلك.
فهي مرفوعة بغير عمد نراها، كما قال ربنا جل ثناؤه، ولا خبر بغير ذلك، ولا حجة يجب التسليم لها بقول سواه 71.
ويخبر الله تعالى عن كمال قدرته وعظيم سلطانه أنه الذي بإذنه وأمره رفع السموات بغير عمد، بل بإذنه وأمره وتسخيره رفعها عن الأرض بعدًا لا تنال ولا تدرك مداها، فالسماء الدنيا محيطة بجميع الأرض وما حولها من الماء والهواء من جميع نواحيها وجهاتها وأرجائها، مرتفعة عليها من كل جانب على السواء، وبعد ما بينها وبين الأرض من كل ناحية ...
وقوله: {بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا} روي عن ابن عباس ومجاهد والحسن وقتادة وغير واحد أنهم قالوا: لها عمد ولكن لا ترى، وقال إياس بن معاوية: السماء على الأرض مثل القبة، يعني بلا عمد، وكذا روي عن قتادة، وهذا هو اللائق بالسياق.
والظاهر من قوله تعالى: {وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ} [الحج:65] فعلى هذا يكون قوله: ترونها تأكيدًا لنفي ذلك، أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها، وهذا هو الأكمل في القدرة 72، فليس لها عمد، ولو كان لها عمد لرئيت، وإنما استقرت واستمسكت، بقدرة الله تعالى 73.
والحقيقة الواردة في الآيتين في «الرعد» و «لقمان» حول السماء هو ذكر العمد، وذكر المفسرون تأويلين للآيات:
فمنهم من أثبت أن للسماوات أعمدة إلا أنها لا ترى، وجعل جملة {تَرَوْنَهَا} صفة لـ {عَمَدٍ} والضمير يعود إلى عمد.
ومنهم من ذهب إلى أن ليس للسماوات عمد أصلًا، ويكون معنى الآية: الله الذي رفع السماوات كما ترونها، بغير عمد، وذلك بجعل جملة {تَرَوْنَهَا} حالًا من السماوات ويعود الضمير إلى السماوات.
ويميل علماء الفلك المعاصرون إلى التأويل الأول فيقولون: إن الأجرام السماوية كلها قد بناها الخالق سبحانه وتعالى وجعل كل جرم فيه بمثابة لبنة من بناء شامخ، ورفع هذه الأجرام كلها بعضها فوق بعض بقوى هي نوع القوة الطاردة المركزية، كما ربطها في نفس الوقت برباط الجاذبية العالية، والجاذبية تتعادل مع القوى الطاردة المركزية الناجمة عن الدوران في مسارات شبه دائرية أو قطاعات ناقصة، وهي بمثابة الأعمدة المقامة بالفعل.
ورغم أننا لا نبصرها بأعيننا إلا أن ذلك لا يعني أن تلك الأعمدة غير موجودة بحال من الأحوال، فنحن نستطيع أن نتصورها في مجال كل جسم مادي وربما إذا منح شخص منا حاسة أخرى زيادة على ما لدينا من حواس يستطيع ذلك الشخص أن يرى تلك الأعمدة أو يحسبها تمامًا كما ندرك بحواسنا العادية أيّ جسم مادي عادي 74.
والذي يظهر -والله أعلم- أن قول ابن كثير أنها بلا عمد هو الأقرب لدلالته على كمال العظمة، وكمال القدرة.
فلو كانت بعمد فهذا من إتقان صنع الله، ولو كانت بغير عمد فهو أقوى لتوافر الأدلة على كمال قدرة الله، والله أعلم بالصواب.
7.السماء لها أبواب.
ورد ذلك في قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) } [الأعراف:40] .
وقوله تعالى: {فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) } [القمر:11] .
وقوله تعالى: {وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19) } [النبأ:19] .
وفي السماء قولان:
أحدهما: أنها السماء المعروفة، وهو المشهور.
والثاني: أنّ المعنى: لا تفتح لهم أبواب الجنة ولا يدخلونها، لأن الجنة في السماء، ذكره الزجاج 75.
وهو شامل للقولين فلا تفتح أبواب السماء لأعمالهم وأرواحهم ولا تفتح لهم أبواب الجنة.
وفي الآية الأولى ثلاث قراءات سبعيات (لا يفتح لهم أبواب السماء) وهي قراءة حمزة، والكسائي. (لا تفتح لهم أبواب السماء) وهي قراءة أبي عمرو. (لا تفتّح لهم أبواب السّماء) وهي قراءة نافع، وابن كثير، وعاصم، وابن عامر 76 وهذه القراءات الثلاث معناها واحد ... وفي عدم فتح أبواب السماء لهم أقوال متقاربة معروفة، لا يكذب بعضها بعضًا، وهي كلها حق، قال بعض العلماء: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} فيرفع لهم منها عملٌ صالح؛ لأن أعمالهم مردودة إلى الله، كما قال الله: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر:10] .
والكفار ليس عندهم عملٌ صالح يرفع كلمهم، وليس عندهم كلمٌ طيب، قالوا: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} لترفع أعمالهم الصالحة إلى الله، وقال بعض العلماء: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} لاستجابة دعواتهم؛ لأن دعواتهم مردودة {وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ} [الرعد:14] .
وقال بعض العلماء: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} أي: لا تنزل إليهم البركات والرحمات من الله (جل وعلا) نازلة مفتحة لها أبواب السماء لكفرهم، وكل هذه الأقوال حق، وذهب جماهير من المفسرين أن معنى: {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ} لأرواحهم عند الموت {لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ} والآية تشمل هذا كله 77.
8.السماء قائمة بأمر الله.
وقد ورد ذلك في قوله تعالى: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (25) } [الروم:25] .
فقوام السماء بما فيها وما هو من شأنها وكذلك الأرض بيد الله، ولذا قال عن نفسه {الْحَيُّ الْقَيُّومُ} .
ومن آياته العظيمة: أن قامت السماوات والأرض واستقرتا وثبتتا بأمره فلم تتزلزلا ولم تسقط السماء على الأرض، فقدرته العظيمة التي بها أمسك السماوات والأرض أن تزولا يقدر بها أنه إذا دعا الخلق دعوة من الأرض إذا هم يخرجون 78، فقيام السماء والأرض بأمره، أي: هي قائمة ثابتة بأمره لها وتسخيره إياها 79.
9.السماء والأرض خلقتا في ستة أيام.
وقد ذكر ذلك في قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) } [الأعراف:54] 80.
يخبر تعالى بأنه خلق هذا العالم: سماواته وأرضه، وما بين ذلك في ستة أيام، كما أخبر بذلك في غير ما آية من القرآن، والستة الأيام هي: الأحد، والاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، والجمعة -وفيه اجتمع الخلق كله، وفيه خلق آدم، عليه السلام، واختلفوا في هذه الأيام: هل كل يوم منها كهذه الأيام كما هو المتبادر إلى الأذهان؟ أو كل يوم كألف سنة، كما نص على ذلك مجاهد، والإمام أحمد بن حنبل، ويروى ذلك من رواية الضحاك عن ابن عباس؟ فأما يوم السبت فلم يقع فيه خلق؛ لأنه اليوم السابع، ومنه سمي السبت، وهو القطع 81.
فهو سبحانه خلقهما والأرض في ستة أيام مع كل ما فيهما، {وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا} [فصلت:12] .
وكل هذا الأمر العظيم لحكمة يعلمها وهو القادر {إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [يس:82] ؛ ولذا قال: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (33) } [الأحقاف:33]
واليوم: من طلوع الشمس إلى غروبها، قيل: هذه الأيام من أيام الدنيا وقيل: من أيام الآخرة، وهذه الأيام الست أولها: الأحد، وآخرها: الجمعة، وهو سبحانه قادر على خلقها في لحظة واحدة، يقول لها كوني فتكون، ولكنه أراد أن يعلم عباده الرفق والتأني في الأمور، أو خلقها في ستة أيام لكون شيء عنده أجلًًا، وفي آية أخرى: ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب 82.
وردت في القرآن الكريم أوصاف للسماء لكنها لا تتعلق بذاتها بل هي خارجة عنها وهي كالآتي:
1.للسماء بروج.
والبروج: القصور، الواحد: برج، وبه سمي بروج السماء لمنازلها المختصة بها.
قال تعالى: {وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) } [البروج:1] .
وقال تعالى: {تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا} [الفرقان:61] .
وقوله تعالى: {وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} [النساء:78] فيصح أن يراد بها بروج في الأرض، وأن يراد بها بروج النجم 83.
والمراد بها: السماء الدنيا ففيها منازل للشمس والقمر، وهي كواكب ينزلها الشمس والقمر، أي: وزينا السماء بالكواكب لمن نظر إليها وأبصرها، وأولى القولين في ذلك بالصواب قول من قال: هي قصور في السماء 84، لأن البروج والأبراج معروفة بعلوها وإحكامها.
2.الكواكب زينة للسماء.
وذلك في قوله تعالى: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (6) } [الصافات:6] .
وقوله: {إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (1) وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) } [الانفطار:1 - 2] .
والكواكب: هي النجوم البادية، ولا يقال: لها كواكب إلا إذا بدت، قال تعالى: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا} [الأنعام:76] وقال: {كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} [الصافات:6] .
{وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (2) } [الانفطار:2] ويقال: ذهبوا تحت كل كوكب: إذا تفرقوا، وكوكب العسكر: ما يلمع فيها من الحديد 85.
يخبر تعالى أنه زين السماء الدنيا للناظرين إليها من أهل الأرض {بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} ، قرئ بالإضافة وبالبدل 86، وكلاهما بمعنى واحد، فالكواكب السيارة والثوابت يثقب ضوءها جرم السماء الشفاف، فتضيء لأهل الأرض، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ} 87 [الملك:5] .
والمراد التزيين في رأي العين، فإن الكواكب تبدو للناظرين كأنها جواهر متلألئة 88، وأيًّا مّا كان فإقحام لفظ زينة تأكيد، والباء للسببية، أي زيّنا السماء بسبب زينة الكواكب فكأنه قيل: {إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} تزيينًا فكان {بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ} في قوّة: بالكواكب تزيينًا، فقوله: {بِزِينَةٍ} مصدر مؤكد لفعل زيّنّا في المعنى ولكن حوّل التعليق فجعل «زينة» هو المتعلق ب «زيّنّا» ليفيد معنى التعليل ومعنى الإضافة في تركيب واحد على طريقة الإيجاز، لأنه قد علم أن الكواكب زينة من تعليقه بفعل «زيّنّا» من غير حاجة إلى إعادة «زينة» لولا ما قصد من معنى التعليل والتوكيد 89، فكما أن النجوم أمنة للسماء، فالكواكب زينة حين تبدوا للناظرين.
3.للسماء سكان.
فالسماء جعلها الله عز وجل {وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (7) } [الصافات:7] .
أي: وحفظنا السماء من كل شيطان متمرد عات يرمون بالشهب، لا يسمّعون إلى الملإ الأعلى يعني: إلى الملائكة والكتبة؛ لأنهم سكان السماء وذلك أن الشياطين يصعدون إلى قرب السماء فربما سمعوا كلام الملائكة؛ فيخبرون به أولياءهم الإنس ويوهمون بذلك أنهم يعلمون الغيب فمنعهم الله من ذلك بهذه الشهب 90.
وذكر الطبري عن قتادة، قال: «بلغنا أن جبرئيل عليه السلام لما أصبح نشر جناحه، فانتسف به أرضهم بما فيها من قصورها، ودوابها، وحجارتها، وشجرها وجميع ما فيها، فضمها في جناحه، فحواها وطواها في جوف جناحه، ثم صعد بها إلى السماء الدنيا، حتى سمع سكان السماء أصوات الناس والكلاب، وكانوا أربعة آلاف ألف، ثم قلبها فأرسلها إلى الأرض منكوسة، دمدم بعضها على بعض، فجعل عاليها سافلها، ثم أتبعها حجارة من سجيل» 91.
4.للسماء حرس يحرسونها.