فهرس الكتاب

الصفحة 25 من 2431

قال تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [النحل: 75] .

ففي هذه الآية ضرب الله تعالى مثلين افتراضيين له ولمن يعبد من دونه، أحدهما عبد مملوك، أي: رقيق لا يملك نفسه ولا يملك من المال والدنيا شيئًا، والثاني: حرٌ غنيٌ، قد رزقه الله منه رزقًا حسنًا، من جميع أصناف المال، وهو كريم، محب للإحسان، فهو ينفق منه سرًا وجهرًا، هل يستوي هذا وذاك؟! لا يستويان مع أنهما مخلوقان غير محال استواؤهما، فإذا كانا لا يستويان فكيف يستوي المخلوق العبد الذي ليس له ملك ولا قدرة ولا استطاعة، بل هو فقير من جميع الوجوه بالرب الخالق المالك لجميع الممالك القادر على كل شيء؟! 26.

فيكون المثل في الآية: مضروبًا لله سبحانه وللأوثان، فالله سبحانه هو المالك لكل شيء، ينفق كيف يشاء على عبيده سرًا وجهرًا، وليلًا ونهارًا، يمينه ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، والأوثان مملوكة عاجزة، لا تقدر على شيء، فكيف يجعلونها شركاء لي، ويعبدونها من دوني، مع هذا التفاوت العظيم، والفرق المبين.

وقيل: هو مثل ضربه الله للمؤمن والكافر، ومثل المؤمن في الخير الذي عنده، ثم رزقه منه رزقًا حسنًا، فهو ينفق منه على نفسه، وعلى غيره سرًا وجهرًا، والكافر بمنزلة عبد مملوك عاجز لا يقدر على شيء؛ لأنه لا خير عنده، فهل يستوي الرجلان عند أحد من العقلاء؟!

والقول الأول أشبه بالمراد، فإنه أظهر في بطلان الشرك، وأوضح عند المخاطب، وأعظم في إقامة الحجة، وأقرب نسبًا بقوله: {وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (73) فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [النحل: 73 - 74] .

ثم قال: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} [النحل: 75] .

ومن لوازم هذا المثل وأحكامه أن يكون المؤمن الموحد كمن رزقه منه رزقًا حسنًا، والكافر المشرك كالعبد المملوك الذي لا يقدر على شيء، فهذا ما نبه عليه المثل، وأرشد إليه، فذكره ابن عباس منبهًا على إرادته، لا أن الآية اختصت به فتأمله، فإنك تجده كثيرًا في كلام ابن عباس وغيره من السلف في فهم القرآن، فيظن الظان أن ذلك هو معنى الآية التي لا معنى لها غيره، فيحكيه قولًا 27.

ووصف {عَبْدًا} هنا بقوله: {مَمْلُوكًا} تأكيد للمعنى المقصود، وإشعارًا لما في لفظ عبد من معنى المملوكية المقتضية أنه لا يتصرف في عمله تصرف الحرية، وجملة: {لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ} صفة {عَبْدًا} أي: عاجزًا عن كل ما يقدر عليه الناس، كأن يكون أعمى وزمنًا وأصم، بحيث يكون أقل العبيد فائدة 28.

والثاني وصف بالرزق الحسن، فهو ينفق منه سرًا وجهرًا، أي: كيف شاء، وهذا من تصرفات الأحرار؛ لأن العبيد لا يملكون رزقًا في عرف العرب.

{سِرًّا وَجَهْرًا} حالان من ضمير {يَعْلَمُونَ} ، وهما مصدران مؤولان بالصفة، أي: مسرًا وجاهرًا بإنفاقه، والمقصود من ذكرهما تعميم الإنفاق كناية عن استقلال التصرف، وعدم الوقاية من مانع إياه عن الإنفاق، وهذا مثل لغنى الله تعالى وجوده على الناس، وجملة {هَلْ يَسْتَوُونَ} بيان لجملة {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا} فبين غرض التشبيه بأن المثل مراد منه عدم تساوي الحالتين؛ ليستدل به على عدم مساواة أصحاب الحالة الأولى لصاحب الصفة المشبهة بالحالة الثانية، والاستفهام مستعمل في الإنكار، والمقصود من هذه الجملة أنه تبين من المثل اختصاص الله بالإنعام، فوجب أن يختص بالشكر، وأن أصنامهم لا تستحق أن تشكر 29.

ثم ضرب مثلًا آخر لنفسه الكريمة والأصنام، فقال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل: 76] .

وهذا مثال افتراضي ضربه الله تعالى لإبطال المشاركة بينه وبين الأصنام، وقيل: للكافر والمؤمن، والأصوب: كون المثلين معًا في الله مع الأصنام؛ لتكون الآية من معنى ما قبلها، وما بعدها في تبيين أمر الله، والرد على أمر الأصنام، كذا قال ابن عجيبة 30. وتقريره: أنه لما تقرر في العقول أن الأبكم العاجز لا يساوي في الفضل والشرف الناطق القادر الكامل مع استوائهما في البشرية، فلأن يحكم بأن الجماد لا يكون مساويًا لرب العالمين في المعبودية أولى 31.

فالأصنام التي لا تسمع ولا تنطق ولا تعقل هي كلٌ على عابدها، يحتاج الصنم إلى أن يحمله عابده، ويضعه ويقيمه ويخدمه، فكيف يسوونه في العادة بالله الذي يأمر بالعدل والتوحيد، وهو قادر متكلم غني، وهو على صراط مستقيم في قوله وفعله، فقوله صدق ورشد ونصح وهدًى، وفعله حكمة وعدل ورحمة ومصلحة، هذا أصح الأقوال في الآية، وهو الذي لم يذكر كثير من المفسرين غيره، ومن ذكر غيره قدمه على الأقوال، ثم حكاها بعده، كما فعل البغوي، فإنه جزم به، وجعله تفسير الآية.

وقيل: إن المثل مضروب لمعبود الكفار، ومعبود الأبرار، والقولان متلازمان، فبعضهم ذكر هذا، وبعضهم ذكر هذا، وكلاهما مراد من الآية، وقيل: كلاهما للمؤمن والكافر 32.

وقد قرن في التمثيل هنا حال الرجلين ابتداء، ثم فصل في آخر الكلام، مع ذكر عدم التسوية بينهما بأسلوب من نظم الكلام بديع الإيجاز؛ إذ حذف من صدر التمثيل ذكر الرجل الثاني؛ للاقتصار على ذكره في استنتاج عدم التسوية تفننًا في المخالفة بين أسلوب هذا التمثيل وأسلوب سابقه الذي في قوله تعالى: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا} [النحل: 75] .

ومثل هذا التفنن من مقاصد البلغاء كراهية التكرير؛ لأن تكرير الأسلوب بمنزلة تكرير الألفاظ 33.

وبذلك نرى أن الآيتين الكريمتين قد ساقتا مثلين واضحين؛ لبيان الفرق الشاسع بين ذات الله تعالى الخلاق العليم، الرزاق الكريم، وبين تلك المعبودات الباطلة التي أشركها الضالون في العبادة مع الله عز وجل.

والمقصود من قوله: {وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل: 76] أن الرب سبحانه على صراط مستقيم، وذلك بمنزلة قوله: {قَائِمًا بِالْقِسْطِ} [آل عمران: 18] .

فإن الاستقامة والاعتدال متلازمان، فمن كان قوله وعمله بالقسط كان مستقيمًا، ومن كان قوله وعمله مستقيمًا كان قائمًا بالقسط 34.

ومن الأمثال القرآنية ما هو مختلف فيها هل هي حقيقية أم افتراضية؟

ومنها: قوله تعالى: {وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا} [الكهف: 32] .

يقول الشيخ ابن عثيمين في تفسير قصة (صاحب الجنتين) في سورة الكهف: «إن هذا المثل الذي ضربه الله في هذه الآيات هل هو مثل حقيقي أو تقديري؟ يعني هل هذا الشيء واقع أو إنه شيء مقدر؟ والجواب: من العلماء من قال: إنه مثل تقديري، كقوله تبارك وتعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [النحل: 76] .

وكقوله: {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29] .

وما شابه ذلك، فيكون هذا مثلًا تقديريًا وليس واقعيًا، ولكن السياق وما فيه من المحاورة والأخذ والرد يدل على أنه مثل حقيقي واقع، فهما رجلان أحدهما أنعم الله عليه، والثاني لم يكن مثله» 35.

1.تنوعت ميادين ضرب الأمثال في القرآن والتي منها: مجال العقيدة، ومجال الأعمال، ومجال الأخلاق، وهذا ما سنبينه فيما يأتي:

أولًا: ميدان العقيدة:

من المجالات المهمة التي تناولتها الأمثال القرآنية مجال العقيدة؛ فقد كانت أمور العقيدة والإيمان والغيبيات التي مثل الله لها في القرآن صعبة الإدراك على الجاهليين، بل كان كثير من المسلمين الأوائل يستصعبون إدراك تلك العقائد؛ لانغماس معظمهم -قبل إسلامهم- في عبادات مادية محسوسة، تمثلت في عبادة الأصنام والأوثان من صخور وخشب وغيرها مما يدركونه بحواسهم؛ فلذلك كانوا بحاجة إلى أمثال تبين لهم المعتقدات البعيدة عن حيز إدراكهم الحسي، كالإيمان بالله وملائكته واليوم الآخر ونعيم الجنة وعذاب النار؛ لذا كانت أغلب الأمثال القرآنية في العقائد والغيبيات، فالأمثال تلعب دورًا مهمًا في تحويل الغيبيات إلى مشاهد حاضرة أمام العيان، حتى لا يشرد الخيال بعيدًا في إدراك الحقائق كما هي، وكما يقال: بالمثال يتضح المقال، ومعلوم أن كلام الله واضح، ولكن سياق المثل يستثير في الإنسان نوعًا من التفكر وتدبر العبرة والعظة؛ لتغيير المسار الخاطئ، والاتجاه إلى الطريق الصحيح، وهذا كثير في القرآن الكريم.

وأبرز الأمثلة على ضرب الأمثال في العقيدة: قوله تعالى: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ} [إبراهيم: 24] .

هذا مثل ضربه الله لكلمة (الإيمان) وهي: شهادة أن لا إله إلا الله، فمثلها بالشجرة الطيبة، والشجرة الطيبة المقصود بها (المؤمن) . . .، فإنه كالشجرة من النخل، لا يزال يرفع له عمل صالح في كل حين ووقت، وصباح ومساء 36.

فشبه سبحانه وتعالى الكلمة الطيبة بالشجرة الطيبة؛ لأن الكلمة الطيبة تثمر العمل الصالح، والشجرة الطيبة تثمر الثمر النافع، وهذا ظاهر على قول جمهور المفسرين الذين يقولون: الكلمة الطيبة هي: شهادة أن لا إله إلا الله، فإنها تثمر جميع الأعمال الصالحة الظاهرة والباطنة، فكل عمل صالح مرضي لله ثمرة هذه الكلمة. . .، والتشبيه على هذا القول أصح وأظهر وأحسن، فإنه سبحانه شبه شجرة التوحيد في القلب بالشجرة الطيبة الثابتة الأصل، الباسقة الفرع في السماء علوًا، التي لا تزال تؤتي ثمرتها كل حين، وإذا تأملت هذا التشبيه رأيته مطابقًا لشجرة التوحيد الثابتة الراسخة في القلب، التي فروعها من الأعمال الصالحة الصاعدة إلى السماء، ولا تزال هذه الشجرة تثمر الأعمال الصالحة كل وقت بحسب ثباتها في القلب، ومحبة القلب لها، وإخلاصه فيها، ومعرفته بحقيقتها، وقيامه بحقوقها، ومراعاتها حق رعايتها، فمن رسخت هذه الكلمة في قلبه بحقيقتها التي هي حقيقتها، واتصف قلبه بها، وانصبغ بها بصبغة الله التي لا أحسن صبغة منها، فعرف حقيقة الإلهية التي يثبتها قلبه لله، ويشهد بها لسانه، وتصدقها جوارحه، ونفى تلك الحقيقة ولوازمها عن كل ما سوى الله، وواطأ قلبه لسانه في هذا النفي والإثبات، وانقادت جوارحه لمن شهد له بالوحدانية طائعة سالكة سبل ربه ذللًا، غير ناكبة عنها، ولا باغية سواها بدلًا، كما لا يبتغي القلب سوى معبوده الحق بدلًا، فلا ريب أن هذه الكلمة من هذا القلب على هذا اللسان لا تزال تؤتي ثمرتها من العمل الصالح الصاعد إلى الله كل وقت، فهذه الكلمة الطيبة هي التي رفعت هذا العمل الصالح إلى الرب تعالى، وهذه الكلمة الطيبة تثمر كلامًا كثيرًا طيبًا يقارنه عمل صالح، فيرفع العمل الصالح إلى الكلم الطيب.

كما قال تعالى: {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] 37.

ومثل الله الكلمة الخبيثة بالشجرة الخبيثة، فقال: {وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} [إبراهيم: 26] .

فهذا مثل كفر الكافر، فإنه لا أصل له ولا ثبات، وشبه بشجرة الحنظل، ويقال لها: الشريان 38.

والكلمة الخبيثة هي الكلمة التي تنبعث من خبث النفس أو ضلال الفكر والمعتقد، فهي على نقيض الكلمة الطيبة؛ لأنها لا تنبعث من إخلاص لله ولرسوله، ولا تكون طيبة في واقعها، ولا في نتائجها، وما يترتب عليها، وأوضحها الكذب. والكلمة الخبيثة كالشجرة الخبيثة اجتثت من فوق الأرض، أي: أنها ليس لها جذور ممتدة في باطن الأرض، بل هي على السطح، كبعض أنواع النباتات، التي ليس لها جذر تغوص في أعماق الأرض.

ولهذا قال: {مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ} [إبراهيم: 26] أي: استقرار وثبات في باطن الأرض.

ومما يدخل في الكلمة الخبيثة دخولًا أوليًا كلمة الشرك والضلال، وكل ما يؤذي الناس في عقيدتهم الصحيحة، وفي شريعة العدل، وفي حياتهم الطيبة، فهي كشجرة خبيثة لا قرار لها ولا ثمار ولا ظلال ولا أغصان، سوى الشوك الذي يؤذي؛ ولذلك فهي سهلة الاجتثاث مثل الشرك والكفر والضلال، لا يثبت، ولا يستمر، ولا يستند إلى الحق، يتهاوى في أي لحظة، ولم يتوهم المشركون والضالون أنهم أقوياء، بينما كلمة التوحيد تخاطب العقل السليم، والنفس اليقظة، والوجدان الواعي، فلا يستطيع أحد مهما أوتى من قوة وسلطان أن يحرفها؛ لأنها الحق من عند الله.

والمؤدى من هذا التشبيه أن الكلمة الخبيثة لا تدوم في الوجود، بل إنها تنتهي بانتهاء زمانها، كالسعاية والنميمة والكذب والخديعة والغيبة، ليس لها وجود إلا بمقدار زمانها، وقد تضر، لكن عاقبتها وخيمة، وطعامها موبئ، ولا تبقى إلا الكلمة الطيبة، وما يكون لله، وللحق وحده 39.

وختم الله هذا المثل بقوله: {وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ} [إبراهيم: 25] .

أي: الأمور المتشابهة بين بعضها البعض، فيبين المعنوي بالحسي حتى يصير كأنه محسوس مرئي، ويبين الله سبحانه وتعالى ذلك البيان عسى أن يتذكروا ويعتبروا.

والمقصود أن الكلمة الطيبة هي التوحيد وهو كالشجرة، والأعمال ثمارها في كل وقت، والكلمة السيئة هي الشرك، والأعمال السيئة ثمارها.

ومن ضرب المثل القرآني في مجال العقيدة: أن الله تعالى ضرب مثلًا لنوره في قوله تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [: 35] .

والضمير في قوله: {نُورِهِ} عائد إلى اسم الجلالة، أي: مثل نور الله، أو الدين الذي اختاره، أي: مثله في إنارة عقول المهتدين، فالكلام تمثيل لهيئة إرشاد الله المؤمنين بهيئة المصباح الذي حفت به وسائل قوة الإشراق، وإنما أوثر تشبيهه بالمصباح الموصوف بما معه من الصفات دون أن يشبه نوره بطلوع الشمس بعد ظلمة الليل؛ لقصد إكمال مشابهة الهيئة المشبه بها بأنها حالة ظهور نور يبدو في خلال ظلمة، فتنقشع به تلك الظلمة في مساحة يراد تنويرها، ودون أن يشبه بهيئة بزوغ القمر في خلال ظلمة الأفق؛ لقصد إكمال المشابهة؛ لأن القمر يبدو ويغيب في بعض الليلة بخلاف المصباح الموصوف، وبعد هذا فلأن المقصود ذكر ما حف بالمصباح من الأدوات؛ ليتسنى كمال التمثيل بقبوله تفريق التشبيهات وذلك لا يتأتى في القمر.

وقوله: {كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ} [: 35] .

المقصود: كمصباح في مشكاة، وإنما قدم (المشكاة) في الذكر؛ لأن المشبه به هو مجموع الهيئة؛ فاللفظ الدال على المشبه به هو مجموع المركب المبتدئ بقوله: {كَمِشْكَاةٍ} والمنتهي بقوله: {وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} [: 35] .

فلذلك كان دخول كاف الشبه على كلمة (مشكاة) دون لفظ (مصباح) لا يقتضي أصالة لفظ (مشكاة) في الهيئة المشبه بها دون لفظ (مصباح) بل موجب هذا الترتيب مراعاة الترتيب الذهني، في تصور هذه الهيئة لمتخيله حين يلمح الناظر إلى انبثاق، ثم ينظر إلى مصدره، فيرى مشكاة، ثم يبدو له مصباح في زجاجة 40.

والمشكاة هي الكوة غير النافذة تكون في الحائط، ويكون المصباح فيها شديد الإضاءة، وقيل: المشكاة العمود الذي يكون المصباح على رأسه، والأول أصح وأشهر، والمعنى صفة نور الله في وضوحه كصفة مشكاة فيها مصباح على أعظم ما يتصوره البشر من الإضاءة والإنارة، وإنما شبه بالمشكاة -وإن كان نور الله أعظم-؛ لأن ذلك غاية ما يدركه الناس من الأنوار، فضرب المثل لهم بما يصلون إلى إدراكه 41.

وقوله: {الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ} [: 35] .

المعنى أنه في قنديل من زجاج؛ لأن الضوء فيه أزهر؛ لأنه جسم شفاف، {الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ} [: 35] .

شبه الزجاجة في إنارتها بكوكب دري؛ وذلك يحتمل معنيين: إما أن يريد أنها تضيء بالمصباح الذي فيها، وإما أن يريد أنها في نفسها شديدة الضوء؛ لصفائها ورقة جوهرها، وهذا أبلغ لاجتماع نورها مع نور المصباح.

{يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ} [: 35] المعنى: توقد من زيت شجرة مباركة، ووصفها بالبركة؛ لكثرة منافعها، أو لأنها تنبت في الأرض المباركة وهي الشام، {لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ} [: 35] .

قيل: يعني أنها بالشام، فليست من شرق الأرض ولا من غربها، وأجود الزيتون زيتون الشام، أو يكون المراد أنها منكشفة تصيبها الشمس طول النهار، فليست خالصة للشرق، فتسمى شرقية، ولا للغرب فتسمى غربية، بل هي غربية شرقية؛ لأن الشمس تستدير عليها من الشرق والغرب، أو المراد: أنها في وسط دوحة لا في جهة الشرق من الدوحة ولا في جهة الغرب، أو أنها من شجرة الجنة، ولو كانت في الدنيا لكانت شرقية أو غربية.

وقوله: {يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ} [: 35] .

مبالغة في وصف صفاته وحسنه {نُورٌ عَلَى نُورٍ} [: 35] .

يعني: اجتماع نور المصباح وحسن الزجاجة وطيب الزيت، والمراد بذلك كمال الممثل به، وقوله: {يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} [: 35] .

أي: يوفق الله من يشاء لإصابة الحق 42.

ومن ضرب الأمثلة القرآنية في مجال العقيدة: أن الله تعالى ضرب ببيت العنكبوت مثلًا لضعف آلهة الكفار ووهنها، وهو من أحسن الأمثال، وأدلها على بطلان الشرك، وخسارة صاحبه، وحصوله على ضد مقصوده، فقال تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [العنكبوت: 41] .

فهذا مثل ضربه الله لمن عبد معه غيره، يقصد به التعزز والتقوي والنفع، وأن الأمر بخلاف مقصوده، فإن مثله كمثل العنكبوت اتخذت بيتًا يقيها من الحر والبرد والآفات {وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ} : أضعفها وأوهاها {لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ} ، فالعنكبوت من الحيوانات الضعيفة، وبيتها من أضعف البيوت، فما ازدادت باتخاذه إلا ضعفًا، كذلك هؤلاء الذين يتخذون من دونه أولياء، فقراء عاجزون من جميع الوجوه، وحين اتخذوا الأولياء من دونه يتعززون بهم ويستنصرونهم، ازدادوا ضعفًا إلى ضعفهم، ووهنًا إلى وهنهم.

فإنهم اتكلوا عليهم في كثير من مصالحهم، وألقوها عليهم، وتخلوا هم عنها، على أن أولئك سيقومون بها، فخذلوهم، فلم يحصلوا منهم على طائل، ولا أنالوهم من معونتهم أقل نائل، فلو كانوا يعلمون -حقيقة العلم- حالهم، وحال من اتخذوهم لم يتخذوهم، ولتبرءوا منهم، ولتولوا الرب القادر الرحيم، الذي إذا تولاه عبده وتوكل عليه كفاه مئونة دينه ودنياه، وازداد قوة إلى قوته، في قلبه وفي بدنه وحاله وأعماله 43.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت