فهرس الكتاب

الصفحة 789 من 2431

وكثيرًا ما تنكشف الحجب عن الفطرة المشوّهة؛ فتزول عنها الغشاوة التي رانت عليها، عندما تصاب بمصاب أليم، أو تقع في مأزق لا تجد فيه من البشر عونًا، وتفقد أسباب النجاة، فكم من ملحد عرف ربّه وآب إليه عندما أحيط به، وكم من مشرك أخلص دينه لله لضرٍّ نزل به.

قال تعالى: {هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ} [يونس: 22] 38.

ومهما بلغ الإنسان في الطغيان والكفر والعناد، تبقى هذه الفطرة لا يستطيع القضاء عليها مهما كابر في ذلك، وتظل دلائلها تظهر وهو يشعر أو لا يشعر.

قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ} [النمل: 14] .

وفرعون أجرم طاغية في البشر؛ أنكر وجود الله، ودعا الناس إلى عبادته، وهدد موسى عليه السلام إن اتخذ إلهًا غيره، قال له موسى عليه السلام كما قصّ الله تعالى: {قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا} [الإسراء: 102] .

ثم كانت العاقبة أن قال فرعون وهو في أحضان الموج وقد أدركه الغرق: {آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ} [يونس: 90] 39.

أقدمية التوحيد وأسبقيته على الشرك:

وإذا كان التوحيد حقيقةً فطريّة، فمن البدهيّ أن يكون الأصل في البشرية هو التوحيد، وأن يكون الشرك انحرافًا طارئًا دخيلًا عليها، فالتوحيد له أقدميته وأسبقيته على الشرك، خلافًا لما تقول به بعض النظريات الضالّة في تطوّر الأديان.

لقد حكى الله تعالى في القرآن الكريم أن أبا البشرية الأول آدم عليه السلام وذريته كانوا على التوحيد، يتبعون منهجًا إلهيًّا منزّلًا إليهم من ربهم تبارك وتعالى، فهم أول البشر، يدينون بالتوحيد الخالص، وبذلك يكون التوحيد سابقًا للشرك، وليس تطوّرًا عنه، ولم يعرف الشرك والانحراف إلا بعد قرون، حينما انحرف القوم عن دين الله وتوحيده، فبعث الله تعالى لهم نوحًا عليه السلام يدعوهم إلى عبادة الله تعالى وحده.

قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ} [الأعراف: 59] 40.

بل لقد بيّن الله سبحانه أن البشرية كانت أول أمرها على التوحيد ثم طرأ عليها الشرك وتعدد الآلهة في آية واضحةٍ، وهي قوله تعالى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ} [البقرة: 213] .

وقد روى الحاكم في المستدرك عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «كان بين نوحٍ وآدم عشرة قرونٍ كلّهم على شريعةٍ من الحقّ، فاختلفوا فبعث الله النّبيّين مبشّرين ومنذرين» ، قال: «وكذلك في قراءة عبد الله: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا} » 41.

ويؤيد هذا التفسير لهذه الآية، الآية الأخرى في سورة يونس: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [يونس: 19] .

وعن قتادة قال: «ذكر لنا أنه كان بين آدم ونوح عليهما السلام عشرة قرون كلهم على الهدى وعلى شريعةٍ من الحق، ثم اختلفوا بعد ذلك؛ فبعث الله عز وجل نوحًا، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض» 42.

وجمهور المفسرين يقولون بأن الناس كانوا أمة واحدة على الهدى والتوحيد، فظهر فيهم الشرك عن طريق تعظيم الموتى، فبعث الله إليهم رسله؛ ليردوهم إلى التوحيد، قال الطبري: «إن دليل القرآن واضحٌ على أن الذين أخبر الله عنهم أنهم كانوا أمة واحدة، إنما كانوا أمة واحدة على الإيمان ودين الحق دون الكفر بالله والشرك به. وذلك أن الله -جل وعز- قال في السورة التي يذكر فيها (يونس) : {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ} [يونس: 19] .

فتوعّد جلّ ذكره على الاختلاف، لا على الاجتماع، ولا على كونهم أمة واحدة، ولو كان اجتماعهم قبل الاختلاف كان على الكفر ثمّ كان الاختلاف بعد ذلك، لم يكن إلا بانتقال بعضهم إلى الإيمان، ولو كان ذلك كذلك، لكان الوعد أولى بحكمته جل ثناؤه في ذلك الحال من الوعيد؛ لأنها حال إنابة بعضهم إلى طاعته، ومحالٌ أن يتوعّد في حال التوبة والإنابة، ويترك ذلك في حال اجتماع الجميع على الكفر والشرك» 43.

ورجّح ابن كثير أيضًا قول ابن عباس وقتادة معلّلًا ترجيحه بقوله: «لأن الناس كانوا على ملة آدم حتى عبدوا الأصنام؛ فبعث الله إليهم نوحًا عليه السلام، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض» ، ويقول: «ثم أخبر الله تعالى أن هذا الشرك حادث في الناس كائن بعد أن لم يكن، وأن الناس كلهم كانوا على دين واحد، وهو الإسلام، ... ، ثم وقع الاختلاف بين الناس، وعبدت الأصنام والأنداد والأوثان؛ فبعث الله الرسل بآياته وبيناته وحججه البالغة وبراهينه الدامغة» 44.

ونقول أيضًا أنه لا عجب في ذلك ولا غرابة؛ لأن الإنسان كلّما كان قريبا من النبع، كان الماء أكثر صفاءً ونقاءً، وكلما ابتعد عن النبع، وجد الماء أقلّ صفاءً ونقاءً؛ لما يطرأ عليه من الأذى، وما يداخله من القذى، والشوائب التي تنصبّ فيه، وهكذا كانت البشرية الأولى على الفطرة والتوحيد؛ لقرب عهدها بربها تعالى، ثم اختلطت بعد ذلك الينابيع، وتضافرت العوامل التي أدّت إلى الانحراف عن التوحيد، فكان ظهور الشرك طارئًا بعد ذلك التوحيد، وكان انحرافًا عنه 45.

تفنيد مزاعم تطور الأديان من الشرك إلى التوحيد:

يزعم بعض الباحثين الغربيين -ممّن يسمّون بعلماء مقارنة الأديان-، وكذلك مقلدتهم من الكتاب المسلمين بأن الشرك سابق على التوحيد، وأن عبادة الإله قد تطورت من جيل إلى جيل، حتى وصلت إلى التوحيد الخالص، حتى زعم بعضهم أن عقيدة الإله الأحد عقيدة جد حديثة، وأنها وليدة عقلية خاصة بالجنس السامي.

وقد اعتمد هؤلاء على نظرية التطور والارتقاء، حيث قاسوا التوحيد في حياة البشر على نمو وتطور العلوم والصناعات التي تنمو وتتطور بسبب الجهد البشري 46.

وقد يظن بعض المسلمين أن في ذلك ترقيًا للإنسان وتزكية للإسلام؛ لأنهم يزعمون أن البشرية لما كانت في حال من التأخر كانت تعبد آلهة متعددة، ولما ترقّت وتقدّمت أصبحت تعبد إلهًا واحدًا؛ فنشأت ديانات التوحيد، يظنون ذلك ويدافعون عنه، وإننا لنأسف كل الأسف لانخداعهم بهذه الأفكار الغربية، وتبنيهم لتلك النظرية الملحدة 47.

ولا يخفى أن هذه الأباطيل فيها إنكار سافر لكل ما سبق من الوحي السماوي والسنة النبوية، علاوةً على منافاتها للفطرة والمنطق في مكابرةٍ صارخةٍ، ولو كان هناك تطورٌ حقًّا -كما تقول هذه النظريات-، لكان من الطبيعي والمنطقي أن يكون هذا التطور من الوحدة إلى الكثرة؛ لأن الواقع يدل على ذلك، فأنت عندما تبدأ بالعدّ والحساب -مثلًا- تبدأ بالواحد وتنتهي بما بعده من كثرة، وليس العكس 48.

أما استدلال القائلين بأسبقية الوثنية على التوحيد بآثار الحفريات التي زعموا بأنها تدل على أن الناس في بادئ الأمر قد تدينوا بالوثنية، ثم تطورت عباداتهم مع تطورهم الفكري، فإن ذلك ما هو إلا مجرد التخمينات والتخرصات الوهمية، والتي لا تقاوم القرآن الكريم، والسنة الثابتة.

ومن الممكن والمعقول جدًا أن تكون تلك الآثار التي اكتشفوها قد وقعت لذرية آدم عليه السلام، وقد حدث الشرك الأول كما أشرنا في قوم نوحٍ عليه السلام، والدليل متى تطرق إليه الاحتمال، فلا يصح أن يكون دليلًا يحتج به، فكيف وأدلتهم تصطدم بنصوص القرآن والسنة؟! 49.

إن الدعوة إلى الإيمان بالله تبارك وتعالى، وتقرير توحيده، وتنزيهه عن الند والصاحبة والولد، وإفراده بالعبادة، والتذلل إليه، والانقياد لأمره وحكمه، هي القضية الأساسية التي من أجلها بعث الله جميع أنبيائه ورسله، وقد جاء ذلك واضحًا جليًا فيما قصه الله تعالى علينا في القرآن الكريم من دعوة الرسل إلى أممهم وأقوامهم 50، يقول ابن أبي العز الحنفي رحمه الله: «اعلم أنّ التّوحيد أوّل دعوة الرّسل، وأوّل منازل الطّريق، وأوّل مقامٍ يقوم فيه السّالك إلى اللّه عز وجل» 51.

ويلاحظ أن الجانب الأهم في دعوة الرسل عليهم السلام هو توحيد الله تعالى بالعبادة وإفراده بها، فلم يبعثهم الله لدعوة الناس إلى مجرد الإيمان بالله وأنه خالقهم، إذ هم مقرّون بذلك تناسقًا مع الفطرة التي فطرهم الله تعالى عليها، ولم تكن قضية وجود الله في يوم من الأيام هي القضية التي يقف الناس عندها، إلا في فترات قليلة، ولظروف خاصة عند بعض الأوروبيين الذين عرف عنهم الإلحاد، وحاولوا أن يجدوا له فلسفة خاصة؛ تبريرا لانحرافهم وفساد فطرتهم 52.

ولا ريب أن توحيد الربوبية لم ينكره المشركون، بل أقرّوا بأنه -سبحانه وحده- خالقهم، وخالق السموات والأرض، والقائم بمصالح العالم كله، وإنما أنكروا توحيد الإلهيّة والمحبّة، كما قد حكى الله تعالى عنهم في قوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ} [البقرة: 165] .

فلما سووا غيره به في هذا التّوحيد كانوا مشركين، كما قال تعالى: {الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ} [الأنعام: 1] .

وقد علّم الله سبحانه وتعالى عباده كيفية مباينة الشّرك في توحيد الإلهيّة، وأنه تعالى حقيق بإفراده وليًّا وحكمًا وربًّا، فقال تعالى: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 14] .

وقال: {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا} [الأنعام: 114] .

وقال: {قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ} [الأنعام: 164] .

فلا وليّ ولا حكم ولا ربّ إلاّ الله، الذي من عدل به غيره، فقد أشرك في ألوهيّته -ولو وحّد ربوبيّته-، فتوحيد الربوبيّة هو الذي اجتمعت فيه الخلائق مؤمنها وكافرها، وتوحيد الإلهيّة مفرق الطرق بين المؤمنين والمشركين 53.

ولذلك حكى الله تعالى عن الأقوام السابقين تعجّبهم من دعوة الأنبياء إلى التوحيد وعبادة الله تعالى وحده.

قال تعالى: {قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا} [الأعراف: 70] .

أي: لنفرده بالعبادة ونخصه بها من دون آلهتنا؟! فلم ينكروا إلا طلب الرسل منهم إفراد العبادة لله، ولم ينكروا الله تعالى، ولا قالوا: إنه لا يعبد، بل أقروا بأنه يعبد، وأنكروا كونه يفرد بالعبادة، فعبدوا مع الله غيره وأشركوا معه سواه واتخذوا معه أندادا، كما قال تعالى: {فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [البقرة: 22] .

فأرسل الله الرسل تأمر بترك عبادة كل ما سواه، وتبين أن هذا الاعتقاد الذي يعتقدونه في الأنداد باطل، وأن التقرب إليهم باطل، وأن ذلك لا يكون إلا لله وحده، وهذا هو توحيد العبادة، وقد كانوا مقرّين بتوحيد الربوبية، وهو أن الله هو الخالق وحده والرازق وحده.

ولقد قرر القرآن الكريم هذا المعنى وأكده بطريقين:

الأول: الطريق الإجمالي.

قال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء: 25] .

فهذا تعميم على سبيل الحصر، بأن كل رسول قد أوحي إليه أن الله تعالى متصف بالوحدانية، لا إله إلا الله، ومستحق للتوحيد، وذلك في قول الله: {لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} ؛ أي: أفردوني بالعبادة؛ لأني متفرد بالألوهية.

وقال تعالى في هذا المعنى أيضًا: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ} [النحل: 36] .

هذه الآية تقرر أن الله تعالى قد بعث في كل أمة رسولًا، وكان أول دعوة كل رسول في كل أمة: أن اعبدوا الله ولا تشركوا به الطواغيت، والطواغيت: كل ما يعبد من دون الله تعالى، وهو مشتق من الطغيان.

وننوه إلى أن هذا الطريق الإجمالي في إثبات القرآن الكريم أن توحيد العبادة هو أساس دعوة الرسل، له صيغتان مختلفتان ومدلولهما واحد، ونمثّل لهما بقوله تعالى: {اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} [الأعراف: 59] .

وقوله: {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ} [هود: 2] .

فإن مدلول الصيغة الأولى: الأمر بعبادة الله، وتقرير أن ليس هناك إله يعبد غيره، ومدلول الصيغة الثانية: النهي عن عبادة غير الله، فالقرآن الكريم دعا لعبادة الله، ونهى عن عبادة غيره؛ لأن النفس البشرية بحاجة إلى النصّ القاطع على شطري هذه الحقيقة، فلم يكتف القرآن بالنهي الضمنيّ المفهوم من الأمر الصريح- على ما هو مقرر في علم الأصول من: «أن الأمر بالشيء نهيٌ عن ضده الذي لا يجتمع معه» ، بل أتى بالنهي الصريح عن عبادة غير الله؛ لأن كثيرًا من الناس يعبدون الله ويعبدون معه غيره، فيقعون في الشرك ويحسبون أنهم مسلمون 54.

الثاني: الطريق التفصيلي الاستقرائي:

هذا الطريق يذكر فيه القرآن الرسل بأسمائهم، وكيف كان التوحيد رأس دعوتهم جميعًا، ومن ذلك:

1.ما جاء في قصة نوح عليه السلام وهو أول رسول من أولي العزم بعث إلى أهل الأرض. قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَاهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف: 59] .

2.قال تعالى عن هود عليه السلام: (وَإِلَى? عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ? قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَا غَيْرُهُ) [الأعراف: 65] .

3.ونفس الألفاظ قال تعالى عن صالح عليه السلام: (وَإِلَى? ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ? قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَاهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف: 73] .

4.وهي الألفاظ التي جاءت على لسان شعيب عليه السلام، قال تعالى: (وَإِلَى? مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا ? قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَاهٍ غَيْرُهُ) [الأعراف: 85] .

5.أما إبراهيم عليه السلام فقد تحدّث القرآن بتفصيل وافر عن دعوته إلى النبوة، وتحدث القرآن عن دعوة إبراهيم بشتى الصيغ والأساليب، في المواقف المتعددة والأحوال المختلفة، ولعل السر في توسيع حديث القرآن عن إبراهيم عليه السلام أنه أبو الأنبياء الذين جاءوا بعده صلى الله عليه وسلم وعلى الرسل أجمعين. وكان اليهود والنصارى والعرب يعترفون بنبوته وأبوته لهم، بل ويعتزون بالانتساب إلى إبراهيم عليه السلام، وبذلك تقوم الحجة على المنتسبين إليه جميعًا الذين انحرفوا عن دين الحق، ووقفوا في دروب من الوثنية الطامسة الدامسة، وبذلك تسقط دعواهم أنهم على دين إبراهيم، كما قال تعالى ردًّا عليهم مجتمعين: (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَ?كِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) [آل عمران: 67] . ويقول تعالى عنه وعن المؤمنين معه: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى? تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ) [الممتحنة: 4] .

6.وكذلك يقول القرآن الكريم عن موسى عليه السلام وهو يدعو إلى وحدانية الله: (وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى?إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَ?هَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي) [طه: 13 - 14] .

7.وكذلك يخبر القرآن عن عيسى عليه السلام: (وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ? إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ ? وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ) [المائدة: 72] .

8.ويخبر القرآن عن دعوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى التوحيد، لقد بعث سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالدعوة العالمية الشاملة، وبالتقرير الأوفى، وبالبيان الأعلى في شأن الدين كله عامة، والتوحيد منه خاصة، وقد أمده القرآن الكريم بأتمّ الحجج والبراهين، وسجّل أقاويل الكفار وردود الوحي عليها؛ حتى تكون حجة الله بالغة باهرة إلى يوم الدين، وحتى لا تكون للناس على الله حجة بعد ختم النبوة؛ لأن القرآن صوتها الممدود ونداؤها الموصول، وفيه أكمل حديث عن التوحيد تقريرًا وإثباتًا، وردًّا على المشركين والملحدين، وإبطالًا للشرك وكل دروب الوثنية والانحراف عن التوحيد. ويكفي مثالًا لهذا ما أمره الله تعالى أن يقول للناس في كلمات جامعة: (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ(1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ) [الإخلاص: 1 - 4] .

فهذه السورة الكريمة على وجازتها جامعة لكل ما يليق بالله -تعالى وحده-، من صفات الكمال: أحدية، استغناء، تنزيه له عن الشركاء والأشباه، ثم هي مصحّحة لضلالات المشركين وأهل الكتاب في باب الاعتقاد 55.

1.التوحيد هو إفراد الله بربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته جميعًا:

(التوحيد) يعني اتصاف الله تعالى بالربوبية والألوهية والأسماء والصفات، و (التوحيد) يعني وجوب إفراده سبحانه وتعالى بالأمور الثلاثة، وهذه هي الحقيقة الشرعية للتوحيد: أن يؤمن العبد بأن الله تعالى هو وحده الرب، صاحب كل صفات التأثير والكمال، وأنه لذلك هو وحده الإله المستحقّ للعبادة والطاعة بلا شريك، وأنه لذلك هو الجدير وحده بالأسماء الحسنى والصفات العلا، فلا يصلح للمخلوق منها اسم ولا صفة، فإذا أقر العبد بأحد هذه الأركان الثلاثة فقط لم يكن موحدًا، وإنما يقال: هو مقرٌّ أو معترفٌ بأحدها، ولكن لا يصح أن يسمى موحدًا؛ لأن التوحيد هو مجموعها معًا.

ولهذا لم يطلق القرآن على الكفار أنهم موحدون توحيد الربوبية، حين أقروا أن الله تعالى هو الخالق المالك الرازق، وإنما سماهم كفارًا مشركين.

قال تعالى: {قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (31) فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (32) كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَى الَّذِينَ فَسَقُوا أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (33) قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [يونس: 31 - 34] .

لقد سماهم القرآن كفارًا مشركين؛ لأنهم لم يأتوا بحقيقة التوحيد الجامعة، وإنما أقروا بوصفٍ منها، والتوحيد لا يقبل التجزئة أصلًا، فمن أشرك في وصفٍ فقد أشرك في الكل؛ لأنه لم يأت بحقيقة مسمى التوحيد الشرعي الجامعة.

ولذلك يقول سبحانه: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ} [النساء: 48] 56.

الربوبية والألوهية إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت