يقول الطبري: «والذين سبقوا الناس أولًا إلى الإيمان بالله ورسوله {مِنَ الْمُهَاجِرِينَ} ، الذين هاجروا قومهم وعشيرتهم، وفارقوا منازلهم وأوطانهم {وَالْأَنْصَارِ} ، الذين نصروا رسول الله صلى الله عليه وسلم على أعدائه، من أهل الكفر بالله ورسوله {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} ، يقول: والذين سلكوا سبيلهم في الإيمان بالله ورسوله، والهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام، طلب رضا الله {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} » 39.
ويقول ابن كثير: «يخبر تعالى عن رضاه عن السابقين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان، ورضاهم عنه بما أعد لهم من جنات النعيم والنعيم المقيم، قال الشعبي: السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار: من أدرك بيعة الرضوان عام الحديبية» .
ثم يعقب على هذا بقوله: «فيا ويل من أبغضهم أو سبهم، أو أبغض أو سب بعضهم، ولا سيما سيد الصحابة بعد الرسول وخيرهم وأفضلهم أعني الصديق الأكبر والخليفة الأعظم أبا بكر بن أبي قحافة رضي الله عنه» 40.
فهذه الآيات، ومثلها كثير، تدل على رفعة شأن الصحابة، وأنهم نالوا أعلى ما يمكن أن يتطلع إليه بشر، وهو رضى رب العالمين.
إذا كان الصحابة الكرام قد نالوا شرف الصحبة بالتقائهم بالرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، فإنهم ولا شك يتفاوتون في الفضل، فهناك من بادر وأسلم يوم كان الإسلام غريبًا، والناس يكذبون رسول الله صلى الله عليه وسلم ويؤذونه، وهناك من تأخر إسلامه، وبين هذين مراتب لا يعلمها إلا الله تعالى، وهذا ما صرحت به الآية الكريمة: {لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ} [الحديد:10] .
قال ابن حجر: «لا خفاء برجحان رتبة من لازمه صلى الله عليه وسلم، وقاتل معه، أو قتل تحت رايته، على من لم يلازمه، أو لم يحضر معه مشهدًا، وعلى من كلمه يسيرًا، أو ماشاه قليلًا، أو رآه على بعد، أو في حال الطفولية، وإن كان شرف الصحبة حاصلًا للجميع» 41.
وسنتناول هذا الأمر في النقاط الآتية:
أولًا: السابقون من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم:
خص الله تعالى المهاجرين والأنصار بشرف عظيم.
يقول سبحانه: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100) } [التوبة:100] .
وقد اختلف العلماء في المراد بالسابقين على أقوال،42 من أهمها:
الأول: قال ابن عباس رضي الله عنهما: هم الذين صلوا إلى القبلتين وشهدوا بدرًا.
الثاني: عن الشعبي: أنهم الذين بايعوا بيعة الرضوان.
قال الرازي: «والصحيح عندي أنهم السابقون في الهجرة، وفي النصرة، والذي يدل عليه أنه ذكر كونهم سابقين ولم يبين أنهم سابقون في ماذا فبقي اللفظ مجملًا، إلا أنه وصفهم بكونهم مهاجرين وأنصارًا، فوجب صرف ذلك اللفظ إلى ما به صاروا مهاجرين وأنصارًا وهو الهجرة والنصرة، فوجب أن يكون المراد منه السابقون الأولون في الهجرة والنصرة إزالة للإجمال عن اللفظ، وأيضًا فالسبق إلى الهجرة طاعة عظيمة من حيث إن الهجرة فعل شاق على النفس، ومخالف للطبع، فمن أقدم عليه أولًا صار قدوة لغيره من هذه الطاعة، وكان ذلك مقويًا لقلب الرسول عليه الصلاة والسلام، وسببًا لزوال الوحشة عن خاطره، وكذلك السبق في النصرة، فإن الرسول عليه الصلاة والسلام لما قدم المدينة، فلا شك أن الذين سبقوا إلى النصرة والخدمة، فازوا بمنصب عظيم» 43.
الثالث: يتناول جميع الصحابة؛ لأن جملة الصحابة موصوفون بكونهم سابقين أولين بالنسبة إلى سائر المسلمين، وكلمة «من» في قوله: {مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ} ليست للتبعيض، بل للتبيين، كقوله: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ} [الحج:30] .
وذهب إلى هذا كثير من الناس 44.
وفي أمر المهاجرين يقول ابن كثير: «فأما المهاجرون فلم يكن فيهم أحد نافق؛ لأنه لم يكن أحد يهاجر مكرهًا، بل يهاجر فيترك ماله وولده وأرضه رغبة فيما عند الله في الدار الآخرة» 45.
ونلحظ في هذه الآية الآتي: الإتيان بالفعل الماضي في {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ .. } ولا شك أن هذا يقتضي تحقق هذا الأمر فيهم، وأنه لن يتغير، ولأنه غير مقيد بزمن، ولارتباطه بعلة قد ثبتت، وهي الهجرة والنصرة، يقول الرازي -مناقشًا من يتناول إمامة أبي بكر الصديق رضي الله عنه بالطعن-: «قوله: لم قلتم: إنه بقي موصوفًا بهذه الصفة بعد إقدامه على طلب الإمامة؟
قلنا: قوله تعالى: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} يتناول جميع الأحوال والأوقات، بدليل أنه لا وقت ولا حال إلا ويصح استثناؤه منه؛ فيقال رضي الله عنهم إلا في وقت طلب الإمامة، ومقتضى الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل تحت اللفظ.
أو نقول: إنا بينا أنه تعالى وصفهم بكونهم سابقين مهاجرين، وذلك يقتضي أن المراد كونهم سابقين في الهجرة، ثم لما وصفهم بهذا الوصف أثبت لهم ما يوجب التعظيم، وهو قوله: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} والسبق في الهجرة وصف مناسب للتعظيم، وذكر الحكم عقيب الوصف المناسب، يدل على كون ذلك الحكم معللًا بذلك الوصف، فدل هذا على أن التعظيم الحاصل من قوله: {رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ} معلل بكونهم سابقين في الهجرة، والعلة ما دامت موجودة، وجب ترتب المعلول عليها، وكونهم سابقين في الهجرة وصف دائم في جميع مدة وجودهم، فوجب أن يكون ذلك الرضوان حاصلًا في جميع مدة وجودهم.
أو نقول: إنه تعالى قال: {وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ} ، وذلك يقتضي أنه تعالى قد أعد تلك الجنات، وعينها لهم، وذلك يقتضي بقاءهم على تلك الصفة التي لأجلها صاروا مستحقين لتلك الجنات، وليس لأحد أن يقول: المراد أنه تعالى أعدها لهم لو بقوا على صفة الإيمان، لأنا نقول: هذا زيادة إضمار، وهو خلاف الظاهر. وأيضًا فعلى هذا التقدير: لا يبقى بين هؤلاء المذكورين في هذا المدح، وبين سائر الفرق فرق؛ لأنه تعالى أعد لهم جناتٍ تجري تحتها الأنهار ولفرعون وهامان وأبي جهل وأبي لهب، لو صاروا مؤمنين.
ومعلوم أنه تعالى إنما ذكر هذا الكلام في معرض المدح العظيم والثناء الكامل، وحمله على ما ذكروه يوجب بطلان هذا المدح والثناء، فسقط هذا السؤال. فظهر أن هذه الآية دالة على فضل أبي بكر، وعلى صحة القول بإمامته قطعًا» 46.
قوله تعالى: {وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ} قيد هذا الوصف بكونهم محسنين، في حين خلا وصف المهاجرين والأنصار من ذلك، وفي هذا يقول ابن عاشور: «وإنما قيد هذا الفريق خاصة؛ لأن السابقين الأولين ما بعثهم على الإيمان إلا الإخلاص، فهم محسنون، وأما الذين اتبعوهم فمن بينهم من آمن اعتزازًا بالمسلمين حين صاروا أكثر أهل المدينة، فمنهم من آمن وفي إيمانه ضعف وتردد، مثل المؤلفة قلوبهم، فربما نزل بهم إلى النفاق، وربما ارتقى بهم إلى الإيمان الكامل» 47.
وقال البخاري: «باب مناقب المهاجرين وفضلهم، ثم أورد هذه الآية: {لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (8) } [الحشر:8] .
وقال: {إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ} إلى قوله: {إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا} [التوبة:40] .
قالت عائشة وأبو سعيد وابن عباس رضي الله عنهم: وكان أبو بكر مع النبي صلى الله عليه وسلم في الغار» 48.
ثم أورد حديثًا بسنده عن أبي بكر رضي الله عنه قال: (قلت للنبي صلى الله عليه وسلم وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال:(ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما) 49.
ثم قال: «باب مناقب الأنصار، وأورد هذه الآية: {وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا} [الحشر:9] .
ثم أورد حديثًا بسنده «عن غيلان بن جرير قال: (قلت لأنس: أرأيت اسم الأنصار كنتم تسمون به، أم سماكم الله؟ قال: بل سمانا الله) 50.
ثم أورد تحت باب حب الأنصار من الإيمان، حديث البراء رضي الله عنه قال: (سمعت النبي صلى الله عليه وسلم أو قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم(الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله) 51.
وحديث أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (آية الإيمان حب الأنصار وآية النفاق بغض الأنصار) 52.
ثانيًا: المؤمنون من أهل الكتاب رضي الله عنهم:
أهل الكتاب يراد بهم اليهود والنصارى، وقد أكثر القرآن الكريم من ذكرهم، وميزهم عن المشركين، وهذا من العدل الرباني، ولعل في إطلاق هذا اللقب عليهم، ما يبين السبب في ذلك، وفيه لوم لهم، على عدم المسارعة إلى الإيمان، فقد عادى أكثرهم الإسلام ونبيه صلى الله عليه وسلم وكادوا له، ومع ذلك فقد أسلم منهم نفر قليل، كان للقرآن إشادة بهم، من ذلك:
قوله تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (113) يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (115) } [آل عمران: 113 - 115]
قال ابن العربي: «وقد اتفق المفسرون أنها نزلت فيمن أسلم من أهل الكتاب، وعليه يدل ظاهر القرآن ومفتتح الكلام نفي المساواة بين من أسلم منهم وبين من بقي منهم على الكفر، إلا أنه روي عن ابن مسعود أن معناه نفي المساواة بين أهل الكتاب وأمة محمد صلى الله عليه وسلم. وقد روي عن ابن عباس أنها نزلت في عبد الله بن سلام ومن أسلم معه من أهل الكتاب» 53.
وقال ابن كثير: «والمشهور عند كثير من المفسرين كما ذكره محمد بن إسحاق وغيره، ورواه العوفي عن ابن عباس أن هذه الآيات نزلت فيمن آمن من أحبار أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام، وأسد بن عبيد، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، وغيرهم، أي: لا يستوي من تقدم ذكرهم بالذم من أهل الكتاب، وهؤلاء الذين أسلموا، ولهذا قال تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً} أي: ليسوا كلهم على حد سواء، بل منهم المؤمن ومنهم المجرم.
ولهذا قال تعالى: {مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ} أي: قائمة بأمر الله مطيعة لشرعه، متبعة نبي الله، فهي قائمة، يعني: مستقيمة {يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} أي: يقومون الليل ويكثرون التهجد، ويتلون القرآن في صلواتهم {يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ} وهؤلاء هم المذكورون في آخر السورة {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ} [آل عمران:199] .
ولهذا قال تعالى ههنا: { (114) وَمَا يَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَلَنْ يُكْفَرُوهُ} أي: لا يضيع عند الله، بل يجزيهم به أوفر الجزاء {وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ} أي: «لا يخفى عليه عمل عامل، ولا يضيع لديه أجر من أحسن عملًا» 54.
وقال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (52) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (53) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (54) وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (55) } [القصص:52 - 55] .
قال ابن كثير: «يخبر تعالى عن العلماء الأولياء من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن، كما قال تعالى: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} [البقرة:121] .
وقال تعالى: {وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ} [آل عمران:199] .
وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (107) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (108) } [الإسراء:107 - 108] .
وقال تعالى: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى} إلى قوله: {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [المائدة:82 - 83] .
{إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ} من قبل هذا القرآن، كنا مسلمين، أي: موحدين مخلصين لله مستجيبين له.
قال الله تعالى: {أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا} هؤلاء المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول ثم الثاني، ولهذا قال: {بِمَا صَبَرُوا} على اتباع الحق، فإن تجشم مثل هذا شديد على النفوس.
وقد ورد في الصحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت له أمة، فأدبها فأحسن تأديبها، ثم أعتقها فتزوجها) 55.
وقال تعالى: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (82) وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (83) وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا جَاءَنَا مِنَ الْحَقِّ وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ (84) فَأَثَابَهُمُ اللَّهُ بِمَا قَالُوا جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (85) } [المائدة:82 - 85] .
يقول الطبري: «إن الله تعالى ذكره أخبر عن النفر الذين أثنى عليهم من النصارى بقرب مودتهم لأهل الإيمان بالله ورسوله، أن ذلك إنما كان منهم لأن منهم أهل اجتهاد في العبادة، وترهب في الديارات والصوامع، وأن منهم علماء بكتبهم وأهل تلاوة لها، فهم لا يبعدون من المؤمنين لتواضعهم للحق إذا عرفوه، ولا يستكبرون عن قبوله إذا تبينوه؛ لأنهم أهل دين واجتهاد فيه، ونصيحة لأنفسهم في ذات الله، وليسوا كاليهود الذين قد دربوا بقتل الأنبياء والرسل، ومعاندة الله في أمره ونهيه، وتحريف تنزيله الذي أنزله في كتبه» 56.
{وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ} وفيض العين من الدمع: امتلاؤها منه، ثم سيلانه منها، كفيض النهر من الماء، وفيض الإناء، وذلك سيلانه عن شدة امتلائه {مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ} لمعرفتهم بأن الذي يتلى عليهم من كتاب الله الذي أنزله إلى رسول الله حقٌ، {يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا} صدقنا لما سمعنا ما أنزلته إلى نبيك محمد صلى الله عليه وسلم من كتابك، وأقررنا به أنه من عندك، وأنه الحق لا شك فيه. {فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} وهم أمة محمد صلى الله عليه وسلم، الذين يشهدون لأنبيائك يوم القيامة، أنهم قد بلغوا أممهم رسالاتك 57.
إلى غير ذلك من الآيات.
نستخلص من الآيات التي تحدثت عن مؤمني أهل الكتاب الآتي:
1.أن أهل الكتاب ليسوا على طبيعة واحدة -كما يظن- بل منهم من يرجى فيه الخير، فيدخل في الإسلام.
2.أن النصارى أقرب لقبول الحق من اليهود، وقد بينت الآيات سبب ذلك، وقد يقال: إن أكثر من أسلم في عهد النبي صلى الله عليه وسلم من اليهود، والجواب: أن مرد ذلك وجود اليهود في المدينة، ورؤيتهم للنبي صلى الله عليه وسلم وأحواله، وإننا لنجد مصداق ما أخبر به القرآن الكريم في عصرنا هذا من كثرة دخول النصارى في الإسلام.
3.وصف القرآن الكريم من آمن منهم بأوصاف تدل على صدقهم وإخلاصهم، من ذلك:
ثم وعدهم الله عز وجل بأمور كثيرة، منها:
ولقد سبقت الإشارة إلى ذكر أسماء بعض من أسلم، كعبد الله بن سلام، وأسد بن عبيد، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية رضي الله عنهم.
ضرب الصحابة رضي الله عنهم أروع المواقف في الالتزام بأوامر الله تعالى وأوامر رسوله صلى الله عليه وسلم، والأمثلة كثيرة، سنقتصر على بعضها:
أولًا: الإذعان والتسليم:
إن من حقائق هذا الدين ومسلماته، أن الداخل فيه لا بد أن يسلم وجهه لله سبحانه وتعالى، وقد أرشد القرآن الكريم لذلك.
قال تعالى: (ک ک گ گ گ گ ? ? ? ? ? ? ں ں ? ? ?) [النساء:125] .
يقول الشنقيطي: «معنى إسلام وجهه لله: إطاعته وإذعانه، وانقياده لله تعالى بامتثال أمره، واجتناب نهيه» 59.
والآيات في هذا المعنى كثيرة، ولقد كان للصحابة رضي الله عنهم فضل السبق في هذا الأمر، كما هو الشأن في كل خير، ولنضرب بعض الأمثلة:
ما وقع من امتثال أمر الله تعالى في يوم حمراء الأسد:
يقول سبحانه وتعالى: (? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? پ پ پ پ ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ٹ ٹ ٹ ٹ ? ? ? ?) [آل عمران:172 - 175] .