وتعتبر مواعظ لقمان لابنه مواعظ إيمانية في الجملة من حيث إنها تزيد في الإيمان، وتؤدي إلى التصديق المطلق بالله تعالى؛ ولأن الإيمان هو الأساس الذي تقوم عليه العبادات، فقد بدأ لقمان به لأنه المهم، وهو أول ما يبدأ به الواعظ الحكيم.
قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) } [لقمان:13] .
وقد قال جمهور المفسرين: إن ابن لقمان كان مشركًا فلم يزل لقمان يعظه حتى آمن بالله وحده 54.
ثم بين له أن الشرك ظلم عظيم عند الله؛ لأن الله هو المحيي المميت الرازق المنعم وحده لا شريك له، فإذا أشرك به أحد غيره، فذلك أعظم الظلم؛ لأنه جعل النعمة لغير ربها.
وأصل الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه 55، وسماه ظلمًا؛ لأنه قد ظلم به نفسه، وليس شيء من الذنوب أعظم من الشرك بالله 56.
والظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، من أشرك مع الله غيره فقد وضع الشيء في غير موضعه 57، وهذه الآية كقوله تعالى: {وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (106) } [يونس:106] .
أي: ولا تدع من دون معبودك وخالقك شيئا لا ينفعك في الدنيا ولا في الآخرة، ولا يضرك في دين ولا دنيا، يعني بذلك الآلهة والأصنام. يقول: لا تعبدها راجيا نفعها أو خائفا ضرها، فإنها لا تنفع ولا تضر فإن فعلت ذلك، فدعوتها من دون الله فإنك إذا من الظالمين من المشركين بالله الظالمي أنفسهم 58.
ولأن الشرك تسوية بين من لا نعمة إلا وهي منه ومن لا نعمة له أصلًا 59، ولأن الشرك أعظم الذنوب الموجب للعذاب والخلود في الجحيم.
قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (48) } [النساء:48] .
وقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا (116) } [النساء:116] .
وقوله سبحانه: {إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ} [المائدة:72] .
ووجه كون الكفر والشرك ظلما، وهو أن الكافر والمشرك ظالم بذلك؛ لأن الظلم هو التعدي وتجاوز الحد، ونصر الباطل، ومجانبة الحق، وإخفاء الحقيقة، والمشرك ظالم بذلك، إن المشرك ظالم لنفسه لسيره في طريق الباطل والعذاب والنار وظالم للحقيقة لتجاوزه لها ومجانبته عنها، وظالم للمؤمنين؛ لأنه لم يكن معهم ناصر للحق محارب للباطل، وظالم للكافرين؛ لأنه كان قدوة لهم في الكفر، مساعدًا لهم على باطلهم، كل كفر ظلم وكل كافر مشرك ظالم، ولكن ليس كل ظلم كفرًا وشركًا؛ لأن القرآن قد يطلق الظلم على المعصية والذنب، فقد يكون المسلم ظالمًا لمعصيته وذنبه، ولكنه لا يكفر بمجرد ارتكاب المعصية والذنب 60.
واعتبرت الآية أن الشرك ظلم عظيم، وفسر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) } [الأنعام:82] .
فقد جاء عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: (لما نزلت: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ} [الأنعام:82] . شق ذلك على المسلمين، فقالوا: يا رسول الله، أينا لا يظلم نفسه؟ قال:(ليس ذلك إنما هو الشرك ألم تسمعوا ما قال لقمان لابنه وهو يعظه: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم) 61.
ثم وعظه بمراقبة الله تعالى في أقواله وأعماله؛ لأنها وسيلة للإيمان وثمرة من ثمراته قال تعالى: {يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (16) } [لقمان:16] .
وختم تلك الآية المصورة لعلم الله وقدرته باختيار اسمين من أسماء الله «إن الله لطيف خبير» وهو ختام يتناسق مع موضوع الآية، أي: إن الله لطيف، فعلمه شامل لكل لشيء، وهو نافذ في كل شيء، ولا يقف أمامه أي شيء، ولا يستعصي عليه أي شيء؛ لأنه علم لله المطلع على كل شيء وإن الله خبير، والخبير الذى لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا تتحرك حركة إلا يعلم مستقرها ومستودعها.
والفرق بين العليم والخبير، أن الخبير بفيد العلم، ولكن العليم إذا كان للخفايا سمى خبيرًا.
ومن علم أن الله خبير بأحواله كان محترزًا في أقواله وأفعاله واثقًا أن ما قسم له يدركه، وما لم يقسم له لا يدركه فيرى جميع الحوادث من الله فتهون عليه الأمور 62.
كما وعظه بإقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والصبر على المصائب وفي ذلك يظهر أثر الإيمان.
قال تعالى: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) } [لقمان:17 - 19] .
ثم بين له أن المرجع والمآب هو لله تعالى: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان:15] .
أي: واتبع سبيل المؤمنين في دينك ولا تتبع سبيلهما فيه- وإن كنت مأمورًا بحسن مصاحبتهما في الدنيا- ثم إلىَّ مرجعك ومرجعهما، فأجازيك على إيمانك وأجازيهما على كفرهما، ويجب على الإنسان في صحبتهما ومعاشرتهما: مراعاة حق الأبوة وتعظيمه، وما لهما من الواجب التي لا يسوغ الإخلال بها، ثم بين حكمهما وحالهما في الآخرة 63، بقوله تعالى: {ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان:15] .
أي: إن إلي مصيركم ومعادكم بعد مماتكم، فأخبركم بجميع ما كنتم في الدنيا تعملون من خير وشر، ثم أجازيكم على أعمالكم، المحسن منكم بإحسانه والمسيء بإساءته 64.
2.المواعظ العبادية:
لما كانت العبادة هي: «اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال، والأعمال الباطنة والظاهرة، فالصلاة، والزكاة، والصيام، والحج، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وبر الوالدين، وصلة الأرحام، والوفاء بالعهود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد للكفار والمنافقين، والإحسان إلى الجار، واليتيم، والمسكين، وابن السبيل، والمملوك من الآدميين والبهائم، والدعاء، والذكر، والقراءة، وأمثال ذلك من العبادة.
وكذلك حب الله ورسوله، وخشية الله والإنابة إليه، وإخلاص الدين له، والصبر لحكمه، والشكر لنعمه، والرضا بقضائه، والتوكل عليه، والرجاء لرحمته، والخوف لعذابه وأمثال ذلك هي من العبادة لله تعالى» 65.
فإن وصايا لقمان لابنه تتضمن معظم هذه المعاني الواردة في معنى العبادة بمفهومها الشامل، وعلى وجه الخصوص مايأتي:
-فالشكر عبادة لله تعالى. قال تعالى: (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ ? وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ? وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ?12?) [لقمان:12] .
-والتوحيد بكل أنواعه عبادة لله تعالى. قال تعالى: (وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ ? إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ ?13?) [لقمان:13] .
-وطاعة الوالدين عبادة لله تعالى. قال تعالى: (وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى? وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ?14?وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى? أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ? وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا ? وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ? ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ?15?ہ) [لقمان:14 - 15] .
-ومراقبة الله تعالى عبادة لله تعالى. قال تعالى: (يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ ? إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ ?16?) [لقمان:16] .
-وإقامة الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتحمل الأذى في سبيل ذلك عبادة لله تعالى. قال تعالى: (يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى? مَا أَصَابَكَ ? إِنَّ ذَ?لِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) [لقمان:17] .
وهذه الأمور كلها ذات أبعاد عبادية، فيصح أن تسمى عبادات، والمؤمن يعبد الله من خلال التزامه الأوامر مهما كان موضوعها، ويعبد الله من خلال اجتنابه المنهيات مهما كان موضوعها.
فإن أداء الأوامر عبادة لله، وإن ترك المحرمات عبادة لله؛ لأن العبادة شاملة لكل حياة المسلم في الشعائر التعبدية، وفي التشريعات والمعاملات، وفي الفضائل والأخلاق، وفي التعامل والصلات، وفي الخلق والسلوك إلى آخره 66.
الخلق هو عبارة عن هيئة في النفس راسخة عنها تصدر الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر وروية، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة المحمودة عقلًا وشرعًا سميت تلك الهيئة خلقا حسنًا، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سميت تلك الهيئة خلقًا سيئًا 67.
والآيات التي تمثل المواعظ الأخلاقية هي قوله تعالى: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (18) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ (19) } [لقمان:18 - 19] .
فقوله: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} [لقمان:18] .
وقرأ الجمهور (ولا تصاعر) ، وقرأ ابن كثير وابن عامر وعاصم وأبو جعفر ويعقوب (ولا تصعر) ، يقال: صاعر وصعر، إذا أمال عنقه إلى جانب ليعرض عن جانب آخر، وهو مشتق من الصعر بالتحريك لداء يصيب البعير فيلوي منه عنقه، فكأنه صيغ له صيغة تكلف بمعنى تكلف إظهار الصعر وهو تمثيل للاحتقار؛ لأن مصاعرة الخد هيئة المحتقر المستخف في غالب الأحوال 68.
قال الإمام ابن جرير: «اختلفت القراء في قراءة قوله: (ولا تصعر) فقرأه بعض قراء الكوفة والمدنيين والكوفيين: (ولا تصعر) على مثال (تفعل) . وقرأ ذلك بعض المكيين وعامة قراء المدينة والكوفة والبصرة (ولا تصاعر) على مثال (تفاعل) 69. .
والصواب من القول في ذلك أن يقال: إنهما قراءتان، قد قرأ بكل واحدة منهما علماء من القراء، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب. وتأويل الكلام: ولا تعرض بوجهك عمن كلمته تكبرًا واستحقارًا لمن تكلمه، وأصل (الصعر) داء يأخذ الإبل في أعناقها أو رؤوسها حتى تلفت أعناقها عن رءوسها، فيشبه به الرجل المتكبر على الناس» 70.
والمعنى: لا تعرض عن الناس تكبرًا عليهم، قال ابن عباس: لا تتعظم على خلق الله، وقال قتادة: هو الإعراض عن الناس، يكلمك أخوك وأنت عنه معرض متكبر.
أي: لا تحتقر الناس فالنهي عن الإعراض عنهم؛ احتقارًا لهم لا عن خصوص مصاعرة الخد فيشمل الاحتقار بالقول والشتم وغير ذلك فهو قريب من قوله تعالى: {فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} [الإسراء:23] إلا أن هذا تمثيل كنائي والآخر كناية لا تمثيل فيها 71.
وبعبارة أخرى: لا تعرض بوجهك عن الناس إذا كلمتهم أو كلموك احتقارًا منك لهم، واستكبارًا عليهم، ولكن ألن جانبك وابسط وجهك إليهم، وقال إبراهيم النخعي: يعني بذلك التشديق في الكلام، والصواب القول الأول 72.
وقوله تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} أي: خيلاء متكبرًا جبارًا عنيدًا، لا تفعل ذلك يبغضك الله؛ ولهذا قال: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} أي: مختال معجب في نفسه، فخور أي: على غيره، وقال تعالى: {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (37) } [الإسراء:37] 73.
والمرح: فرط النشاط من فرح وازدهاء، ويظهر ذلك في المشي تبخترًا واختيالًا؛ فلذلك يسمى ذلك المشي مرحًا كما في الآية، فانتصابه على الصفة لمفعول مطلق، أي: مشيًا مرحًا، وتقدم في سورة الإسراء (37) 74.
والمختال: اسم فاعل من اختال بوزن الافتعال من فعل خال إذا كان ذا خيلاء، فهو خائل.
والخيلاء: الكبر والازدهاء، فصيغة الافتعال فيه للمبالغة في الوصف فوزن المختال مختيل فلما تحرك حرف العلة وانفتح ما قبله قلب ألفا، فقوله {إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ} مقابل قوله: {وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ} ، وقوله: فخور مقابل قوله {وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا} .
ومعنى إن الله لا يحب كل مختال فخور: أن الله لا يرضى عن أحد من المختالين الفخورين 75.
قال الإمام ابن كثير: «وقوله: {وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ} أي: امش مقتصدًا مشيًا ليس بالبطيء المتثبط، ولا بالسريع المفرط، بل عدلًا وسطًا بين بين، وقوله: {وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ} أي: لا تبالغ في الكلام، ولا ترفع صوتك فيما لا فائدة فيه؛ ولهذا قال: {إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ} قال مجاهد وغير واحد: إن أقبح الأصوات لصوت الحمير، أي غاية من رفع صوته أنه يشبه بالحمير في علوه ورفعه، ومع هذا هو بغيض إلى الله تعالى، وهذا التشبيه- في هذا -بالحمير يقتضي تحريمه وذمه غاية الذم؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (ليس لنا مثل السوء العائد في هبته كالكلب يقيء ثم يعود في قيئه) 76» 77.
ولا ترفع صوتك رفعًا شديدًا لا فائدة منه، وأخفضه، فإن شدة الصوت تؤذي آلة السمع، وتدل على الغرور، والاعتزاز المفرط بالنفس، وعدم الاكتراث بالغير، وإن اعتدال الصوت أوقر للمتكلم، وأقرب لاستيعاب الكلام ووعيه وفهمه، وإن رفع الصوت أكثر من اللازم يشبه صوت الحمير، وإن أقبح الأصوات لصوت الحمير، وذلك مما يبغضه الله تعالى؛ لأن أوله زفير وآخره شهيق. وأنكر الأصوات، أي: أقبح وأوحش وأراد بكلمة: لصوت الحمير، الصوت: اسم جنس، ولذلك جاء مفردًا.
وفي ذلك دلالة على ذم رفع الصوت من غير حاجة؛ لأن التشبيه بصوت الحمار يقتضي غاية الذم، وأكد النبي صلى الله عليه وسلم ذلك ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه قال: (إذا سمعتم صياح الديكة فاسألوا الله من فضله، وإذا سمعتم نهيق الحمير فتعوذوا بالله من الشيطان، فإنها رأت شيطانًا) 78.
ويلاحظ الحكمة في توجيه النصائح، فلما نهى لقمان ابنه عن الخلق الذميم، رسم له طريق الخلق الكريم الذي ينبغي له أن يستعمله من القصد في المشي وهو ألا يشتط في السرعة، ولا يرائي في الإبطاء، ولا يمشي مختالًا متبخترًا، ولا يرفع الصوت أكثر من المعتاد؛ لأن غض الصوت أوقر للمتكلم، وأبسط لنفس السامع وفهمه 79.
وتصور الوصية قيمًا خلقية سامية، يتعامل بها مع المجتمع من حوله، فلا يؤذي مشاعرهم، فيصدر عنه ما يكرهونه، أو يفرق وحدتهم، ويفسد المودة بينهم؛ فتنفره من الكبر والخيلاء، والإعجاب بالنفس، وهتك الحرمات، والخوض في أعراض الناس، وتلويث البيئة بالأفعال القبيحة، والصور المنفرة، والأصوات المزعجة، وذلك في صور يهتز لها الوجدان، وينخلع منها القلب، وتتفق مع الفطرة والعقل جميعًا.
وتؤكد الوصية أن القيم الإنسانية والخلقية تتفق مع فطرة الإنسان في كل عصر، ولكل الأجيال؛ فما أوصى به لقمان في الماضي البعيد أقره الإسلام، ولا زال يقره ويحث عليه في الحياة الدنيا؛ لأنها قيم ثابتة وحية ترتبط بوجود الإنسان وحياته 80.
والتربية الإسلامية تهتم بالتركيز على التوازن بين إشباعات النفس، ومطالبها، وبين عفتها وقناعتها، وهذا وارد في قوله تعالى: {وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا (29) } [الإسراء:29] فالوسطية الإسلامية هي التوازن في الفكر والسلوك والتطبيق.
والوصايا السابقة هي منهج الآداب السامية التي يؤدب الله عباده بها؛ لأن في امتثالها فلاحهم دنيا وآخرة من جهة، ومن جهة أخرى فإنهم يرون آثارها التربوية في توجيه وتهذيب سلوكهم، وتعمل على زيادة الألفة والمحبة بينهم كما يؤدي هذا إلى تماسك مجتمعهم 81.
تتمثل المواعظ السلوكية في وصايا لقمان عليه السلام في قوله تعالى: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [لقمان:15] .
وقوله تعالى: {وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ} وصية لجميع العالم كأن المأمور الإنسان، وأناب معناه: مال ورجع إلى الشيء، وهذه سبيل الأنبياء والصالحين 82 والمؤمنين، كما يقول سبحانه: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (115) } [النساء:115] 83.
واتباع سبيل من أناب هو الاقتداء بسيرة المنيبين لله، أي: الراجعين إليه، الذين رجعوا إلى الله بالتوبة والإنابة والطاعة والإخلاص، والمقلعون عن الشرك وعن المنهيات التي منها عقوق الوالدين، وهم الذين يدعون إلى التوحيد ومن اتبعوهم في ذلك 84.
وتهدي الآية إلى وجوب اتباع سبيل المؤمنين من أهل السنة والجماعة، وحرمة اتباع سبيل أهل البدع والضلالة 85.
تتمثل المواعظ الإصلاحية في وصايا لقمان بقوله: {وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17) } [لقمان:17] .
وذلك لما كانت وصايا لقمان لابنه في إصلاح نفسه من خلال التوحيد والصلاة في حق نفسه: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) } [لقمان:12] .
وقوله: {يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ} [لقمان: 17] .
وإصلاح نفسه مع والديه بقوله: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ (14) وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (15) } [لقمان:14 - 15] .
أمره بإصلاح المجتمع من حوله، وذلك لأنه الغرض من الأمر بالمعرف، ليبين له أن صلاح نفسه من خلال الصلاة وغيرها غير كافٍ، بل لا بد من السعي لأجل إصلاح المجتمع أيضًا، ووسيلة ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر 86.
والمعنى: أي: إذا كملت أنت في نفسك بعبادة الله فكمل غيرك، فإن شغل الأنبياء وورثتهم من العلماء هو أن يكملوا في أنفسهم ويكملوا غيرهم 87.
هناك معالم دعوية كثيرة في وصايا لقمان عليه السلام يمكن ذكر أهمها فيما يأتي:
يشير إلى هذا المعلم قوله تعالى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (12) وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (13) } [لقمان:12 - 13] .
فالحكمة التي وهبها الله تعالى للقمان كانت ظاهرة في الدعوة إلى الله تعالى بالحكمة والموعظة الحسنة، وذلك أمر من الله تعالى لنبيه الكريم والمؤمنين به باتباع هذا المنهج.
قال تعالى: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125) } [النحل:125] .