وعند التدبر والتأمل، تجد في طي ذلك من المصالح لبني إسرائيل، ودفع كثير من الأمور الفادحة بهم، ومنع كثير من التعديات قبل رسالته، بحيث إنه صار من كبار المملكة 48.
يقول الإمام الطبري: «وقوله: {عَدُوًّا وَحَزَنًا} يقول: يكون لهم عدوّا في دينهم، وحزنًا على ما ينالهم منه من المكروه» 49.
وقال البغوي: « {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا} وهذه اللام تسمى لام العاقبة ولام الصيرورة، لأنهم لم يلتقطوه ليكون لهم عدوًّا وحزنًا ولكن صار عاقبة أمرهم إلى ذلك» 50.
فنتيجة تكذيبهم وصدهم عن دين الله ومحاربة موسى كانت عاقبتهم الحزن والهلاك، {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ} أي: إن فرعون وهامان وجنودهما كانوا بربهم آثمين، فلذلك كان لهم موسى عدوًّا وحزنًا 51.
قال الألوسي عند قوله تعالى: {كَانُوا خَاطِئِينَ} : «كانوا مذنبين فعاقبهم الله تعالى بأن ربي عدوهم على أيديهم» 52.
ففرعون لما كذب وعارض الحق الذي أتاه، جعل الله موسى عليه السلام عدوًّا له، وإن كان قد تربى وترعرع في بيته.
الحزن على فوات الخير من علامات حياة القلب، ودليل على قوة الإيمان، وهذا النوع من الحزن مشروع، وكلما كان القلب أشد حياة كان شعوره بألم فوات الطاعة أقوى وأعظم، وكلما ضعف الإيمان في القلب قل شعوره بالألم.
وقد ذكر لنا الله نموذجًا من أصحاب القلوب التي عمرها الإيمان وحرصت على الخير، ولكنها لم تستطع أن تشارك مع الآخرين في تحصيله، فحزنت على فوات ذلك الخير.
قال تعالى: {وَلَا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ (92) } [التوبة:92] .
والمعنى: لا حرج على الذين إذا ما أتوك لتحملهم على الرواحل فيخرجوا معك، فلم تجد ما تحملهم عليه، وهؤلاء وإن دخلوا في عموم الذين لا يجدون ما ينفقون للجهاد لفقدهم الرواحل، قد خصوا بالذكر اعتناء بشأنهم وجعلهم كأنهم قسم مستقل.
{تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} أي: انصرفوا من مجلسك وهم يبكون بكاء شديدًا يصحبه حزن عميق، فكانت أعينهم تمتلئ دمعًا يتدفق من جوانبها حزنًا وأسفًا على أنهم لا يجدون ما ينفقون ولا ما يركبون في خروجهم معك للجهاد في سبيل الله وابتغاء مرضاته 53.
روى الطبري بسنده عن ابن عباس قوله: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى} ... إلى قوله: {حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} ، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر الناس أن ينبعثوا غازين معه، فجاءته عصابة من أصحابه، فيهم عبد الله بن مغفل المزني، فقالوا: يا رسول الله، احملنا. فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (والله ما أجد ما أحملكم عليه) ! فتولوا ولهم بكاءٌ، وعزيزٌ عليهم أن يجلسوا عن الجهاد، ولا يجدون نفقةً ولا محملًا. فلما رأى الله حرصهم على محبته ومحبة رسوله، أنزل عذرهم في كتابه فقال: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ} ... إلى قوله: {فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (93) } 54.
يقول سيد قطب: «وإنها لصورة مؤثرة للرغبة الصحيحة في الجهاد، والألم الصادق للحرمان من نعمة أدائه. وإنها لصورة واقعة حفظتها الروايات عن جماعة من المسلمين في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم تختلف الروايات في تعيين أسمائهم، ولكنها تتفق على الواقعة الصحيحة» 55.
وفي تعبير النبي صلى الله عليه وسلم لهؤلاء المؤمنين الصادقين: {لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} ، ما فيه من تطييب قلوب هؤلاء السائلين؛ فكأنه صلى الله عليه وسلم يقول لهم: إن ما تطلبونه أنا أسأل عنه، وأفتش عليه فلا أجده، ولو وجدته لقدمته إليكم 56.
يقول محمد الطنطاوي: «وقوله: {تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} بيان للآثار التي ترتبت على عدم وجود ما يحملهم من رواحل: لكي يخرجوا مع الرسول صلى الله عليه وسلم إلى تبوك.
أي: أن هؤلاء المؤمنين الفقراء، عند ما اعتذرت لهم بقولك: {لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ} انصرفوا من مجلسك، وأعينهم تسيل بالدموع من شدة الحزن؛ لأنهم لا يجدون المال الذي ينفقونه في مطالب الجهاد، ولا الرواحل التي يركبونها في حال سفرهم إلى تبوك.
فالجملة الكريمة تعطي صورة صادقة مؤثرة للرغبة الصادقة في الجهاد، وللألم الشديد للحرمان من نعمة أدائه. وبمثل هذه الروح ارتفعت راية الإسلام، وعزت كلمته، وانتشرت دعوته» 57.
فالصحابة رضي الله عنهم لشدة حرصهم على الأعمال الصالحة وقوة رغبتهم في الخير كانوا يحزنون على ما يتعذر عليهم فعله من الخير مما يقدر عليه غيرهم، فكان الفقراء يحزنون على فوات الصدقة بالأموال التي يقدر عليها الأغنياء، ويحزنون على التخلف عن الخروج في الجهاد لعدم القدرة على آلته 58.
وهذا الحزن منهم رضي الله عنهم دال على عظم إيمانهم ولهذا مدحوا على ذلك، يقول ابن القيم: «فلم يمدحوا على نفس الحزن، وإنما مدحوا على ما دل عليه الحزن من قوة إيمانهم، حيث تخلفوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعجزهم عن النفقة، ففيه تعريض بالمنافقين الذين لم يحزنوا على تخلفهم، بل غبطوا نفوسهم به» 59.
رابعًا: فوات النصر والغنيمة:
المقاتل إنما يقاتل لأجل أن ينتصر على خصومه، ويحصل على فائدة مأمولة من وراء هذا النصر، والمسلم عندما يقاتل يبتغي بقتاله وجه ربه ورفع راية دينه، فإذا فاته النصر، وحلت به الهزيمة، فإنه يحزن، ولكن الذي ينبغي فعله إذا حلت الهزيمة وأصابه الحزن ألا يتمادى في الحزن حتى لا يوهن من عزمه ويفت في عضده.
والحزن بسبب فوات النصر والغنيمة أمر طبيعي؛ لأن النفوس مجبولة على الحرص على العز والكرامة وتصاب بالحزن إذا فاتتها المحبوبات، وحلت بها المكروهات، وقد حصل للصحابة الكرام غم وحزن في غزوة أحد، وهذه الآية الكريمة تصور لنا ذلك.
قال تعالى: {إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (153) } [آل عمران:153] .
والمعنى: اذكروا -يا أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم- ما كان من أمركم حين أخذتم تصعدون الجبل هاربين من أعدائكم، ولا تلتفتون إلى أحد لما اعتراكم من الدهشة والخوف والرعب، ورسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت في الميدان يناديكم من خلفكم قائلًا: إليّ عباد الله، وأنتم لا تسمعون ولا تنظرون، فكان جزاؤكم أن أنزل الله بكم ألمًا وضيقًا وغمًّا؛ لكي لا تحزنوا على ما فاتكم من نصر وغنيمة، ولا ما حلّ بكم من خوف وهزيمة. والله خبير بجميع أعمالكم، لا يخفى عليه منها شيء 60.
قال السعدي: « {فَأَثَابَكُمْ} أي: جازاكم على فعلكم {غَمًّا بِغَمٍّ} أي: غَمًّا يتبع غَمًّا، غَمٌّ بفوات النصر وفوات الغنيمة، وغَمٌّ بانهزامكم، وغَمٌّ أنساكم كل غَمٍّ، وهو سماعكم أن محمدًا صلى الله عليه وسلم قد قتل.
ولكن الله -بلطفه وحسن نظره لعباده-جعل اجتماع هذه الأمور لعباده المؤمنين خيرًا لهم، فقال: {لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ} من النصر والظفر، {وَلَا مَا أَصَابَكُمْ} من الهزيمة والقتل والجراح، إذا تحققتم أن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقتل هانت عليكم تلك المصيبات، واغتبطتم بوجوده المسلي عن كل مصيبة ومحنة، فلله ما في ضمن البلايا والمحن من الأسرار والحكم، وكل هذا صادر عن علمه وكمال خبرته بأعمالكم، وظواهركم وبواطنكم، ولهذا قال: {وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} .
ويحتمل أن معنى قوله: {لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ} يعني: أنه قدّر ذلك الغم والمصيبة عليكم، لكي تتوطن نفوسكم، وتمرنوا على الصبر على المصيبات، ويخف عليكم تحمل المشقات» 61.
والنهي عن الحزن في الآية الظاهر أن حقيقته غير مرادة هنا كما ذكر الألوسي، بل المراد التسلية والتشجيع، وإن أريدت الحقيقة فلعل ذلك بالنسبة إلى ما يترتب على الوهن والحزن من الآثار الاختيارية 62.
وفي الآية لطيفة عجيبة كانت منة من الله سبحانه وتعالى على صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما أصابهم ما أصابهم من الغم، فإنهم لما أصابهم الغم على فوات النصر والغنيمة جاءهم غم أعظم من ذلك أنساهم غمهم الأول، هذا الغم هو إشاعة مقتل النبي صلى الله عليه وسلم، فهذه المصيبة أنستهم كلّ شيء.
قال تعالى: {فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ} ، فالغمّ الأوّل: بسبب الهزيمة وذهاب النّصر والمغنم، ثم جاءهم غمّ آخر أشدّ، وهو خوف أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، وسماعهم أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم قد قتل، فجاء هذا الغمّ لينسيهم كلّ شيء، لينسيهم الحزن على فوات النّصر، والحزن على فوات المغنم، ثمّ لما علموا أنّ النّبي صلى الله عليه وسلم حيّ وسليم ومعافى، زال عنهم الألم كلّه، ألم الهزيمة، وألم الجراح التّي أصابتهم، وألم فوات الغنيمة 63.
والحكمة من فعل ذلك كله بهم ليتمرنوا على الشدائد، ويتعودوا احتمال المكاره، فإنها تصقل الأمم والأفراد، ولئلا يحزنوا على ما فاتهم من المنافع والمغانم، ولا على ما أصابهم من المضارّ من عدوكم، كالجراح والقتل 64.
خامسًا: النجوى السيئة:
النَّجوى: السِّرُّ بين الاثنين، وتكون أيضًا بمعنى المسارّة 65. وقيل: النَّجوى: ما يكون من خلوة اثنين أو أكثر يسرّون شيئًا ويتناجون به، والسّرار ما كان بين اثنين 66.
والنجوى قد تكون في الخير، وقد تكون في الشر.
قال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (9) } [المجادلة:9] .
يقول أبو بكر الجزائري: «هذه الآية والتي بعدها نزلت في تربية المؤمنين روحيًّا وتهذيبهم أخلاقيًّا، فقال تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا} أي: صدقوا الله ورسوله إذا تناجيتم لأمر استدعى ذلك منكم {فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ} فتكون حالكم كحال اليهود والمنافقين ولكن {وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى} أي: بما هو خير في نفسه لا إثم فيه، وبطاعة الله ورسوله إذ هما التقوى، {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ} يوم القيامة لمحاسبتكم ومجازاتكم فاتقوه بطاعته وطاعة رسوله» 67.
ثم قال الله سبحانه وتعالى بعد ذلك: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (10) } [المجادلة:10] .
والمعنى: إنما النجوى وهي المسارة حيث يتوهم مؤمن بها سوءًا من الشيطان {لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} يعني: إنما يصدر هذا من المتناجين عن تسويل الشيطان وتزيينه {لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} أي: ليسوءهم {وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ} ومن أحس من ذلك شيئًا فليستعذ بالله وليتوكل على الله، فإنه لا يضره شيء بإذن الله 68.
وقد جاء في السنة النبوية النهي عن أن يتناجى اثنان دون الثالث؛ لأن ذلك يحزنه، ففي البخاري عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إذا كانوا ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الثالث) 69. وعند مسلم: (إذا كنتم ثلاثة، فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما، فإن ذلك يحزنه) 70.
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون الآخر حتى تختلطوا بالناس من أجل أن يحزنه) 71.
فبينت هذه النصوص النهي عن النجوى إذا كانوا ثلاثة فيتناجى منهما اثنان دون الثالث، وتعليل ذلك بقوله: (من أجل أن يحزنه) أي: يقع في نفسه ما يحزن لأجله، وذلك بأن يقدر في نفسه أن الحديث عنه بما يكره، أو أنه لم يروه أهلًا ليشركوه في حديثهم، إلى غير ذلك من ألقيات الشيطان وأحاديث النفس. وحصل ذلك كله من بقائه وحده 72.
أما إذا كان الثالث مع غيره أو اختلطوا بالناس فإن النهي لا يشملهم، كما هو في حديث عبد الله بن مسعود، وقد فعل ابن عمر ذلك، فعن عبد الله بن دينار، قال: كنت أنا وعبد الله بن عمر عند دار خالد بن عقبة التي بالسوق، فجاء رجل يريد أن يناجيه، وليس مع عبد الله بن عمر أحد غيري وغير الرجل الذي يريد أن يناجيه، فدعا عبد الله بن عمر رجلًا حتى كنا أربعة، فقال لي وللرجل الذي دعا: استأخرا، فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا يتناجى اثنان دون واحد) 73.
فإذا كان معه غيره أمن من ألقيات الشيطان وأحاديث النفس.
يقول القرطبي: «وعلى هذا يستوي في ذلك كل الأعداد، فلا يتناجى أربعة دون واحد ولا عشرة ولا ألف مثلًا، لوجود ذلك المعنى في حقه، بل وجوده في العدد الكثير أمكن وأوقع، فيكون بالمنع أولى. وإنما خص الثلاثة بالذكر، لأنه أول عدد يتأتى ذلك المعنى فيه. وظاهر الحديث يعم جميع الأزمان والأحوال، وإليه ذهب ابن عمر ومالك والجمهور. وسواء أكان التناجي في مندوب أو مباح أو واجب فإن الحزن يقع به» 74.
وقد ذكر الثعلبي عن ابن عباس أن قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى} إلى قوله: {وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (11) } [المجادلة:8 - 11] ، نزلت في اليهود والمنافقين، وذلك أنّهم كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين، وينظرون إلى المؤمنين ويتغامزون بأعينهم، فإذا رأى المؤمنون نجواهم قالوا: ما نراهم إلّا وقد بلغهم عن أقربائنا وإخواننا الذين خرجوا في السرايا قتل أو موت أو مصيبة أو هزيمة، فيقع ذلك في قلوبهم ويحزنهم، فلا يزالون كذلك حتى يقدم أصحابهم وأقرباؤهم. فلمّا طال ذلك وكثر شكوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأمرهم ألّا يتناجوا دون المسلمين فلم ينتهوا عن ذلك، وعادوا إلى مناجاتهم، فأنزل الله سبحانه هذه الآية 75.
وقوله: {إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ} ، «الحصر المستفاد من {إِنَّمَا} قصر موصوف على صفة ومن ابتدائية، أي: قصر النجوى على الكون من الشيطان، أي: جائية؛ لأن الأغراض التي يتناجون فيها من أكبر ما يوسوس الشيطان لأهل الضلالة بأن يفعلوه {لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} بما يتطرقهم من خواطر الشر بالنجوى. وهذه العلة ليست قيدًا في الحصر فإن للشيطان عللًا أخرى مثل إلقاء المتناجين في الضلالة، والاستعانة بهم على إلقاء الفتنة، وغير ذلك من الأغراض الشيطانية.
وقد خصت هذه العلة بالذكر؛ لأن المقصود تسلية المؤمنين وتصبرهم على أذى المنافقين ولذلك عقب بقوله: {وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا} ليطمئن المؤمنون بحفظ الله إياهم من ضر الشيطان. وهذا نحو من قوله تعالى: {إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ} [الحجر:42] » 76.
سادسًا: ترك الأهل والولد:
من أسباب الحزن ترك الأهل والولد والابتعاد عنهم، إما لسفر أو سجن، أو غيرهما، فالقلب عادة عندما يفارق صاحبه أهله وأحبابه يشعر بالحزن ويصاب بالألم، وكم ذرفت من عيون، وسالت من دموع حال الفراق ووقت الوداع، يقول الشاعر 77:
ضعفت عن التسليم يوم فراقها
فودّعتها بالطّرف والعين تدمع
وأمسكت عن ردّ السلام فمن رأى
محبًّا بطرف العين قبلي يودّع
رأيت سيوف البين عند فراقها
بأيدي جنود الشوق بالموت تدفع
عليك سلام الله مني مضاعفًا
إلى أن تغيب الشمس من حيث تطلع
وقد جاء في القرآن الكريم أن ترك الولد مما يسبب الحزن، وذلك في قصة يعقوب عليه الصلاة والسلام وقصة أم موسى عليه السلام.
فيعقوب عليه السلام كان يحب ولده يوسف عليه السلام حبًّا شديدًا، ولا يريد أن يفارقه ساعة لخوفه عليه أن يصيبه أذى، كما أن فراقه يصيبه بالحزن، وعندما طلب أخوة يوسف من أبيهم أن يترك معهم أخاهم يوسف ليذهب للعب والرعي، قال لهم: {قَالَ إِنِّي لَيَحْزُنُنِي أَنْ تَذْهَبُوا بِهِ وَأَخَافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ وَأَنْتُمْ عَنْهُ غَافِلُونَ (13) } [يوسف:13] .
والمعنى: يشق علي مفارقته مدة ذهابكم به إلى أن يرجع، وذلك لفرط محبته له لما يتوسم فيه من الخير العظيم وشمائل النبوة والكمال في الخلق والخلق صلوات الله وسلامه عليه 78.
يقول القشيري: «يحزنني أن تذهبوا به لأني لا أصبر عن رؤيته، ولا أطيق على فرقته ... هذا إذا كان الحال سلامته .. فكيف ومع هذا أخاف أن يأكله الذئب» 79.
وقال الرازي: «اعلم أنهم لما طلبوا منه أن يرسل يوسف معهم اعتذر إليهم بشيئين: أحدهما: أن ذهابهم به ومفارقتهم إياه مما يحزنه» ؛ لأنه كان لا يصبر عنه ساعة. والثاني: خوفه عليه من الذئب إذا غفلوا عنه برعيهم أو لعبهم لقلة اهتمامهم به» 80.
أما أم موسى عليها السلام فإنها لما وضعت موسى خافت عليه من فرعون وجنوده أن يقتلوه، لأنهم كانوا في ذلك الوقت يقتلون كل مولود ذكر من بني إسرائيل، فأوحى الله إليها أن تضعه في تابوت ثم تلقيه في اليم، {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) } [القصص:7] .
والمعنى: وأوحينا إلى أم موسى: أعلمناها أن ترضع ولدها الرضعات الأولى التي لا بد منها ثم تضعه في تابوت ثم تلقيه في اليم. أي: في البحر، وهو نهر النيل، {وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي} أي: لا تخافي أن يهلك ولا تحزني على فراقه، إنا رادوه إليك 81.
لا شك أن الخوف كان يسيطر على جميع أركانها وجوانحها والحزن يملأ قلبها، كيف تترك ولدها في ذلك الصندوق مرميًّا به في البحر، حقًّا إنه موقف عصيب. فإذا كانت الأم تحزن لفراق ولدها؛ لأنه ذاهب إلى عمل سينقضي بعد فترة من الزمن، أو أنه مسافر وسيرجع بعد أيام، فكيف بقلب أم موسى على فقد ولدها والمخاطر تحدق به من كل مكان، ولكن كانت عناية الله ورعايته تحوطان موسى عليه السلام، فحفظه الله سبحانه وتعالى ورده إلى أمه سالمًا معافى ولا قلق ولا خوف عليه بعد ذلك.
قال الله تعالى: {فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ} [طه:40] .
وقال: {فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (13) } [القصص:13] .
والمعنى: فرددناك إلى أمك بعد ما صرت في أيدي آل فرعون، كيما تقرّ عينها بسلامتك ونجاتك من القتل والغرق في اليم، وكيلا تحزن عليك من الخوف من فرعون عليك أن يقتلك 82.
وقيل: «أي: فرددناه إلى أمه بعد أن التقطه آل فرعون، لتقرّ عينها بابنها إذ رجع إليها سليمًا، ولا تحزن على فراقه إياها» 83.
قال ابن عاشور: «وهذه منة عليه -أي: موسى- لإكمال نمائه، وعلى أمه بنجاته، فلم تفارق ابنها إلا ساعات قلائل، أكرمها الله بسبب ابنها.
وعطف نفي الحزن على قرة العين لتوزيع المنة؛ لأن قرة عينها برجوعه إليها.
وانتفاء حزنها بتحقق سلامته من الهلاك ومن الغرق وبوصوله إلى أحسن مأوى.
وتقديم قرة العين على انتفاء الحزن مع أنها أخص -فيغني ذكرها عن ذكر انتفاء الحزن- روعي فيه مناسبة تعقيب فرجعناك إلى أمك بما فيه من الحكمة» 84.