أولًا: المعنى اللغوي:
(خلص) الشيء صار (خالصًا) وبابه دخل، و (خلص) إليه الشيء وصل، و (خلصه) من كذا (تخليصًا) أي: نجاه (فتخلص) ، و (خلاصة) السمن بالضم ما خلص منه، وكذا (خلاصته) بالكسر، و (أخلص) السمن طبخه، و (الإخلاص) أيضًا في الطاعة ترك الرياء، وقد (أخلص) لله الدين، و (خالصه) في العشرة صافاه، وهذا الشيء (خالصةٌ) لك أي: خاصةٌ، و (استخلصه) لنفسه استخصه، و (المخلص) : الذي أخلصه الله جعله مختارًا خالصًا من الدنس، و (المخلص) : الذي وحد الله تعالى خالصًا، و (المخلصون) المختارون، و (المخلصون) الموحدون، وضد الإخلاص الشرك، والرياء، وابتغاء غير وجه الله 1.
ثانيًا: المعنى الاصطلاحي:
عرف العلماء الإخلاص بتعريفات عدة منها ما يأتي:
قال الجنيد: الإخلاص «ما أريد به الله من أي عمل كان» 2.
قال ابن القيم: الإخلاص «تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين» 3.
عرفه الشيخ العثيمين بقوله: «الإخلاص هو التنقية، والمراد به أن يقصد المرء بعبادته وجه الله عز وجل، والوصول إلى دار كرامته، بحيث لا يعبد معه غيره لا ملكًا مقربًا، ولا نبيًا مرسلًا» 4.
وقال الجرجاني في أحد تعاريفه للإخلاص: «ستر بين العبد وبين الله تعالى، لا يعلمه ملك فيكتبه، ولا شيطان فيفسده، ولا هوًى فيميله» 5.
فالمعنى الاصطلاحي خص ببعض معانيه اللغوية.
ثالثًا: الفرق بين المُخْلِص والمُخْلَص:
المُخْلِصُون - بكسر اللام - جمع مُخْلِص، وهو الذي أخلص عبادته لله تعالى فلم يشرك به شيئًا، فهو بهذا اسم فاعل.
وأما المُخْلَصُون - بفتح اللام - فهو جمع مُخْلَص، أي: من أخلصه الله تعالى واختاره، فهو اسم مفعول، وقد قرئ قول الله تعالى في سورة يوسف: {إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (24) } [يوسف:24] بكسر اللام وبفتحها.
قال ابن جرير الطبري: بفتح اللام من المخلصين بتأويل أن يوسف من عبادنا الذين أخلصناهم لأنفسنا واخترناهم لنبوتنا ورسالتنا، بكسر اللام بمعنى أن يوسف من عبادنا الذين أخلصوا توحيدنا وعبادتنا فلم يشركوا بنا شيئًا غيرنا 6.
فالمُخْلِص من كانت أعماله خالصةً لله، أي: يقوم بها لله فقط، ولا يقوم بها لغيره لا بالانفراد، أي: لغير الله فقط، ولا بالشركة، أي: لغير الله ولله معًا، وقد وردت في هذا المعنى آيات عديدة في القرآن الكريم، منها قوله تعالى: {وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) } [الأعراف:29] .
وقوله تعالى: {هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (65) } [غافر:65] .
وقوله تعالى: {فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (65) } [العنكبوت:65] .
وقوله تعالى: {فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (14) } [غافر:14] .
وقوله تعالى: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) } [الزمر:14] .
أما المُخْلَص -بصيغة المفعول- فهو من طبعه الله بطابع الإخلاص، أي: ختمه ومهره بختم الإخلاص، فاستخلصه وجعله خالصًا وأيد إخلاصه، ووردت في هذا المعنى أيضًا آيات عديدة.
قال تعالى: {قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (82) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (83) } [ص:82 - 83] .
وفي هذه الآية يقسم الشيطان بعزة الله تعالى بعد أن طرده الله من الجنة لما رفض السجود لآدم (عليه السلام) أنه سيقوم بإغواء بني آدم كلهم، ولكنه استثنى منهم عباد الله المخلصين، فإن من استخلصهم الله تعالى ووقع على إخلاصهم، لا يقدر إبليس على إغوائهم، ولما تحدث الله عن أنبيائه وصفهم بالإخلاص، قال الله تعالى عن موسى عليه السلام: {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51) } [مريم:51] .
وردت مادة (خلص) في القرآن (38) مرة 7.
والصيغ التي وردت هي:
الصيغة ... عدد المرات ... المثال
الفعل الماضي ... 3 ... {إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (46) } [ص:46]
الفعل المضارع ... 1 ... {وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) } [يوسف:54]
اسم الفاعل ... 18 ... {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) } [الزمر:2]
اسم المفعول ... 9 ... {وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (51) } [مريم:51]
مصدر ... 7 ... {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (94) } [البقرة:94]
وجاء الإخلاص في القرآن بمعناه اللغوي، وهو: تنقية الشيء وتهذيبه، وأخلص الدين: أمحضه، والمخلص الذي اختاره الله 8.
النية:
النية لغةً:
(نوي) : نويته أنويه قصدته والاسم النية، والنية: القصد 9، وخصت النية في غالب الاستعمال بعزم القلب على أمرٍ من الأمور 10.
النية اصطلاحًا:
مجرد القصد إلى الشيء أو الإرادة له من دون اعتبار أمر آخر 11، وهي توجه القلب نحو العمل، وليس من ذلك بشيء 12.
الصلة بين الإخلاص والنية:
بينهما علاقة وطيدة حيث إن الإخلاص يعني قصد الله سبحانه وتعالى في العبادة، والنية تعني القصد والعزم على الأمر، ويلاحظ أن بينهما عمومًا وخصوصًا فالنية أعم، إذ هي تشمل النية الحسنة والسيئة، بخلاف الإخلاص الذي يختص بالنية الصالحة الحسنة فقط.
القصد:
القصد لغةً:
إتيان الشيء تقول: (قصده) وقصد له وقصد إليه كله بمعنًى واحدٍ، و (قصد) قصده أي: نحا نحوه، القصد: استقامة الطريق، قصد يقصد قصدًا، فهو قاصد 13.
القصد اصطلاحًا:
استقامة الطريق 14، وقيل: المعنى دون اللفظ 15، وقيل القصد: إرادة المتكلم مع إدراك معنى الكلام وما يترتب عليه من التزامات؛ لأن الألفاظ تعبر وتدل على ما في النفس، لتترتب الأحكام عليها 16.
الصلة بين القصد والإخلاص:
أن القصد بمعنى الإرادة، والإخلاص أيضًا يأتي بمعنى إرادة العبد ربه في عبادته دون غيره، فالإخلاص له صلة وثيقة بالقصد.
الرياء:
الرياء لغةً:
يقال فلانٌ (مراءٍ) ، وقومٌ (مراءون) ، والاسم (الرياء) يقال: فعل ذلك رياءً وسمعةً، إظهار غير ما في الباطن 17.
الرياء اصطلاحًا:
العمل لرؤية الناس والسمعة لأجل سماعهم 18 وقيل: الرياء هو أن يعمل المرء العمل ظاهره أنه لله ولكنه في الباطن يريد به مدح الناس له.
الصلة بين الرياء والإخلاص:
أن الرياء من الألفاظ المقابلة للإخلاص، فالرياء يقصد منه إرضاء الناس، أما الإخلاص يقصد منه ابتغاء وجه الله تعالى.
الشرك:
الشرك لغةً:
هو أن يوجد شيء لاثنين فصاعدًا، عينًا كان ذلك الشيء، أو معنى 19.
الشرك اصطلاحًا:
عبادة غير الله تعالى 20، وقيل: الشرك هو دعاء غير الله في الأشياء التي تختص به أو اعتقاد القدرة لغيره فيما لا يقدر عليه سواه، أو التقرب إلى غيره بشيء مما لا يتقرب به إلا إليه 21.
الصلة بين الإخلاص والشرك:
أن الشرك من الألفاظ المقابلة للإخلاص، فالشرك يعني عبادة غير الله تعالى معه، أما الإخلاص فهو توجه العبد إلى ربه دون غيره.
حفل القرآن الكريم بالآيات العديدة التي تتحدث عن الإخلاص، وبيان منزلة المخلصين، والأجر الذي أعده لهم، كما تحدث العلماء عن درجات الإخلاص في العبادات ومنهم ابن القيم رحمه الله، وسوف نتعرف في هذا المبحث على منزلة الإخلاص ودرجاته في القرآن الكريم.
أولًا: منزلة الإخلاص
يعد الإخلاص من أهم أعمال القلوب المندرجة في تعريف الإيمان، وأعظمها قدرًا ومنزلة، بل إن أعمال القلوب عمومًا أهم من أعمال الجوارح، ويكفي أن العمل القلبي هو الفرق بين الإيمان والكفر، فالساجد لله والساجد للصنم كلاهما قام بالعمل نفسه، لكن القصد يختلف، وبناء عليه آمن هذا وكفر هذا.
يقول شيخ الإسلام رحمه الله في بيان أهمية أعمال القلوب: «وهي من أصول الإيمان وقواعد الدين، مثل محبته لله ورسوله، والتوكل على الله، وإخلاص الدين لله، والشكر له والصبر على حكمه، والخوف منه، والرجاء له، وما يتبع ذلك» 22.
فالإخلاص له منزلة عظيمة في كتاب الله سبحانه وتعالى، فهو مضمون دعوة الرسل وحقيقة الدين.
قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ} [البينة:5] .
يقول الإمام السعدي في تفسيره لهذه الآية: «قاصدين بجميع عباداتهم الظاهرة والباطنة وجه الله» 23.
وقال تعالى: {الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2) } [الملك:2] .
قال الفضيل بن عياض في هذه الآية: «أخلصه وأصوبه» ، قلت: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص: إذا كان لله، والصواب: إذا كان على السنة 24.
وقال سبحانه وتعالى مخاطبًا نبيه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (2) } [الزمر:2] .
أي: فاعبد الله وحده لا شريك له، وادع الخلق إلى عبادته، وأعلمهم أنه لا تصلح العبادة إلا له وحده، وأنه ليس له شريكٌ ولا عديلٌ ولا نديدٌ؛ ولهذا قال: {أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ} [الزمر:3] .
أي: لا يقبل من العمل إلا ما أخلص فيه العامل لله، وحده لا شريك له 25.
وقال تعالى: {قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (14) } [الزمر:14] .
قل إني أمرت بإخلاص الدين وأمرت بذلك لأن أكون أول المسلمين، أي: مقدمهم وسابقهم في الدنيا والآخرة، ولمعنى: أن الإخلاص له السبقة في الدين، فمن أخلص كان سابقًا 26.
ثانيًا: درجات الإخلاص:
ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله في مدارج السالكين درجات الإخلاص 27:
الدرجة الأولى: إخراج رؤية العمل عن العمل والخلاص من طلب العوض على العمل، ويقصد بهذه الدرجة تصفية العمل من كل شوبٍ بحيث لا يخالط عمله أي عرض من أعراض الدنيا الزائلة، أي: لا يمازج عمله ما يشوبه من شوائب النفس إما طلب التزين في قلوب الخلق، وإما طلب مدحهم، والهرب من ذمهم، أو طلب تعظيمهم، أو غير ذلك.
ويعرض للعامل في عمله ثلاث آفاتٍ: رؤيته وملاحظته، وطلب العوض عليه، ورضاه به وسكونه إليه.
ففي هذه الدرجة يتخلص من هذه الآفات، فالذي يخلصه من رؤية عمله مشاهدته لمنة الله عليه وفضله، وأنه بالله لا بنفسه، وأنه إنما أوجب عمله مشيئة الله لا مشيئته هو، كما قال تعالى: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29) } [التكوير:29] .
فالخير الذي يصدر منها إنما هو من الله وبه، لا من العبد، ولا به، كما قال تعالى: {وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (21) } [النور:21] .
فكل خيرٍ في العبد فإنما هو فضل الله ومنته، فالذي يخلص العبد من هذه الآفة: معرفة ربه، ومعرفة نفسه، والذي يخلصه من طلب العوض على العمل: علمه بأنه عبدٌ محضٌ، والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضًا ولا أجرةً؛ إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته، فما يناله من سيده من الأجر والثواب تفضلٌ منه وإنعام.
والذي يخلصه من رضاه بعمله وسكونه إليه أمران:
الأول: مطالعة عيوبه وآفاته، وتقصيره فيها.
الثاني: علمه بما يستحقه الرب جل جلاله من حقوق العبودية.
الدرجة الثانية: الخجل من العمل مع بذل المجهود، وتوفير الجهد بالاحتماء من الشهود، ورؤية العمل في نور التوفيق من عين الجود.
قال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (60) } [المؤمنون:60] .
أي: خائفة من أنهم إلى ربهم راجعون، فلا ينجيهم ما فعلوا من ذلك من عذاب الله، فهم خائفون من المرجع إلى الله 28.
واشتملت هذه الدرجة على خمسة أشياء: عملٌ، واجتهادٌ فيه، وخجلٌ، وحياءٌ من الله عز وجل، وصيانةٌ عن شهوده منك، ورؤيته من عين جود الله سبحانه ومنه.
الدرجة الثالثة: إخلاص العمل بالخلاص من العمل، تدعه يسير سير العلم، الكلام: أنك تجعل عملك تابعًا لعلمٍ، موافقًا له، ناظرًا إلى الحكم الديني الأمري، متقيدًا به ناظرًا إلى ترتب الثواب والعقاب عليه سببًا وكسبًا. ومع ذلك فتسير أنت بقلبك، مشاهدًا للحكم الشرعي، فيكون قائمًا بالأمر والنهي فعلًا وتركًا، سائرًا بسيره، وبالقضاء والقدر، إيمانًا وشهودًا وحقيقةً، فهو ناظرٌ إلى الحقيقة، قائمٌ بالشريعة.
قال تعالى: {لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (28) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (29) } [التكوير:28 - 29] .
أي: وما تشاءون الاستقامة أو غيرها، إلا إذا شاءها وأرادها الله تعالى رب العالمين؛ إذ مشيئة الله تعالى هي النافذة، أما مشيئتكم فلا وزن لها إلا إذا أذنت بها مشيئته تعالى 29.
فالمقصود من الآية الكريمة بيان أن كل مشيئة لا قيمة لها ولا وزن، إلا إذا أيدتها مشيئة الله عز وجل.
وقال تعالى: {إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (29) وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (30) } [الإنسان:29 - 30] .
ذكر الله سبحانه وتعالى في كتابه صورًا متعددة للإخلاص؛ كإخلاص الدين لله تعالى، والإخلاص في العقيدة، والعبادة، والشعائر، والدعاء، والعلم والدعوة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا ما سنتحدث عنه في هذا المبحث.
قال تعالى: (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) [النساء:125] .
لما كان المراد الإخلاص الذي هو أشرف الأشياء، عبر عنه بالوجه الذي هو أشرف الأعضاء فقال: (وَجْهَهُ) ، أي: الجهة التي يتوجه إليها بوجهه، أي: قصده كله (لِلَّهِ) فلا حركة له وسكنة ولا عمل ولا عبادة إلا فيما يرضاه، لكونه الواحد الذي لا مثل له 30.
و قال تعالى: (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ ?2?) [الزمر:2] .
يقول الطبري في تفسيره: «يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: إنا أنزلنا إليك يا محمد الكتاب، يعني بالكتاب: القرآن (بالحق) يعني بالعدل، يقول: أنزلنا إليك هذا القرآن يأمر بالحق والعدل، ومن ذلك الحق والعدل أن تعبد الله مخلصًا له الدين، لأن الدين له لا للأوثان التي لا تملك ضرًا ولا نفعًا» 31.
قال تعالى: (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) [البينة:5] .
(مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ) : إخلاص الدين له يخرج على وجهين:
الأول: أن يخلص له الدين، ويصفى، لا يشرك فيه غيره، ويكون من خلوصه وصفائه.
والثاني: الدين الخالص هو الدائم 32.
وقال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ(30) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ? وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ) [فصلت:30 - 31] .
(رَبُّنَا اللَّهُ) وحدوا الله و (اسْتَقَامُوا) على التوحيد أو على لزوم الطاعة وأداء الفرائض، أو على إخلاص الدين والعمل إلى الموت، أو استقاموا في أفعالهم كما استقاموا في أقوالهم، أو استقاموا سرًا كما استقاموا جهرًا (تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ) عند الموت، أو عند الخروج من قبورهم (أَلَّا تَخَافُوا) أمامكم (وَلَا تَحْزَنُوا) .
ثم بشرهم بالجنة؛ لأن الاستقامة على منهاج الحق والخير وطاعة الله تعالى، دليل على الإخلاص في الدين، والانحراف عن ذلك المنهاج أمارة واضحة على الجهالة وقلة الوعي وضعف الإدراك، والجبن والمهانة، والانصياع للذات والأهواء والشهوات، فما استقام أحد إلا نجا وأفلح، وكان متماسك الشخصية، قوي العزيمة والإرادة، وما ضل أحد إلا هلك ودمر نفسه، وكان خائر العزيمة، ضعيف الإرادة، لذا كان الدين سبيلًا لخير الإنسان، وإبعاده عن الشرور والآثام، فجاء القرآن الكريم يحض على الاستقامة 33.
إذا تأملنا القرآن الكريم، وسيرة الرسول صلى الله عليه وسلم في الدعوة، نصل إلى حقيقة واضحة كل الوضوح، أن غالب آيات القرآن الكريم جاءت في تقرير عقيدة التوحيد، توحيد الإلوهية، والربوبية، والأسماء والصفات، والدعوة إلى إخلاص العبادة والدين لله وحده لا شريك له، وتثبيت أصول الاعتقاد.
ولقد قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم غالب وقته في تقرير الاعتقاد والدعوة إلى توحيد الله تعالى بالعبادة والطاعة.
قال تعالى: (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) [البقرة:139] .
يقول ابن كثير: «يقول الله تعالى مرشدًا نبيه صلوات الله وسلامه عليه إلى درء مجادلة المشركين: (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ) أي: أتناظروننا في توحيد الله والإخلاص له والانقياد، واتباع أوامره وترك زواجره (وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ) المتصرف فينا وفيكم، المستحق لإخلاص الإلهية له وحده لا شريك له! (وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) أي: نحن برآء منكم، وأنتم برآء منا» 34.
قال تعالى: (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا) [الكهف:110] .
(فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ) يقول: فمن يخاف ربه يوم يلقاه، ويراقبه على معاصيه، ويرجو ثوابه على طاعته (فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا) يقول: فليخلص له العبادة، وليفرد له الربوبية، ولا يجعل له شريكًا في عبادته 35.
من صور الإخلاص التي لابد للمسلم أن يحرص على تحقيقها الإخلاص في العبادة، فقد أمر الله سبحانه وتعالى نبيه أن يخلص في عبادته لربه.
قال تعالى: (فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) [الزمر:2] أي: فاعبد الله وحده مخلصًا له في عبادتك، ولا تقصد بعملك إلا الله (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) [الزمر:3] .
أي: ألا فانتبهوا أيها الناس: إن الله تعالى لا يقبل إلا ما كان خالصًا لوجهه الكريم؛ لأنه المتفرد بصفات الألوهية، المطلع على السرائر الضمائر 36، وقال تعالى: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) [الزمر:11] .
أي: «إنما أمرت بإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له» 37، وقد أمر الله سبحانه وتعالى نبيه بإخلاص العبادة له، فقال سبحانه: (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي) [الزمر:14] .
أمرٌ بأن يعيد التصريح بأنه يعبد الله وحده تأكيدًا لقوله: (قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ) [الزمر:11] .
لأهميته، وإن كان مفاد الجملتين واحدًا؛ لأنهما معًا تفيدان أنه لا يعبد إلا الله تعالى باعتبار تقييد أعبد الله الأول بقيد مخلصًا له الدين، وباعتبار تقديم المفعول على أعبد الثاني فتأكد معنى التوحيد مرتين ليتقرر ثلاث مراتٍ، وتمهيدًا لقوله: فاعبدوا ما شئتم من دونه 38.
يعتبر الإخلاص في الشعائر التعبدية التي فرضها الله سبحانه وتعالى على عباده من صور الإخلاص، فالمسلم إن أخلص في صلاته وصيامه وحجه وزكاته، فإنه يبتعد عن الرياء الذي يفسد العبادة، ويبقى في معية ربه وحفظه وتوفيقه، فلا بد أن تكون حياة المسلم كلها ابتغاء وجه الله.
قال تعالى: (قُل إِنَّ صَلاتي وَنُسُكي وَمَحيايَ وَمَماتي لِلَّهِ رَبِّ العالَمينَ ?162? لا شَريكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرتُ وَأَنا أَوَّلُ المُسلِمينَ) [الأنعام:162 - 163] .
يقول ابن عاشور: «جعل صلاته لله دون غيره تعريضًا بالمشركين؛ إذ كانوا يسجدون للأصنام، ولذلك أردف بجملة لا شريك له، والنسك حقيقته العبادة ومنه يسمى العابد الناسك» 39.
قال بعض العلماء: المراد بالنسك هنا النحر؛ لأن الكفار كانوا يتقربون لأصنامهم بعبادةٍ من أعظم العبادات: هي النحر، فأمر الله تعالى نبيه أن يقول إن صلاته ونحره كلاهما خالصٌ لله تعالى، ويدل لهذا قوله تعالى: (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْڑ ڑ) ، وقال بعض العلماء: النسك جميع العبادات، ويدخل فيه النحر، وقال بعضهم: المراد بقوله: وانحر وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت النحر في الصلاة 40.
ومن أخلص في صلاته ونسكه، استلزم ذلك إخلاصه لله في سائر أعماله.