فهرس الكتاب

الصفحة 771 من 2431

ولقد صور الله تعالى الكافرين بصورة مزرية، حينما قال: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ} [محمد: 12] .

فهم كالبهائم لا هم لهم إلا شهوة البطن والفرج، {أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ} [هود: 16] .

ولئن شبه المتبعون غير ما أنزل الله، بالأنعام، فقد كان للحمار دور في التشبيه به أيضًا. فالله تعالى وصف اليهود الذين لا يلتزمون أمره بالحمار في الحقارة والبلادة والجهل، قال سبحانه: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ} [الجمعة: 5] .

فالله تعالى كلف اليهود بالعمل بما في التوراة، ومن ذلك اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، إلا إنهم كتموا، وحرفوا وبدلوا، وظاهروا المشركين على المسلمين فلما كانوا كذلك، شبههم بالحمار يحمل أسفارًا، لا يدري ما يحمل ولا ينتفع بما يحمل، إنزالًا من قدرهم، وحطًًا من شأنهم. والحمار يضرب به المثل في الجهل والبلادة والحقارة 154.

والغاية من ذلك تحقير المقلد ليكون ذلك أدعى لدفعه لترك التقليد. وهذا المثل فيه ترهيب للمسلمين من أن يتهاونوا بشيء من أحكام القرآن؛ فيكونوا أكثر سوءًا من اليهود؛ ومن ثم يكونون دون الحمار؛ فرسولهم صلى الله عليه وسلم أعظم، وكتابهم أعلى.

وفي الأمة الإسلامية اليوم من يحفظ كتاب الله تعالى ويعلم ما فيه، إلا إنه يخالفه في عمله وأخلاقه وتصرفاته وتصوراته، فشابه اليهود في هذه الصفة المذمومة.

وعليه أن يعتبر ويتعظ ويعمل بما علم، كي لا يلحقه من الذم ما لحق اليهود.

رابعًا: إعلان المسؤولية الفردية:

المسؤولية الفردية تعني تحمل الإنسان تبعة معتقداته وأفعاله وأقواله، في الدنيا والآخرة، ولا يشاركه أحد في ذلك. ومن عدل الله تعالى أن أرسى هذا المبدأ، فلا يحمل أحد وزر أحد.

يقول سبحانه: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [فاطر: 18] .

فالآية تحث المقلد على الانتباه، وعدم الانجرار وراء الناعقين دون وعي وإدراك، لأن المتبوع لن يحمل شيئًا من أثقال التابع وآثامه. والمقلد غيره على غير هدى، يتحمل تبعة تقليده، ولا يغني عنه المتبوع شيئًا، فهو أضعف من أن يدفع العذاب عن نفسه، فضلًا عن أن يدفعه عن غيره.

هذا المبدأ الرباني وردت آيات كثيرة تقره وتعلنه، وضرب الله تعالى أمثلة عدة توضحه، تمثلت في أولي العزم من الأنبياء كإبراهيم عليه السلام مع أبيه، ونوح عليه السلام مع ولده وزوجه، والنبي صلى الله عليه وسلم مع عمه؛ ليكونوا أسوة حسنة لغيرهم من المؤمنين في التبرؤ من المشركين. فإبراهيم عليه السلام خاطب أباه أنه لا يملك له من الله شيئًا، فقال سبحانه: {إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ} [الممتحنة: 4] فهو-على مكانته من الله تعالى- لا يستطيع أن يمنع أدنى شيء عن أبيه {مِنْ شَيْءٍ} ، وفي هذا إظهار لمبدأ المسؤولية الفردية عن الأعمال. والتعبير في الآية عن الملك {وَمَا أَمْلِكُ} ليظهر أن الكل ملك لله تعالى، والمرء لا يملك نفسه التي بين جنبيه، فكيف يملك غيرها ليرد عنها العذاب. وهذا فيه تحذير للمغرورين في الدنيا وتبعية أهلها ألا تعملوا إلا وفق ما أراد المالك سبحانه، لأن مخالفته تعني تحمل النتيجة من العذاب.

أما بالنسبة لمبدأ المسؤولية على مستوى البنوة، فقد قدم القرآن الكريم صورة نوح عليه السلام مع ولده الكافر الذي ناداه للنجاة من الغرق كما أخبر القرآن الكريم: {يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ} [هود: 42] .

فنوح عليه السلام أمر ولده أن يتبع سبيله، وألا يتبع سبيل الكافرين، إلا أن الابن كان مطيعًا للكافرين لا لأبيه، فكانت النتيجة أن هلك مع الذين كثر سوادهم، واتبع سبيلهم، وأطاع أمرهم من الكافرين، ولم تنفع قرابة الأبوة شيئًا، حتى مجرد المناجاة التي كانت من نوح عليه السلام لربه لم تستجب، والتي ذكرها القرآن العظيم: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ (45) قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (46) } [هود: 45 - 46] .

فكان التسليم المطلق من النبي الطائع بعدها مباشرة لأمر الله، والإنابة إليه من ندائه هذا، فقال سبحانه: {قَالَ رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلَّا تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُنْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (47) } [هود: 47] .

نوح هذا الذي هو من أولي العزم لم يستطع أن يرفع العذاب عن ابنه الذي هو من صلبه، ولم يستجب دعاؤه في أكثر الناس قربًا له، فكانت الثمرة أن تحمل الولد وزر نفسه، وثمرة اختياره، وكان والده من الذين رضي الله عنهم، بينما ولده من الذين غضب الله عليهم فأهلكه معهم.

وأكد القرآن الكريم هذا النموذج في المسؤولية الفردية بين الابن إبراهيم عليه السلام وأبيه الكافر، وبين الأب نوح عليه السلام وبين ابنه الكافر، حينما جعله مبدأً عامًا بين كل ابن وأب، وبين كل أب وابن، فقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ} إلى قوله تعالى: {وَالِدِهِ شَيْئًا} [لقمان: 33] .

كذلك كانت المسؤولية الفردية على مستوى الزوجية، ولم يغن الزوج النبي عن زوجته الكافرة شيئًا، فقال الله سبحانه عن الزوجتين الكافرتين لنوح ولوط عليهما السلام: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (10) } [التحريم: 10] .

إن الصلة بين الزوجين صلة متينة قوية، والعلاقة بينهما علاقة حميمة، وكلًا منهما لباس للآخر، يسترها وتستره، هذه المودة لم تكن لتجدي نفعًا عند الله تعالى حتى في ظل النبوة والرسالة.

ورغم أن الزوج نبي مرسل من عند الله تعالى، إلا إنه لم يستطع أن يغني شيئًا من عذاب الله تعالى عمن عاش معها حينًا من الدهر، حينما اختارت الكفر على الإيمان، ورضيت لنفسها طريق الكافرين على طريق المؤمنين، واتبعت خطوات الشيطان، وكفرت بخالقها وعصت زوجها إذ دعاها إلى الإيمان.

فالنتيجة لم يحمل من آثامها وأثقالها شيئًا، وحصدت هي وحدها -ووحدها فقط- ثمرة غراسها السيء {وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ} . بينما هو النبي كانت له ثمرة غراسه الطيب رضوان الله تعالى والفوز بالجنة لطاعته ربه، ومخالفة الهوى والكافرين. يقول الله سبحانه: {الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ} [غافر: 17] .

ويقول سبحانه: {لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} [طه: 15] .

كذلك الأمر كان بالنسبة لسيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم حينما جمع أهل مكة وحذرهم وبين لهم حقيقة المسؤولية الفردية للأعمال، وأنه لا يغني عنهم من الله شيئًا، وأن الجميع: {آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا} [مريم: 95] .

وأن {لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ (37) } [عبس: 37] .

فقال صلى الله عليه وسلم مؤكدًا هذا المبدأ: (يا معشر قريش -أو كلمة نحوها- اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمد صلى الله عليه وسلم سليني ما شئت من مالي لا أغني عنك من الله شيئًا) 155.

فالنبي صلى الله عليه وسلم على قدر كرامته عند الله تعالى، وهو أحب الخلق إليه؛ إلا إنه لا يغني عن أقرب الناس إليه شيئًا، فكيف بالأباعد عنه نسبًا ممن يدعون أنهم من أمته، ولا يهتدون بهديه، ويتبعون غيره مستبدلين بشرعه شرع غيره، هؤلاء يؤتى بهم يوم القيامة ولا يردون الحوض، يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (إني لكم فرط على الحوض، فإياي لا يأتين أحدكم فيذب عني كما يذب البعير الضال، فأقول: فيم هذا؟ فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول: سحقًًا) 156

ولو أن أحدًا يملك لأحد شيئًا، لكان هذا الأمر من سيد الخلق محمد صلى الله عليه وسلم مع عمه أبي طالب الذي دافع عنه في أيام الدعوة الإسلامية الأولى دفاع المستميت، إلا إنه صلى الله عليه وسلم نهي عن الاستغفار لعمه أبي طالب حينما مات على الكفر وعلى ملة الآباء والأجداد.

قال الله سبحانه: {مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (113) } [التوبة: 113] .

وسبب النزول أنه: «لما حضر أبا طالب الوفاة دخل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية فقال: أي عم قل معي: لا اله إلا الله، أحاج لك به عند السله. فقال أبو جهل وابن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب؟

فلم يزالا يكلمانه حتى قال آخر شيء كلمهم به على ملة عبد المطلب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: لأستغفرن لك ما لم أنْه عنه، فنزلت 157.

فالنهي كان للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين أن يستغفروا للمشركين، حتى ولو كانوا أولي قربى. هذا النهي كان قد توجه لنبيين من أولي العزم هما نوح وإبراهيم عليهما السلام، فنوح نهاه ربه أن يدعو لابنه الكافر، وإبراهيم نهاه ربه أن يستغفر لأبيه المشرك، فكان الموقف مماثلًا مع النبي صلى الله عليه وسلم. وكذلك كان النهي للمؤمنين في كل زمان أن يشفعوا للكافر ولو كان ذا قربى، لأنه حاد الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم.

هذا الأمر وجدنا الصحابة رضوان الله عليهم يطبقونه أفضل تطبيق.

فقال الله سبحانه: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ} [المجادلة: 22] .

نزلت هذه الآية في أبي عبيدة بن الجراح قتل أباه عبد الله يوم أحد، وفي أبي بكر دعا ابنه يوم بدر إلى البراز، وفي مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يوم أحد، وفي عمر قتل خاله العاص بن هشام بن المغيرة يوم بدر، وفي علي وحمزة قتلوا عتبة وشيبة ابني ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر 158.

هكذا تكون المفاصلة، وهكذا تكون النتيجة، صفين: صف إيمان لا كفر فيه، وصف كفر لا إيمان فيه، يحمل كل منهما تبعة اختياره، وثمرة زراعته، ولا يحمل أحد وزر أحد ولو كان ذا قربى. ليحذر المرء ولينتبه من غفلته وغروره، وأنه لن يحمل أحد عنه من أوزاره شيئًا؛ كي يبقى طائعًا لله وحده، مخالفًا كل ذي هوى.

ولقد ضرب الله مثلًا للذين آمنوا امرأة فرعون في إيمانها وصبرها أمام أعتى جبابرة الأرض.

فقال سبحانه: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (11) } [التحريم: 11] .

هذه المرأة الصابرة، رغم ضعفها الجسدي إلا إنها قوية بإيمانها، صبرت على أذى زوجها وتعذيبه، لأنها علمت أن ليس لها إلا ما سعت، وأن زوجها الكافر لن يغني عنها من الله شيئًا، ولن يدفع عنها ضرًا، فكان قرارها الراسخ أن لا عودة إلى الكفر بعد إذ هداها الله إلى الإيمان، وفي هذا عبرة للمؤمنين.

هذه النماذج، ما ذكرها القرآن على هذا المستوى -مستوى النبوة- إلا لتؤكد مبدأ المسؤولية الفردية، وأن المرء مهما علت مكانته عند ربه، ومهما كان قريبًا من ربه، فإنه لن يستطيع أن يحمل عن أحد وزرًا ولو كان ذا قربى. فإذا كانت الأنبياء مع آبائها وأبنائها وأزواجها على هذا النحو، فكيف بمن هم أبعد من ذلك، كيف بمن اجتمعوا من أنساب شتى على الكفر والصد عن سبيل الله، والتآمر على دينه ويوم القيامة لا نسب ولا سؤال.

يقول الله سبحانه: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (101) } [المؤمنون: 101] .

وفي هذا بيان للناس أجمعين -في كل زمان- أن يستشعروا خطورة الموقف، وتبعة المسؤولية الشخصية حينما يتبعون غير أمر الله، ويطيعون العصاة في معصية الله، ويحادون الله ورسوله تبعًا لكبرائهم، أو لأهوائهم ومصالحهم الذاتية، حيث تنقطع الصلات ومصالح الدنيا.

فقال الله سبحانه: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) } [البقرة: 166] .

ولقد وجد في البشرية من يتكل على فضائل الآباء، ظنًا منه أنها تنفع الأبناء، ومن هؤلاء اليهود الذين ادعوا نسبتهم إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب عليهم السلام، ولم يقتدوا بهم، ظانين أن النسب إليهم سينفعهم.

فرد الله تعالى عليهم هذا الادعاء: {تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (134) } [البقرة: 134] .

فلكل ما كسب واكتسب، ولن ينفعوكم يوم القيامة.

ويزعم النصارى -حسب معتقداتهم- أن المسيح عليه السلام حمل خطايا الآخرين وكفر عنها بدمه، فجاء القرآن العظيم نافيًا هذا الاعتقاد الخاطئ، حيث قال الله تعالى: {وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ} [النساء: 111] .

وقال سبحانه: {وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا} [الأنعام: 164] .

وصناديد الكفر يصدون عن سبيل الله تعالى، ويحرضون الناس على عدم اتباع الأنبياء والدعاة إلى الله، ويحثونهم على اتباع طريقتهم والعمل بمنهجهم، وتكثير سوادهم؛ لتبقى لهم القوة والغلبة، مؤملين أتباعهم بالأماني الفارغة، والوعود الكاذبة وأنهم سيحملون أوزارهم عنهم.

حتى إذا حانت لحظة الشدة-في الدنيا والآخرة- تبرءوا من أتباعهم، فكان القرآن العظيم يقص قصتهم هذه: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (12) وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (13) } [العنكبوت: 12 - 13] .

إن الكبار يحملون وزر إضلال الصغار ويتحملون تبعة الافتراء على الله، وسيحاسبون على جريمة إضلال الضعفاء، وللضعفاء تبعة تبعية الضالين المضلين، فكانت النتيجة: {وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (39) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (40) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (41) } [النجم: 39 - 41] .

فإعلان مبدأ المسؤولية الفردية على هذا المستوى، هو إعلان فيه التحذير الشديد من التقصير أو التهاون في شأن الطاعات والتزام أوامر الله تعالى، واجتناب نواهيه، وألا يتكل أحد على حسنات أحد مهما كان قربه من الله تعالى.

موضوعات ذات صلة:

الاتباع، القدوة

1 تاج العروس، الزبيدي، 9/ 67.

2 العين للفراهيدي 5/ 117، لسان العرب، ابن منظور 3/ 367.

3 أساس البلاغة، الزمخشري، 375.

4 انظر: المعجم الوسيط، مجمع اللغة العربية 1/ 526.

5 لسان العرب، ابن منظور 3/ 367.

6 التعريفات، الجرجاني ص 90.

7 التقليد والتبعية وأثرهما في كيان الأمة الإسلامية، ناصر العقل ص 56.

8 مقاييس اللغة، ابن فارس، 1/ 362.

9 موسوعة أخلاق القرآن، الشرباصي 5/ 138.

10 من تشبه بقوم فهو منهم، ناصر العقل، ص 7.

11 لسان العرب، ابن منظور، 13/ 503.

12 تفسير السمرقندي، 1/ 63.

13 انظر: التدابير الواقية من التشبه بالكفار، عثمان أحمد دوكلي ص 34.

14 انظر: روح المعاني، الألوسي، 9/ 41، المنار، محمد رشيد رضا، 9/ 110 - 111.

15 أخرجه أحمد في مسنده، 36/ 225، رقم 21897.

وصححه الألباني في ظلال الجنة، 1/ 31، رقم 76.

16 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب التفسير، باب قوله تعالى: {وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا} ، 6/ 73، رقم 4920.

17 انظر: فقه السيرة النبوية، البوطي، 47 - 48.

18 انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب، 5/ 3194.

19 انظر: أسباب النزول، الواحدي، ص 206.

20 انظر: الشباب المسلم في مواجهة التحديات، عبد الله علوان، ص 195، التقليد والتبعية، ناصر العقل، ص 111 - 113.

21 انظر: مفاتيح الغيب، الرازي. 23/ 97.

22 جامع البيان، الطبري، 22/ 76.

23 الوسيط، طنطاوي، 14/ 70.

24 جامع البيان، الطبري، 12/ 80.

25 والأشهر الحرم التي حرمها الله تعالى أربعة: ثلاث سرد، وهي: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، وواحد فرد؛ وهو رجب.

26 مجموع فتاوى ابن تيمية، 20/ 16.

27 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي 16/ 113.

28 انظر: تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 2/ 231.

29 في ظلال القرآن، سيد قطب، 3/ 1398.

30 التعريفات، الجرجاني، ص 137.

31 انظر: أسباب النزول، الواحدي، 199.

32 في ظلال القرآن، سيد قطب. 2/ 916.

33 انظر: الكشاف، الزمخشري، 1/ 118.

34 المصدر السابق 4/ 47.

35 انظر: في ظلال القرآن، سيد قطب 4/ 2096.

36 تفسير القرآن العظيم، ابن كثير، 2/ 454.

37 روح المعاني، الألوسي، 24/ 74.

38 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 13/ 216.

39 انظر: المنهزمون دراسة للفكر المتخلف والحضارة المنهارة، يوسف العظم، ص 19.

40 انظر: مقدمة ابن خلدون، ص 147.

41 انظر: العقيدة الإسلامية وأسسها، الميداني، ص 699.

42 الجامع لأحكام القرآن، القرطبي، 8/ 85.

43 الوسيط، طنطاوي، 6/ 257.

44 أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأنبياء، باب {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا} ، 4/ 167، رقم 3445.

45 انظر: تيسير العزيز الحميد، سليمان بن عبدالله، ص 273، إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، الفوزان، 1/ 62.

46 انظر: الموسوعة الميسرة في الأديان والمذاهب والأحزاب المعاصرة، الندوة العالمية للشباب الإسلامي، 2/ 1157.

47 انظر: أخرجه ابن ماجه في سننه، كتاب النكاح، باب حق الزوج على المرأة، 1/ 595، رقم 1853.

48 المحرر الوجيز، ابن عطية، 3/ 144.

49 الرد على الأخنائي، ابن تيمية، ص 59.

50 لسان العرب، ابن منظور، 9/ 255.

51 الأعراف: 69.

52 أيسر التفاسير، الجزائري، 2/ 40.

53 التحرير والتنوير. ابن عاشور 14/ 23.

وانظر: أضواء البيان، الشنقيطي 6/ 295.

54 انظر: السيرة النبوية، ابن هشام، 2/ 237.

55 انظر: أسباب النزول، الواحدي، ص 169.

56 انظر: سورة ابراهيم: 9.

57 انظر: في ظلال القرآن. سيد قطب. 4/ 2299، و 5/ 2888.

58 انظر: المحرر الوجيز، ابن عطية، 3/ 540.

59 انظر: صحيح مسلم، لمسلم، كتاب التوبة، باب في نزول {أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا} ، رقم 7164، 8/ 129.

60 انظر: جامع البيان، الطبري 17/ 200، مفاتيح الغيب، الرازي 13/ 184 - 185.

61 التحرير والتنوير، ابن عاشور، 8/ 148.

62 انظر: جامع البيان، الطبري 12/ 378 - 379.

63 انظر: الكشاف، 2/ 87.

64 هم قوم يحفظون طاعات لا أصل لها، وتلبيسات في الحقيقة، وهم يدعون محبة الله، ويخالفون الشريعة، ويقولون: إن الحبيب رفع عنه التكليف.

انظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، الرازي، ص 74.

65 انظر: مجموع فتاوى ابن تيمية، 8/ 179.

66 الجبرية: يزعمون أن العبد ليس قادرًا على فعله. ومن ضلالاتهم: أن الجنة والنار تفنيان.

انظر: اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، الرازي ص 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت